النص المفهرس
صفحات 461-480
أكثر أيام الحيض ( ١٥ يوماً ) ، وتلغي أيام الطهر التي بينها ، فلا تعدها . فما زاد عن مدة أكثر الحيض يكون استحاضة . وتغتسل في كل يوم لا ترى فيه الدم ، رجاء أن يكون طهراً كاملاً . وتكون حائضاً في كل يوم ترى فيه الدم ، وتجتنب ما تجتنبه الحائض . ويرى الشافعية والحنابلة : أن أقل زمن الحيض يوم وليلة : وهو أربع وعشرون ساعة ، على الاتصال المعتاد في الحيض ، بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت ، فلا يشترط نزوله بشدة دائماً حتى يوجد الاتصال . وعلى هذا فقد يتصل في الظاهر أو ينقطع في الظاهر ، ولكنه موجود في الواقع ، ويعرف بتلوث قطنة أو نحوها . فإن رأت الدم أقل من يوم وليلة ، فهو دم استحاضة ، لا دم حيض . وغالبه: ست أو سبع، لقوله طلّ لحمنة بنت جحش لما سألته: ((تَحَيَّضي في علم الله ستة أيام أو سبعة ، ثم اغتسلي وصلي أربعاً وعشرين ليلة وأيامها ، أو ثلاثاً وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزيك))(١). وأكثره : خمسة عشر يوماً بلياليها ، فإن زاد عليها فهو استحاضة . ويتميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته ورائحته الكريهة . ودليلهم : الاستقراء ( السؤال والتتبع لأحوال بعض النساء في زمان ما ) الذي قام به في زمانه الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره ؛ إذ لا ضابط له لغة ولا شرعاً ، فرجع إلى المتعارف بالاستقراء ، ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة ، كما هو المقرر في القبض والإحراز والتفرق بين المتبايعين في العقود . (١) تتمة الحديث: وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، ويَطْهُرن لميقات حيضتهن وطهرهن)) رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححاه ، وحسنه البخاري ( نيل الأوطار: ٢٧١/١ ) - ٤٦١ - ويؤيدهم قول علي: (( أقل الحيض يوم وليلة ، وما زاد على خمسة عشر استحاضة)). وقول عطاء: ((رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر)» أقل الطهر : قال الجمهور غير الحنابلة(١): إن أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين : خمسة عشر يوماً ؛ لأن الشهر غالباً لا يخلو عن حيض وطهر ، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر، لزم أن يكون أقل الطهر كذلك خمسة عشر يوماً . ولا حد لأكثره ؛ لأنه قد يمتد سنة أو سنتين ، وقد لا تحيض المرأة أصلاً ، وقد تحيض في السنة مرة واحدة . وقال الحنابلة(٢) : أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما، لما روى أحمد عن علي: (( أن امرأة جاءته - قد طلقها زوجها - فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض ، فقال علي لشريح : قل فيها ، فقال شريح : إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته ، فشهدت بذلك ، وإلا فهي كاذبة . فقال علي: (( قالون )) أي جيد بالرومية . وهذا لا يقوله إلا توقيفاً ، وهو قول صحابي اشتهر ، ولم يعلم خلافه ، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقيناً(٣) . ولا حد لأكثر الطهر باتفاق الفقهاء . والمراد بالطهر : هو زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنفاس ، وللطهر علامتان : جفاف الدم أو جفوفه ، والقصة البيضاء : وهي ماء أبيض رقيق يأتي (١) فتح القدير: ١٢١/١، مراقي الفلاح: ص٢٤، الشرح الصغير: ٢٠٩/١، بداية المجتهد: ٤٨/١ ، مغني المحتاج : ١٠٩/١، حاشية الباجوري: ١١٦/١، المهذب: ٣٩/١ (٢) كشاف القناع : ٢٣٤/١ (٣) وهذا مبني على أن أقل الحيض يوم وليلة . وكانت حيضات هذه المرأة بأقل مدة الحيض . - ٤٦٢ - في آخر الحيض(١) . النقاء من الدم في أيام الحيض : النقاء : أي عدم الدم ، ويحدث ذلك بأن تبدأ العادة الشهرية ، ثم ينقطع الحيض مدة زمنية ، ثم يعود ، فهل تعد تلك المدة من أيام الحيض أم لا ؟ هناك رأيان فقهيان ، الأول للحنفية والشافعية ، والثاني للمالكية والحنابلة(٢) . وأصحاب الرأي الأول يرون : أن النقاء من الدم في أيام الحيض يعتبر حيضاً ، فلو رأت يوماً دماً، ويوماً نقاء. بحيث لو وضعت قطنة لم تتلوث ، ويوماً بعد ذلك دماً وهكذا في مدة الحيض ( أثناء العادة ) ، تعتبر حائضاً في كل تلك المدة . وأصحاب الرأي الثاني يأخذون بمبدأ التلفيق : وهو ضم الدم إلى الدم واعتبار أيام النقاء طهراً صحيحاً ، فلو رأت الحائض الدم يوماً أو يومين ، ثم طهرت يوماً أو يومين، جمعت أيام الدم بعضها إلى بعض ، واعتبر الباقي طهراً. واتفق الكل على أن الطهر ( المتخلل ) بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوماً فأكثر يكون فاصلاً بين الدمين في الحيض ، وما قبله وما بعده يعد حيضاً إذا بلغ أقل مدة الحيض . وها هو تفصيل الآراء في كل مذهب : أ - مذهب الحنفية: أفتى كثير من المتأخرين بقول أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة الآخر ، لأنه أيسر ، وهو أن الطهر المتخلل بين الدمين ، لا يعد فاصلاً ، بل يكون كالدم المتوالي بشرط إحاطة الدم لطرفي الطهر المتخلل ، (١) بداية المجتهد: ٥٢/١ ، القوانين الفقهية: ص٤١. (٢) فتح القدير: ١١٢/١، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٢٦٧/١، اللباب: ٤٩/١، بداية المجتهد: ٥٠/١ ، الشرح الصغير: ٢١٢/١، مغني المحتاج: ١١٩/١، حاشية الباجوري: ١١٤/١، المهذب: ٣٩/١، المغني: ٣٥٩/١ وما بعدها ، كشاف القناع : ٢٤٦/١ وما بعدها . - ٤٦٣ - فيجوز بداية الحيض بالطهر ، وختمه به أيضاً ، فلو رأت مبتدأة يوماً دماً ، وأربعة عشر طهراً ، ويوماً دماً ، فالعشرة الأولى حيض . ولو رأت المعتادة قبل عادتها يوماً دماً وعشرة طهراً ويوماً دماً ، فالعشرة التي لم تر فيها الدم حيض إن كانت عادتها ، وإلا ردت إلى أيام عادتها . وأما الطهر المتخلل بين الأربعين يوماً في حالة النفاس فلا يفصل عند أبي حنيفة وعليه الفتوى ، سواء أكان خمسة عشر أم أقل أم أكثر ، ويجعل إحاطة الدم بطرفيه كالدم المتوالي . ٢ - مذهب الشافعية : الأظهر المعتمد أن النقاء بين دماء أقل الحيض فأكثر حيض تبعاً لها ، بشروط: وهي ألا يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً ، ولم تنقص الدماء المرئية عند المرأة عن أقل الحيض ، وأن يكون النقاء محتوشاً ( محوطاً ) بين دمي حيض . وهذا يسمى قول السَّحْب ؛ لأننا سحبنا الحكم بالحيض على النقاء أيضاً ، وجعلنا الكل حيضاً . وهناك قول آخر ضعيف يسمى قول اللَّقْط : وهو أن النقاء طهر ؛ لأن الدم إذا كان حيضاً ، كان النقاء طهراً ، وسمي بذلك لأنا لقطنا أوقات النقاء ، وجعلناها طهراً . أما زمن النقاء في حالة النفاس فهو على المعتمد طهر ، لكنه يحسب من مدة النفاس الستين يوماً أي أنه من النفاس عدداً لا حكماً على المعتمد . والخلاصة : أن النقاء في الحيض يأخذ حكم الحيض ، وفي النفاس : لا يأخذ حكمه ، وإنما يحسب أي النقاء من أيام الستين التي هي أكثر مدة النفاس : ٣ - مذهب المالكية المعتمد ، والحنابلة : هو الأخذ بالتلفيق أي ضم الدم - ٤٦٤ - إلى الدم ، والطهر في أثناء الحيضة طهر صحیح ، فإذا أتاها الدم في يوم مثلاً ، وانقطع يوماً أو أكثر، ولم يبلغ الانقطاع نصف الشهر وهو أكثر مدة الحيض ، فإنها تلفق أيام الدم فقط ، أي يضم الدم إلى الدم ، فيكون حيضاً ، وما بينهما من النقاء طهر. وحكم الملفقة: أنها تغتسل وجوباً ، كلما انقطع دمها ، وتصلي وتصوم وتوطأ ، لأنه طهر حقيقة ، لكن قال الحنابلة : يكره وطؤها زمن الطهر . وتظل على هذا النحو عند الحنابلة إلى أن يجاوز زمن الدم وزمن النقاء أكثر الحيض ، كأن ترى يوماً دماً ويوماً طهراً إلى ثمانية عشر يوماً مثلاً ، فتكون مستحاضة . وقال المالكية : تلفق المبتدأة ، والمعتادة نصف الشهر : خمسة عشر يوماً . أما المعتادة أقل من نصف شهر: فتلفق عادتها ، مع إضافة ثلاثة أيام على أكثر عادتها ، وهي التي تسمى أيام الاستظهار. وما نزل عليها من الدم بعد ذلك فاستحاضة لا حيض . المبحث الثاني - تعريف النفاس ومدته أولاً - تعريف النفاس : بالى النفاس عند الحنفية والشافعية(١) : هو الدم الخارج عقب الولادة . أما الخارج مع الولد حال الولادة أو قبله ، فهو دم فساد واستحاضة ، فتتوضأ إن قدرت وتصلي ، وأضاف الحنفية : أو تتيم وتومئ بصلاة ولا تؤخر الصلاة . واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولادة المتصل بحيض قبله ، بناء على أن (١) فتح القدير: ١٢٩/١، البدائع: ٤١/١ - ٤٣، الدر المختار: ٢٧٥/١ وما بعدها، اللباب: ٣٥٢/١، مراقي الفلاح: ص ٢٣، مغني المحتاج: ١١٩/١، حاشية الباجوري: ١١٣/١، المهذب: ٤٥/١، المجموع : ٥٢٩/١ وما بعدها . الفقه الإسلامي جـ١ (٣٠) - ٤٦٥ - ٠ الحامل تحيض في الأصح عندهم ، وقال المالكية : الدم الذي يخرج قبل الولادة هو دم حيض . والنفاس عند الحنابلة(١) : الدم الخارج بسبب