النص المفهرس

صفحات 461-480

أكثر أيام الحيض ( ١٥ يوماً ) ، وتلغي أيام الطهر التي بينها ، فلا تعدها . فما زاد
عن مدة أكثر الحيض يكون استحاضة .
وتغتسل في كل يوم لا ترى فيه الدم ، رجاء أن يكون طهراً كاملاً .
وتكون حائضاً في كل يوم ترى فيه الدم ، وتجتنب ما تجتنبه الحائض .
ويرى الشافعية والحنابلة : أن أقل زمن الحيض يوم وليلة : وهو أربع
وعشرون ساعة ، على الاتصال المعتاد في الحيض ، بحيث لو وضعت قطنة
لتلوثت ، فلا يشترط نزوله بشدة دائماً حتى يوجد الاتصال . وعلى هذا فقد
يتصل في الظاهر أو ينقطع في الظاهر ، ولكنه موجود في الواقع ، ويعرف
بتلوث قطنة أو نحوها . فإن رأت الدم أقل من يوم وليلة ، فهو دم استحاضة ،
لا دم حيض .
وغالبه: ست أو سبع، لقوله طلّ لحمنة بنت جحش لما سألته: ((تَحَيَّضي
في علم الله ستة أيام أو سبعة ، ثم اغتسلي وصلي أربعاً وعشرين ليلة وأيامها ، أو
ثلاثاً وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزيك))(١). وأكثره : خمسة عشر يوماً بلياليها ،
فإن زاد عليها فهو استحاضة .
ويتميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته ورائحته الكريهة .
ودليلهم : الاستقراء ( السؤال والتتبع لأحوال بعض النساء في زمان ما ) الذي قام
به في زمانه الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره ؛ إذ لا ضابط له لغة ولا شرعاً ،
فرجع إلى المتعارف بالاستقراء ، ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة ، كما هو
المقرر في القبض والإحراز والتفرق بين المتبايعين في العقود .
(١) تتمة الحديث: وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، ويَطْهُرن لميقات حيضتهن وطهرهن)) رواه
أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححاه ، وحسنه البخاري ( نيل الأوطار: ٢٧١/١ )
- ٤٦١ -

ويؤيدهم قول علي: (( أقل الحيض يوم وليلة ، وما زاد على خمسة عشر
استحاضة)). وقول عطاء: ((رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة
عشر)»
أقل الطهر : قال الجمهور غير الحنابلة(١): إن أقل الطهر الفاصل بين
الحيضتين : خمسة عشر يوماً ؛ لأن الشهر غالباً لا يخلو عن حيض وطهر ، وإذا
كان أكثر الحيض خمسة عشر، لزم أن يكون أقل الطهر كذلك خمسة عشر يوماً .
ولا حد لأكثره ؛ لأنه قد يمتد سنة أو سنتين ، وقد لا تحيض المرأة أصلاً ، وقد
تحيض في السنة مرة واحدة .
وقال الحنابلة(٢) : أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما، لما روى أحمد
عن علي: (( أن امرأة جاءته - قد طلقها زوجها - فزعمت أنها حاضت في شهر
ثلاث حيض ، فقال علي لشريح : قل فيها ، فقال شريح : إن جاءت ببينة من
بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته ، فشهدت بذلك ، وإلا فهي كاذبة . فقال
علي: (( قالون )) أي جيد بالرومية . وهذا لا يقوله إلا توقيفاً ، وهو قول صحابي
اشتهر ، ولم يعلم خلافه ، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر
طهر صحيح يقيناً(٣) .
ولا حد لأكثر الطهر باتفاق الفقهاء .
والمراد بالطهر : هو زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنفاس ، وللطهر
علامتان : جفاف الدم أو جفوفه ، والقصة البيضاء : وهي ماء أبيض رقيق يأتي
(١) فتح القدير: ١٢١/١، مراقي الفلاح: ص٢٤، الشرح الصغير: ٢٠٩/١، بداية المجتهد: ٤٨/١ ، مغني
المحتاج : ١٠٩/١، حاشية الباجوري: ١١٦/١، المهذب: ٣٩/١
(٢) كشاف القناع : ٢٣٤/١
(٣) وهذا مبني على أن أقل الحيض يوم وليلة . وكانت حيضات هذه المرأة بأقل مدة الحيض .
- ٤٦٢ -

