النص المفهرس
صفحات 541-560
والمالكية : يسن ترتيب كلمات الأذان والإقامة ، والموالاة بينها ، ويصح بغير الترتيب والموالاة ، مع الكراهة ، والأفضل أن يعيد الأذان والإقامة . ويرى بعض الحنابلة أن الأذان يبطل بالكلام المحرم ولو يسيراً كالسب ونحوه ، وفي وجه آخر لا يبطل كالكلام المباح . ٥ - كونه من شخص واحد: فلو أذن مؤذن ببعضه ، ثم أتمه غيره لم يصح ، كما لا يصح إذا تناوبه اثنان بحيث يأتي كل واحد بجملة غير التي يأتي بها الآخر ؛ لأن الأذان عبادة بدنية ، فلا يصح من شخصين يبني أحدهما على الآخر . أما اجتماع جماعة على الأذان ، بحيث يأتي كل واحد بأذان كامل ، فهو صحيح . وأضاف المالكية؛ أنه يكره اجتماع مؤذنين بحيث يبني بعضهم على ما يقول الآخر . ويكره تعدد الأذان لصلاة واحدة . ويلاحظ أن أول من أحدث أذانين اثنين معاً هم بنو أمية ، والأذان الجماعي غیر مکروه كما حقق ابن عابدين . ٩ - أن يكون المؤذن مسلماً عاقلاً (مميزاً) ، رجلاً ، فلا يصح أذان الكافر ، والمجنون والصبي غير المميز والمغمى عليه والسكران ؛ لأنهم ليسوا أهلاً للعبادة . ولا يصح أذان المرأة ؛ لحرمة أذانها ولأنه لا يشرع لها الأذان ، فلا تصح إمامتها للرجال ، ولأنه يفتتن بصوتها ؛ ولا يصح أذان الخنثى ، لأنه لا يعلم كونه رجلاً . وهذا شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة . ويقرب منهم مذهب الحنفية، لأنهم قالوا: يكره تحريماً أذان هؤلاء الذين لم تتوافر فيهم هذه الشروط ، ويستحب إعادته . وعلى هذا : يسن عند الحنفية : أن يكون المؤذن رجلاً عاقلاً تقياً عالماً بالسنة وبأوقات الصلاة . ولا يشترط عند الجمهور ( غير المالكية ) البلوغ والعدالة ، فيصح أذان الصبي المميز، والفاسق ، لك. - ٥٤١ - أن يكون المؤذن بالغاً عدلاً أميناً ، لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة والصيام ، فلا يؤمن أن يغرهم أذانه إذا لم يكن كذلك . وقال الحنفية : يكره أذان الفاسق ويستحب إعادته . وقال المالكية : يشترط العدالة والبلوغ في المؤذن ، فلا يصح أذان الفاسق ، والصبي المميز إلا إذا اعتمد في دخول الوقت على بالغ . واشتراطهم العدالة لحديث ابن عباس: ((ليؤذن لكم خياركم ، ويؤمكم قراؤم ))(١) . ولا يشترط النية عند الحنفية ، والشافعية في الأصح ، لكن يشترط الصرف ( أي عدم قصد غير الأذان ) فلو قصد به تعليم غيره ، لم يعتد به . وتشترط النية عند الفقهاء الآخرين ، فإن أتى بالألفاظ المخصوصة بدون قصد الأذان لم يصح . ولا يشترط في الأذان والإقامة عند جمهور الفقهاء : الطهارة ، واستقبال القبلة ، والقيام ، وعدم الكلام في أثنائه ، وإنما يندب ذلك ، ويكره الأذان عند الجمهور للمحدث ، وللجنب أشد كراهة ، والإقامة أغلظ ، والكراهة تحريمية عند الحنفية بالنسبة للجنب ، ويعاد أذانه عندهم وعند الحنابلة ، ولا يكره عند الحنفية أذان المحدث على المذهب. ودليل ندب الطهارة حديث: ((لا يؤذن إلا متوضئ))(٢). ويكره الأذان قاعداً ، مستدبراً القبلة ، كما يكره الكلام فيه . ويسن عند المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة أن يتولى الإقامة من تولى (١) رواه أبو داود وابن ماجه والطبراني في معجمه (نصب الراية: ١ / ٢٧٩ ). (٢) رواه الترمذي عن أبي هريرة (نصب الراية: ١ / ٢٩٢) وهو ضعيف (سبل السلام: ١ / ١٢٩). - ٥٤٢ - الأذان، اتباعاً للسنة(١)، فإن أقام غير المؤذن جاز؛ لأن بلالاً أذن ، وعبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام أقام ، بأمر النبي معرفةٍ(٢) وبناء على هذه الشروط: يبطل الأذان والإقامة بردة وسكر وإغماء ونوم طويل وجنون وترك كلمة منهما ، ووجود فاصل طويل من سكوت أو كلام . والمذهب عند الشافعية أنه إن ارتد في الأذان ، ثم رجع إلى الإسلام في الحال ، فله أن يبني على أذانه السابق . كيفية الأذان أو صفته : اتفق الفقهاء على الصيغة الأصلية للأذان المعروف الوارد بكيفية متواترة من غير زيادة ولانقصان وهو مثنى مثنى ، كما اتفقوا على التثويب أي الزيادة في أذان الفجر بعد الفلاح وهي ((الصلاة خير من النوم)) مرتين ، عملاً بماثبت في السنة عن بلال(٣) ولقوله ◌ُ ◌ّ لأبي محذورة - فيما رواه أحمد وأبو داود ـ ((فإذا كان أذان الفجر ، فقل : الصلاة خير من النوم مرتين )» واختلفوا في الترجيع : وهو أن يأتي بالشهادتين سراً قبل أن يأتي بها جهراً ، فأثبته المالكية والشافعية ، وأنكره الحنفية والحنابلة ، لكن قال الحنابلة : لو أتى بالترجيع لم يكره . قال الحنفية والحنابلة على المختار(٤): الأذان