النص المفهرس
صفحات 221-240
الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس ، ويجزئ المسح على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض . فإن فقد شعره مسح بشرته ؛ لأنها ظاهر رأسه بالنسبة إليه . والظاهر عند الحنابلة : وجوب الاستيعاب للرجل ، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها ؛ لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها . ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما ؛ لأنها من الرأس ، لما رواه ابن ماجه : ((الأذنان من الرأس))(١). ويكفي المسح عندهم مرة واحدة ، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن ، قال الترمذي وأبو داود : والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ؛ لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله للم ذكر أنه مسح رأسه واحدة ، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: ((ومسح برأسه )) ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره . ودليلهم : أن الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول ، فكأنه تعالى قال : ألصقوا المسح برؤوسكم أي المسح بالماء . ولأنه مَ ◌ّ مسح جميع الرأس، روى عبد الله بن زيد (( أن رسول الله عَ ائتم مسح رأسه بيديه ، فأقبل بها ، وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه ، ثم ذهب بها إلى قَفاه ، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه)) (٢) وهو يدل على مشروعية مسح جميع الرأس ، وهو مستحب باتفاق العلماء ، كما قال النووي . (١) وعن ابن عباس ((أن النبي الم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنها)) رواه الترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ١ / ١٦٢ ) . (٢) رواه الجماعة، وروى أبو داود وأحمد حديثاً حسناً عن الرَّبَيِّع بنت مُعوَّذ ((أن رسول الله سالم توضأ عندها ، ومسح برأسه، فمسح الرأس كله من فوق الشعر، كلَّ ناحية لُنصَبَّ الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته» ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٤، ١٥٦) . - ٢٢١ - وقال الشافعية : الواجب مسح بعض الرأس ، ولو شعرة واحدة في حدٌ الرأس ، بأن لا يخرج بالمدَّ عنه من جهة نزوله . والأصح عند الشافعية جواز غسله لأنه مسح وزيادة ، وجواز وضع اليد على الرأس بلا مَدّ ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه . : والأصح عند الحنابلة : أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس ، فيجزئه الغسل مع الكراهة إن أمرّ يده . ودليلهم حديث المغيرة السابق عند الشيخين: ((أنه مع التّ مسح بناصيته ، وعلى العمامة )» فاكتفى بمسح البعض فيما ذكر ، لأن المطلوب مطلقاً وهو المسح في الآية يتحقق بالبعض، والباء إذا دخلت على متعدد ، كما في الآية ، تكون للتبعيض ، فيكفي القليل كالكثير . والحق : أن الآية من قبيل المطلق ، وأنها لاتدل على أكثر من إيقاع المسح بالرأس ، وذلك يتحقق بمسح الكل ، وبمسح أي جزء قل أم كثر، مادام في دائرة ما يصدق عليه اسم المسح ، وأن مسح شعرة أو ثلاث شعرات لا يصدق عليه ذلك(١) رابعاً - غسل الرجلين إلى الكعبين : لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم(٢) إلى الكعبين﴾ ولإجماع العلماء ، ولحديث عمرو بن عَبْسة عند أحمد: (( ... ثم يمسح رأسه كما أمر الله ، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله )) ولحديث عثمان عند أبي داود والدارقطني بعد أن (١) مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد علي السايس: ص ١١. (٢) قراءة السبع بالنصب ، وقراءة غيرها بالجر المجاورة ، عطفاً على الوجوه ، لفظاً في الأول ، ومعنى في الثاني . - ٢٢٢ - غسل رجليه قال: (( هكذا رأيت رسول الله عَالٍ يتوضأ)» ولغيرهما من الأحاديث كحديث عبد الله بن زيد وحديث أبي هريرة . والكعبان : هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم . والواجب عند جمهور الفقهاء غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة ، كغسل المرفقين ، لدخول الغاية في الْغَيًّا أي لدخول ما بعد ((إلى)) فيما قبلها (١)، ولحديث أبي هريرة السابق: (( ... ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله عَطّعٍ يتوضأ))(٢). ويلزم عند الجمهور أيضاً غسل القدمين مع الكعبين ، ولا يجزئ مسحهما لقوله مع الفتّ: ((ويل للأعقاب من النار)) (٣) فقد توعد على المسح، ولمداومته مؤ قّ على غسل الرجلين ، وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح ، ولأمره بالغسل ، كما ثبت في حديث جابر عند الدارقطني بلفظ « أمرنا رسول الله مفعٍ إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا)» ولثبوت ذلك من قوله وفعله مَ ◌ّله ، كما في حديث عمرو بن عَبْسة وأبي هريرة وعبد الله بن زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: ((فغسل قدميه))، ولقوله مع التّ بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: ((فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم ))(٤) ولاشك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص ، ولقوله عليه (١) البدائع: ١/ ٥، الشرح الصغير: ١ / ١٠٩، مغني المحتاج: ١ / ٥٣، المغني: ١ / ١٣٢ ومابعدها. (٢) رواه مسلم ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٢) . (٣) رواه أحمد والشيخان عن عبد الله بن عمر، قال: ((تخلف عنا رسول الله وخاتم في سفرة، فأدرَكنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ومسح على أرجلنا ، قال : فنادى بأعلى صوته : ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثاً)) ( نيل الأوطار : ١ / ١٦٧ ) . (٤) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق صحيحة وصححه ابن خزيمة ( نيل الأوطار : ١ / ١٤٦، ١٥٢، ١٦٨، ١٧٣ ) . ااا۔۔ - ٢٢٣ - ٠ السلام للأعرابي: (( توضأ كما أمرك الله)) (١) ثم ذكر له صفة الوضوء، وفيها غسل الرجلين ، ولإجماع الصحابة على الغسل ، فكانت هذه الأمور موجبة لحمل قراءة ((وأرجلكم )) بالكسر على حالة نادرة مخالفة للظاهر ، لا يجوز حمل المتنازع فيه عليها. وعطفها على ((برؤوسكم)) بالجر المجاورة . وأما قراءة النصب فهي عطف على اليدين في الغسل . ثم إن أمر النبي ماقل بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب الغسل(٢) . وأوجب الشيعة الإمامية(٣) مسح الرجلين ، لما أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي أنه رأى رسول الله عَ ◌ّلِ أتى كِظَامة (٤) قوم بالطائف، فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه))(٥)، وعملاً بقراءة الجر ((وأرجلكم)) وبما روي عن علي وابن عباس وأنس ، لكن قد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك . قال الشوكاني: وأما الموجبون للمسح ، وهم الإمامية ، فلم يأتوا مع مخالفتهم الكتاب والسنة المتواترة قولاً وفعلاً بحجة نيرة ، وجعلوا قراءة النصب عطفاً على محل قوله : ﴿ برؤوسكم ﴾(٢) . والسبب في ذكر الغسل والمسح في الأرجل بحسب قراءتي النصب والجر - كما ذكر الزمخشري - هو توقي الإسراف ؛ لأن الأرجل مظنة لذلك . (١) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني عن أنس بن مالك، ورواه أحمد ومسلم عن عمر بن الخطاب ( نيل الأوطار : ١ / ١٧٠، ١٧٥ ). (٢) روى أحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله مُ ثم قال: ((إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك)) ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٣ ). (٣) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص ٣٠ . (٤) الكظامة : القناة ، أو فم الوادي . (٥) حديث معلول بجهالة بعض رواته ، وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه ، قال هشيم : كان هذا في أول الإسلام. ( نيل الأوطار: ١ / ١٦٩ ) . (٦) نيل الأوطار ، المكان السابق . - ٢٢٤ - والخلاصة : أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة : غسل الوجه واليدين والرجلين مرة واحدة ، والمسح بالرأس مرة واحدة ، وأما التثليث فهو سنة ، كما سنبين . النوع الثاني - فرائض الوضوء المختلف فيها : اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك . فقال غير الحنفية بفرضية النية ، وقال