في آخر الحيض(١) .
النقاء من الدم في أيام الحيض : النقاء : أي عدم الدم ، ويحدث ذلك
بأن تبدأ العادة الشهرية ، ثم ينقطع الحيض مدة زمنية ، ثم يعود ، فهل تعد تلك
المدة من أيام الحيض أم لا ؟
هناك رأيان فقهيان ، الأول للحنفية والشافعية ، والثاني للمالكية
والحنابلة(٢) . وأصحاب الرأي الأول يرون : أن النقاء من الدم في أيام الحيض
يعتبر حيضاً ، فلو رأت يوماً دماً، ويوماً نقاء. بحيث لو وضعت قطنة لم
تتلوث ، ويوماً بعد ذلك دماً وهكذا في مدة الحيض ( أثناء العادة ) ، تعتبر
حائضاً في كل تلك المدة .
وأصحاب الرأي الثاني يأخذون بمبدأ التلفيق : وهو ضم الدم إلى الدم واعتبار
أيام النقاء طهراً صحيحاً ، فلو رأت الحائض الدم يوماً أو يومين ، ثم طهرت يوماً
أو يومين، جمعت أيام الدم بعضها إلى بعض ، واعتبر الباقي طهراً. واتفق الكل
على أن الطهر ( المتخلل ) بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوماً فأكثر يكون فاصلاً
بين الدمين في الحيض ، وما قبله وما بعده يعد حيضاً إذا بلغ أقل مدة الحيض .
وها هو تفصيل الآراء في كل مذهب :
أ - مذهب الحنفية: أفتى كثير من المتأخرين بقول أبي يوسف وهو قول
أبي حنيفة الآخر ، لأنه أيسر ، وهو أن الطهر المتخلل بين الدمين ، لا يعد
فاصلاً ، بل يكون كالدم المتوالي بشرط إحاطة الدم لطرفي الطهر المتخلل ،
(١) بداية المجتهد: ٥٢/١ ، القوانين الفقهية: ص٤١.
(٢) فتح القدير: ١١٢/١، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٢٦٧/١، اللباب: ٤٩/١، بداية المجتهد: ٥٠/١ ،
الشرح الصغير: ٢١٢/١، مغني المحتاج: ١١٩/١، حاشية الباجوري: ١١٤/١، المهذب: ٣٩/١، المغني: ٣٥٩/١
وما بعدها ، كشاف القناع : ٢٤٦/١ وما بعدها .
- ٤٦٣ -

فيجوز بداية الحيض بالطهر ، وختمه به أيضاً ، فلو رأت مبتدأة يوماً دماً ،
وأربعة عشر طهراً ، ويوماً دماً ، فالعشرة الأولى حيض . ولو رأت المعتادة قبل
عادتها يوماً دماً وعشرة طهراً ويوماً دماً ، فالعشرة التي لم تر فيها الدم حيض إن
كانت عادتها ، وإلا ردت إلى أيام عادتها .
وأما الطهر المتخلل بين الأربعين يوماً في حالة النفاس فلا يفصل عند أبي
حنيفة وعليه الفتوى ، سواء أكان خمسة عشر أم أقل أم أكثر ، ويجعل إحاطة الدم
بطرفيه كالدم المتوالي .
٢ - مذهب الشافعية : الأظهر المعتمد أن النقاء بين دماء أقل الحيض فأكثر
حيض تبعاً لها ، بشروط: وهي ألا يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً ، ولم تنقص
الدماء المرئية عند المرأة عن أقل الحيض ، وأن يكون النقاء محتوشاً ( محوطاً ) بين
دمي حيض .
وهذا يسمى قول السَّحْب ؛ لأننا سحبنا الحكم بالحيض على النقاء أيضاً ،
وجعلنا الكل حيضاً .
وهناك قول آخر ضعيف يسمى قول اللَّقْط : وهو أن النقاء طهر ؛ لأن الدم
إذا كان حيضاً ، كان النقاء طهراً ، وسمي بذلك لأنا لقطنا أوقات النقاء ،
وجعلناها طهراً .
أما زمن النقاء في حالة النفاس فهو على المعتمد طهر ، لكنه يحسب من مدة
النفاس الستين يوماً أي أنه من النفاس عدداً لا حكماً على المعتمد .
والخلاصة : أن النقاء في الحيض يأخذ حكم الحيض ، وفي النفاس : لا يأخذ
حكمه ، وإنما يحسب أي النقاء من أيام الستين التي هي أكثر مدة النفاس :
٣ - مذهب المالكية المعتمد ، والحنابلة : هو الأخذ بالتلفيق أي ضم الدم
- ٤٦٤ -

إلى الدم ، والطهر في أثناء الحيضة طهر صحیح ، فإذا أتاها الدم في يوم مثلاً ،
وانقطع يوماً أو أكثر، ولم يبلغ الانقطاع نصف الشهر وهو أكثر مدة الحيض ،
فإنها تلفق أيام الدم فقط ، أي يضم الدم إلى الدم ، فيكون حيضاً ، وما بينهما من
النقاء طهر. وحكم الملفقة: أنها تغتسل وجوباً ، كلما انقطع دمها ، وتصلي
وتصوم وتوطأ ، لأنه طهر حقيقة ، لكن قال الحنابلة : يكره وطؤها زمن
الطهر .
وتظل على هذا النحو عند الحنابلة إلى أن يجاوز زمن الدم وزمن النقاء أكثر
الحيض ، كأن ترى يوماً دماً ويوماً طهراً إلى ثمانية عشر يوماً مثلاً ، فتكون
مستحاضة .
وقال المالكية : تلفق المبتدأة ، والمعتادة نصف الشهر : خمسة عشر يوماً .
أما المعتادة أقل من نصف شهر: فتلفق عادتها ، مع إضافة ثلاثة أيام على أكثر
عادتها ، وهي التي تسمى أيام الاستظهار. وما نزل عليها من الدم بعد ذلك
فاستحاضة لا حيض .
المبحث الثاني - تعريف النفاس ومدته
أولاً - تعريف النفاس :
بالى
النفاس عند الحنفية والشافعية(١) : هو الدم الخارج عقب الولادة . أما
الخارج مع الولد حال الولادة أو قبله ، فهو دم فساد واستحاضة ، فتتوضأ إن
قدرت وتصلي ، وأضاف الحنفية : أو تتيم وتومئ بصلاة ولا تؤخر الصلاة .
واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولادة المتصل بحيض قبله ، بناء على أن
(١) فتح القدير: ١٢٩/١، البدائع: ٤١/١ - ٤٣، الدر المختار: ٢٧٥/١ وما بعدها، اللباب: ٣٥٢/١، مراقي
الفلاح: ص ٢٣، مغني المحتاج: ١١٩/١، حاشية الباجوري: ١١٣/١، المهذب: ٤٥/١، المجموع : ٥٢٩/١ وما بعدها .
الفقه الإسلامي جـ١ (٣٠)
- ٤٦٥ -
٠