خمس عشرة كلمة ، لا ترجيع فيه ، كما جاء في خبر عبد الله بن زيد(٥) السابق، وهي: ((الله أكبر ، الله أكبر، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لاإله إلا الله ، أشهد أن لاإله إلا الله ، أشهد أن (١) روى الترمذي عن زياد بن الحارث الصُدائي ((إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم )) لكنه ضعيف وأخرج الأثرم أن أبا محذورة أذن ثم أقام ( سبل السلام: ١ / ١٢٩، المغني: ١ / ٤١٦ ). (٢) رواه أحمد وأبو داود، لكن قال الحاكم: هذا في متنه ضعف ( سبل السلام: ١ / ١٢٩، نيل الأوطار: ٢ / ٥٧ ، المغني : ١ / ٤١٥ - ٤١٦ ) . (٣) رواه الطبراني وغيره ( نصب الراية: ١ / ٢٦٤) . (٤) اللباب شرح الكتاب: ١ / ٦٢ وما بعدها، البدائع: ١ / ١٤٧، فتح القدير: ١ / ١٦٧ وما بعدها ، الدر المختار: ١ / ٣٥٨ ومابعدها، المغني: ١ / ٤٠٤، كشاف القناع: ١ / ٢٧٣ . (٥) وهو حديث أذان الملك النازل من السماء، رواه أبو داود في سننه ( نصب الراية: ١ / ٢٥٩). - ٥٤٣ _ محمداً رسول الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر، الله أكبر، لاإله إلا الله)). وذلك - كما جاء في البدائع ومراقي الفلاح - بجزم الراء في التكبير ، وتسكين كلمات الأذان ، والإقامة كما قال المالكية . وجاء في الدر المختار: بفتح راء ((أكبر))(١) كما قال الشافعية ، أي أنه يجمع كل تكبيرتين بنَفَس ويفتح الراء في الأولى في قوله ((الله أكبر الله أكبر)) ويسكّن في الثانية . وقال بعض الشافعية: يسن الوقف على أواخر الكلمات في الأذان لأنه روي موقوفاً . وقال المالكية والشافعية(٢): إن كلمات الأذان مشهورة ، وعدتها بالترجيع تسع عشرة كلمة ، عملاً بالأذان المسنون وهو أذان أبي محذورة(٣)، وفيه الترجيع: أي أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين . معاني كلمات الأذان : معنى ألفاظ الأذان: هو أن قوله ((الله أكبر)) أي من كل شيء ، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله ، أو هو بمعنى كبير. وقوله: ((أشهد)) أي أعلم. وقوله ((حي على الصلاة )) أي أقبلوا إليها ، أو أسرعوا . والفلاح : الفوز والبقاء ؛ لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله ، فيبقى فيها ويخلَّد . والدعوة إلى الفلاح معناها : هلموا إلى سبب ذلك . وختم بـ ( لاإله إلا الله ) ليختم بالتوحيد وباسم الله تعالى ، كما ابتدأ به(٤). (١) الأصل إسكان الراء فحركت فتحة الألف من اسم الله تعالى في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها ففتحت . (٢) الشرح الصغير: ١ / ٢٤٨ - ٢٥٠، القوانين الفقهية: ص ٤٧، مغني المحتاج: ١ / ١٣٥ وما بعدها، المهذب : ١ / ٥٥ وما بعدها، المجموع: ٣ / ٩٧ . (٣) رواه الجماعة عن أبي محذورة ، وفي بعض ألفاظه: علمه الأذان تسع عشرة كلمة، وذكرها بتربيع الشهادتين كتربيع التكبير ( نصب الراية: ١ / ٢٦٣ ، نيل الأوطار: ٢ / ٤٣ ). (٤) كشاف القناع: ١ / ٢٧٣ . - ٥٤٤ _ سنن الأذان : يسن في الأذان ما يأتي (١) : ١ - أن يكون المؤذن صيّتاً (عالي الصوت ) ، حسن الصوت ، يرفع صوته بالأذان ، على مكان مرتفع وبقرب المسجد ، لقوله ◌َ التّ في خبر عبد الله بن زيد المتقدم: (( ألقه على بلال ، فإنه أندى منك صوتاً)) أي أبعد ، ولزيادة الإبلاغ ، وليرق قلب السامع ، ويميل إلى الإجابة ، ولأن الداعي ينبغي أن يكون حلو المقال ، وروى الدارمي وابن خزيمة: أن النبي ◌ُّمِ أمر عشرين رجلاً ، فأذنوا ، فأعجبه صوت أبي محذورة ، فعلمه الأذان . أما رفع الصوت : فليكون أبلغ في إعلامه ، وأعظم لثوابه ، كما ذكر في حديث أبي سعيد: ((إذا كنت في غنمك .. )) ولما رواه الخمسة إلا الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ◌ُّم قال: ((المؤذن يغفر له مدَّ صوته، ويشهد له كل رطب ويابس ))، ولكن لا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على طاقته ، لئلا يضر بنفسه ، وينقطع صوته . ويسن رفع الصوت بالأذان لمنفرد فوق ما يسمع نفسه ، ولمن يؤذن لجماعة فوق ما يسمع واحداً منهم ، ويخفض صوته في مصلى أقيمت فيه جماعة وانصرفوا . وكونه على مكان مرتفع ، ليكون أيضاً أبلغ لتأدية صوته ، روى أبو داود عن عروة بن الزبير عن امرأته من بني النجار، قالت: ((كان بيتي من أطول (١) البدائع: ١ / ١٤٩ - ١٥٢، الدر المختار: ١ / ٣٥٩ - ٣٦١، فتح القدير: ١ / ١٧٠ - ١٧٦، اللباب: ١ / ٦٣، مراقي الفلاح: ص ٣٢، الشرح الصغير: ١ / ٢٥٢ وما بعدها، الشرح الكبير: ١ / ١٩٥ - ١٩٨، القوانين الفقهية: ص ٤٧ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ١٣٨، المهذب: ١ / ٥٧، ٥٩، المغني: ١ / ٤٠٧، ٤١٢، ٤١٥، ٤٢٢، ٤٢٦، ٤٢٩، كشاف القناع: ١ / ٢٧٠ - ٢٨٢، المجموع: ٣ / ١٠٥ - ١١٧، ١٢٦، ١٢٩ ومابعدها ، الحضرمية: ص ٣٥ . الفقه الإسلامي جـ١ (٣٥) - ٥٤٥ _ بيت حول المسجد ، وكان بلال يؤذن عليه الفجر ، فيأتي بسحر ( وهو السدس الأخير من الليل ) ، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر ، فإذا رآه تمطى ، ثم قال : اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش : أن يقيموا دينك ، قالت : ثم يؤذن))(١) وكونه بقرب المسجد ؛ لأنه دعاء إلى الجماعة وهي فيه أفضل(٣) . ٢ - أن يؤذن قائماً على حائط أو منارة للإسماع : قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن يؤذن قائماً . وجاء في حديث أبي قتادة أن النبي ◌ُ ◌ّ قال لبلال: ((قم فأذن))(٣)، وكان مؤذنو رسول الله عَل ◌َّ يؤذنون قياماً . فإن كان له عذر كمرض ، أذن قاعداً . كذلك يسن أن يقيم قائماً . ٣ - أن يكون المؤذن حراً بالغاً عدلاً أميناً صالحاً عالماً بأوقات الصلاة ، لحديث ابن عباس السابق: (( ليؤذن لكم خياركم ويؤمكم قراؤكم )) . وهذا سنة عند الجمهور غير المالكية ، أما المالكية فيشترطون العدالة ، كما أن الشافعية يشترطون في موظف الأذان العلم بالوقت . ٤ - أن يكون متوضئاً طاهراً، للحديث السابق: (( لا يؤذن إلا متوضئ)) وفي حديث ابن عباس: ((إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر ))(٤). (١) نصب الراية: ١ / ٢٩٢. (٢) وقال ابن سعد بالسند إلى أم زيد بن ثابت : كان بيتي أطول بيت حول المسجد ، فكان بلال يؤذن فوقه من أول ماأذن، إلى أن بنى رسول الله مَ ◌ّل مسجده ، فكان يؤذن بعد ، على ظهر المسجد ، وقد رفع له شيء فوق ظهره . وأول من رقى منارة مصر للأذان : شرحبيل بن عامر المرادي . وبنى سلمة المناير للأذان بأمر معاوية ، ولم تكن قبل ذلك ( رد المحتار: ١ / ٣٦٠). (٣) متفق عليه وانظر نصب الراية: ١ / ٢٩٢. (٤) سبل السلام: ١ / ١٢٩. - ٥٤٦ - ٥ - أن يكون المؤذن بصيراً؛ لأن الأعمى لا يعرف الوقت ، فربما غلط ، فإن أذن الأعمى صح أذانه ، فإن ابن مكتوم كان يؤذن للنبي متے ، قال ابن عمرو فيا روى البخاري: ((كان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت ، أصبحت )) وقال المالكية : يجوز أذان الأعمى إن كان تبعاً لغيره أو قلد ثقة في دخول الوقت . أَ - أن يجعل أصبعيه في أذنيه ، لأنه أرفع للصوت ، ولما روى أبو جحيفة (( أن بلالاً أذن، ووضع إصبعيه في أذنيه))(١)، وعن سعد مؤذن رسول الله محر التل ((أن رسول الله عَّ التّ أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: ((إنه أرفع لصوتك))(٣) . ٧ - أن يترسَّل (يتمهل أو يتأنى) في الأذان بسكتة بين كل كلمتين ، ويحدُر ( يسرع) في الإقامة ، بأن يجمع بين كل كلمتين، لقول النبي ◌َ لّ لبلال رضي الله عنه: ((إذا أذنت فترسَّل، وإذا أقمت فاحدر))(٢)، ولأن الأذان لإعلام الغائبين بدخول الوقت ، والإعلام بالترسل أبلغ ، أما الإقامة فلإعلام الحاضرين بالشروع في الصلاة ، ويتحقق المقصود بالحدر . .. ٨ - أن يستقبل القبلة في الأذان والإقامة: لأن مؤذني النبي ◌ُ ◌ّ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة ، ولأن فيه مناجاة فيتوجه بها إلى القبلة . ويستحب في الحيعلتين ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) : أن يدير أو يحول وجهه يميناً في الأولى ، وشمالاً في الثانية ، من غير أن يحول قدميه ؛ لأن فيه (١) متفق عليه . (٢) أخرجه ابن ماجه والحاكم والطبراني وابن عدي ( نصب الراية : ١ / ٢٧٨). (٣) أخرجه الترمذي، وإسناده مجهول ( نصب الراية: ١ / ٢٧٥ ). - ٥٤٧ _ مناداة فيتوجه به إلى من على يمينه وشماله ، ولما روى أبو جحيفة قال: (( رأيت بلالاً يؤذن ، فجعلت أتَتَبَّع فاه ههنا وههنا يميناً وشمالاً ، يقول : حي على الصلاة، حي على الفلاح، وأصبعاه في أذنيه))(١) وفي لفظ قال: (( أتيت رسول اللّه ◌ُ لّه وهو في قبة حمراء من أدَم ( جلد ) فخرج بلال ، فأذن ، فلما بلغ : حي على الصلاة ، حي على الفلاح، التفت يميناً وشمالاً، ولم يستدر))(٢) ويصح عند الشافعية الإدارة في المنارة واستدبار القبلة إن احتيج إليه ، وعند الحنابلة في ذلك روايتان عن أحمد: إحداهما - لا يدور للخبر السابق في استقبال القبلة ، والثانية - يدور في مجالها ، لأنه لا يحصل الإعلام بدونه . والرواية الثانية هي الصواب . ويستحب بعد انتهاء الأذان : أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر المصلون ، مع مراعاة الوقت المستحب ، وفي المغرب بقدر قراءة ثلاث آيات قصار. ودليل هذا الاستحباب قوله عليه السلام: (( يابلال ، اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَسا يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي حاجته في مهل))(٣). ولأن الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام أذن ، وقعد قعدة أي لانتظار الجماعة ، حتى يتحقق المقصود من النداء . وقال الحنفية : يستحب بعد الأذان في الأصح أن يثوب في جميع الأوقات ، كأن يقول : الصلاة الصلاة يلمصلين ، لظهور التواني في الأمور الدينية . وقال الشافعية : يسن أن يقول المؤذن بعد الأذان أو الحيعلتين في الليلة (١) أصله متفق عليه في الصحيحين ، ورواه أيضاً أحمد والترمذي وصححه ( سبل السلام: ١ / ١٢٢ ، نيل الأوطار: ٢ / ٤٦ ) . (٢) رواه أبو داود ( المرجعان السابقان ) . (٣) رواه أحمد بإسناده عن أبي بن كعب، وروى أبو داود والترمذي عن جابر أن رسول الله ◌َهائلٍ قال لبلال: ((اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله ، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته)). - ٥٤٨ _ الممطرة أو ذات الريح أو الظلمة: (( ألا صلوا في الرحال)). ٩ - أن يؤذن محتسباً، ولا يأخذ على الأذان والإقامة أجراً باتفاق العلماء . ولا يجوز أخذ الأجرة على ذلك عند الحنفية ، والحنابلة في ظاهر المذهب ؛ لأنه استئجار على الطاعة ، وقربة لفاعله والإنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه ، فلا تجوز الإجارة عليه كالإمامة وغيرها ، ولأن النبي مؤلّ قال لعثمان بن أبي العاص: ((واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً))(١) . وأجاز المالكية والشافعية في الأصح الاستئجار على الأذان ؛ لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الأجر عليه كسائر الأعمال . وأفتى متأخرو الحنفية وغيرهم - كما سيأتي في بحث الإجارة - بجواز أخذ الأجرة على القربات الدينية ، ضماناً لتحصيلها بسبب انقطاع المكافآت المخصصة لأهل العلم من بيت المال . كما أن الحنابلة قالوا : إن لم يوجد متطوع بالأذان والإقامة ، أعطي من يقوم بها من مال الفيء المعد للمصالح العامة . ١٠ - يستحب عند الجمهور غير الحنفية أن يكون للجماعة مؤذنان ، لا أكثر؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ ((كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم))(٢)، ويجوز الاقتصار على مؤذن واحد للمسجد ، والأفضل أن يكون مؤذنان لهذا الحديث ، فإن احتاج إلى الزيادة عليهما ، جاز إلى أربعة ؛ لأنه كان لعثمان رضي الله عنه أربعة مؤذنين ، ويجوز إلى أكثر من أربعة بقدر الحاجة والمصلحة عند الحنابلة والشافعية . وإذا تعدد المؤذنون فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد ؛ كما فعل بلال وابن أم مكتوم ، كان أحدهما يؤذن بعد الآخر ، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام . (١) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن . (٢) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم . - ٥٤٩ - وفي حالة تعدد المؤذنين : إما أن يؤذن كل واحد في منارة ، أو ناحية ، أو يؤذنوا دفعة واحدة في موضع واحد . راً - يستحب أن يؤذن المؤذن في أول الوقت ليعلم الناس ، فيستعدوا للصلاة ، وروى جابر بن سمرة قال: ((كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت ، وربما أخر الإقامة شيئاً))(١) وفي رواية قال: ((كان بلال يؤذن إذا مالت الشمس لا يؤخر، ثم لا يقيم، حتى يخرج النبي ◌ُ ◌ّل، فإذا خرج أقام حين يراه))(٢). ١٢ - يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن بلالاً جاء ، فقال : السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته ، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي ◌ُّ: مروا أبا بكر فليصل بالناس . وكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، كما كان يسلم على رسول الله مت التهم . ١٣ - يستحب ألا يقوم الإنسان قبل فراغ المؤذن من أذانه ، بل يصبر قليلاً إلى أن يفرغ أو يقارب الفراغ ؛ لأن في التحرك عند سماع الأذان تشبهاً بالشيطان . عالم مكروهات الأذان : للأذان مكروهات هي ما يأتي(٣): أ - يكره الأذان إذا لم تتوافر السنن السابقة ، وقد عدد الحنفية أحوال الكراهة إذا لم تتحقق السنن ، فقالوا : (١) رواه ابن ماجه . (٢) رواه أحمد في المسند . (٣) فتح القدير: ١ / ١٧٦، الدر المختار: ١ / ٣٦٤ ومابعدها، مراقي الفلاح: ص ٣٢ ، القوانين الفقهية : ص ٤٨، الشرح الصغير: ١ / ٢٤٨، الشرح الكبير: ١ / ١٩٤، ١٩٦، ١٩٨، مغني المحتاج: ١ / ١٣٨، المهذب: ١ / ٥٧ ومابعدها، المغني: ١ / ٤٠٨، ٤١١، ٤١٤، ٤٢٤، ٤٢٨، ٤٣٠، كشاف القناع: ١ / ٢٧٦، ٢٧٩، ٢٨١، ٢٨٣. - ٥٥٠ - يكره تحريماً أذان جنب وإقامته ، ويعاد أذانه ، وإقامة المحدث على المذهب ، وأذان مجنون ومعتوه وصبي لا يعقل ، وامرأة وخنثى ، وفاسق ، وسكران ، وقاعد إلا إذا أذن لنفسه ، وراكب إلا المسافر. اً - يكره التلحين وهو التطريب أو التغني أو التمديد الذي يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان ، أو الزيادة والنقص فيها ، أما تحسين الصوت بدون التلحين فهو مطلوب . ويصح أذان ملحَّن على الراجح عند الحنابلة ، لحصول المقصود منه كغير الملحن . ويكره أيضاً اللحن أو الخطأ في النحو أو الإعراب. اً - يكره المشي فيه ؛ لأنه قد يخل بالإعلام ، والكلام في أثنائه ، حتى ولو بردّ السلام ، ويكره السلام على المؤذن(١) ويجب عليه أن يرد عليه بعد فراغه من الأذان . ولا يبطله الكلام اليسير ، ويُبطله الكلام الطويل ، لأنه يقطع الموالاة المشروطة في الأذان عند الجمهور غير الحنفية . وأشار الحنابلة : أنه يجوز رد السلام في أثناء الأذان والإقامة . ٤ - يكره التثويب في غير الفجر ، سواء ثوب في الأذان أو بعده ، لما روي عن بلال أنه قال: (( أمرني رسول الله عَ لّ أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء)) (٢) ، ولأن التثويب مناسب لصلاة الفجر حيث يكون الناس نياماً، فاحتيج إلى قيامهم إلى الصلاة عن نوم . ٥ - قال الحنابلة: يحرم ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، العمل أصحاب النبي عَ فّ، قال أبو الشعثاء: ((كنا قعوداً مع أبي هريرة في (١) قال المالكية: ويكره السلام أيضاً على ملب في حج أو عمرة ، وقاضي حاجة ، ومجامع ، وأهل بدع ، ومشتغل بلهو وأهل المعاصي ، وشابة ، فإن كان أهل المعصية في حال المعصية أو شابة يخشى فتنتها حرم السلام ، ولا يكره على مصل ومتطهر وآكل وقارئ قرآن ( الشرح الكبير: ١ / ١٩٨). (٢) رواه ابن ماجه . - ٥٥١ - المسجد ، فأذن المؤذن ، فقام رجل من المسجد يمشي ، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم عطيةٍ))(١) ، وقال عثمان بن عفان: قال رسول الله مع الفا: ((من أدركه الأذان في المسجد ، ثم خرج ، لم يخرج لحاجة ، وهو لا يريد الرجعة ، فهو منافق))(٢). أما الخروج لعذر فمباح ، بدليل أن ابن عمر خرج من أجل التثويب في غير حينه . وقال الشافعية : يكره الخروج من المسجد بعد الأذان من غير صلاة إلا لعذر . ٦ً - قال الحنابلة : يكره الأذان قبل الفجر في شهر رمضان ، لئلا يغتر الناس به ، فيتركوا السحور. ويحتمل ألا يكره في حق من عرف عادته بالأذان في الليل؛ لأن بلالاً كان يفعل ذلك، بدليل قوله قال: (( إن بلالاً يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» وقوله عليه السلام: ((لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ، فإنه يؤذن بليل لينبه نائمكم، ويرجع قائمكم )) . ويكره عندهم القول قبل الإقامة : اللهم صل على محمد ، ولابأس بنحنحة قبلها ، كما يكره عندهم النداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق وغيرها ، مثل أن يقول : الصلاة ، أو الإقامة، أو الصلاة رحمكم الله. وقال النووي: تسن الصلاة على النبي عَ لَّه قبل الإقامة . إجابة المؤذن والمقيم : يجب في الراجح عند الحنفية لمن سمع الأذان وندباً لمن سمع الإقامة ، ويسن (١) رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح . (٢) رواه ابن ماجه . - ٥٥٢ - عند غيرهم لمن سمع المؤذن أو المقيم : أن يقول مثلما يقول مثنى مثنى عقب كل جملة، إلا في الحيعلتين، فيحوقل فيقول: ((لاحول ولاقوة إلا بالله )) ومعنى ذلك : أنه لاحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولاقوة على طاعة الله إلا معونته ، كما قال ابن مسعود . وإلا في التثويب ، فيقول: ((صدقتَ وبررتَ)) فالإجابة إنما هي باللسان وهو الظاهر عند الحنفية(١). وقال بعض الحنفية : بالقدم أي بالمشي إلى الصلاة ، وهو مشكل لأنه يلزم عليه وجوب الأداء في أول الوقت في المسجد . واكتفى المالكية بأن يقول السامع لمنتهى الشهادتين ، ولو كان في صلاة نفل ، ويكره ولايحاكي المؤذن في بقية الأذان ( على الراجح المشهور المعتمد ) ، ولا في قوله ((الصلاة خير من النوم)) قطعاً، ولا في قوله ((صدقت