النص المفهرس
صفحات 501-520
السلام - فيما رواه أحمد - إذا حزبه أمر (أي نزل به هم أو غم) قال: (( أرحنا بها يابلال »(١) . وفي الصلاة : تدرب على حب النظام والتزام التنظيم في الأعمال وشؤون الحياة ، لأدائها في أوقات منظمة ، وبها يتعلم المرء خصال الحلم والأناة والسكينة والوقار ، ويتعود على حصر الذهن في المفيد النافع ، لتركيز الانتباه في معاني آي القرآن وعظمة الله تعالى ومعاني الصلاة . كما أن الصلاة مدرسة خلقية عملية انضباطية تربي فضيلة الصدق والأمانة ، وتنهى عن الفحشاء والمنكر : ﴿وأقم الصلاة ، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ . ومن فوائدها الاجتماعية : إقرار العقيدة الجامعة لأفراد المجتمع ، وتقويتها في نفوسهم ، وفي تنظيم الجماعة في تماسكها حول هذه العقيدة ، وفيها تقوية الشعور بالجماعة ، وتنمية روابط الانتماء للأمة ، وتحقيق التضامن الاجتماعي ، ووحدة الفكر والجماعة التي هي بمثابة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى . وفي صلاة الجماعة : فوائد عميقة وكثيرة ، من أهمها إعلان مظهر المساواة ، وقوة الصف الواحد ، ووحدة الكلمة ، والتدرب على الطاعة في القضايا العامة أو المشتركة باتباع الإمام فيما يرضي الله تعالى ، والاتجاه نحو هدف واحد وغاية نبيلة سامية هي الفوز برضوان الله تعالى . كما أن بها تعارف المسلمين وتآلفهم ، وتعاونهم على البر والتقوى ، وتغذية الاهتمام بأوضاع وأحوال المسلمين العامة ، ومساندة الضعيف والمريض والسجين (١) رواه أبو داود . - ٥٠١ - والملاحق بتهمة والغائب عن أسرته وأولاده . ويعد المسجد والصلاة فيه مقراً لقاعدة شعبية منظمة متعاونة متآزرة ، تخرّج القيادة ، وتدعم السلطة الشرعية ، وتصحح انحرافاتها وأخطاءها بالكلمة الناصحة والموعظة الحسنة ، والقول الليِّن ، والنقد البناء الهادف؛ لأن ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً))(١). والصلاة تميّز المسلم عن غيره ، فتكون طريقاً للثقة والائتمان ، وبعث روح المحبة والمودة فيما بين الناس: (( من استقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فهو المسلم ، له ما للمسلم ، وعليه ما على المسلم))(٣) . حكم تارك الصلاة : اتفق المسلمون على أن الصلاة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل طاهر ، أي غير ذي حيض أو نفاس ، ولا ذي جنون أو إغماء ، وهي عبادة بدنية محضة لاتقبل النيابة أصلاً ، فلا يصح أن يصلي أحد عن أحد ، كما لا يصح أن يصوم أحد عن أحد . وأجمع المسلمون على أن من جحد وجوب الصلاة ، فهو كافر مرتد ، لثبوت فرضيتها بالأدلة القطعية من القرآن والسنة والإجماع ، كما بينا . ومن تركها تكاسلاً وتهاوناً فهو فاسق عاص ، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة . وترك الصلاة موجب للعقوبة الأخروية والدنيوية ، أما الأخروية فلقوله . تعالى: ﴿ ماسلككم في سَقَر؟ قالوا: لم نك من المصلين ﴾ ﴿ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ ﴿ فخلف من بعدهم خَلْف أضاعوا الصلاة ، (١) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه . (٢) أخرجه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي عن أنس رضي الله عنه (جامع الأصول: ١ / ١٥٨ وما بعدها ) . - ٥٠٢ - واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيّاً﴾. وقال ◌َ له: ((من ترك الصلاة متعمداً ، فقد برئت منه ذمة الله ورسوله)) (١) . وأما عقوبتها الدنيوية لمن تركها كسلاً وتهاوناً فلها أنماط عند الفقهاء . فقال الحنفية(٢) : تارك الصلاة تكاسلاً فاسق يحبس ويضرب - على المذهب - ضرباً شديداً حتى يسيل منه الدم ، حتى يصلي ويتوب ، أو يموت في السجن ومثله تارك صوم رمضان ، ولا يقتل حتى يجحد وجوبها ، أو يستخف بأحدهما كإظهار الإفطار بلاعذر تهاوناً، بدليل قوله ◌َّم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة))(٣) . وأضاف الحنفية : أنه يحكم ياسلام فاعل الصلاة بشروط أربعة : أن يصلي في الوقت ، مع جماعة ، أو يؤذن في الوقت ، أو يسجد للتلاوة عند سماع آية سجدة ، ولا يحكم بإسلام الكافر في ظاهر الرواية إن صام أو حج أو أدى الزكاة . وقال الأئمة الآخرون (٤) : تارك الصلاة بلاعذر ولو ترك صلاة واحدة يستتاب ثلاثة أيام كالمرتد(٥)، وإلا قتل إن لم يتب، ويقتل عند المالكية والشافعية حداً ، لاكفراً ، أي لايحكم بكفره وإنما يعاقب كعقوبة الحدود الأخرى على معاصي الزنى والقذف والسرقة ونحوها ، وبعد الموت يغسل ويصلى عليه ، (١) رواه أحمد بإسناده عن مكحول ، وهو مرسل جيد . (٢) الدر المختار: ١ / ٣٢٦، مراقي الفلاح: ص ٦٠. (٣) متفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه . (٤) القوانين الفقهية: ص ٤٢، بداية المجتهد: ١ / ٨٧، الشرح الصغير: ١ / ٢٣٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٢٧ ومابعدها، المهذب: ١ / ٥١ ، كشاف القناع: ١ / ٢٦٣ ومابعدها، المغني: ٢ / ٤٤٢ . (٥) الاستتابة عند الشافعية والجمهور مندوبة هنا ، أما استتابة المرتد فواجبة لأن الردة تخلد في النار، فوجب إنقاذه منها ، بخلاف ترك الصلاة كسلاً لا يكفر . - ٥٠٣ - ويدفن مع المسلمين . ودليلهم على عدم تكفير تارك الصلاة قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ) وأحاديث متعددة منها : حديث عبادة بن الصامت: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، من أتى بهن لم يضيّع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن ، كان له عند الله عهد أن يُدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له))(١) . وحديث أبي هريرة: (( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة : الصلاة المكتوبة ، فإن أتمها ، وإلا قيل : انظروا هل له من تطوع ؟ فإن كان له تطوع ، أُكملت الفريضة من تطوعه ، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثلُ ذلك))(٢) فلا يكفر بترك الصلاة؛ لأن الكفر بالاعتقاد ، واعتقاده صحيح ، ويكفر إن تركها جاحداً وجوبها . وتأولوا الأحاديث الآتية التي استدل بها الحنابلة بأنها محمولة على المستحل أو المستحق عقوبة الكافر وهي القتل . وقال الإمام أحمد رحمه الله (٣) : يقتل تارك الصلاة كفراً أي بسبب كفره ، لقوله تعالى : ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحُرُم ، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، فخلوا سبيلهم ، إن الله غفور رحيم ﴾ فمن ترك الصلاة ، لم يأت بشرط التخلية ، فيبقى على إباحة القتل ، فلا يخلى من لم يقم الصلاة . ولقوله مَ اللّ: ((بين الرجل وبين الكفر: ترك الصلاة))(٤) فهو يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر . (١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار: ١ / ٢٩٤). (٢) رواه الخمسة ، وهناك أحاديث أخرى في موضوع هذين الحديثين ( نيل الأوطار: ١ / ٢٩٥ وما بعدها). (٣) المغني: ٢ / ٤٤٢ - ٤٤٧ . (٤) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي (نيل الأوطار: ١ / ٢٩١). - ٥٠٤ _ ومثله حديث بُرَيْدة: ((العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر))(١) وهو يدل على أن تارك الصلاة يكفر . ورجح الشوكاني هذا الرأي ، فقال : والحق أنه كافر يقتل . ولا يمنع بعض أنواع الكفر من المغفرة واستحقاق الشفاعة . وإني أميل إلى الرأي الأول وهو الحكم بعدم كفر تارك الصلاة ، للأدلة الكثيرة القاطعة بعدم خلود المسلم في النار بعد النطق بالشهادتين ، قال مصر اته : (( من قال : لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَد من دون الله ، حرُم ماله ودمه ، وحسابه على الله))(٢) وقال عليه السلام أيضاً: (( يخرج من النار: من قال : لاإله إلا الله ، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار: من قال : لا إله إلا الله ، وفي قلبه وزن بُرَّة من خير ، ويخرج من النار: من قال : لاإله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من خیر )»(٣) . وطريقة قتل تارك الصلاة عند الجمهور ( غير الحنفية ) : هو ضرب عنقه بالسيف ، إن لم يتب . ۔ (١) رواه الخمسة، وابن حبان والحاكم، وصححه النسائي والعراقي، وهناك أحاديث أخرى في موضوعه (انظر نيل الأوطار: ١ / ٢٩٣ وما بعدها ) . (٢) أخرجه مسلم عن طارق الأشجعي رضي الله عنه ( جامع الأصول: ١ / ١٦١ ). (٣) أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه . والبرة مفرد البُرّ من القمح . - ٥٠٥ - الفصل الثاني أوقات الصلاة الأوقات في السنة : حددت السنة النبوية مواقيت الصلاة تحديداً دقيقاً لأول الوقت(١) وآخره ، روى جابر بن عبد الله أن النبي ◌ُ ◌ّ جاءه جبريل عليه السلام، فقال له : قم، فصلّة ، فصلى الظهر حين زالت الشمس ، ثم جاءه العصر، فقال : تم فصلِّه ، فصلى العصر، حين صار ظل كل شيءٍ مثلَه ، ثم جاءه المغرب ، فقال : تم فصله ، فصلى المغرب حين وَجَبت الشمس ( غربت ) ، ثم جاءه العشاء ، فقال: تم فصله ، فصلى العشاء حين غاب الشَّفَق ، ثم جاءه الفجر ، فقال : تم فصله ، فصلى الفجر حين بَرَق الفجر ، أو قال : سطع الفجر . ثم جاءه من الغد للظهر، فقال: تم فصلّة ، فصلى الظهر ، حين صار كل شيء مثله ، ثم جاءه العصر ، فقال : تم فصلّة ، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ، ثم جاءه المغرب وقتاً واحداً ، لم يزل عنه ، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل ، أو قال : ثلث الليل ، فصلى العشاء ، ثم جاءه حين أسفر جداً ، فقال: تم فصَلَّة، فصلى الفجر، ثم قال: مابين هذين الوقتين وقت))(٢) وهو يدل على أن للصلوات وقتين ، إلا المغرب . وهناك حديث آخر في تحديد وقت المغرب عن عقبة بن عامر : أن النبي (١) الوقت : هو الزمان المقدر للعبادة شرعاً، المختار. (٢) رواه أحمد والنسائي ، والترمذي بنحوه ، وقال البخاري : هو أصح شيء في المواقيت ( نيل الأوطار: ١ / ٣٠٠ ) . - ٥٠٦ - عَ التّ قال: ((لاتزال أمتي بخير، أو على الفطرة مالم يؤخروا المغرب، حتى تشتبك النجوم))(١) وهو يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب ، وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم . وقد أوضح الفقهاء بناء على ذلك وقت كل صلاة على النحو الآتي (٢)، وأجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة ، ثبتت في أحاديث صحاح جياد ، وتجب الصلاة بأول الوقت وجوباً موسعاً إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها فيضيق الوقت حينئذ . وفي المناطق القطبية ونحوها يقدرون الأوقات بحسب أقرب البلاد إليهم . ١ - وقت الفجر : يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس . والفجر الصادق : هو البياض المنتشر ضوءه معترضاً في الأفق . ويقابله الفجر الكاذب : وهو الذي يطلع مستطيلاً متجهاً إلى الأعلى في وسط السماء، كذنب السِرْحان(٣) ، أي الذئب ، ثم تعقبُه ظُلْمة . والأول : هو الذي تتعلق به الأحكام الشرعية كلها من بدء الصوم ووقت الصبح وانتهاء وقت العشاء ، والثاني : لا يتعلق به شيء من الأحكام ، بدليل قوله عليه السلام: (( الفجر فجران : فجر يحرِّم الطعام وتحل فيه الصلاة ، وفجر تحرم فيه الصلاة - أي صلاة الصبح - ويحل فيه الطعام))(٤) . (١) رواه أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك (نيل الأوطار: ٢ /٣). (٢) فتح القدير: ١ / ١٥١ - ١٦٠، الدر المختار: ١ / ٣٣١ - ٣٤٣، اللباب: ١ / ٥٩ - ٦٢، القوانين الفقهية: ص ٤٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٢١٩ - ٢٣٨، الشرح الكبير: ١ / ١٧٦ - ١٨١، مغني المحتاج: ١ / ١٢١ - ١٢٧، المهذب: ١ / ٥١ - ٥٤، بجيرمي الخطيب: ١ / ٣٤٥، المغني: ١ / ٣٧٠ - ٣٩٥، كشاف القناع: ١ / ٢٨٩ - ٢٩٨ . (٣) السرحان مشترك بين الذئب والأسد، والمراد أنه يشبه ذنب السرحان الأسود ، لأن الفجر الكاذب بياض مختلط بسواد ، والسرحان الأسود: لونه مظلم ، وباطن ذنبه أبيض . (٤) رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه ( سبل السلام: ١ / ١١٥). - ٥٠٧ - وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: ((ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ، مالم تطلع الشمس )) ومابعد طلوع الشمس إلى وقت الظهر يعتبر وقتاً مهملاً لا فريضة فيه . ٢ً - وقت الظهر : من زوال الشمس إلى مصير ظل كل شيء مثله ، سوى ظل أو فيء الزوال . وهذا رأي الصاحبين المفتى به عند الحنفية والأئمة الثلاثة . وظاهر الرواية وهو رأي أبي حنيفة: أن آخر وقت الظهر: أن يصير ظل كل شيء مِثْلِيْه ، إلا أن هذا الوقت هو وقت العصر بالاتفاق ، فتقدم الصلاة عن هذا الوقت ؛ لأن الأخذ بالاحتياط في باب العبادات أولى . وزوال الشمس : هو ميلها عن وسط السماء ، ويسمى بلوغ الشمس إلى وسط ( أو كبد ) السماء : حالة الاستواء ، وإذا تحولت للشمس من جهة المشرق إلى جهة المغرب حدث الزوال . ويعرف الزوال : بالنظر إلى قامة الشخص ، أو إلى شاخص أو عمود منتصب في أرض مستوية ( مسطحة ) ، فإذا كان الظل ينقص فهو قبل الزوال ، وإن وقف لا يزيد ولا ينقص ، فهو وقت الاستواء ، وإن أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت . فإذا زاد ظل الشيء على ظله حالة الاستواء ، أو مالت الشمس إلى جهة المغرب ، بدأ وقت الظهر ، وينتهي وقته عند الجمهور بصيرورة ظل الشيء مثله في القدر والطول ، مع إضافة مقدار ظل أو فيء الاستواء ، أي الظل الموجود عند الزوال . ودليل الجمهور: أن جبريل عليه السلام صلى بالنبي مَ ◌ّ في اليوم التالي حين - ٥٠٨ - صارظل كل شيء مثله ، ولاشك أن هذا هو الأقوى . ودليل أبي حنيفة قوله عليه السلام: ((أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) (١) وأشد الحر في ديارهم كان في هذا الوقت يعني إذا صار ظل كل شيء مثله . ودليل الكل على بدء وقت الظهر قوله تعالى : ﴿ أم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ أي زوالها . ٣ - وقت العصر : يبدأ من خروج وقت الظهر ، على الخلاف بين القولين المتقدمين ، وينتهي بغروب الشمس ، أي أنه يبدأ من حين الزيادة على مثل ظل الشيء ، أدنى زيادة عند الجمهور، أو من حين الزيادة على مثلي الظل عند أبي حنيفة وينتهي الوقت بالاتفاق قبيل غروب الشمس، لحديث: (( من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس ، فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر))(٢). ويرى أكثر الفقهاء : أن صلاة العصر تكره في وقت اصفرار الشمس لقوله عَلٍّ: (( تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان ، قام فنَقَرها أربعاً ، لا يذكر الله إلا قليلاً))(٣) وقوله عليه السلام أيضاً: ((وقت العصر مالم تصفر الشمس)) (٤). وصلاة العصر : هي الصلاة الوسطى عند أكثر العلماء ، بدليل ماروت (١) رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ ((إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) ( نصب الراية: ١ / ٢٢٨ ) . (٢) رواه الأئمة الستة في كتبهم ، وهذا اللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة ( المرجع السابق ) . (٣) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه. عن أنس رضي الله عنه ( نيل الأوطار: ١ / ٣٠٧) وقوله بين قرني الشيطان إما حقيقة أو مجاز عن سلطانه وغلبة أعوانه . (٤) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وفي معناه حديث آخر عن أبي هريرة ، ويؤيده فعل النبي ◌ُّ في حديث بريدة ((أن النبي ◌َّ صلى العصر في اليوم الثاني، والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة)). - ٥٠٩ - عائشة عن النبي ◌ُ لِّ أنه قرأ: ﴿ حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى ﴾ والصلاة الوسطى: صلاة العصر(١) . وعن ابن مسعود وسمرة قالا : قال النبي عَ المُ: ((الصلاة الوسطى: صلاة العصر))(٢) وسميت وسطى لأنها بين صلاتين من صلاة الليل ، وصلاتين من صلاة النهار . والمشهور عند مالك : أن صلاة الصبح هي الوسطى لما روى النسائي عن ابن عباس قال: ((أدلج رسول الله عَ لّ، ثم عرّس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها ، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس ، فصلى وهي صلاة الوسطى )) والرأي الأول أصح لصحة الأحاديث فيه . ٤ - وقت المغرب : من غروب الشمس بالإجماع ، أي غياب قرصها بكامله ، ويمتد عند الجمهور ( الحنفية والحنابلة والأظهر عند الشافعية وهو مذهب الشافعي القديم ) إلى مغيب الشَّفَق، لحديث: ((وقت المغرب مالم يغب الشفق)) (٣) . والشفق عند الصاحبين والحنابلة والشافعية : هو الشفق الأحمر ، لقول ابن عمر: ((الشفق: الحمرة))(٤) والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين ، وقد رجع الإمام إليه ، وهو المذهب . (١) رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث صحيح . (٢) قال الترمذي: حسن صحيح . هذا وقد أورد الشوكاني ستة عشر قولاً في بيان الصلاة الوسطى ( نيل الأوطار: ١ / ٣١١ ) . (٣) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو ( سبل السلام: ١ / ١٠٦). (٤) رواه الدارقطني وصححه ابن خزيمة، وغيره وقفه على ابن عمر، وتمام الحديث ((فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة)) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((ووقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق)) ( سبل السلام: ١ / ١١٤) قال النووي: والصحيح أنه موقوف على ابن عمر . - ٥١٠ - وعند أبي حنيفة : هو البياض الذي يستمر في