الحامل تحيض في الأصح عندهم ، وقال المالكية : الدم الذي يخرج قبل الولادة هو
دم حيض .
والنفاس عند الحنابلة(١) : الدم الخارج بسبب الولادة .
والدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق ، والدم الخارج
مع الولادة هو دم نفاس عندهم ، كالدم الخارج عقب الولادة .
ويعد الدم عند هؤلاء دم نفاس : بخروج أكثر الولد ، ولو متقطعاً عضواً
عضواً، ولو سِقْطاً(٢) استبان فيه بعض خلقة الإنسان كأصبع أو ظفر ، ولو بين
توأمين (٣) ، إلا أن الأصح عند الشافعية أن النفاس معتبر من الولد الثاني ،
وما يخرج بعد الأول هو حيض ان اتصل بحيض سابق وإلا فهو استحاضة . فإن
رأت دماً بعد إلقاء نطفة أو علقة ، فليس بنفاس ، أما المالكية فقالوا(٤):
النفاس : هو ما خرج من قُبُل المرأة عند ولادتها مع الولادة أو بعدها ، ولو بين
توأمين . أما ما خرج قبل الولادة ، فالراجح أنه حيض ، فلا يحسب من الستين
يوماً .
ثانياً - مدة النفاس :
للنفاس مدة دنيا وقصوى وغالبة(٥) .
أما المدة الدنيا : فقال الشافعية : أقله لحظة أي مجة أو دفعة . وقال الأئمة
(١) كشاف القناع : ٢٢٦/١
(٢) السقط : الجنين يسقط من بطن أمه قبل تمامه ، ذكراً كان أو أنثى
(٣) التوأمان : الولدان في بطن إذا كان بينهما أقل من ستة أشهر .
(٤) الشرح الصغير: ٢١٦/١ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٤٠
(٥) المراجع السابقة في كل مذهب
- ٤٦٦ -

الآخرون : لاحد لأقله ، لأنه لم يرد في الشرع تحديده ، فيرجع فيه إلى الوجود
الفعلي ، وقد وجد قليلاً وكثيراً .
والظاهر ألا خلاف بين الرأيين ، والمراد بها واحد .
وقد تلد المرأة ولا ترى الدم ، روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله
مٍَّ، ((فلم ترنفاساً))، فسميت ذات الجفوف .
وغالبه عند الشافعية أربعون يوماً .
وأكثره عند المالكية والشافعية ستون يوماً والمعتمد في ذلك هو الاستقراء ،
وعند الحنفية والحنابلة : أربعون يوماً ، وما زاد عن ذلك فهو استحاضة ، بدليل
قول أم سلمة: ((كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله مدافع أربعين يوماً،
وأربعين ليلة))(١)
المبحث الثالث - أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض
والنفساء :
للحيض أحكام خمسة وهي ما يلي(٢):
٦ - الحيض ومثله النفاس يوجب الغسل بعد انقطاعه، لقوله تعالى:
﴿ ويسألونك عن المحيض ، قل: هو أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ،
ولا تقربوهن حتى يطْهُرنَ ، فإذا تطَّهِرْنَ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ .
(١) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، أي رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه الدرا قطني والحاكم
أيضاً ، وهو صحيح ، والقول بضعفه مردود كما قال النووي ( نيل الأوطار: ٢٨٢/١) لكن قال فيه الشافعية : لا دلالة
فيه على نفي الزيادة ، أو محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات .
(٢) كشاف القناع : ٢٢٨/١
- ٤٦٧ -

ولقوله ◌َ ◌ّ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: ((فإذا أقبلت الحيضة فدعي
الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدم وصَلِّي» (١) وفي رواية للبخاري :
(( ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي)).
٢ - البلوغ: تبلغ الأنثى وتصبح أهلاً للتكاليف الشرعية بالحيض ، لقوله
مَافةٍ: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار))(٢) فأوجب عليها أن تستمر لأجل
الحيض ، فدل على أن التكليف حصل به .
٣ - الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد بالحيض، ومن المعلوم أن الأصل في
مشروعية العدة العلم ببراءة الرحم .
٤ - الاعتداد بالحيض في رأي الحنفية والحنابلة؛ لأن الأقراء الثلاثة
المنصوص عليها في القرآن الكريم هي الحيضات ، ولا تنتهي عدة المطلقة غير
الحامل إلا بانتهاء الحيضة الثالثة ولا تحتسب الحيضة التي وقع الطلاق في أثنائها .
وقال المالكية والشافعية : القرء : الطهر، فتحسب العدة بزمن الأطهار ،
وتنتهي العدة بابتداء الحيضة الثالثة ، ويحتسب الطهر الذي وقع الطلاق فيه من
الأطهار الثلاثة ولو كان لحظة .
٥ - الكفارة بالوطء في أثناء الحيض عند الحنابلة، وسنفصل الكلام في ذلك
في بحث ما يحرم بالحيض .
ما يحرم بالحيض والنفاس : ويحرم بالحيض والنفاس ما يحرم بالجنابة
وهي سبعة أمور : الصلوات كلها ، وسجود التلاوة ، ومس المصحف ، ودخول
المسجد ، والطواف ، والاعتكاف ، وقراءة القرآن ، لكن أجاز المالكية على المعتمد
(١) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها ( نيل الأوطار: ٥٦٨/١ )
(٢) رواه أحمد وغيره
- ٤٦٨ -