المالكية والحنابلة والإمامية بوجوب الموالاة ، وقال الشافعية والحنابلة والإمامية بوجوب الترتيب ، وانفرد المالكية بإيجاب الدلك . ونبحث الخلاف في هذه الأمور : أولاً - النية : النية لغة : القصد بالقلب ، لاعلاقة للسان بها ، وشرعاً: هي أن ينوي المتطهر أداء الفرض ، أو رفع حكم الحدث ، أو استباحة ماتجب الطهارة له ، كأن يقول المتوضئ : نويت فرائض الوضوء ، أو يقول من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح : نويت استباحة فرض الصلاة ، أو الطواف أو مس المصحف . أو يقول المتطهر مطلقاً : نويت رفع الحدث ، أي إزالة المانع بين كل فعل يفتقر إلى الطهارة . وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد الفعل جزماً . وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة : فقال الحنفية (١) : يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب ، ووقتها : قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة . وكيفيتها : أن ينوي رفع الحدث ، أو (١) الدر المختار: ١ / ٩٨ - ١٠٠، اللباب: ١ / ١٦، مراقي الفلاح: ص ١٢، البدائع: ١ / ١٧، مقارنة المذاهب في الفقه : ص ١٤ . الفقه الإسلامي جـ١ (١٥) - ٢٢٥ _ إقامة الصلاة ، أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر . ومحلها القلب ، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان ، فهو مستحب عند المشايخ . ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية : صحة وضوء المتبرد ، والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق ، ونحو ذلك . واستدلوا على رأيهم بما يأتي : اً - عدم النص عليها في القرآن: إن آية الوضوء لم تأمر إلا بغسل الأعضاء الثلاثة والمسح بالرأس ، والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص الكتاب ، والزيادة على الكتاب عندهم نسخ ، لا يصح بالآحاد . ٢ - عدم النص عليها في السنة: لم يعلمها النبي ◌ُّرٍ للأعرابي مع جهله. وفرضت النية في التيم لأنه بالتراب ، وليس هو مزيلاً للحدث بالأصالة ، وإنما هو بدل عن الماء . اً - القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها: إن الوضوء طهارة بماء ، فلا تشترط لها النية كإزالة النجاسة ، كما لا تجب النية في شروط الصلاة الأخرى كستر العورة ، ولا تجب أيضاً بغسل الذمية من حيضها لتحل لزوجها المسلم . ٤ - إن الوضوء وسيلة للصلاة ، وليس مقصوداً لذاته ، والنية شرط مطلوب في المقاصد ، لا في الوسائل . وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية : النية فرض في الوضوء ، لتحقيق العبادة أو قصد القربة لله عز وجل(١) ، فلا تصح الصلاة بالوضوء لغير العبادة كالأكل (١) المجموع للنووي: ١ / ٣٦١ ومابعدها، المهذب: ١ / ١٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٧ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٢١، الشرح الصغير: ١ / ١١٤ ومابعدها، الشرح الكبير: ١ / ٩٣ ومابعدها ، مغني المحتاج : ١ / ٤٧ وما بعدها، المغني: ١ / ١١٠ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٩٤ - ١٠١ . - ٢٢٦ - والشرب والنوم ونحو ذلك . واستدلوا بما يأتي : : أً - السنة: قوله مع التّ: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى))(١) أي إن الأعمال المعتدّ بها شرعاً تكون بالنية ، والوضوء عمل ، فلا يوجد شرعاً إلا بنية . اً - تحقيق الإخلاص في العبادة: لقوله تعالى: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) والوضوء عبادة مأمور بها ، لا يتحقق إلا بإخلاص النية فيه لله تعالى ، لأن الإخلاص عمل القلب وهو النية . اً - القياس: تشترط النية في الوضوء كما تشترط في الصلاة، وكما تشترط في التيم لاستباحة الصلاة . ٤ - الوضوء وسيلة للمقصود ، فله حكم ذلك المقصود، لقوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلاة ، ومن أجل هذه العبادة ، فالمطلوب غسل الأعضاء لأجل الصلاة ، وهو معنى النية . والحق : القول بفرضية النية ؛ لأن أحاديث الآحاد كثيراً ما أثبتت أحكاماً ليست في القرآن ، ولأن عموم الماء للأعضاء بدون قصد أصلاً ، أو بقصد التبرد ، ليس غسلاً