الأفق ويبقى عادة بعد الحمرة ، ثم يظهر السواد ، وبين الشفقين تفاوت يقدر بثلاث درجات ، والدرجة أربع دقائق . ودليله قوله عليه الصلاة والسلام: ((وآخر وقت المغرب إذا اسود الأفق)) (١) وهو ماروي عن أبي بكر وعائشة ومعاذ وابن عباس . والمشهور عند المالكية ومذهب الشافعي الجديد غير الأظهر المعمول به لدى الشافعية : أن وقت المغرب ينقضي بمقدار وضوء وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات ، أي أن وقته مضيق غير ممتد ؛ لأن جبريل عليه السلام صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليومين في وقت واحد ، كما بينا في حديث جابر المتقدم ، فلو كان للمغرب وقت آخر لبينه ، كما بين وقت بقية الصلوات . ورد بأن جبريل إنما بين الوقت المختار ، وهو المسمى بوقت الفضيلة . وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع فلیس فیه تعرض له . ٥ - وقت العشاء : ـعالـ يبدأ في المذاهب من مغيب الشفق الأحمر على المفتى به عند الحنفية إلى طلوع الفجر الصادق، أي قبيل طلوعه لقول ابن عمر المتقدم: (( الشفق الحمرة ، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة)) ولحديث أبي قتادة عند مسلم: ((ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى )) . فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر ، فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع . (١) نص الحديث هو ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة: ((وإن آخر وقتها - أي المغرب - حين يغيب في الأفق)) وغيبوبته بسقوط البياض الذي يعقب الحمرة. لكنه حديث لم يصح سنداً (نصب الراية: ١ / ٢٣٠) وروي عن ابن مسعود أنه قال: ((رأيت رسول الله عل ◌ّم يصلي هذه الصلاة حين يسود الأفق)). - ٥١١ - وأما الوقت المختار للعشاء فهو إلى ثلث الليل أو نصفه ، لحديث أبي هريرة: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه))(١)، وحديث أنس: ((أخر النبي ◌ُّ له صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى))(٢) وحديث ابن عمرو: ((وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل))(٣). وأما حديث عائشة ((أعتم النبي مؤالزّ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل ، حتى نام أهل المسجد ، ثم خرج فصلى ، فقال : إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ))(٤) فهو وإن كان فيه إشعار بامتداد وقت اختيار العشاء إلى ما بعد نصف الليل ، ولكنه مؤول بأن المراد بعامة الليل : كثير منه ، وليس المراد أكثره . وأول وقت الوتر : بعد صلاة العشاء ، وآخر وقتها مالم يطلع الفجر . الوقت الأفضل أو المستحب : للفقهاء آراء في بيان أفضل أجزاء وقت كل صلاة أو الوقت المستحب ، فقال الحنفية(٥): يستحب للرجال الإسفار بالفجر، لقوله مَ اتٍ: ((أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر))(٦) والإسفار: التأخير للإضاءة. وحد الإسفار: أن يبدأ بالصلاة بعد انتشار البياض بقراءة مسنونة ، أي أن يكون بحيث يؤديها بترتيل نحو ستين أو أربعين آية ، ثم يعيدها بطهارة لو فسدت . ولأن في الإسفار تكثير (١) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ٢ / ١١). (٢) متفق عليه ( المرجع السابق : ص ١٢ ). (٣) رواه أبو داود وأحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار: ١ / ٣٠٦). (٤) رواه مسلم والنسائي ( المرجع السابق: ١ / ١٢) وأعتم : دخل في العتمة أي أخرها . (٥) اللباب: ١ / ٦١ وما بعدها، فتح القدير والعناية: ١ / ١٥٦ وما بعدها . (٦) رواه سبعة من الصحابة وهم رافع بن خديج عند أصحاب السنن الأربعة ، وبلال ، وأنس ، وقتادة بن النعمان ، وابن مسعود، وأبو هريرة ، وحواء الأنصارية . قال الترمذي : حديث حسن صحيح ( نصب الراية : ١ / ٢٣٥ ) . - ٥١٢ - الجماعة وفي التغليس تقليلها ، وما يؤدي إلى التكثير أفضل ، وليسهل تحصيل ماورد عن أنس من حديث حسن: (( من صلى الفجر في جماعة ، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين ، كانت له كأجر حجة تامة ، وعمرة تامة)). وأما النساء : فالأفضل لهن الغَلَس ( الظلمة ) ؛ لأنه أستر، وفي غير الفجر يَنْتَظِرْن فراغ الرجال من الجماعة . وكذلك التغليس أفضل للرجل والمرأة لحاج بمزدلفة . ويستحب في البلاد الحارة وغيرها الإبراد بالظهر في الصيف ، بحيث يمشي في الظل، لقوله ◌َّ السابق: ((أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) ويستحب تعجيله في الشتاء والربيع والخريف ، لحديث أنس عند البخاري : ((كان النبي ◌َّ اللّ إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة))(١). ويستحب تأخير العصر مطلقاً ، توسعة لأداء النوافل ، ما لم تتغير الشمس بذهاب ضوئها ، فلا يتحير فيها البصر ، سواء في الشتاء أم الصيف ، لما فيه من التمكن من تكثير النوافل ، لكراهتها بعد العصر . ويستحب تعجيل المغرب مطلقاً ، فلا يفصل بين الأذان والإقامة إلا بقدر ثلاث آيات أو جلسة خفيفة ؛ لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود ، ولقوله عليه السلام: (( لا تزال أمتي بخير أو قال : على الفطرة ، ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم )» (٣) ويستحب تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل الأول ، في غير وقت الغيم ، (١) نصب الراية : ١ / ٢٤٤ . (٢) رواه أبو داود في سننه ( نصب الراية : ١ / ٢٤٦) الفقه الإسلامي جـ ١ (٣٣) - ٥١٣ - فيندب تعجيله فيه ، للأحاديث السابقة: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه )» ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل ويثق بالانتباه : أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل ، ليكون آخر صلاته فيه ، فإن لم يثق من نفسه بالانتباه أوتر قبل النوم، لقوله ◌ُالتّ: (( من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخر الليل ، فليوتر آخره، فإن صلاة الليل مشهودة، وذلك أفضل))(١) وقال المالكية(٢) : أفضل الوقت مطلقاً لظهر أو غيرها ، لفرد أو جماعة ، في شدة الحر أو غيره أوله ، فهو رضوان الله ، لقوله عاتّ لمن سأله : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها)(٣) أو ((الصلاة في أول وقتها)) وعن ابن عمر مرفوعاً: (( الصلاة في أول الوقت: رضوان الله، وفي آخره عفو الله))(٤) فالأفضل تقديم الصبح والعصر والمغرب . لكن الأفضل على المشهور تأخير الظهر لربع القامة بعد ظل الزوال صيفاً وشتاء ، أي التأخير بمقدار ذراع بأن يصير ظل الشخص بمقدار ربع قامته زيادة على ظل الزوال ، وندب التأخير لربع القامة لمن ينتظر أداء الصلاة جماعة أو كثرتها ، لتحصيل فضل الجماعة . وإذا كان الوقت وقت شدة الحر ندب تأخير الظهر للإبراد ، أي الدخول في وقت البرد . (١) أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه (نصب الراية: ١ / ٢٤٩) (٢) الشرح الصغير: ١ / ٢٢٧ وما بعدها، الشرح الكبير والدسوقي: ١ / ١٧٩ وما بعدها ، القوانين الفقهية : ص ٤٣ (٣) رواه البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن مسعود، وقال الحاكم : إنه على شرط الشيخين ، ولفظ الصحيحين: ((الصلاة لوقتها )» (٤) رواه الترمذي ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين . - ٥١٤ - كما أن الأفضل في قول ضعيف في المدونة تأخير العشاء قليلاً في المساجد ، والراجح كما حقق الدسوقي ندب تقديم العشاء للجماعة مطلقاً . والخلاصة : أن المبادرة في أول الوقت مطلقاً هو الأفضل، إلا في حال انتظار الفرد جماعة للظهر وغيره ، وفي حال الإبراد بالظهر أي لأجل الدخول في وقت البرد . وقال الشافعية(١): يسن تعجيل الصلاة ولو عشاء لأول الوقت ، إلا الظهر ، فيسن الإبراد بالظهر في شدة الحر ، للأحاديث السابقة المذكورة في مذهب المالكية ، والحنفية ، والأصح : اختصاص التأخير للإبراد ببلد حار ، وجماعة مسجد ونحوه كمدرسة ، يقصدونه من مكان بعيد . ويكره تسمية المغرب عشاء والعشاء عتمة للنهي عنه(٣) ، ويكره النوم قبل صلاة العشاء ، والحديث بعدها إلا في خير ، لما رواه الجماعة عن أبي بَرْزة الأسلمي أن النبي صَ لّ ((كان يستحب أن يؤخر العشاء التي يدعونها العَتْمة، وكان يكره النوم قبلها ، والحديث بعدها )) وقال الحنابلة (٣) : الصلاة في أول الوقت أفضل إلا العشاء ، والظهر في شدة الحر، والمغرب في حالة الغيم ، أما العشاء فتأخيرها إلى آخر وقتها المختار وهو ثلث الليل أو نصفه أفضل ، ما لم يشق على المأمومين أو على بعضهم ، فإنه يكره، عملاً بقول النبي ◌ُّ السابق: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن (١) مغني المحتاج: ١ / ١٢٥ وما بعدها، المهذب: ١ / ٥٣ (٢) أما النهي عن الأول ففي خبر البخاري: ((لا تغلينكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، وتقول الأعراب : هي العشاء)) وأما النهي عن الثاني ففي خبر مسلم: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعتمون بالإبل)) وفي رواية ((بحلاب الإبل)) معناه أنهم يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل، أي يؤخرونه إلى شدة الظلام . وروى الحديث الثاني أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه. ( نيل الأوطار: ٢ / ١٦) (٣) المغني: ١ / ٣٨٥، ٣٨٨ - ٣٩٥، كشاف القناع: ١ / ٢٩١ - ٢٩٥ - ٥١٥ - يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه)) ولأنه معلقة ((كأن يأمر بالتخفيف رفقاً بهم)" وأما الظهر فيستحب الإبراد به على كل حال في وقت الحر، ويستحب تعجيلها في وقت العشاء ، عملاً بالحديث السابق: ((إذا اشتد الحر فأبردوا ، فإن شدة الحر من فيح جهنم )» وأما حالة الغيم : فيستحب تأخير الظهر والمغرب أثناءه ، وتعجيل العصر والعشاء ؛ لأنه وقت يخاف منه العوارض من المطر والريح والبرد ، فيكون في تأخير الصلاة الأولى من أجل الجمع بين الصلاتين في المطر ، وتعجيل الثانية دفع للمشقة التي قد تحصل بسبب هذه العوارض . ولا يستحب عند الحنابلة تسمية العشاء العتمة ، وكان ابن عمر إذا سمع رجلاً يقول ((العتمة)) صاح وغضب، وقال: ((إنما هو العشاء)). والخلاصة : أن الفقهاء اتفقوا على أن الوقت الأفضل هو أول وقت كل صلاة ، واستحب الحنفية الإسفار بصلاة الصبح ، وقال الجمهور : التغليس بها أفضل ، واستحب الكل الإبراد بالظهر ، واستحب الحنفية تأخير العصر ، واستحب المالكية للفرد التأخير رجاء إدراك صلاة الجماعة ، واستحب الحنابلة تأخير العشاء ، وتأخير الظهر والمغرب للجمع بين الصلاتين في حالة الغيم بسبب المطر . متى تقع الصلاة أداء في الوقت ؟ من المعلوم أن الصلاة إذا أديت كلها في الوقت المخصص لها فهي أداء ، وإن فعلت مرة ثانية في الوقت لخلل غير الفساد فهي إعادة ، وإن فعلت بعد الوقت فهي قضاء ، والقضاء : فعل الواجب بعد وقته . - ٥١٦ _ أما إن أدرك المصلي جزءاً من الصلاة في الوقت فهل تقع أداء ؟ للفقهاء رأيان : الأول للحنفية ، والحنابلة على الراجح ، والثاني للمالكية والشافعية . الرأي الأول - للحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد(١): تدرك الفريضة أداء كلها بتكبيرة الإحرام في وقتها المخصص لها ، سواء أخرها لعذر كحائض تطهر، ومجنون يفيق، أو لغير عذر، لحديث عائشة: أن النبي محمد له قال: ((من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس ، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها))(٢) وللبخاري ((فليتم صلاته)) وكإدراك المسافر صلاة المقيم ، وكإدراك الجماعة ، ولأن بقية الصلاة تبع لما وقع في الوقت . الرأي الثاني - للمالكية، والشافعية(٣) في الأصح: تعد الصلاة جميعها أداء في الوقت إن وقع ركعة بسجدتيها في الوقت ، وإلا بأن وقع أقل من ركعة فهي قضاء، لخبر الصحيحين: ((من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة))(٤) أي مؤداة . ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لا يدرك الصلاة مؤداة ، والفرق بين الأمرين : أن الركعة مشتملة على معظم أفعال الصلاة ، وغالب ما بعدها كالتكرار لها ، فكان تابعاً لها . وهذا الرأي فيما يظهر أصح لأن المراد بالسجدة الركعة ، بدليل ما ذكر مسلم، وبدليل ما رواه الجماعة بلفظ (( من أدرك من الصبح ركعة ... )) الخ (١) الدر المختار: ١ / ٦٧٧، كشاف القناع: ١ / ٢٩٨، المغني: ١ / ٣٧٨ (٢) رواه مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه ، لكن ذكر مسلم : والسجدة إنما هي الركعة . (٣) الشرح الصغير: ١ / ٢٣١، القوانين الفقهية: ص ٤٦، مغني المحتاج: ١ / ١٣٦، المهذب: ١ / ٥٤ ، نهاية المحتاج : ١ / ٢٨٠ (٤) نيل الأوطار: ٣ / ١٥١ - ٥١٧ - الاجتهاد في الوقت : من جهل الوقت بسبب عارض غيم أو حبس في بيت مظلم (١) ، وعدم ثقة يخبره به عن علم ، ولم يكن معه ساعة تؤقت له ، اجتهد بما يغلب على ظنه دخوله بوِرْد من قرآن ودرس ومطالعة وصلاة ونحوه كخياطة وصوت ديك مجرَّب ، وعمل على الأغلب في ظنه . والاجتهاد يكون واجباً إن عجز عن اليقين بالصبر أو غيره كالخروج لرؤية الفجر أو الشمس مثلاً ، وجائزاً إن قدر عليه . وإن اخبره ثقة من رجل أو امرأة بدخول الوقت عن علم ، أي مشاهدة ، عمل به ؛ لأنه خبر ديني يرجع فيه المجتهد إلى قول الثقة كخبر الرسول من التمر. أما إن أخبره عن اجتهاد فلا يقلده ؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً آخر . وإذا شك في دخول الوقت ، لم يصل حتى يتيقن دخوله ، أو يغلب على ظنه ذلك ، وحينئذ تباح له الصلاة ، ويستحب تأخيرها قليلاً احتياطاً لتزداد غلبة ظنه ، إلا أن يخشى خروج الوقت . وإن تيقن أن صلاته وقعت قبل الوقت ، ولو بإخبار عدل مقبول الرواية عن مشاهدة ، قضى في الأظهر عند الشافعية وعند أكثر العلماء ، وإلا أي إن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت ، فلا قضاء عليه . ودليل القضاء : ما روي عن ابن عمر وأبي موسى أنها أعادا الفجر ؛ لأنها صلياها قبل الوقت ، ولأن الخطاب بالصلاة يتوجه إلى المكلف عند دخول وقتها ، فإن لم تبرأ الذمة منه بقي بحاله . تأخير الصلاة: يجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله مع طفلٍ: (( أول (١) انظر مغني المحتاج: ١ / ١٢٧، المغني: ١ / ٣٨٦، ٣٩٥، بجيرمي الخطيب: ١ / ٣٥٥ وما بعدها ، نهاية المحتاج : ١ / ٢٨١ وما بعدها . - ٥١٨ _ الوقت رضوان الله وآخره عفو الله )) ولأنا لو لم نجوز التأخير لضاق على الناس ، فسمح لهم بالتأخير . لكن من أخر الصلاة عمداً ، ثم خرج الوقت وهو فيها ، أثم وأجزأته(١) . الأوقات المكروهة : ثبت في السنة النبوية النهي عن الصلاة في أوقات خمسة ، ثلاثة منها في حديث ، واثنان منها في حديث آخر . أما الثلاثة ففي حديث مسلم عن عقبة بن عامر الجُهَني: (( ثلاث ساعات كان رسول الله مَ لّ ينهانا أن نصلّي فيهن ، وأن نقبُر فيهن موتانا : حين تطلعُ الشمس بازغة حتى ترتفع (٢)، وحين يقوم قائم الظهيرة (٣) حتى تزول الشمس(٤)، وحين تتضيَّف(٥) الشمس للغروب » .٥ وهذه الأوقات الثلاثة تختص بأمرين : دفن الموتى والصلاة . وأما الوقتان الآخران ففي حديث البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ◌ُ ال يقول: ((لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)» ولفظ مسلم: ((لا صلاة بعد صلاة الفجر )) وهذان الوقتان يختصان بالنهي عن الصلاة فقط . فالأوقات الخمسة هي ما يأتي : (١) المهذب: ١ / ٥٣، المحرر في الفقه الحنبلي: ١ / ٢٨ (٢) بين حديث عمرو بن عبسة قدر ارتفاعها بلفظ ((وترتفع قَيْس - أي قدر - رمح أو رمحين)) رواه أبو داود والنسائي . وطول الرمح : ٢,٥٠ م أو سبعة أذرع في رأي العين تقريباً وقال المالكية : اثنا عشر شبراً . (٣) ورد في حديث ابن عبسة ((حتى يعدل الرمح ظله)) ومعنى قوله ((قائم الظهيرة)): قيام الشمس وقت الاستواء . (٤) أي تميل عن كبد السماء أي وسطها (٥) أي تميل ( راجع الحديثين في سبل السلام: ١ / ١١١ وما بعدها ) - ٥١٩ - اً - ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس كرُمْح في رأي العين ٢ - وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رُمح أي بعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة . ٣ - وقت الاستواء(١) إلى أن تزول الشمس أي يدخل وقت الظهر ٤ - وقت اصفرار الشمس حتى تغرب ه ـ بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس . 1 والحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات وتحريم النوافل فيها هي : أن الأوقات الثلاثة الأولى ورد تعليل النهي عن الصلاة فيها في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم وأبي داود والنسائي : وهو أن الشمس عند طلوعها تطلع بين قرني شيطان ، فيصلي لها الكفار ، وعند قيام قائم الظهيرة تسجر ( توقد ) جهنم وتفتح أبوابها ، وعند الغروب تغرب بين قرني شيطان ، فيصلي لها الكفار . فالحكمة هي إما التشبه بالكفار عبدة الشمس ، أو لكون الزوال وقت غضب . وأما حكمة النهي عن النوافل بعد الصبح وبعد العصر فهي ليست لمعنى في الوقت ، وإنما لأن الوقت كالمشغول حكماً بفرض الوقت ، وهو أفضل من النفل الحقيقي . وأما نوع الحكم المستفاد من النهي : فهو حرمة النافلة عند الحنابلة في الأوقات الخمسة وعند المالكية في الأوقات الثلاثة ، والكراهة التنزيهية في الوقتين الآخرين . والكراهة التحريمية عند الحنفية في الأوقات الخمسة ، وهو المعتمد عند (١) التعبير به أولى من التعبير بوقت الزوال؛ لأن وقت الزوال لا تكره فيه الصلاة إجماعاً؛ لأن زوال الشمس يحدث عقب انتصاف النهار . - ٥٢٠ -