للحائض والنفساء قراءة القرآن عن ظهر قلب إلا بعد انقطاع الدم وقبل غسلها ،
سواء أكانت جنباً حال حيضها أو نفاسها أم لا .
ويزاد على ذلك أمور أخرى ، وقد عد الحنفية ثمانية أمور تحرم على الحائض
والنفساء ، والمالكية عدوا اثني عشر ، وهي السبعة السابقة وخمسة أخرى وهي
الصيام ، والطلاق ، والجماع في الفرج قبل انقطاع الدم ، والجماع بما دون الفرج
قبل انقطاع الدم ، والجماع بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال .
وعد الشافعية ثمانية أمور ، والحنابلة خمسة عشر أمراً .
وتفصيل هذه الممنوعات في حالة الحيض ومثله النفاس وأدلتها يتبين فيما
يأتي(١) :
١ - الطهارة: غسلاً أو وضوءاً: في رأي الشافعية والحنابلة، فإذا
حاضت المرأة ، حرم عليها الطهارة للحيض ؛ لأن الحيض ومثله النفاس يوجب
الطهارة ، وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول ، أي أن انقطاعه شرط
لصحة الطهارة له . لكن يجوز الغسل الجنابة أو إحرام ودخول مكة ونحوه (٢) ، بل
يستحب لذلك .
٣ - الصلاة: يحرم على الحائض والنفساء الصلاة ، لحديث فاطمة بنت أبي
حُبَيش المتقدم: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )) لكن يسقط فرض الصلاة
(١) البدائع: ٤٤/١، الدر المختار ورد المختار: ١ / ١٥٨ - ١٦٢، ٢٦٨ - ٢٧٤، فتح القدير: ١١٤/١ - ١١٩،
تبيين الحقائق: ٥٦/١ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٢٤ ، الشرح الصغير: ٢١٥/١ وما بعدها ، القوانين الفقهية:
ص ٤٠، بداية المجتهد: ٥٤/١ - ٥٧، ٦١، المهذب: ٣٨/١، ٤٥، مغني المحتاج: ١٠٩/١، ١٢٠، تحفة الطلاب: ٣٣
وما بعدها، بجيرمي الخطيب: ٣١٢/١ - ٣٢٣، حاشية الباجوري: ١١٧/١ - ١١٩، المغني: ٣٠٦/١ وما بعدها، ٣٣٣ -
٣٣٨، كشاف القناع: ٢٢٦/١ _ ٢٣٣ .
(٢) هذا وقد ذكر الحنابلة الوضوء أمراً ثانياً ، كما ذكروا في الأمر الثاني: فعل الصلاة ووجوبها، أمرين .
- ٤٦٩ -

ولا يقضى، بإجماع العلماء، لما روت عائشة رضي الله عنها: (( كنا نحيض على
عهد رسول الله مثله، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة))(١)، ولأنه
يشق قضاء الصلاة لتكرر الحيض وطول مدته ، بخلاف الصوم . ويحرم على
الحائض قضاء الصلاة ، والمعتمد عند الشافعية أنه يكره وتنعقد نفلاً مطلقاً
لا ثواب فیه .
٣ - الصوم : يحرم على الحائض والنفساء الصوم ويمنع صحته ، لحديث
عائشة السابق ، فإنه يدل على أنهن كن يفطرن . ولا يسقط قضاؤه عنها فتقضي
الحائض والنفساء الصوم دون الصلاة للحديث نفسه ، ولأن الصوم في السنة مرة ،
فلا يشق قضاؤه ، فلم يسقط، وهناك حديث آخر عن أبي سعيد الخدري : أن
النبي ◌َّ قال للنساء : أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل ؟ قلن:
بلى ، قال : فذلكن من نقصان عقلها . أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟
قلن : بلى؟ قال: فذلكن من نقصان دينها))(٢).
٤ - الطواف: لقوله تع لعائشة رضي الله عنها: ((إذا حضت ، افعلي
ما يفعل الحاج ، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري))(٣) ولأنه يفتقر إلى
الطهارة ولا يصح من الحائض .
ة - قراءة القرآن ومس المصحف وحمله، كما سبق في الجنابة ، لقوله
تعالى: ﴿ لا يمسه إلا المطهرون﴾ ولقوله ؤالٍ: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب
(١) رواه الجماعة عن مُعَاذة (نيل الأوطار: ٢٨٠/١)
(٢) رواه البخاري ( نيل الأوطار: ٢٧٩/١ وما بعدها) ورواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: ((تمكث
الليالي ما تصلي ، وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها)) ( سبل السلام: ١٠٥/١)
(٣) متفق عليه عن عائشة
- ٤٧٠ -

