النص المفهرس
صفحات 261-280
وتركه واجب . وهو المراد عندهم حالة الإطلاق . ومكروه تنزيهاً : وهو ما كان تركه أولى من فعله ، أي خلاف الأولى . وكثيراً ما يطلقونه . وعلى هذا إذا ذكروا مكروهاً فلا بد من النظر في دليله ، فإن كان نهياً ظنياً يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف عن التحريم إلى الندب . وإن لم يكن الدليل نهياً بل كان مفيداً للترك غير الجازم ، فهي تنزيهية . ولم يفرق الجمهور غير الحنفية بين نوعي الكراهة ، ويراد بها عندهم التنزيهية. ويكره للمتوضئ(١) ضد ما يستحب من الآداب(٢) وأهمها ما يأتي : اً - الإسراف في صب الماء: بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية أو ما يزيد عن الكفاية . وهذا إذا كان الماء مباحاً أو مملوكاً للمتوضئ ، فإن كان موقوفاً على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في المساجد ، فالإسراف فيه حرام . ودليل الكراهة : ما أخرج ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله مِّّ مرَّ بسعد، وهو يتوضأ، فقال: ((ما هذا السّرَف ؟ فقال: أفي الوضوء إسراف ؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار)) ومن الإسراف : الزيادة على الثلاث في الغسلات وعلى المرة الواحدة في المسح عند الجمهور غير الشافعية لحديث عمرو بن شعيب السابق: ((فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وتعدى وظلم ))(٣) . (١) الدر المختار: ١ / ١٢١ - ١٢٣، مراقي الفلاح: ص ١٣، الشرح الصغير: ١ / ١٢٦ - ١٢٩، الشرح الكبير: ١ / ١٢٦، الحضرمية: ص ١٤، كشاف القناع: ١ / ١١٨ - ١٢٠. (٢) حصر الشافعية المكروه في ترك السنة المؤكدة والمختلف فيها ، أما ترك غيرهما فخلاف الأولى . (٣) هذه رواية النسائي ، ومعناها : أنه أخطأ طريق السنة . - ٢٦١ - والكراهة تنزيهية حتى عند الحنفية إلا إذا اعتقد أن مازاد على الغسلات الثلاث من أعمال الوضوء ، فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم . وذكر ابن عابدين : أن الكراهة مطلقاً تنزيهية ، فإن زاد للنظافة أو للطمأنينة ونحوها فلا كراهة . وكذا يكره تنزيهاً التقتير بجعل الغسل مثل المسح : ( وهو أن يكون تقاطر الماء عن العضو المغسول غير ظاهر ) لأن السنة إسباغ الوضوء ، والتقتير ينافيه . اً - لطم الوجه أو غيره بالماء : والكراهة تنزيهية ؛ لأنه يوجب انتضاح الماء المستعمل على ثيابه ، وتركه أولى ، وهو أيضاً خلاف التؤدة والوقار ، فالنهي عنه من الآداب . ٣ - التكلم بكلام الناس : والكراهة تنزيهية؛ لأنه يشغله عن الأدعية . وعند الشافعية : خلاف الأولى . ٤ - الاستعانة بالغير بلا عذر: لحديث ابن عباس السابق: ((كان النبي مُ ◌ّ لا يكل طهوره إلى أحد ... ))(١). وقد عرفنا أن الثابت في السنة جواز المعاونة في الوضوء ، لكن قد حمل ذلك على حالة العذر ، ولأن الضرورات تبيح المحظورات . ٥ - التوضؤ في موضع نجس: لئلا يتنجس منه، وزاد الحنفية: التوضؤ بفضل ماء المرأة ، أو في المسجد إلا في إناء أو في موضع أعد لذلك خشية تلويث (١) أخرجه ابن ماجه والدارقطني، وهو ضعيف (نيل الأوطار: ١٧٦/١) ومثله قوله ◌ٍَّ لعمر وقد بادر ليصب الماء على يديه: ((أنا لا أستعين في وضوئي بأحد)) قال النووي في شرح المهذب : هذا حديث باطل لا أصل له . - ٢٦٢ - المسجد بآثار الماء . وقال الحنابلة(١) : تكره إراقة ماء الوضوء وماء الغسل في المسجد ، أو في مكان يداس فيه كالطريق تنزيهاً لماء الوضوء ؛ لأن له حرمة وأنه أثر عبادة . ويباح الوضوء والغسل في المسجد اذا لم يؤذ به أحداً ولم يؤذ المسجد ؛ لأن المنفصل منه طاهر . ٦ً - مسح الرقبة بالماء : عند الجمهور غير الحنفية ؛ لأنه غلو في الدين وتشديد . قال الشافعية : ولا يسن مسح الرقبة إذ لم يثبت فيه شيء ، قال النووي : بل هو بدعة . وكذلك قال المالكية : إنه بدعة مكروهة(٢) . ٧ - مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه. ٨ - ترك سنة من سنن الوضوء، السابق بيانها في المذاهب . قال الحنابلة مثلاً : يكره لكل أحد أن ينتثر وينقي أنفه ووسخه ودرنه ويخلع نعله ويتناول الشيء من يد غيره ، ونحو ذلك بيمينه ، مع القدرة على ذلك بيساره ، مطلقاً (٣) . ١ - الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به : قال الحنابلة في المشهور عن أحمد (٤) : يكره ولا يجوز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خَلَت به ( استقلت)، فإن اشترك الرجل معها فلابأس. بدليل ((أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة ))(٥) ولأن جماعة من الصحابة كرهوا ذلك ، فقالوا : إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه . (١) كشاف القناع: ١٢٠/١، المغني: ١٤٣/١١. (٢) مغني المحتاج: ٦٠/١، الشرح الصغير: ١٢٨/١. (٣) كشاف القناع : ١١٨/١ (٤) المغني: ٢١٤/١ وما بعدها، المهذب: ٣١/١. (٥) رواه الخمسة عن الحكم بن عمرو الغفاري، إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا: ((وضوء المرأة)) وقال الترمذي : هذا حديث حسن . وقال النووي : اتفق الحفاظ على تضعيفه ، قال ابن حجر : وقد أغرب النووي بذلك ، وله شاهد عند أبي داود والنسائي ( نيل الأوطار: ٢٥/١). - ٢٦٣ - وقال أكثر العلماء : يجوز الوضوء به للرجال والنساء ، لما روى مسلم في صحيحه وأحمد عن ابن عباس، قال: ((كان النبي ◌ُ ◌ّ يغتسل بفضل وضوء ميمونة))(١) وقالت ميمونة: ((اغتسلت من جفنة(٢) ، ففضلت فيها فضلة ، فجاء النبي ◌َّ يغتسل، فقلت : إني قد اغتسلت منه ، فقال: الماء ليس عليه جنابة))(٣) ولأنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به ، فجاز للرجل كفضل الرجل . وهذا هو الأصح ، ويحمل النهي على الكراهة التنزيهية بقرينة أحاديث الجواز . ١٠ - الماء الساخن والماء المشمس : قال الشافعية : يكره تنزيهاً التطهير بماء شديد السخونة وشديد البرودة ، والمشمس في جهة حارة في إناء منطبع ( أي ممتد تحت المطرقة من نحو حديد ونحاس ) في بدن دون ثوب ، لناحية طبية لأنه يورث البرص ظناً ، ولم يحرم لندرة ترتبه عليه . وتزول الكراهة بالتبريد . المطلب السابع - نواقض الوضوء : النواقض جمع ناقضة وناقض ، والنقض : إذا أضيف إلى الأجسام كنقض الحائط : يراد به إبطال تأليفها . وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء : يراد به إخراجها عن إقامة المطلوب بها ، والمعنى الثاني هو المراد هنا ، فمعنى ناقض الوضوء : إخراجه عن إفادة المقصود منه ، كاستباحة الصلاة بالوضوء . والنواقض أو المعاني الناقضة للوضوء المبطلة حكمه متفق على الكثير منها ، مختلف في بعضها . وهي عند الحنفية اثنا عشر ناقضاً ، والمالكية : ثلاثة أنواع ، (١) لكن مع كونه في صحيح مسلم أعله قوم ( نيل الأوطار: ٢٦/١ ) (٣) الجفنة وعاء كالقَصْعة . (٣) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، بلفظ: ((يارسول الله ، إني كنت جُنُباً، فقال: إن الماء لا يُجنَب)) (نيل الأوطار: ٢٦/١) وروى أحمد وابن ماجه عن ميمونة: ((أن رسول الله مَطاقم توضأ بفضل غسلها من الجنابة )). - ٢٦٤ _ والشافعية : خمسة أشياء ، والحنابلة : ثمانية أنواع، وهي ما يأتي(١): اً - كل خارج من أحد السبيلين : معتاد كبول أو غائط أو ريح أو مذي أو ودي(٣) أو مني، أو غير معتاد : كدودة وحصاة ودم قليلاً كان الخارج أو كثيراً ، لقوله تعالى : ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ كناية عن الحدث من بول أو غائط، ولقوله ◌َ التّ: (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فقال رجل من أهل حضرموت : ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاء أو ضراط))(٣) وقوله عليه السلام: (( لا وضوء إلا من صوت أو ريح)) (٤)، ولأن الخارج غير المعتاد خارج من السبيل ، فأشبه المذي ، ولأنه لا يخلو من بَلَّة تتعلق به ، فينتقض الوضوء بها ، وقد أمر النبي ◌ّ المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ، ودمها خارج غير معتاد(٥) . واستثنى الحنفية في الأصح : ريح القبل فهو غير ناقض ؛ لأنه اختلاج لا ريح ، وإن كان ريحاً فهو لا نجاسة فيه. وغير الحنفية لم يستثن ذلك ، (١) فتح القدير: ٢٤/١ - ٣٧، تبيين الحقائق: ٧/١ - ١٢، البدائع: ٢٤/١ - ٣٣ الدر المختار: ١٢٤/١ - ١٣٨، اللباب: ١٧/١ - ٢٠، مراقي الفلاح: ص١٤ وما بعدها، الشرح الصغير: ١٣٥/١ - ١٤٨، الشرح الكبير: ١١٤/١ - ١١٦، القوانين الفقهية: ص٢٤ وما بعدها، المهذب: ٢٢/١ - ٢٥، حاشية الباجوري: ٦٩/١ - ٧٤ ، المجموع: ٣/٢ - ٦٨، كشاف القناع: ١٣٨/١ - ١٤٨، بداية المجتهد: ٣٣/١ - ٣٩، المغني: ١ / ١٦٨ - ١٩٦. (٢) الودي : ماء أبيض خائر يخرج بأثر البول . والمذي : هو ماء أبيض رقيق يخرج عند الالتذاذ . (٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة ( نيل الأوطار : ١٨٥/١ ). (٤) رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ، قال عنه النووي: حديث صحيح ، ولكن رمز له السيوطي بالضعف ورواه مسلم بلفظ آخر: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه ، أخرج منه شيء أم لا ، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) (نيل الأوطار: ١٨٨/١). (٥) روى أبو داود والدارقطني باسناد موثوق عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش: ((أنها كانت تستحاض، فسألت النبي مؤلفٍّ فقال : إذا كان دم الحيض ، فإنه أسود يعرف ، فإذا كان كذلك، فأمسكي عن الصلاة ، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي ، فإنما هو دم عرق )) فأمرها بالوضوء ، ودمها غير معتاد ، فيقاس عليه ما سواه ، طاهراً كان الخارج كولد بلا دم ، أو نجساً كالبول ونحوه . - ٢٦٥ _ للحديث السابق ((أو ريح)) فهو شامل للريح من القبل . والحق أنه كما قال ابن قدامة في المغني : لا نعلم لهذا الريح وجوداً ولا نعلم وجوده في حق أحد . واستثنى المالكية الخارج الغير المعتاد من الخرج المعتاد في حال الصحة ، كالدم والقيح والحصى والدود ، والريح أو الغائط من القبل ، والبول من الدبر ، والمني بغیر لذة معتادة کمن حك جرب أو هزته دابة فأمنی ، فلا ینقض حتى ولو كان مع الحصى والدود أذى ( أي بول أو غائط ) بخلاف غيرهما ، فلو خرج مع الدم والقيح أذى انتقض الوضوء(١). وكذا لا ينتقض الوضوء إن خرج شيء من ثقب إلا إذا كان تحت المعدة وانسد المخرجان المعتادان ، فلا ينقض الوضوء بول أو غائط أو ريح من ثقبة فوق المعدة ، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا ، أما الخارج من ثقبة تحت المعدة ، فإنه ينقض بشرط انسداد المخرجين لأنه صار بمنزلة الخارج من نفس المخرجين . ولا ينتقض الوضوء عندهم بخروج شيء من السَّلَس الذي يلازم صاحبه نصف الزمن فأكثر، وإلا نقض . والسلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً. ودم الاستحاضة من السلس . وهذا في غير المستحاضة إذا لم ينضبط ولم يقدر على التداوي ، فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت أو أوله ، وجب عليه الصلاة حينئذ ، وإن قدر على التداوي وجب عليه التداوي . واستثنى الشافعية : مني الشخص نفسه ، فإنه لا ينقض ؛ لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل . لكن ينتقض الوضوء عندهم بالخارج من مخرج انفتح دون المعدة ، وانسد (١) والمشهور عند ابن رشد: أنه لا نقض بها مطلقاً كالحصى والدود. - ٢٦٦ _ المخرج المعتاد لأنه صار هو المخرج المعتاد ، أي كما قال المالكية . فإن لم ينسد المخرج المعتاد فالأصح أنه لا ينقض ، سواء أكان المخرج تحت المعدة أم فوقها . واستثنى الحنابلة : صاحب الحدث الدائم ، لا يبطل وضوءه بالحدث الدائم قليلاً كان الخارج أو كثيراً ، نادراً كان أو معتاداً للحرج والمشقة . أما غير صاحب ، الحدث الدائم فينقض ما خرج منه من بول أو غائط ، قليلاً كان أو كثيراً ، من تحت المعدة أو فوقها ، سواء أكان السبيلان مفتوحين أم مسدودين لعموم الآية والحديث السابق . وأضاف الحنابلة : أنه لو احتمل المتوضئ في قُبُل أو دُبُر قطناً أو ميلاً ، ثم خرج ولو بلا بلل ، نقض ، وكذا لو قطر في إحليله دهناً أو غيره من المائعات ثم خرج نقض ، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة نقض . ٣ - الولادة من غير رؤية دم، والصحيح عند الحنفية قول الصاحبين أن المرأة لا تكون حينئذ نفساء لتعلق النفاس بالدم ولم يوجد ، وإنما عليها الوضوء للرطوبة . وقال أبو حنيفة : عليها الغسل احتياطاً لعدم خلوه عن قليل دم غالباً . ٣ - الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد(١): ناقض بشرط سيلانه عند الحنفية إلى موضع يلحقه حكم التطهير وهو ظاهر الجسد : أي يجب تطهيره في الجملة ، ولو ندباً كسيلان الدم داخل الأنف . والسيلان : أن يتجاوز موضع خروجه بأن يعلو على رأس الجرح ثم ينحدر إلى أسفل ، فليس في النقطة والنقطتين وضوء وليس في أثر الدم بسبب عض شيء أو استياك وضوء . كما لا وضوء من دم يخرج من موضع لا يلحقه حكم التطهير كالخارج من جرح في العين أو في الأذن أو الثدي أو السرة ، ثم يسيل إلى الجانب الآخر منها . (١) القيح: دم نَضح حتى ابيضَّ وخثر. والصديد: هو قيح ازداد نضجاً حتى رَقَّ، أو هو ماء الجرح الرقيق المختلط بالدم . - ٢٦٧ - وبشرط كونه كثيراً عند الحنابلة ، والكثير : ما كان فاحشاً بحسب كل إنسان ، أي أنه يراعى حالة الجسم نحافة وضخامة ، فلو خرج دم من نحيف مثلاً وكان كثيراً بالنسبة إلى جسده، نقض، وإلا فلا ، لقول ابن عباس: ((الفاحش ما فحش في قلبك )) . ودليل الحنفية: قوله ◌ُ التّ: ((الوضوء من كل دم سائل)) (١) وقوله عليه السلام: (( من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف ، وليتوضأ، وليبن - يكمل - على صلاته مالم يتكلم)(٣) وقوله أيضاً: ((ليس في القطرة ولا في القطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دماً سائلاً))(٣). ودليل الحنابلة حديث فاطمة بنت أبي حبيش السابق عند الترمذي: ((إنه دم عرق ، فتوضئي لكل صلاة )» ولأن الدم ونحوه نجاسة خارجة من البدن ، فأشبه الخارج من السبيل . وأما كون القليل من ذلك لا ينقض ، فامفهوم قول ابن عباس : في الدم : ((إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة )) وعصر ابن عمر بثرة ، فخرج الدم ، فصلى ولم يتوضأ ، وابن أبي أوفى عصر دملاً ، وغيرهما(٤). وقرر المالكية والشافعية : عدم نقض الوضوء بالدم ونحوه ، بدليل حديث أنس، قال: ((واحتجم رسول الله مَ ◌ّ، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه))(٥) . (١) روي من حديث تميم الداري عند الدارقطني ، وفيه مجهولان ، ومن حديث زيد بن ثابت عند ابن عدي في الكامل ، وفيه من لا يحتج بحديثه ( نصب الراية : ٣٧/١ ) . (٢) روي من حديث عائشة عند ابن ماجه ، وهو حديث صحيح ، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند الدارقطني، وهو معلول براو فيه ( نصب الراية: ٣٨/١ ، نيل الأوطار: ١٨٧/١ ) (٣) أخرجه الدارقطني ، من حديث أبي هريرة مرفوعاً ، قال الحافظ ابن حجر : وإسناده ضعيف جداً . وفيه متروك ( نيل الأوطار: ١٨٩/١، نصب الراية: ٤٤/١ ). (٤) نيل الأوطار: ١٨٩/١ . (٥) رواه الدارقطني والبيهقي، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ١٨٩/١ ) - ٢٦٨ - وحديث عباد بن بشر: (( أنه أصيب بسهام ، وهو يصلي ، فاستمر في صلاته)) (١) ويبعد ألا يطلع النبي ◌ُ ◌ّ على مثل هذه الواقعة العظيمة ، ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت . ٤ - القيء : الخلاف فيه كالخلاف في الدم ونحوه من الخارج من غير السبيلين ، على اتجاهين : الأول - للحنفية والحنابلة : أنه ينقض الوضوء ، إذا كان بملء الفم عند الحنفية : وهو ما لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف ، على الأصح . وإذا كان كثيراً فاحشاً عند الحنابلة : وهو ما فحش في نفس كل أحد بحسبه . والقيء سواء أكان طعاماً أم ماء أم عَلَقا ( المراد به هنا الدم المتجمد الخارج من المعدة ) أم مِرَّة ( الصفراء ) . ولا ينقض البلغم من معدة أو صدر أو رأس ، كالبصاق والنخامة ، لأنها ظاهرة تخلق من البدن . ولا ينقض الجشاء وهو الريح الذي يخرج من فم الرجل . ودليلهم: حديث عائشة المتقدم: (( من أصابه فيء أو رعاف أو قَلس ، أو مذي ، فلينصرف ، فليتوضأ ، ثم ليَبْن على صلاته ، وهو في ذلك لا يتكلم)) (٢) والقلس : هو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه ، وليس بقيء ، وإن عاد فهو القيء . وحديث أبي الدرداء: ((أن النبي ◌ٍُّ قاء، فتوضأ، فلقيت ثوبانَ في مسجد دمشق ، فذكرت له ذلك ، فقال: صدق، أنا صببت له وَضُوءه)) (٣) . (١) ذكره البخاري تعليقاً ، وأبو داود وابن خزيمة . (٢) رواه ابن ماجه والدارقطني ، قال البيهقي: والصواب إرسالة ( نيل الأوطار: ١٨٧/١ ) (٣) رواه أحمد الترمذي ، وقال: هو أصح شيء في الباب ( نيل الأوطار: ١٨٦/١). - ٢٦٩ - . والخلاصة : أن القيء ناقض للوضوء عند هؤلاء بقيود ثلاثة : كونه من المعدة ، وكونه ملء الفم أو كثيراً ، وكونه دفعة واحدة . الاتجاه الثاني - للمالكية والشافعية : أنه لا ينقض الوضوء بالقيء ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قاء فلم يتوضأ(١) ، وفي حديث ثوبان قال: ((قلت : يا رسول الله ، هل يجب الوضوء من القيء ؟ قال : لو كان واجباً ، لوجدته في كتاب الله)) ولأنه خارج من غير الخرج ، مع بقاء المخرج ، فلم ينقض الطهارة كالبصاق . وأجابوا عن حديث أبي الدرداء بأن المراد بالوضوء : غسل اليدين . والظاهر لي : أن الخارج من غير السبيلين كالدم والقيء ينقض الوضوء إذا كان كثيراً فاحشاً أي كما قال الحنابلة ، قياساً على الخارج النجس من السبيلين ، إذ في الأحاديث كلها كلام ، ولا تخلو من ضعف . ٥ - غيبة العقل أو زواله بالمخدرات أو المسكرات، أو بالإغماء أو الجنون ، أو الصرع ، أو بالنوم : هذا السبب وما بعده من لمس المرأة المشتهاة ، ومس الذكر أو القبل أو الدبر ، قد يترتب عليه غالباً خروج شيء من أحد السبيلين ، فيكون ناقضاً للوضوء ، لأن زائل العقل لا يشعر بحال ، والنوم يذهب معه الحس ، 5 والجنون والإغماء ونحوهما أشد تأثيراً من النوم . والدليل على أن النوم الثقيل أو غير اليسير ناقض للوضوء: قوله مح له من حديث علي: ((العين وِكاء السَّهِ، فمن نام فليتوضأ)) (٢) وحديث معاوية (( العين وكاء السه ، فإذا نامت العينان ، استطلق الوكاء)) (٣) والحديثان يدلان على أن النوم مظِنّة للنقض ، لا أنه بنفسه ناقض . (١) رواه الدارقطني . (٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. والوكاء : الخيط الذي يربط به الشيء ، والسه: الدبر ، والمعنى : اليقظة وكاء الدبر، أي حافظة مافيه من الخروج لأنه ما دام مستيقظاً، أحس بما يخرج منه ( نيل الأوطار: ١٩٢/١ ) (٣) رواه أحمد والدارقطني ( المرجع السابق ) - ٢٧٠ - وقد اختلف الفقهاء على آراء في كون النوم ناقضاً للوضوء ، ذكرها النووي في شرح مسلم (١ / ٧٣ ) نختار منها رأيين متقاربين لا يختلفان إلا في بيان مدى عمق النوم الذي يعد دليلاً على خروج الريح ، وهما ما يأتي : الرأي الأول - للحنفية والشافعية : أن النوم الناقض للوضوء هو الذي لم تتمكن فيه المقعدة من الأرض ، أو النوم مضطجعاً أو متكئاً أو منكباً على شيء ؛ لأن الاضطجاع ونحوه سبب لاسترخاء المفاصل . فإن نام قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض لأرض وظهر دابة سائرة ، لم ينتقض وضوءه . فإن كان مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط ، ولم يكن ممكناً مقعده من الأرض ، انتقض وضوءه عند الحنفية ؛ لأن الاسترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من الاستناد ، ولم ينتقض عند الشافعية إذا كان ممكناً مقعده من الأرض ، للأمن حينئذ من خروج شيء ، فالحكم في المذهبين إذن واحد . ولا ينتقض الوضوء عند الحنفية بالنوم حالة القيام والركوع والسجود في الصلاة وغيرها ؛ لأن بعض الاستمساك باق ، إذ لو زال لسقط ، فلم يتم الاسترخاء . ودليلهم: أحاديث ، منها حديث ابن عباس: (( ليس على من نام ساجداً وضوء، حتى يضطجع ، فإنه إذا اضطجع ، استرخت مفاصله))(١) وفي لفظ (( لا وضوء على من نام قاعداً ، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ، فإن من نام مضطجعاً استرخت مفاصله))(٣) وفي رواية للبيهقي: ((لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه )) . (١) رواه أحمد وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ١٩٣/١) (٢) رواه أبو داود والترمذي والدارقطني، وهو ضعيف ( المرجع السابق ) - ٢٧١ - ومنها حديث أنس: ((كان أصحاب رسول الله ◌ُ التّ ينتظرون العشاء، فينامون قعوداً ، ثم يصلون ، ولا يتوضؤون)) (١) وهو يدل على أن يسير النوم لا ينقض الوضوء . ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ◌َ ◌ّ قال: (( من نام جالساً فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء))(٢) . وروى مالك عن ابن عمر أنه كان ينام جالساً ، ثم يصلي ولا يتوضأ . وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أنه رأى النبي اټ نام وهو ساجد ، حتى غَطَّ أو نفخ ، ثم قام يصلي ، فقلت : يا رسول الله ، إنك قد نمت ؟ قال : ((إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً ، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)) (٣). قال الكمال بن الهمام : وأنت إذا تأملت فيما أوردناه لم ينزل عندك الحديث (٤) عن درجة الحسن . الرأي الثاني - للمالكية والحنابلة : أن النوم اليسير أو الخفيف لا ينقض ، والنوم الثقيل ينقض . وعبارة المالكية : النوم الثقيل ولو قَصُر زمنه ناقض للوضوء ، أما النوم الخفيف ولو طال زمنه فلا ينقض . والثقيل : مالا يشعر صاحبه بالأصوات ، أو بسقوط شيء بيده ، أو سيلان ريقه ونحو ذلك ، فإن شعر بذلك فنوم خفيف . (١) رواه الشافعي وأبو داود ومسلم والترمذي وهو صحيح ( المرجع السابق ) (٢) أخرجه ابن عدي ( نصب الراية: ٤٥/١) وأخرج أيضاً ثم البيهقي حديثاً مماثلاً عن حذيفة بن اليمان. (٣) نصب الراية : ٤٤/١ (٤) فتح القدير : ٣٣/١ - ٢٧٢ - 1 ودليلهم حديث أنس المتقدم: ((كان أصحاب رسول الله ما تم ينتظرون العشاء الآخرة ، حتى تخفق رؤوسهم ، ثم يصلون ولا يتوضؤون)) . وحديث ابن عباس، قال: (( بتُّ عند خالتي ميونة ، فقام رسول الله عَ ◌ٍّ ، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي ، فجعلني من شقه الأيمن ، فجعلت إذا أغفَيت، يأخذ بشحمة أذني ، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة))(١) وفي هذين الحديثين دلالة واضحة على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء . وعبارة الحنابلة : النوم في جميع أحواله ناقض للوضوء إلا النوم اليسير عرفاً من جالس أو قائم ، لحديثي أنس وابن عباس السابقين . والصحيح أنه لا حد للنوم القليل ، وإنما مرجعه إلى ما جرت به العادة ، فسقوط المتمكن وغيره ينقض الوضوء . فإن نام وشك ، هل نومه كثير أو يسير ؟ اعتبر طاهراً لتيقنه الطهارة ، وشکه في نقضها ، وإن رأى رؤيا فهو نوم كثير . وينقض النوم اليسير من رائع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتَب(٢) كمضطجع . ومن لم يُغْلب على عقله ، لم ينقض وضوءه ؛ لأن النوم : الغلبة على العقل ، ولأن الناقض زوال العقل ، ومتى كان العقل ثابتاً ، وحسه غير زائل ، مثل من يسمع ما يقال عنده ، ويفهمه ، لم ينتقض وضوءه . والخلاصة : أن النوم مضطجعاً في الصلاة أو في غيرها غير ممكن مقعدته ناقض للوضوء بلا خلاف بين الفقهاء ، وأن زوال العقل بأي سبب من إغماء أو جنون أو سكر ناقض للوضوء قياساً على النوم ، وهو الحق . (١) رواه مسلم ( نيل الأوطار: ١٩٢/١) والإغفاء : النوم أو النعاس . (٢) جلسة الاحتباء : أن يجلس على مقعده ويرفع ركبتيه ويمسكها بيديه . الفقه الإسلامي جـ١ (١٨) - ٢٧٣ - ٦ - لمس المرأة : ينتقض الوضوء عند الحنفية بلمس المرأة في حالة المباشرة الفاحشة ، وعند المالكية والحنابلة بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة في حال اللذة أو الشهوة . وعند الشافعية : بمجرد التقاء بشرتي الرجل والمرأة ، اللامس والملموس ، ولو بدون شهوة . وتفصيل آراء المذاهب فيما يأتي : : قال الحنفية : ينتقض الوضوء بالمباشرة الفاحشة : وهي التقاء الفرجين مع انتشار العضو بلا حائل يمنع حرارة الجسد ، أو هي أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشرها ، وليس بينهما ثوب ، ولم ير بللاً . وقال المالكية : ينتقض الوضوء بلمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ به عادة - من ذكر أو أنثى - ولو كان الملموس غير بالغ ، سواء أكان اللمس لزوجته أو أجنبية أو محرماً ، أم كان اللمس لظفر أو شعر ، أم من فوق حائل كثوب ، وسواء أكان الحائل خفيفاً يحس اللامس معه بطراوة البدن ، أم كان كثيفاً ، وسواء أكان اللمس بين الرجال أم بين النساء . فاللمس بلذة ناقض ، وكذا القبلة بالفم تنقض الوضوء مطلقاً ، ولو بدون لذة ؛ لأنها مظنة اللذة ، أما القبلة في غير الفم فتنقض وضوء المقبِّل والمقبَّل إن كانا بالغين ، أو البالغ منهما إن قبل من يشتهى ، إن وجدت اللذة ، ولو وقعت بإ كراه أو استغفال . فالنقض باللمس مشروط بشروط ثلاثة : أن يكون اللامس بالغاً ، وأن يكون الملموس ممن يشتهى عادة ، وأن يقصد اللامس اللذة أو يجدها . ولا ينقض الوضوء بلذة من نظر أو فكر ولو حدث انتصاب ( إنعاظ ) مالم - ٢٧٤ _ يمذ بالفعل ، ولا بلمس صغيرة لا تشتهى ، أو بهيمة أو رجل ملتحي ، إذ الشأن عدم التلذذ به عادة إذا كملت لحيته . وقال الحنابلة في المشهور : ينقض الوضوء بلمس بشرة النساء بشهوة من غير حائل ، وكان الملموس مشتهى عادة غير طفلة وطفل ، ولو كان الملموس ميتاً ، أو عجوزاً ، أو مَحْرماً، أو صغيرة تشتهى : وهي بنت سبع سنين فأكثر ، فلا فرق بين الأجنبية وذات المحرم والكبيرة والصغيرة . ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن ، ولا مس عضو مقطوع لزوال حرمته ، ولا مس أمرد ولو بشهوة ، ولا مس خنثى مشكل ، ولا ينقض مس الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ولو بشهوة . وإذا لم ينقض الوضوء بمس أنثى ، فإنه يستحب . والخلاصة : أن هذه المذاهب الثلاثة ( الجمهور ) : لا ينتقض الوضوء لديها بمجرد التلامس العادي بين الرجل والمرأة . الله تـ الأدلة : واستدلوا بما يأتي : ١ - قوله تعالى: ﴿ أو لا مستم النساء﴾ وحقيقة اللمس : ملاقاة البشرتين، أما الحنفية فأخذوا بما نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنهما : أن المراد من اللمس الجماع ، وبما قال ابن السكيت : أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطء ، تقول العرب : لمست المرأة أي جامعتها ، فيجب المصير في الآية إلى إرادة المجاز : وهو أن اللمس يراد به الجماع ، لوجود القرينة وهي حديث عائشة الذي سيأتي . وأما المالكية والحنبلية الذين قيدوا اللمس الناقض بما إذا كان لشهوة : فجمعوا بين الآية والأخبار الآتية عن عائشة وغيرها . - ٢٧٥ _ ٢ - حديث