الولادة . والدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق ، والدم الخارج مع الولادة هو دم نفاس عندهم ، كالدم الخارج عقب الولادة . ويعد الدم عند هؤلاء دم نفاس : بخروج أكثر الولد ، ولو متقطعاً عضواً عضواً، ولو سِقْطاً(٢) استبان فيه بعض خلقة الإنسان كأصبع أو ظفر ، ولو بين توأمين (٣) ، إلا أن الأصح عند الشافعية أن النفاس معتبر من الولد الثاني ، وما يخرج بعد الأول هو حيض ان اتصل بحيض سابق وإلا فهو استحاضة . فإن رأت دماً بعد إلقاء نطفة أو علقة ، فليس بنفاس ، أما المالكية فقالوا(٤): النفاس : هو ما خرج من قُبُل المرأة عند ولادتها مع الولادة أو بعدها ، ولو بين توأمين . أما ما خرج قبل الولادة ، فالراجح أنه حيض ، فلا يحسب من الستين يوماً . ثانياً - مدة النفاس : للنفاس مدة دنيا وقصوى وغالبة(٥) . أما المدة الدنيا : فقال الشافعية : أقله لحظة أي مجة أو دفعة . وقال الأئمة (١) كشاف القناع : ٢٢٦/١ (٢) السقط : الجنين يسقط من بطن أمه قبل تمامه ، ذكراً كان أو أنثى (٣) التوأمان : الولدان في بطن إذا كان بينهما أقل من ستة أشهر . (٤) الشرح الصغير: ٢١٦/١ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٤٠ (٥) المراجع السابقة في كل مذهب - ٤٦٦ - الآخرون : لاحد لأقله ، لأنه لم يرد في الشرع تحديده ، فيرجع فيه إلى الوجود الفعلي ، وقد وجد قليلاً وكثيراً . والظاهر ألا خلاف بين الرأيين ، والمراد بها واحد . وقد تلد المرأة ولا ترى الدم ، روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله مٍَّ، ((فلم ترنفاساً))، فسميت ذات الجفوف . وغالبه عند الشافعية أربعون يوماً . وأكثره عند المالكية والشافعية ستون يوماً والمعتمد في ذلك هو الاستقراء ، وعند الحنفية والحنابلة : أربعون يوماً ، وما زاد عن ذلك فهو استحاضة ، بدليل قول أم سلمة: ((كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله مدافع أربعين يوماً، وأربعين ليلة))(١) المبحث الثالث - أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء : للحيض أحكام خمسة وهي ما يلي(٢): ٦ - الحيض ومثله النفاس يوجب الغسل بعد انقطاعه، لقوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن المحيض ، قل: هو أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ، ولا تقربوهن حتى يطْهُرنَ ، فإذا تطَّهِرْنَ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ . (١) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، أي رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه الدرا قطني والحاكم أيضاً ، وهو صحيح ، والقول بضعفه مردود كما قال النووي ( نيل الأوطار: ٢٨٢/١) لكن قال فيه الشافعية : لا دلالة فيه على نفي الزيادة ، أو محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات . (٢) كشاف القناع : ٢٢٨/١ - ٤٦٧ - ولقوله ◌َ ◌ّ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: ((فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدم وصَلِّي» (١) وفي رواية للبخاري : (( ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي)). ٢ - البلوغ: تبلغ الأنثى وتصبح أهلاً للتكاليف الشرعية بالحيض ، لقوله مَافةٍ: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار))(٢) فأوجب عليها أن تستمر لأجل الحيض ، فدل على أن التكليف حصل به . ٣ - الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد بالحيض، ومن المعلوم أن الأصل في مشروعية العدة العلم ببراءة الرحم . ٤ - الاعتداد بالحيض في رأي الحنفية والحنابلة؛ لأن الأقراء الثلاثة المنصوص عليها في القرآن الكريم هي الحيضات ، ولا تنتهي عدة المطلقة غير الحامل إلا بانتهاء الحيضة الثالثة ولا تحتسب الحيضة التي وقع الطلاق في أثنائها . وقال المالكية والشافعية : القرء : الطهر، فتحسب العدة بزمن الأطهار ، وتنتهي العدة بابتداء الحيضة الثالثة ، ويحتسب الطهر الذي وقع الطلاق فيه من الأطهار الثلاثة ولو كان لحظة . ٥ - الكفارة بالوطء في أثناء الحيض عند الحنابلة، وسنفصل الكلام في ذلك في بحث ما يحرم بالحيض . ما يحرم بالحيض والنفاس : ويحرم بالحيض والنفاس ما يحرم بالجنابة وهي سبعة أمور : الصلوات كلها ، وسجود التلاوة ، ومس المصحف ، ودخول المسجد ، والطواف ، والاعتكاف ، وقراءة القرآن ، لكن أجاز المالكية على المعتمد (١) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها ( نيل الأوطار: ٥٦٨/١ ) (٢) رواه أحمد وغيره - ٤٦٨ - للحائض والنفساء قراءة القرآن عن ظهر قلب إلا بعد انقطاع الدم وقبل غسلها ، سواء أكانت جنباً حال حيضها أو نفاسها أم لا . ويزاد على ذلك أمور أخرى ، وقد عد الحنفية ثمانية أمور تحرم على الحائض والنفساء ، والمالكية عدوا اثني عشر ، وهي السبعة السابقة وخمسة أخرى وهي الصيام ، والطلاق ، والجماع في الفرج قبل انقطاع الدم ، والجماع بما دون الفرج قبل انقطاع الدم ، والجماع بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال . وعد الشافعية ثمانية أمور ، والحنابلة خمسة عشر أمراً . وتفصيل هذه الممنوعات في حالة الحيض ومثله النفاس وأدلتها يتبين فيما يأتي(١) : ١ - الطهارة: غسلاً أو وضوءاً: في رأي الشافعية والحنابلة، فإذا حاضت المرأة ، حرم عليها الطهارة للحيض ؛ لأن الحيض ومثله النفاس يوجب الطهارة ، وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول ، أي أن انقطاعه شرط لصحة الطهارة له . لكن يجوز الغسل الجنابة أو إحرام ودخول مكة ونحوه (٢) ، بل يستحب لذلك . ٣ - الصلاة: يحرم على الحائض والنفساء الصلاة ، لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيش المتقدم: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )) لكن يسقط فرض الصلاة (١) البدائع: ٤٤/١، الدر المختار ورد المختار: ١ / ١٥٨ - ١٦٢، ٢٦٨ - ٢٧٤، فتح القدير: ١١٤/١ - ١١٩، تبيين الحقائق: ٥٦/١ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٢٤ ، الشرح الصغير: ٢١٥/١ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٤٠، بداية المجتهد: ٥٤/١ - ٥٧، ٦١، المهذب: ٣٨/١، ٤٥، مغني المحتاج: ١٠٩/١، ١٢٠، تحفة الطلاب: ٣٣ وما بعدها، بجيرمي الخطيب: ٣١٢/١ - ٣٢٣، حاشية الباجوري: ١١٧/١ - ١١٩، المغني: ٣٠٦/١ وما بعدها، ٣٣٣ - ٣٣٨، كشاف القناع: ٢٢٦/١ _ ٢٣٣ . (٢) هذا وقد ذكر الحنابلة الوضوء أمراً ثانياً ، كما ذكروا في الأمر الثاني: فعل الصلاة ووجوبها، أمرين . - ٤٦٩ - ولا يقضى، بإجماع العلماء، لما روت عائشة رضي الله عنها: (( كنا نحيض على عهد رسول الله مثله، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة))(١)، ولأنه يشق قضاء الصلاة لتكرر الحيض وطول مدته ، بخلاف الصوم . ويحرم على الحائض قضاء الصلاة ، والمعتمد عند الشافعية أنه يكره وتنعقد نفلاً مطلقاً لا ثواب فیه . ٣ - الصوم : يحرم على الحائض والنفساء الصوم ويمنع صحته ، لحديث عائشة السابق ، فإنه يدل على أنهن كن يفطرن . ولا يسقط قضاؤه عنها فتقضي الحائض والنفساء الصوم دون الصلاة للحديث نفسه ، ولأن الصوم في السنة مرة ، فلا يشق قضاؤه ، فلم يسقط، وهناك حديث آخر عن أبي سعيد الخدري : أن النبي ◌َّ قال للنساء : أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل ؟ قلن: بلى ، قال : فذلكن من نقصان عقلها . أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟ قلن : بلى؟ قال: فذلكن من نقصان دينها))(٢). ٤ - الطواف: لقوله تع لعائشة رضي الله عنها: ((إذا حضت ، افعلي ما يفعل الحاج ، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري))(٣) ولأنه يفتقر إلى الطهارة ولا يصح من الحائض . ة - قراءة القرآن ومس المصحف وحمله، كما سبق في الجنابة ، لقوله تعالى: ﴿ لا يمسه إلا المطهرون﴾ ولقوله ؤالٍ: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب (١) رواه الجماعة عن مُعَاذة (نيل الأوطار: ٢٨٠/١) (٢) رواه البخاري ( نيل الأوطار: ٢٧٩/١ وما بعدها) ورواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: ((تمكث الليالي ما تصلي ، وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها)) ( سبل السلام: ١٠٥/١) (٣) متفق عليه عن عائشة - ٤٧٠ - ۔ شيئاً من القرآن))(١) واستثنى الشافعية حالة الخوف على القرآن من غرق أو حرق أو نجاسة أو وقوعه في يد كافر ، فيجب حمله حينئذ ، كما يجوز حمله باتفاق العلماء في تفسير أكثر منه يقيناً ، ولا يجوز حمله عند الشافعية إذا قصده مع المتاع على المعتمد . واستثنى الحنفية حالة مس القرآن بغلاف متجاف عن القرآن ، ويكره مسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس ، ويرخص لأهل كتب الشريعة من حديث وفقه وتفسير أخذ الورقة بالكم وباليد للضرورة ، ويكره مسها ؛ لأنها لا تخلو عن آيات القرآن ، والمستحب ألا تقلب ورقة القرآن إلا بوضوء. وأجازوا تقليب أوراق المصحف بنحو قلم للقراءة ، كما أجازوا للصبي حمل القرآن ورفعه لضرورة التعلم ، ولا يكره النظر للقرآن لجنب وحائض ونفساء ؛ لأن الجنابة لا تحل العين . وتكره كتابة القرآن وأسماء الله تعالى على الدراهم والمحاريب والجدران وما يفرش ، وتكره القراءة في المخرج والمغتسل والحمام . ولا تكره كتابة آية على صحيفة منفصلة عن الكاتب ، إلا أن يمسها بيده . وقال المالكية على المعتمد : لا يحرم على الحائض والنفساء سواء أكانت جنباً أم لا قراءة القرآن عن ظهر قلب ، إلا بعد انقطاع الدم وقبل غسلها ، فلا تقرأ بعد انقطاعه مطلقاً حتى تغتسل ، إذ لاعذر لها حينئذ . ٦ - دخول المسجد ، واللبث والاعتكاف فيه ، ولو بوضوء ، لقوله الفم: ((لا أحل المسجد لحائض ولا جنب))(٢) (١) روي من حديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجه والبيهقي ، ومن حديث جابر عند الدارقطني ، وهو ضعيف ( نصب الراية : ١٩٥/١ ) (٢) رواه أبو داود - ٤٧١ - وأجاز الشافعية والحنابلة للحائض والنفساء العبور في المسجد إن أمنت تلويثه ، لأنه يحرم تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها من الأقذار ، ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله مع اليه: «ناوليني الخُمْرة من المسجد)) فقلت: ((إني حائض)) فقال: ((إن حيضتك ليست في يدك )»(١) وعن ميمونة رضي الله عنها قالت: «تقوم إحدانا بالخُمْرة إلى المسجد ، فتبسُطُها وهي حائض))(٢) هذا وأباح الحنابلة أيضاً للحائض المكث في المسجد بوضوء بعد انقطاع الدم . ٧ - الوطء في الفرج ( الجماع ) ولو بحائل باتفاق العلماء ، والاستمتاع بما بين السرة والركبة : عند الجمهور ( غير الحنابلة ) ، لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ والمراد بالاعتزال: ترك الوطء، ولقوله ال لعبد الله بن سعد حينما سأله: ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض؟ قال: ((لك ما فوق الإزار))(٣) ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الجماع، فحرم لخبر الصحيحين عن النعمان بن بشير: ((من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه )) والإزار : الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دون ، وهو ما بين السرة والركبة غالباً ، فما عدا ذلك جائز بالذكر أو القبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك . وأباح الحنابلة الاستمتاع بالحائض ونحوها بما دون السرة وفوق الركبة ماعدا (١) رواه مسلم ، والخمرة : هي السجادة أو الحصير الذي يضعه المصلي ليصلي عليه أو يسجد (٢) رواه النسائي (٣) رواه أبو داود عن حزام بن حكيم عن عمه : عبد الله بن سعد ( نيل الأوطار: ٢٧٧/١) وروي مثله عن عكرمة عند أبي داود، وعن عائشة عند البخاري ومسلم ونصه: ((كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله عَ اتّ أن يباشرها ، أمرها أن تأتزر بازار في فور حيضتها ، ثم يباشرها » والمراد بالمباشرة هنا : التقاء البشرتين ، لا الجماع ، والمراد بالاتزار، أن تشد إزاراً تستر سرتها ، وما تحتها إلى الركبة ( نيل الأوطار : ٧٧٧/١ وما بعدها ) - ٤٧٢ - الوطء في الفرج، لقوله ◌َ الّ: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) (١)، كما أنهم أباحوا الجماع لمن به شَبَق بشرط ألا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج ، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ ، ولا يجد غير الحائض بأن لا يقدر على مهر حرة ، ولا ثمن أُمَّة ... وتستمر حرمة الوطء والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند المالكية والشافعية حتى تغتسل أي تطهر بالماء لا بالتيم ، إلا في حال فقد الماء أو العجز عن استعماله ، فيباح الوطء بالتيم . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ، ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ فالله تعالى شرط لحل الوطء شرطين : انقطاع الدم ، والغسل ، الأول من قوله تعالى: ﴿ حتى يطهرن﴾ أي ينقطع دمهن ، والثاني : من قوله عز وجل : ﴿ فإذا تطهرْن ﴾ أي اغتسلن بالماء ﴿فأتوهن ) فتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل . وهذا هو رأي الحنابلة أيضاً في حرمة الوطء ( الجماع ) . وكذلك قال الحنفية : إذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام ، لم يحل وطؤها أو الاستمتاع بها حتى تغتسل أو تتيم بشرطه ، وإن لم تصل به في الأصح ؛ لأن الدم تارة يدر ، وتارة ينقطع ، فلابد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع . فإن لم تغتسل ومضى عليها وقت صلاة كامل ، بأن تجد من الوقت زمناً يسع الغسل ولبس الثياب وتحريمة الصلاة ، وخرج الوقت ، ولم تُصَلِّ ، حل وطؤها ؛ لأن الصلاة صارت ديناً في ذمتها ، فطهرت حكماً . (١) رواه الجماعة إلا البخاري، وروى البخاري في تاريخه عن مسروق بن أجدع قال: ((سألت عائشة رضي الله عنها: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الفرج)) ( نيل الأوطار: ٢٧٦/١ وما بعدها ) . - ٤٧٣ - ولو انقطع دم الحائض لدون عادتها ، فوق الأيام الثلاث ، لم يقربها حتى تمضي عادتها ، وإن اغتسلت ؛ لأن النقاء عندهم حيض كما عرفنا ، ولأن العَوْد في العادة غالب ، فكان الاحتياط في الاجتناب . وإن انقطع دم الحائض لعشرة أيام ، وهو أكثر الحيض عندهم ، جاز وطؤها قبل الغسل ؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة ؛ إلا أنه لا يستحب قبل الغسل ، للنهي عنه في قراءة ﴿ولا تقربوهن حتى يطَّهَّرن﴾ بالتشديد، والتشديد يدل على المبالغة في الطهارة ، وذلك إنما يكون بالاغتسال فعلاً ، لا بانقطاع الدم . والخلاصة : أن الحنفية أجازوا الوطء في حالة الحيض ومثله النفاس قبل الغسل في حالتين ، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ بتخفيف الطاء ، فإنه جعل الطهر غاية للحرمة . ويستحب ألا يطأها حتى تغتسل لقراءة التشديد ، خروجاً من الخلاف . والحالتان هما : أن يمضي على من انقطع دمها دون العشرة أيام وقت صلاة كامل ويخرج الوقت ولم تصل ، وأن ينقطع دمها لعشرة أيام أي بعد أكثر الحيض . أما الحالة الغالبة بين النساء : وهي انقطاع الدم بعد ستة أو سبعة أيام فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل ، مالم تصر الصلاة ديناً في ذمتها ، وهي الحالة الأولى السابقة فمن انقطع دمها لأكثر الحيض حلت حينئذ ، وإن انقطع دمها لأقل الحيض ، لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل . كفارة وطء الحائض ونحوها : يرى المالكية والحنفية والشافعية في المذهب الجديد : أنه لا كفارة على من وطئ حائضاً ونحوها ، بل الواجب عليه الاستغفار والتوبة ؛ لأن الأصل البراءة ، فلا ينتقل عنها إلا بحجة ، وحديث - ٤٧٤ - الكفارة مضطرب ، ولأنه وطء محرم للأذى ، فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر . ويرى الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد : أنه تجب الكفارة على من وطئ امرأة في أثناء الحيض أو النفاس ، وتجب على المرأة إن طاوعت الرجل في وطئها في الحيض ، ككفارة الوطء في الاحرام ، فإن كانت مكرهة فلا شيء عليها ، لعدم تكليفها . والكفارة واجبة ولو كان الوطء من ناس ومكره وجاهل الحيض أو التحريم ، أو كلاهما ، ولا تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم . والكفارة دينار أو نصف دينار على سبيل التخيير ، أيها أخرج أجزأه ، لما روي عن ابن عباس، عن النبي ◌ُ ◌ّ: في الذي يأتي امرأته ، وهي حائض : يتصدق بدينار أو نصف دينار(١) . وتسقط كفارة الوطء في الحيض بعجز عنها ، ككفارة الوطء في رمضان . وقال الشافعية : يسن لمن وطئ في إقبال الدم التصدق بدينار ، ولمن وطئ في إدباره التصدق بنصف دينار، لخبر ابن عباس السابق عند الترمذي: «إذا كان دماً أحمر، فدينار، وإن كان دماً أصفر ، فنصف دينار)). ووطء الحائض ليس بمعصية كبيرة ، لعدم انطباق تعريفها عليه . ٨ - الطلاق : يحرم الطلاق في الحيض ، ويكون الطلاق بدعياً واقعاً ، لما فيه من تطويل العدة على المرأة ، ولمخالفته قوله تعالى : ﴿ إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ أي في الوقت الذي يشرعن فيه العدة ، لأن بقية الحيض لا تحسب من العدة فتتضرر بطول مدة التربص والانتظار ، ولما روي عن ابن (١) رواه الخمسة ، قال الحافظ ابن حجر: والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جداً ( نيل الأوطار: ٢٧٨/١ ) - ٤٧٥ - ٦ عمر: ((أنه طلق امرأته، وهي حائض، فذكر عمر ذلك للنبي ◌ّ له، فقال : مره فليراجعها ، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً)(١) . أما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحل الطلاق . وهكذا يبين أنه إذا انقطع الدم لم يحل قبل الغسل غيرُ الصوم ، والطلاق ، والطهر ، والصلاة المكتوبة إذا فقدت المرأة الطهورين . أما الصوم : فلأن تحريمه بالحيض ، لا بالحدث ، بدليل صحته من الجنب ، وقد زال الحيض . وأما الطلاق : فلزوال المعنى المقتضي للتحريم ، وهو تطويل العدة . وأما الطهر فإنها مأمورة به . وأما الصلاة المكتوبة فهي مأمورة بها أيضاً . ولا تبدأ العدة إذا طلق الرجل زوجته في أثناء الحيض ، لقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وبعض القرء ليس بقرء . الفرق بين الحيض والجنابة : عرفنا أن ما يحرم على الحائض ونحوها أكثر مما يحرم على الجنب. وهناك فروق أخرى هي ( ز) فالجنب يجوز له أداء الصوم مع الجنابة ، ولا يجوز للحائض والنفساء ؛ لأن الحيض والنفاس أغلظ من الحدث ، وهو معنى قوله مؤ لّ في تفسير نقصان الدين عند المرأة: ((تقعد إحداهن شطر عمرها، لا تصوم ولا تصلي))(٣). (١) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر (نيل الأوطار: ٦ / ٢٢١). (٢) البدائع : ١ / ٤٤ . (٣) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ((النساء ناقصات عقل ودين ، قيل : وما نقصان دينهن ؟ قال : تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي ، قال البيهقي : لم أجده في شيء من كتب الحديث ، وقال ابن منده: لا يثبت هذا بوجه عن النبي ◌ّ (كشاف القناع: ١ / ٢٣٣). - ٤٧٦ - ١ ويقضي الجنب الصلاة والصوم ، والحائض ونحوها لا تقضي الصلاة وإنما تقضي الصوم فقط ؛ لأن الحيض يتكرر في كل شهر ، فتخرج في قضاء أيام العادة ، ولا حرج في قضاء الصوم ؛ لأنه مفروض في السنة مرة . ويحرم قربان المرأة في حالتي الحيض والنفاس ، ولا يحرم قربان المرأة التي أجنبت لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض) ومثل هذا لم يرد في الجنابة ، بل وردت الإباحة بقوله تعالى : ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ماكتب الله لكم ﴾ أي الولد ، فقد أباح المباشرة وطلب الولد بالجماع مطلقاً على الأحوال . الفرق بين الحيض والنفاس : يفترق الحيض عن النفاس في ثلاثة أمور هي(١) : ١ - الاعتداد بالحيض عند الحنفية والحنابلة ؛ لأن انقضاء العدة بالقروء والنفاس ليس بقرء . ٢ - النفاس لا يوجب البلوغ، لحصوله قبله بالحمل؛ لأن الولد ينعقد من الرجل والمرأة ، لقوله تعالى: ﴿ خلق من ماء دافق ، يخرج بين الصلب والترائب ﴾ . ٣ - لاتحتسب مدة النفاس على المولى عليه في مدة الإيلاء(٢) في قوله تعالى : ﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ﴾ لأنه ليس بمعتاد ، بخلاف الحيض . (١) كشاف القناع: ١ / ٢٢٩ . (٢) الإيلاء : هو أن يحلف الزوج بالله تعالى أو بصفة من صفاته: ألا يقرب زوجته أربعة أشهر أو أكثر، أو يعلق على قربانها أمراً فيه مشقة على نفسه ، كالصيام أو الحج أو الإطعام . - - ٤٧٧ - ٦ وبدن الحائض وعَرَقها وسؤرها طاهر ، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك ، ولا وضع يديها في شيء من المائعات ، وأجمع العلماء على جواز مؤاكلة الحائض كالمعتاد دون عزلها ، لأن المراد من اعتزالها هو وطؤها ، روت عائشة فقالت: (( كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي مع اله، فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرق العَرْق، وأنا حائض، فأناوله النبي ◌ُ ◌ّ فيضع فاه على موضع في )»(١) . المبحث الرابع - الاستحاضة وأحكامها : تعريف الاستحاضة : هي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة ( غير الحيض والنفاس ) من مرض وفساد ، من عرق أدنى الرحم ، يقال له العاذل . فكل نزيف من الأنثى قبل مدة الحيض ( وهي تسع سنين ) ، أو نقص عن أقل الحيض ، أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس ، أو زاد عن أيام العادة الشهرية وجاوز أكثر مدة الحيض ، أو ماتراه الحامل ( الحبلى ) في رأي الحنفية والحنابلة ، هو استحاضة(٢) . أحكام المستحاضة : هناك أمور ثلاثة تحتاج إلى بحث وهي مايأتي : أولاً - هل يحرم شيء على المستحاضة مما يحرم على الحائض ؟ الاستحاضة حدث دائم كسلَس بول ومذي وغائط وريح باتفاق الفقهاء ، أو كرعاف دائم أو جرح لا يرقأ دمه أي لا يسكن عند الحنفية والحنابلة ، فلا يمنع (١) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، ومعنى ((أتعرق العَرْق)) أي آكل ما عليه من اللحم. وروى أحمد والترمذي عن عبد الله بن سعد قال: سألت النبي ◌َّم عن مواكلة الحائض، قال: واكلها)) (نيل الأوطار: ١ / ٢٨١ ) . (٢) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٢٦٢ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٢٥، الشرح الصغير: ١ / ٢٠٧ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٤١، مغني المحتاج: ١ / ١٠٨، كشاف القناع: ١ / ٢٢٦، ٢٣٦. - ٤٧٨ - شيئاً مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلاً ، وطواف ، وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد واعتكاف ووطء بلا كراهة ، للضرورة(١) ، والأحاديث الثابتة في ذلك ، منها : ١ - ماروت عائشة قالت: ((قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله عَ له : إني امرأة أُسْتَحاض، فلا أطهرُ، أفادع الصلاة، فقال رسول الله ماتطلٍ: إنما ذلك عِرْق ( أي ينزف ) ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب قدرها ( قدر عادتها ) فاغسلي عنك الدم، وصلِّي))(٢). ٢ - أمر النبي ◌ُِّّ حَمْنة بنت جَحْش بالصوم والصلاة في حالة الاستحاضة(٢) . ٣ - روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش (( أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها)) وقال: ((كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها)) وكانت حمنة زوجة طلحة، وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف(٤). وهذا المذكور في إباحة وطء المستحاضة هو ماقرره الفقهاء ، منهم الإمام أحمد في رواية عنه ، وفي رواية أخرى يظهر أنها الراجحة عند الحنابلة : لاتوطأ المستحاضة إلا أن يخاف على نفسه الوقوع في محظور ، لما روى الخلال بإسناده عن عائشة: ((أنها قالت : المستحاضة لا يغشاها زوجها)) ولأن بها أذى ، فيحرم وطؤها كالحائض ، قال تعالى في الحائض معللاً منع وطئها بالأذى ﴿ قل : هو أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ . (١) الدر المختار: ١ / ٢٧٥، مراقي الفلاح: ص ٢٥، فتح القدير: ١ / ١٢١، الشرح الصغير: ١ / ٢١٠، القوانين الفقهية: ص ٤١، مغني المحتاج: ١ / ١١١، المغني: ١ / ٣٣٩، كشاف القناع: ١ / ٢٣٥، ٢٣٧ . (٢) رواه البخاري والنسائي وأبو داود ( نيل الأوطار: ١ / ٢٦٨). (٣) رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه (نيل الأوطار: ١ / ٢٧١). (٤) بنات جحش ثلاث: زينب أم المؤمنين، وحمنة، وأم حبيبة ( سبل السلام: ١ / ١٠٣). - ٤٧٩ _ لكن إذا انقطع دم المستحاضة أبيح وطؤها عند الحنابلة من غير غسل ، لأن الغسل ليس بواجب عليها كسلس البول . ثانياً - طهارة المستحاضة الوضوء والغسل : قال المالكية(١) : يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ، كما يستحب لها بعد انقطاع الدم الغسل من دم الاستحاضة . وقال الحنفية والشافعية والحنابلة ( الجمهور )(٢): يجب على المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة ، بعد أن تغسل فرجها ، وتعصِبه ، وتحشوه بقطن وما أشبهه إلا إذا أحرقها الدم أو كانت صائمة، ليرد الدم، لقوله عَ لّ لجمنة حين شكت إليه كثرة الدم: (( أنْعَتِ لِك الكُرْسُفَ ، فإنه يُذهب الدمّ))(٢) . فإن استوثقت ( بأن تشد حرقة مشقوقة الطرفين تخرج أحدهما من أمامها والآخر من خلفها ، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة ) ثم خرج الدم من غير تفريط في الشد ، لم تبطل صلاتها، لما روت عائشة رضي الله عنها : أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت ، فقال لها النبي ◌َ ◌ّ: ((اجتنبي الصلاة أيام محيضك ، ثم اغتسلي ، وتوضئي لكل صلاة ، ثم صَلَّي ، وإن قطر الدم على (٤) الحصير ))(٤) . والدليل على أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل فريضة: هو أن النبي ◌ُ ◌ّ قال (١) القوانين الفقهية: ص ٢٦، ٤١ ، بداية المجتهد: ١ / ٥٧ وما بعدها . (٢) اللباب: ١ / ٥١، مراقي الفلاح: ص ٢٥، مغني المحتاج: ١ / ١١١ وما بعدها، المهذب: ١ / ٤٥ وما بعدها ، المغني : ١ / ٣٤٠ _ ٣٤٢ . (٣) رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه ( نيل الأوطار: ١ / ٢٧١). (٤) رواه الخمسة ( أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وابن حبان ، ورواه مسلم في الصحيح بدون قوله: ((وتوضئي لكل صلاة)) ( نصب الراية: ١ / ١٩٩ وما بعدها، نيل الأوطار: ١ / ٢٧٥). - ٤٨٠ _