۔
شيئاً من القرآن))(١) واستثنى الشافعية حالة الخوف على القرآن من غرق أو حرق
أو نجاسة أو وقوعه في يد كافر ، فيجب حمله حينئذ ، كما يجوز حمله باتفاق العلماء
في تفسير أكثر منه يقيناً ، ولا يجوز حمله عند الشافعية إذا قصده مع المتاع على
المعتمد .
واستثنى الحنفية حالة مس القرآن بغلاف متجاف عن القرآن ، ويكره مسه
بالكم تحريماً لتبعيته للابس ، ويرخص لأهل كتب الشريعة من حديث وفقه
وتفسير أخذ الورقة بالكم وباليد للضرورة ، ويكره مسها ؛ لأنها لا تخلو عن
آيات القرآن ، والمستحب ألا تقلب ورقة القرآن إلا بوضوء. وأجازوا تقليب
أوراق المصحف بنحو قلم للقراءة ، كما أجازوا للصبي حمل القرآن ورفعه لضرورة
التعلم ، ولا يكره النظر للقرآن لجنب وحائض ونفساء ؛ لأن الجنابة لا تحل
العين . وتكره كتابة القرآن وأسماء الله تعالى على الدراهم والمحاريب والجدران
وما يفرش ، وتكره القراءة في المخرج والمغتسل والحمام . ولا تكره كتابة آية على
صحيفة منفصلة عن الكاتب ، إلا أن يمسها بيده .
وقال المالكية على المعتمد : لا يحرم على الحائض والنفساء سواء أكانت جنباً
أم لا قراءة القرآن عن ظهر قلب ، إلا بعد انقطاع الدم وقبل غسلها ، فلا تقرأ
بعد انقطاعه مطلقاً حتى تغتسل ، إذ لاعذر لها حينئذ .
٦ - دخول المسجد ، واللبث والاعتكاف فيه ، ولو بوضوء ، لقوله
الفم: ((لا أحل المسجد لحائض ولا جنب))(٢)
(١) روي من حديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجه والبيهقي ، ومن حديث جابر عند الدارقطني ، وهو
ضعيف ( نصب الراية : ١٩٥/١ )
(٢) رواه أبو داود
- ٤٧١ -

وأجاز الشافعية والحنابلة للحائض والنفساء العبور في المسجد إن أمنت
تلويثه ، لأنه يحرم تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها من الأقذار ، ولما روت
عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله مع اليه: «ناوليني الخُمْرة من
المسجد)) فقلت: ((إني حائض)) فقال: ((إن حيضتك ليست في يدك )»(١) وعن
ميمونة رضي الله عنها قالت: «تقوم إحدانا بالخُمْرة إلى المسجد ، فتبسُطُها وهي
حائض))(٢) هذا وأباح الحنابلة أيضاً للحائض المكث في المسجد بوضوء بعد انقطاع
الدم .
٧ - الوطء في الفرج ( الجماع ) ولو بحائل باتفاق العلماء ،
والاستمتاع بما بين السرة والركبة : عند الجمهور ( غير الحنابلة ) ، لقوله
تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ والمراد
بالاعتزال: ترك الوطء، ولقوله ال لعبد الله بن سعد حينما سأله: ما يحل لي
من امرأتي، وهي حائض؟ قال: ((لك ما فوق الإزار))(٣) ولأن الاستمتاع بما
تحت الإزار يدعو إلى الجماع، فحرم لخبر الصحيحين عن النعمان بن بشير: ((من
حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه )) والإزار : الثوب الذي يستر وسط الجسم
وما دون ، وهو ما بين السرة والركبة غالباً ، فما عدا ذلك جائز بالذكر أو القبلة
أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك .
وأباح الحنابلة الاستمتاع بالحائض ونحوها بما دون السرة وفوق الركبة ماعدا
(١) رواه مسلم ، والخمرة : هي السجادة أو الحصير الذي يضعه المصلي ليصلي عليه أو يسجد
(٢) رواه النسائي
(٣) رواه أبو داود عن حزام بن حكيم عن عمه : عبد الله بن سعد ( نيل الأوطار: ٢٧٧/١) وروي مثله عن
عكرمة عند أبي داود، وعن عائشة عند البخاري ومسلم ونصه: ((كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله عَ اتّ
أن يباشرها ، أمرها أن تأتزر بازار في فور حيضتها ، ثم يباشرها » والمراد بالمباشرة هنا : التقاء البشرتين ، لا الجماع ،
والمراد بالاتزار، أن تشد إزاراً تستر سرتها ، وما تحتها إلى الركبة ( نيل الأوطار : ٧٧٧/١ وما بعدها )
- ٤٧٢ -