وبررت)) أي صرت ذا برأي خير كثير، وإلا في الإقامة، فيقول بعدها: ((أقامها الله وأدامها )). والدليل على الإجابة: ماروى أبو سعيد أن رسول الله وَ اتٍّ قال: ((إذا سمعتم النداء ، فقولوا مثل ما يقول المؤذن ))(٢) لكن قال المالكية: المتبادر من قوله ((سمعتم )) : ولو البعض ، خصوصاً وقد قال : فقولوا مثل ما يقول ، ولم يقل : مثل ماقال . وهذا في تقديري تعسف واضح في التأويل ، والظاهر كما قال بعض (١) البدائع: ١ / ١٥٥، فتح القدير: ١ / ١٧٣، الدر المختار: ١ / ٣٦٧ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٢٥٣، الشرح الكبير: ١ / ١٩٦، القوانين الفقهية: ص ٤٨، المجموع: ٣ / ١٢٤، مغني المحتاج: ١ / ١٤٠ ومابعدها، المهذب : ١ / ٥٨، كشاف القناع: ١ / ٢٨٤ وما بعدها، المغني: ١ / ٤٢٦ - ٤٢٨. (٢) متفق عليه رواه الجماعة عن جماعة من الصحابة ، منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص، وابنه ، وأم حبيبة . وروى مسلم وأبو داود عن عمر كيفية الإجابة ( نيل الأوطار: ٢ / ٥١، ٥٣ ) . - ٥٥٣ _ المالكية : أن يحكي الأذان كله . والأمر في الحديث عند الحنفية للوجوب وعند غيرهم للندب كالأمر بالدعاء عقب الصلاة . وروى مسلم عن عمر في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة كلمة سوى الحيعلتين. ( حي على الصلاة، حي على الفلاح) فيقول: ((لاحول ولاقوة إلا بالله))(١) وروى ابن خزيمة: عن أنس رضي الله عنه قال: (( من السنة إذا قال المؤذن في الفجر : حي على الفلاح ، قال: الصلاة خير من النوم))(٢) . وأخرج أبو داود عن بعض أصحاب النبي معروفةٍ (( أن بلالاً أخذ في الإقامة ، فلما أن قال : قد قامت الصلاة، قال النبي مع التّ: أقامها الله وأدامها))(٣) وفي التثويب ورد خبر أيضاً كما قال ابن الرفعة ، ولكن لا يعرف من قاله . ويستحب لمن كان يقرأ ولو قرآناً أن يقطع القراءة ، ليقول مثلما يقول المؤذن أو المقيم ، لأنه يفوت ، والقراءة لاتفوت ، لكن إن سمعه في الصلاة ، لم يقل مثل قوله ، لئلا يشتغل عن الصلاة بماليس منها، وقد روي ((إن في الصلاة لشغلاً )) وعلى هذا ينبغي عند الحنفية ألا يتكلم ولا يشتغل بشيء حال الأذان أو الإقامة . وتشمل الإجابة عند الجمهور كل سامع ، ولو كان جنباً أو حائضاً أو نفساء ، أو كان في طواف فرضاً أو نفلاً ، ويجيب بعد الجماع والخلاء والصلاة مالم يطل الفصل بينه وبين الأذان . وقال الحنفية : تشمل الإجابة من سمع الأذان ولو كان جنباً ، لاحائضاً (١) سبل السلام: ١ / ١٢٦. (٢) المصدر السابق: ١ / ١٢٠. (٣) المصدر السابق: ١ / ١٢٧ وفي خبر آخر عند أبي داود بسند ضعيف يقول: ((أقامها الله وأدامها مادامت السموات والأرض)) ويروى عن النبي أيضاً أنه يقول: «اللهم أقها وأدمها واجعلني من صالح أهلها ». - ٥٥٤ _ ونفساء وسامع خطبة وفي صلاة جنازة ، وجماع ، ومستراح في بيت الخلاء ، وأكل ، وتعليم علم وتعلمه ، لكن في أثناء قراءة القرآن يجيب لأنه لا يفوت ، وتكرار القراءة للأجر . ويندب عند الحنفية القيام عند سماع الأذان ، والأفضل أن يقف الماشي للإجابة لیکون في مكان واحد . ویجیب المؤذن سواء سمعه کله أم بعضه . فإن لم یسمعه لبعد أو مم لاتسن له الإجابة . ے وينبغي تدارك إجابة المؤذن إن لم يطل الفصل ، وإن طال فلا(١) . وإذا تكرر الأذان أجاب - كما ذكر في الدر المختار - الأول، سواء أكان مؤذن مسجده أم غيره ، لكن قال ابن عابدين : ويظهر لي إجابة الكل بالقول ، لتعدد السبب وهو السماع ، كما اعتمده بعض الشافعية . وقال النووي في المجموع : وإذا سمع مؤذناً بعد مؤذن ، فالمختار أن أصل الفضيلة في الإجابة شامل للجميع ، إلا أن الأول متأکد یکره ترکه(٢) . قال الشافعية : وإذا دخل المسجد ، والمؤذن قد شرع في الأذان ، لم يأت بتحية ولابغيرها ، بل يجيب المؤذن واقفاً حتى يفرغ من أذانه ليجمع بين أجر الإجابة والتحية . وقال الحنفية والحنابلة : إذا دخل المسجد ، والمؤذن يقيم ، قعد إلى قيام الإمام في مصلاه . (١) رد المحتار: ١ / ٣٦٨، مغني المحتاج: ١ / ١٤٠. (٢) رد المحتار: ١ / ٣٦٩، مغني المحتاج: ١ / ١٤٠. - ٥٥٥ - ما يستحب بعد الأذان : يستحب بعد الأذان وبعد الإقامة ما يأتي (١): ١ - أن يصلي على النبي مؤلّ، وذلك عند الشافعية والحنابلة مسنون بعد الفراغ من الأذان لكل من المؤذن والسامع ، للحديث الآتي . وقد استحدث الصلاة على النبي بعد الأذان في أيام صلاح الدين الأيوبي سنة ٧٨١ هـ في عشاء ليلة الاثنين ، ثم يوم الجمعة ، ثم بعد عشر سنين حدث في الكل إلا المغرب ، ثم فيها مرتين ، قال الفقهاء : وهو بدعة حسنة . ٢ - أن يدعو بالدعاء المأثور: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)) لقوله مَ لّ: ((إذا سمعتم المؤذن ، فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإن من صلى علي صلاة ، صلى الله عليه بها عشراً ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة ، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة ، حلَّت عليه الشفاعة))(٢). وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله مَ الٍ يقول: ((من قال (١) فتح القدير: ١ / ٧٤، وما بعدها، الدر المختار: ١ / ٣٦٢، مراقي الفلاح: ص ٣٣ ، القوانين الفقهية: ص ٤٨ ، مغني المحتاج: ١ / ١٤١، المهذب: ١ / ٥٨، المغني: ١ / ٤٢٧، كشاف القناع: ١ / ٢٨٦. (٢) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن ابن عمر مرفوعاً. ومعنى الحديث : اللهم أصله : يا الله ، حذف منه (( يا )» وعوض عنه الميم ولهذا لا يجمع بينهما . الدعوة التامة : دعوة التوحيد ؛ لأنه لا يدخلها تغيير ولا تبديل ، بل هي باقية إلى يوم القيامة ، أو هي دعوة الأذان والإقامة ، سميت تامة لكمالها وعظمة موقعها وسلامتها من نقص يتطرق إليها . الصلاة القائمة : التي ستقوم ، وتفعل بصفاتها . والوسيلة : القرب من الله تعالى ، وقيل : هي منزلة في الجنة ، كما ثبت في صحيح مسلم ، والمتعين هذا المعنى لتفسيرها بنص الحديث . والفضيلة : المرتبة الزائدة على سائر الخلائق . والمقام المحمود: الشفاعة العظمى في يوم القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون، لقوله تعالى: ((عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)». والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله تعالى: إظهار كرامته ، وعظم منزلته ( نيل الأوطار : ٢ / ٥٤ ). - ٥٥٦ - حين يسمع النداء : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأن محمداً رسول الله، رضيت بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد عَ الّ رسولاً، غفر له ذنبه )»(١) . وعن جابر قال: قال رسول الله عَ الِ: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمداً الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته - حلت له شفاعتي يوم القيامة))(٣) . وإذا كان الأذان للمغرب قال: ((اللهم هذا إقبال ليلك ، وإدبار نهارك ، وأصوات دعاتك، وحضور صلواتك، فاغفر لي))؛ لأن النبي عائل أمر أم سلمة أن تقول ذلك(٣) ويقول بعد الصبح: ((اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك فاغفر لي)). ٣ - يدعو عند فراغ الأذان بينه وبين الإقامة ، ويسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة لقوله عالٍ: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا: فما نقول يارسول الله ؟ قال : سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة)» (٤). والمستحب أن يقعد المؤذن بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة ، 5 كما بينا في سنن الأذان . ثانياً - الإقامة : صفة الإقامة أو كيفيتها : الإقامة سنة مؤكدة في الفرائض الوقتية والفائتة ، على المنفرد والجماعة ، (١) رواه مسلم . (٢) رواه الجماعة إلا مسلماً ( نيل الأوطار: ٢ / ٥٤ ومابعدها ) . (٣) رواه أبو داود والترمذي، وانظر المهذب: ١ / ٥٩ . (٤) حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والضياء في المختارة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ( نيل الأوطار: ٢ / ٥٥، سبل السلام: ١ / ١٣٠). - ٥٥٧ _ للرجال والنساء عند الجمهور غير الحنابلة . أما الحنابلة فقالوا : ليس على النساء أذان وإقامة . واختلف العلماء في صفة الإقامة على آراء ثلاثة(١): فقال الحنفية : الإقامة مثنى مثنى مع تربيع التكبير مثل الأذان ، إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح: ((قد قامت الصلاة مرتين )) فتكون كلماتها عندهم سبع عشرة كلمة ، بدليل ماروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أصحاب محمد عطا الله أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ◌ّ ظافر، فقال: ((يارسول الله ، رأيت في المنام ، كأن رجلاً قام وعليه بُرْدان أخضران ، فقام على حائط ، فأذن مثنى مثنى ، وأقام مثنى مثنى)»(٤) وروى الترمذي عن عبد الله بن زيد، قال: ((كان أذان رسول الله مع الفته شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة))(٣). وعن أبي محذورة قال: ((علمني رسول الله تع الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة))(٤) . وقال المالكية: الإقامة عشر كلمات، تقول: ((قد قامت الصلاة )) مرة واحدة، لما روى أنس قال: ((أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة)) (٥) . (١) البدائع: ١ / ١٤٨، الدر المختار: ١ / ٣٦٠، اللباب: ١ / ٦٣، فتح القدير: ١ / ١٦٩، الشرح الصغير: ١ / ٢٥٦، القوانين الفقهية: ص ٤٨، بداية المجتهد: ١ / ١٠٧، مغني المحتاج: ١ / ١٣٣، ١٣٦، المهذب: ١ / ٥٤ ، ٥٧ ، المغني: ١ / ٤٠٦، كشاف القناع: ١ / ٢٦٧ . (٢) رجاله رجال الصحيح ، وهو متصل لأن الصحابة عدول ، وجهالة أسمائهم لاتضر ، ورواه البيهقي . وروي مثله عند أبي داود وغيره ( نصب الراية: ١ / ٢٦٦ - ٢٦٧ ). (٣) نصب الراية : ١ / ٢٦٧. (٤) أخرجه الخمسة ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح ( المصدر السابق، نيل الأوطار: ٢ / ٤٣). (٥) رواه الجماعة عن أنس ( نيل الأوطار: ٢ / ٤٠). - ٥٥٨ _ وقال الشافعية والحنابلة : الإقامة فرادى ، إحدى عشر كلمة ، إلا لفظ الإقامة: ((قد قامت الصلاة )) فإنها تكرر مرتين ، لما روى عبد الله بن عمر أنه قال: ((إنما كان الأذان على عهد رسول الله مُ له مرتين مرتين ، والإقامة مرة مرة ، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة))(١) .. ويظهر لي أن هذا أصح الآراء ، أو أن الأمر على التخيير بين هذا الرأي ورأي الحنفية . وأما حديث أنس فمقید بحديث ابن عمر . أحكام الإقامة : أحكام الإقامة كأحكام الأذان السابقة ، ويزاد عليها ما يأتي(٢): اً - يسن إدراج الإقامة أو حدرها: أي الإسراع بها مع بيان حروفها، فيجمع بين كل كلمتين منها بصوت، والكلمة الأخيرة بصوت ، عملاً بالحديث السابق عن جابر: ((إذا أذنت فترسّل ـ أي تمهل - وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الآكل من أكله)) . اً - الأفضل في المذاهب الأربعة أن يتولى الإقامة من أذن ، اتباعاً للسنة : (( من أذن فهو يقيم))، كما بينا في شروط الأذان ، فإذا أذن واحد وأقام غيره جاز . لكن قال الحنفية : يكره أن يقيم غير من أذن إن تأذى بذلك ؛ لأن اكتساب أذى المسلم مكروه ، ولا يكره إن كان لا يتأذى به . (١) رواه أحمد والنسائي وأبو داود، والشافعي وأبو عوانة والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (نيل الأوطار: ٢ / ٤٣ ) . (٢) الدر المختار: ١ / ٣٦١، ٣٧١، فتح القدير: ١ / ١٧٠، البدائع: ١ / ١٥١، بداية المجتهد: ١ / ١٤٥، الشرح الصغير: ١ / ٢٥٥ وما بعدها، المهذب: ١ / ٥٩، مغني المحتاج: ١ / ١٣٦، ١٣٨ وما بعدها، المغني: ١ / ٤١٥ - ٤١٧، ٤٥٨ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٢٧٥ وما بعدها، ٢٧٩، ٢٨١ . - ٥٥٩ - اً - يستحب عند الحنابلة أن يقيم في موضع أذانه؛ لأن الإقامة شرعت للإعلام ، فشرعت في موضعه ، ليكون أبلغ في الإعلام ، إلا أن يؤذن في المنارة أو مكان بعيد من المسجد ، فيقيم في غير موضعه ، لئلا يفوته بعض الصلاة . وقال الشافعية : يستحب أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان ، وبصوت أخفض من الأذان . ولا يقيم حتى يأذن له الإمام ، فإن بلالاً كان يستأذن النبي ◌ُ ◌ّ ، وفي حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: ((فجعلت أقول للنبي عَ فيِ أقيم أقيم ؟ )) وقال ◌ِ ◌ّ: ((المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة))(١) . ٤ - لا يقوم المصلون للصلاة عند الإقامة حتى يقوم الإمام أو يقبل ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني))(٢) . وأما تعيين وقت قيام المؤتمين إلى الصلاة : فقال المالكية : يجوز للمصلي القيام حال الإقامة أو أولها أو بعدها ، فلا يطلب له تعيين حال ، بل بقدر الطاقة للناس، فمنهم الثقيل والخفيف . وقال الحنفية: يقوم عند ((حي على الفلاح )» وبعد قيام الإمام . وقال الحنابلة: يستحب أن يقوم عند قول المؤذن ((قد قامت الصلاة)) لما روي عن أنس (( أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة)). وقال الشافعية : يستحب أن يقوم المصلي بعد انتهاء الإقامة إذا كان الإمام مع المصلين في المسجد(٣) ، وكان يقدر على القيام بسرعة ، بحيث يدرك فضيلة (١) رواه ابن عدي وهو الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني ، ويعرف بابن القصار، صاحب كتاب الكامل في الجرح والتعديل (٢٧٩ - ٣٦٥ هـ) ( سبل السلام: ١ / ١٣٠). (٢) متفق عليه . (٣) سبل السلام: ١ / ١٣١، الحضرمية: ص ٧٤، المجموع: ٣ / ٢٣٧، المغني: ١ / ٤٥٨، الدر المختار: ١ / ٤٤٧ . - ٥٦٠ -