عائشة: ((أن النبي ؤالٍ كان يُقبّل بعض أزواجه، ثم يصلّي ولا يتوضأ)»(١) . ٣ - حديث عائشة أيضاً، قالت: ((إن كان رسول الله مَّ الّ ليُصلّي، وإني المعترضة بين يديه اعتراض الجنازة ، حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجْله))(٢) فيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء ، والظاهر أن مسها برجله كانَ من غير حائل . ٤ - حديث عائشة أيضاً، قالت: ((فَقَدْتُ رسول الله م ◌ِّ ليلةً من الفراش ، فالتمسته ، فوضعت يدي على باطن قدميه ، وهو في المسجد ، وهما منصوبتان ، وهو يقول : اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك ، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، كما أثنيت على نفسك))(٣) وهو يدل على أن اللمس غير موجب للنقض . وقال الشافعية : ينقض الوضوء بلمس الرجل المرأة الأجنبية غير المحرم ، ولو ميتة ، من غير حائل بينهما ، ينقض اللامس والملموس ، ولو عجوزاً شوهاء أو شيخاً هرماً ، ولو بغير قصد ، ولا ينقض شعر وسن وظفر ، أو لمس مع حائل . والمراد بالرجل والمرأة : ذكر وأنثى بلغا حد الشهوة عرفاً ، أي عند أرباب الطباع السليمة . والمراد بالَحْرم : من حرم نكاحها لأجل نسب أو رضاع أو مصاهرة ، فلا ينقض صغير أو صغيرة لا يشتهى أحدهما عرفاً غالباً لذوي الطباع (١) رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي ، وهو مرسل، وضعفه البخاري ، وكل طرقه معلولة ، قال ابن حزم : لا يصح في الباب شيء ، وإن صح فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من المس ( نيل الأوطار : ١٩٥/١ ) (٢) رواه النسائي، قال ابن حجر: إسناده صحيح ( نيل الأوطار: ١٩٦/١ ). (٣) رواه مسلم والترمذي وصححه والبيهقي ( المرجع السابق ، وانظر هذه الأحاديث في نصب الراية : ٧٠/١ - ٧٥) - ٢٧٦ - السليمة ، فلا يتقيد بابن سبع سنين أو أكثر، لاختلافه باختلاف الصغار والصغيرات ، لانتفاء مظنة الشهوة . ولا ينقض مَحْرم بنسب ، أو رضاع ، أو مصاهرة كأم الزوجة لانتفاء مظنة الشهوة . وسبب النقض : أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر . ودليلهم : العمل بحقيقة معنى الملامسة في اللغة في الآية: ﴿ أو لا مستم النساء ) وهو الجس باليد ، أو ملاقاة البشرتين ، أو لمس اليد ، بدليل قراءة : ﴿ أو لمستم﴾ فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع. وأما حديث عائشة في التقبيل فهو ضعيف ، ومرسل . وأما حديث عائشة في لمسها لقدمه ◌ٍّ فمؤول بأن اللمس يحتمل أنه كان بحائل ، أو أنه خاص بالنبي . لكن في هذا التأويل تكلف ومخالفة للظاهر . ويبدو لي أن اللمس العارض أو الطارئ ، أو الذي لا لذة أو لا شهوة فيه غير ناقض للوضوء ، وأما اللمس الذي يصحبه الشهوة فهو ناقض ، وهذا في تقديري أرجح الآراء . لاً - مس الفرج - القبل أو الدبر: لا ينتقض الوضوء عند الحنفية بمس الفرج ، وينتقض به عند الجمهور، على تفصيل آتٍ ، قال الحنفية : لا ينتقض الوضوء بمس الفرج أو الذكر، لحديث طَلْق بن علي: (( الرجل يمس ذكره ، أعليه وضوء؟ فقال التِّ: إنما هو بَضْعة منك، أو مضغة منك))(١) . ولما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين ، وحذيفة بن اليمان ، وأبي الدرداء ، وأبي هريرة رضي الله عنهم : أنهم لم (١) رواه أصحاب السنن الأربعة ( أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وأحمد والدارقطني مرفوعاً، ورواه ابن حبان في صحيحه ، قال الترمذي : هذا الحديث أحسن شيء يروى في هذا البساب ( نصب الراية: ٦٠/١ وما بعدها ، نيل الأوطار: ١٩٨/١ ) - ٢٧٧ - يجعلوا مس الذكر حدثاً ، حتى قال علي رضي الله عنه : لا أبالي مسسته ، أو أرنبة أنفي . وقال المالكية : ينقض الوضوء بمس الذكر ، لا بمس الدبر ، فيعد مس الذكر المتصل ناقضاً ، لا المقطوع ، سواء مسَّه من أي جزء منه ، التذ أم لا ، إذا مسه عمداً أو سهواً من غير حائل ببطن الكف أو جنبه ، أو ببطن أصبع وبجنبه ، لا بظهره ، ولو كان الأصبع زائداً على الخمسة إن كان له إحساس ويتصرف به كغيره من الأصابع ، وذلك إذا كان بالغاً ، أما مس الصبي ذكره فلا ينقض ، أي أن المراد مس البالغ ذكره بباطن الكف والأصابع . ولا ينقض مس حلقة الدبر ، أو الأنثيين ( الخصيتين ) ، ولا مس امرأة فرجها ، ولو ألطفت : أي أدخلت أصبعاً أو أكثر من أصابعها في فرجها . ولا ينقض مس ذكر صبي أو كبير غيره . ودليلهم : الاقتصار على حديث: (( من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ))(١) وحديث (( من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه سِتْر ، فقد وجب عليه الوضوء))(٢) . وقال الشافعية والحنابلة : ينتقض الوضوء بمس فرج الآدمي ( الذكر والدبر وقبل المرأة ) من نفسه أو غيره ، صغيراً أو كبيراً ، حياً أو ميتاً ، وقياس الدبر على الذكر هو مذهب الشافعي الجديد ، بشرط كونه بباطن الكف ( أي الراحة مع (١) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً مالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود، وقال البخاري: ((هو أصح شيء في هذا الباب)) ( نيل الأوطار: ١٩٧/١، نصب الراية : ٥٤/١ وما بعدها ) . (٢) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، وقال: حديث صحيح سنده عدول نقلته ( نيل الأوطار: ١٩٩/١ ) ورواه الشافعي في مسنده بلفظ ((إذا أفضى أحدكم إلى ذكره، فقد وجب عليه الوضوء)) ( انظر نصب الراية: ٥٤/١ وما بعدها ) . - ٢٧٨ - بطون الأصابع ) فلا ينقض بظاهر الكف وحرفه ورؤوس الأصابع وما بينها بعد التحامل اليسير ، أي أن الناقض هو ما يستقر عند وضع إحدى الراحتين على الأخرى مع تحامل يسير ، وفي الإبهامين يضع باطن أحدهما على باطن الآخر . فلو كان التحامل كثيراً كثر غير الناقض ، وقل الناقض . وفي هذا يتفق الشافعية مع مذهب المالكية ؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس ، فأشبه ما لو مسه بفخذه . ولا فرق عند الحنابلة بين بطن الكف وظهره ، بدليل حديث الإفضاء المتقدم: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، ليس بينهما سترة ، فليتوضأ)» وظاهر كفه من يده ، والإفضاء : اللمس من غير حائل . ودليل الشافعية والحنابلة مجموع الحديثين السابقين : حديث بُسْرة بنت صفوان وأم حبيبة: ((من مس ذكره فليتوضأ)) وفي لفظ ((من مس فرجه فليتوضأ)» وحديث أبي هريرة: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ، فقد وجب عليه الوضوء)) وفي لفظ ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه .. )) والفرج: يشمل القبل والدبر ، ولأن الدبر أحد الفرجين ، فأشبه الذكر . والنقض بمس المرأة قبلها لعموم حديث بسرة وأم حبيبة: (( من مس فرجه فليتوضأ)» ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ))(١). والراجح عندي مذهب الجمهور غير الحنفية ؛ لأن حديث طلق بن علي ضعيف أو منسوخ ، ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي ، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون . (١) رواه أحمد والبيهقي ( نصب الراية : ٥٨/١ ) - ٢٧٩ - ٨ - القهقهة في الصلاة : تنقض الوضوء عند الحنفية دون غيرهم ، إذا كان المصلي بالغاً ، عمداً أو سهواً ، زجراً وعقوبة للمصلي ، لمنافاتها مناجاة الله تعالى ، فلا تبطل صلاة الصبي ، لأنه ليس من أهل الزجر . والقهقهة : ما يكون مسموعاً لجيرانه . أما الضحك : فهو ما يسمعه هو دون جيرانه ، والأول يبطل الصلاة والوضوء ، والثاني يبطل الصلاة فقط . أما التبسم : وهو ما لا صوت فيه ، ولو بدت به الأسنان ، فلا يبطل شيئاً . ودليلهم : حديث: (( ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الصلاة والوضوء جميعاً ))(١). ولا ينتقض الوضوء عند الجمهور ( غير الحنفية ) بالقهقهة ؛ لأنها لا توجب الوضوء خارج الصلاة ، فلا توجبه داخلها كالعطاس والسعال . وردوا الحديث السابق لكونه مرسلاً ، ومخالفته للأصول : وهو أن يكون شيء ينقض الطهارة في الصلاة ، ولا ينقضها في غير الصلاة(٢). وأرجح رأي الجمهور لعدم ثبوت حديث الحنفية . ٩ - أكل لحم الإبل: ينتقض الوضوء عند الحنابلة دون غيرهم بأكل لحم الإبل ، على كل حال ، نيئاً ومطبوخاً ، عالماً كان أو جاهلاً . بدليل ما روى البراء بن عازب قال: ((سئل رسول الله وَ الرّ عن لحوم الإبل ؟ فقال : توضؤوا منها ، وسئل عن لحوم الغنم ؟ فقال : لا يتوضأ منها))(٣) وروى أسيد بن حضير (١) فيه أحاديث مسندة ، وأحاديث مرسلة ، أما المسندة فمنها حديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني ، وأبي هريرة عند الدارقطني ، وابن عمر عند ابن عدي ، وأنس وجابر ، وعمران بن الحصين ، وأبي المليح : عند الدارقطني . ولكن كلها ضعيفة ، وأما المراسيل فهي أربعة : مرسل أبي العالية ، ومرسل معبد الجهني ، ومرسل ابراهيم النخعي ، ومرسل الحسن ( نصب الراية: ٤٧/١ - ٥٤ ) (٢) بداية المجتهد : ٣٩/١ . (٣) روى مسلم وأبو داود . وروى مسلم وأحمد عن جابر بن سمرة مثله ، وهما حديثان صحيحان . - ٢٨٠ -