الوطء في الفرج، لقوله ◌َ الّ: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) (١)، كما أنهم أباحوا
الجماع لمن به شَبَق بشرط ألا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج ، ويخاف تشقق
أنثييه إن لم يطأ ، ولا يجد غير الحائض بأن لا يقدر على مهر حرة ، ولا ثمن
أُمَّة ...
وتستمر حرمة الوطء والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند المالكية والشافعية
حتى تغتسل أي تطهر بالماء لا بالتيم ، إلا في حال فقد الماء أو العجز عن
استعماله ، فيباح الوطء بالتيم . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في
المحيض ، ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾
فالله تعالى شرط لحل الوطء شرطين : انقطاع الدم ، والغسل ، الأول من قوله
تعالى: ﴿ حتى يطهرن﴾ أي ينقطع دمهن ، والثاني : من قوله عز وجل :
﴿ فإذا تطهرْن ﴾ أي اغتسلن بالماء ﴿فأتوهن ) فتصير إباحة وطئها موقوفة
على الغسل . وهذا هو رأي الحنابلة أيضاً في حرمة الوطء ( الجماع ) .
وكذلك قال الحنفية : إذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام ، لم يحل
وطؤها أو الاستمتاع بها حتى تغتسل أو تتيم بشرطه ، وإن لم تصل به في الأصح ؛
لأن الدم تارة يدر ، وتارة ينقطع ، فلابد من الاغتسال ليترجح جانب
الانقطاع .
فإن لم تغتسل ومضى عليها وقت صلاة كامل ، بأن تجد من الوقت زمناً
يسع الغسل ولبس الثياب وتحريمة الصلاة ، وخرج الوقت ، ولم تُصَلِّ ، حل
وطؤها ؛ لأن الصلاة صارت ديناً في ذمتها ، فطهرت حكماً .
(١) رواه الجماعة إلا البخاري، وروى البخاري في تاريخه عن مسروق بن أجدع قال: ((سألت عائشة رضي
الله عنها: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الفرج)) ( نيل الأوطار: ٢٧٦/١
وما بعدها ) .
- ٤٧٣ -

ولو انقطع دم الحائض لدون عادتها ، فوق الأيام الثلاث ، لم يقربها حتى
تمضي عادتها ، وإن اغتسلت ؛ لأن النقاء عندهم حيض كما عرفنا ، ولأن العَوْد في
العادة غالب ، فكان الاحتياط في الاجتناب .
وإن انقطع دم الحائض لعشرة أيام ، وهو أكثر الحيض عندهم ، جاز وطؤها
قبل الغسل ؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة ؛ إلا أنه لا يستحب قبل
الغسل ، للنهي عنه في قراءة ﴿ولا تقربوهن حتى يطَّهَّرن﴾ بالتشديد،
والتشديد يدل على المبالغة في الطهارة ، وذلك إنما يكون بالاغتسال فعلاً ،
لا بانقطاع الدم .
والخلاصة : أن الحنفية أجازوا الوطء في حالة الحيض ومثله النفاس قبل
الغسل في حالتين ، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ بتخفيف
الطاء ، فإنه جعل الطهر غاية للحرمة . ويستحب ألا يطأها حتى تغتسل لقراءة
التشديد ، خروجاً من الخلاف .
والحالتان هما : أن يمضي على من انقطع دمها دون العشرة أيام وقت صلاة
كامل ويخرج الوقت ولم تصل ، وأن ينقطع دمها لعشرة أيام أي بعد أكثر
الحيض .
أما الحالة الغالبة بين النساء : وهي انقطاع الدم بعد ستة أو سبعة أيام فلا
يجوز وطؤها حتى تغتسل ، مالم تصر الصلاة ديناً في ذمتها ، وهي الحالة الأولى
السابقة فمن انقطع دمها لأكثر الحيض حلت حينئذ ، وإن انقطع دمها لأقل
الحيض ، لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل .
كفارة وطء الحائض ونحوها : يرى المالكية والحنفية والشافعية في
المذهب الجديد : أنه لا كفارة على من وطئ حائضاً ونحوها ، بل الواجب عليه
الاستغفار والتوبة ؛ لأن الأصل البراءة ، فلا ينتقل عنها إلا بحجة ، وحديث
- ٤٧٤ -

الكفارة مضطرب ، ولأنه وطء محرم للأذى ، فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في
الدبر .
ويرى الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد : أنه تجب الكفارة على من
وطئ امرأة في أثناء الحيض أو النفاس ، وتجب على المرأة إن طاوعت الرجل في
وطئها في الحيض ، ككفارة الوطء في الاحرام ، فإن كانت مكرهة فلا شيء
عليها ، لعدم تكليفها . والكفارة واجبة ولو كان الوطء من ناس ومكره وجاهل
الحيض أو التحريم ، أو كلاهما ، ولا تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم .
والكفارة دينار أو نصف دينار على سبيل التخيير ، أيها أخرج أجزأه ، لما روي
عن ابن عباس، عن النبي ◌ُ ◌ّ: في الذي يأتي امرأته ، وهي حائض : يتصدق
بدينار أو نصف دينار(١) . وتسقط كفارة الوطء في الحيض بعجز عنها ، ككفارة
الوطء في رمضان .
وقال الشافعية : يسن لمن وطئ في إقبال الدم التصدق بدينار ، ولمن وطئ
في إدباره التصدق بنصف دينار، لخبر ابن عباس السابق عند الترمذي: «إذا كان
دماً أحمر، فدينار، وإن كان دماً أصفر ، فنصف دينار)).
ووطء الحائض ليس بمعصية كبيرة ، لعدم انطباق تعريفها عليه .
٨ - الطلاق : يحرم الطلاق في الحيض ، ويكون الطلاق بدعياً واقعاً ، لما
فيه من تطويل العدة على المرأة ، ولمخالفته قوله تعالى : ﴿ إذا طلقتم النساء
فطلقوهن لعدتهن ﴾ أي في الوقت الذي يشرعن فيه العدة ، لأن بقية الحيض
لا تحسب من العدة فتتضرر بطول مدة التربص والانتظار ، ولما روي عن ابن
(١) رواه الخمسة ، قال الحافظ ابن حجر: والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جداً ( نيل الأوطار:
٢٧٨/١ )
- ٤٧٥ -

٦
عمر: ((أنه طلق امرأته، وهي حائض، فذكر عمر ذلك للنبي ◌ّ له، فقال : مره
فليراجعها ، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً)(١) .
أما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحل الطلاق . وهكذا يبين أنه إذا
انقطع الدم لم يحل قبل الغسل غيرُ الصوم ، والطلاق ، والطهر ، والصلاة المكتوبة
إذا فقدت المرأة الطهورين .
أما الصوم : فلأن تحريمه بالحيض ، لا بالحدث ، بدليل صحته من الجنب ،
وقد زال الحيض .
وأما الطلاق : فلزوال المعنى المقتضي للتحريم ، وهو تطويل العدة .
وأما الطهر فإنها مأمورة به . وأما الصلاة المكتوبة فهي مأمورة بها أيضاً .
ولا تبدأ العدة إذا طلق الرجل زوجته في أثناء الحيض ، لقوله تعالى :
والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وبعض القرء ليس بقرء .
الفرق بين الحيض والجنابة : عرفنا أن ما يحرم على الحائض ونحوها أكثر
مما يحرم على الجنب. وهناك فروق أخرى هي ( ز)
فالجنب يجوز له أداء الصوم مع الجنابة ، ولا يجوز للحائض والنفساء ؛ لأن
الحيض والنفاس أغلظ من الحدث ، وهو معنى قوله مؤ لّ في تفسير نقصان الدين
عند المرأة: ((تقعد إحداهن شطر عمرها، لا تصوم ولا تصلي))(٣).
(١) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر (نيل الأوطار: ٦ / ٢٢١).
(٢) البدائع : ١ / ٤٤ .
(٣) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ((النساء ناقصات عقل ودين ، قيل :
وما نقصان دينهن ؟ قال : تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي ، قال البيهقي : لم أجده في شيء من كتب الحديث ،
وقال ابن منده: لا يثبت هذا بوجه عن النبي ◌ّ (كشاف القناع: ١ / ٢٣٣).
- ٤٧٦ -
١

ويقضي الجنب الصلاة والصوم ، والحائض ونحوها لا تقضي الصلاة وإنما
تقضي الصوم فقط ؛ لأن الحيض يتكرر في كل شهر ، فتخرج في قضاء أيام
العادة ، ولا حرج في قضاء الصوم ؛ لأنه مفروض في السنة مرة .
ويحرم قربان المرأة في حالتي الحيض والنفاس ، ولا يحرم قربان المرأة التي
أجنبت لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض) ومثل هذا لم يرد في
الجنابة ، بل وردت الإباحة بقوله تعالى : ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ماكتب الله
لكم ﴾ أي الولد ، فقد أباح المباشرة وطلب الولد بالجماع مطلقاً على الأحوال .
الفرق بين الحيض والنفاس : يفترق الحيض عن النفاس في ثلاثة أمور
هي(١) :
١ - الاعتداد بالحيض عند الحنفية والحنابلة ؛ لأن انقضاء العدة بالقروء
والنفاس ليس بقرء .
٢ - النفاس لا يوجب البلوغ، لحصوله قبله بالحمل؛ لأن الولد ينعقد من
الرجل والمرأة ، لقوله تعالى: ﴿ خلق من ماء دافق ، يخرج بين الصلب
والترائب ﴾ .
٣ - لاتحتسب مدة النفاس على المولى عليه في مدة الإيلاء(٢) في قوله تعالى :
﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ﴾ لأنه ليس بمعتاد ، بخلاف
الحيض .
(١) كشاف القناع: ١ / ٢٢٩ .
(٢) الإيلاء : هو أن يحلف الزوج بالله تعالى أو بصفة من صفاته: ألا يقرب زوجته أربعة أشهر أو أكثر، أو
يعلق على قربانها أمراً فيه مشقة على نفسه ، كالصيام أو الحج أو الإطعام .
- - ٤٧٧ -
٦

وبدن الحائض وعَرَقها وسؤرها طاهر ، ولا يكره طبخها وعجنها وغير
ذلك ، ولا وضع يديها في شيء من المائعات ، وأجمع العلماء على جواز مؤاكلة
الحائض كالمعتاد دون عزلها ، لأن المراد من اعتزالها هو وطؤها ، روت عائشة
فقالت: (( كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي مع اله، فيضع فاه على موضع
فيَّ فيشرب، وأتعرق العَرْق، وأنا حائض، فأناوله النبي ◌ُ ◌ّ فيضع فاه على
موضع في )»(١) .
المبحث الرابع - الاستحاضة وأحكامها :
تعريف الاستحاضة : هي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة ( غير
الحيض والنفاس ) من مرض وفساد ، من عرق أدنى الرحم ، يقال له العاذل .
فكل نزيف من الأنثى قبل مدة الحيض ( وهي تسع سنين ) ، أو نقص عن أقل
الحيض ، أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس ، أو زاد عن أيام العادة الشهرية
وجاوز أكثر مدة الحيض ، أو ماتراه الحامل ( الحبلى ) في رأي الحنفية والحنابلة ،
هو استحاضة(٢) .
أحكام المستحاضة : هناك أمور ثلاثة تحتاج إلى بحث وهي مايأتي :
أولاً - هل يحرم شيء على المستحاضة مما يحرم على الحائض ؟
الاستحاضة حدث دائم كسلَس بول ومذي وغائط وريح باتفاق الفقهاء ، أو
كرعاف دائم أو جرح لا يرقأ دمه أي لا يسكن عند الحنفية والحنابلة ، فلا يمنع
(١) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، ومعنى ((أتعرق العَرْق)) أي آكل ما عليه من اللحم. وروى أحمد
والترمذي عن عبد الله بن سعد قال: سألت النبي ◌َّم عن مواكلة الحائض، قال: واكلها)) (نيل الأوطار:
١ / ٢٨١ ) .
(٢) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٢٦٢ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٢٥، الشرح الصغير: ١ / ٢٠٧ وما
بعدها، القوانين الفقهية: ص ٤١، مغني المحتاج: ١ / ١٠٨، كشاف القناع: ١ / ٢٢٦، ٢٣٦.
- ٤٧٨ -

شيئاً مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلاً ، وطواف ، وقراءة قرآن
ومس مصحف ودخول مسجد واعتكاف ووطء بلا كراهة ، للضرورة(١) ،
والأحاديث الثابتة في ذلك ، منها :
١ - ماروت عائشة قالت: ((قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله
عَ له : إني امرأة أُسْتَحاض، فلا أطهرُ، أفادع الصلاة، فقال رسول الله ماتطلٍ:
إنما ذلك عِرْق ( أي ينزف ) ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي
الصلاة ، فإذا ذهب قدرها ( قدر عادتها ) فاغسلي عنك الدم، وصلِّي))(٢).
٢ - أمر النبي ◌ُِّّ حَمْنة بنت جَحْش بالصوم والصلاة في حالة
الاستحاضة(٢) .
٣ - روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش (( أنها كانت مستحاضة
وكان زوجها يجامعها)) وقال: ((كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها
يغشاها)) وكانت حمنة زوجة طلحة، وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف(٤).
وهذا المذكور في إباحة وطء المستحاضة هو ماقرره الفقهاء ، منهم الإمام
أحمد في رواية عنه ، وفي رواية أخرى يظهر أنها الراجحة عند الحنابلة : لاتوطأ
المستحاضة إلا أن يخاف على نفسه الوقوع في محظور ، لما روى الخلال بإسناده عن
عائشة: ((أنها قالت : المستحاضة لا يغشاها زوجها)) ولأن بها أذى ، فيحرم
وطؤها كالحائض ، قال تعالى في الحائض معللاً منع وطئها بالأذى ﴿ قل : هو
أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ .
(١) الدر المختار: ١ / ٢٧٥، مراقي الفلاح: ص ٢٥، فتح القدير: ١ / ١٢١، الشرح الصغير: ١ / ٢١٠،
القوانين الفقهية: ص ٤١، مغني المحتاج: ١ / ١١١، المغني: ١ / ٣٣٩، كشاف القناع: ١ / ٢٣٥، ٢٣٧ .
(٢) رواه البخاري والنسائي وأبو داود ( نيل الأوطار: ١ / ٢٦٨).
(٣) رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه (نيل الأوطار: ١ / ٢٧١).
(٤) بنات جحش ثلاث: زينب أم المؤمنين، وحمنة، وأم حبيبة ( سبل السلام: ١ / ١٠٣).
- ٤٧٩ _

لكن إذا انقطع دم المستحاضة أبيح وطؤها عند الحنابلة من غير غسل ، لأن
الغسل ليس بواجب عليها كسلس البول .
ثانياً - طهارة المستحاضة الوضوء والغسل :
قال المالكية(١) : يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ، كما يستحب لها
بعد انقطاع الدم الغسل من دم الاستحاضة .
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة ( الجمهور )(٢): يجب على المستحاضة أن
تتوضأ لوقت كل صلاة ، بعد أن تغسل فرجها ، وتعصِبه ، وتحشوه بقطن وما
أشبهه إلا إذا أحرقها الدم أو كانت صائمة، ليرد الدم، لقوله عَ لّ لجمنة حين
شكت إليه كثرة الدم: (( أنْعَتِ لِك الكُرْسُفَ ، فإنه يُذهب الدمّ))(٢) .
فإن استوثقت ( بأن تشد حرقة مشقوقة الطرفين تخرج أحدهما من أمامها
والآخر من خلفها ، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة ) ثم خرج الدم
من غير تفريط في الشد ، لم تبطل صلاتها، لما روت عائشة رضي الله عنها : أن
فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت ، فقال لها النبي ◌َ ◌ّ: ((اجتنبي الصلاة أيام
محيضك ، ثم اغتسلي ، وتوضئي لكل صلاة ، ثم صَلَّي ، وإن قطر الدم على
(٤)
الحصير ))(٤) .
والدليل على أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل فريضة: هو أن النبي ◌ُ ◌ّ قال
(١) القوانين الفقهية: ص ٢٦، ٤١ ، بداية المجتهد: ١ / ٥٧ وما بعدها .
(٢) اللباب: ١ / ٥١، مراقي الفلاح: ص ٢٥، مغني المحتاج: ١ / ١١١ وما بعدها، المهذب: ١ / ٤٥ وما
بعدها ، المغني : ١ / ٣٤٠ _ ٣٤٢ .
(٣) رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه ( نيل الأوطار: ١ / ٢٧١).
(٤) رواه الخمسة ( أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وابن حبان ، ورواه مسلم في الصحيح بدون
قوله: ((وتوضئي لكل صلاة)) ( نصب الراية: ١ / ١٩٩ وما بعدها، نيل الأوطار: ١ / ٢٧٥).
- ٤٨٠ _