للوضوء ، حتى يؤدي مهمته الشرعية ، ويحقق المأمور به كما أمر به(٢). ما يتعلق بالنية : يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي(٣): أ - حقيقتها : لغة : القصد ، وشرعاً : قصد الشيء مقترناً بفعله . (١) متفق على صحته ، رواه الجماعة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( نيل الأوطار: ١ / ١٣١ ) . (٢) مقارنة الفقه في المذاهب : ص ١٧ . (٣) مغني المحتاج: ١ / ٤٧ والمراجع السابقة، المغني: ١ / ١٤٢. - ٢٢٧ - ب - حكمها : عند الجمهور : الوجوب ، وعند الحنفية : الاستحباب . جـ ـ المقصود بها : تمييز العبادة عن العادة ، أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن بعض ، كالصلاة تكون فرضاً تارة ، ونفلاً أخرى . : د - شرطها : إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي ، وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكماً ، فلا ينصرف عن الوضوء مثلاً لغيره ، وألا تكون معلقة ، فلو قال : إن شاء الله تعالى : فإن قصد التعليق أو أطلق ، لم تصح ، وإن قصد التبرك صحت . واشترط غير الحنفية دخول وقت الصلاة لدائم الحدث كسلس بول ومستحاضة ؛ لأن طهارته طهارة عذر وضرورة ، فتقيدت بالوقت كالتيم . هـ - محلها : القلب ، إذ هي عبارة عن القصد ، ومحل القصد : القلب ، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه ، وإن لم يتلفظ بلسانه ، أما إن لم تخطر النية بقلبه ، فلم يجزه الفعل الحاصل ، والأولى عند المالكية ترك التلفظ بالنية ، ويسن عند الشافعية والحنابلة : التلفظ بها ، إلا أن المذهب عند الحنابلة أنه يستحب التلفظ بها سراً ، ويكره الجهر بها وتكرارها . و - صفتها : أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها ، كالصلاة والطواف ومس المصحف ، وينوي رفع الحدث الأصغر ، أي المنع المترتب على الأعضاء ، أي أن صفة النية أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة من الحدث ، وأيهما نواه أجزأه ، لأنه نوى المقصود وهو رفع الحدث . فإن نوى بالطهارة : مالاتشرع له الطهارة ، كالتبرد والأكل والبيع والزواج ونحوه ، ولم ينو الطهارة الشرعية ، لم يرتفع حدثه ؛ لأنه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها ، فلم يحصل له شيء ، كالذي لم يقصد شيئاً . - ٢٢٨ - وإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة ، صحت النية وأجزأته . لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلاً ، لم تصح ولم تجزئ ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة ، ولا يتم التمييز إلا بالنية ، والطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس ، فلم تصح بنية مطلقة . وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة ، كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك ، ارتفع حدثه وله أن يصلي ماشاء عند الحنابلة ، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة الطهارة . ولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث ؛ لأن مانواه يصح فعله مع بقاء الحدث . كما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية ؛ لأنه أمر مباح مع الحدث ، فلا يتضمن قصده رفع الحدث . ولاخلاف أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف ، صلى بوضوئه الفريضة؛ لأنه ارتفع حدثه(١) . وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها ؛ لأنها عبادة شك في شرطها ، وهو فيها ، فلم تصح كالصلاة . ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة ، كسائر العبادات . وإذا وضأه غيره ، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ ؛ لأن المتوضئ هو (١) المغني: ١ / ١٤٢. - ٢٢٩ - المخاطب بالوضوء ، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل له . وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع الحدث ، لعدم إمكان رفعه . ز - وقت النية : قال الحنفية : وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة ، وقال الحنابلة : وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء ، وقال المالكية : محلها الوجه ، وقيل : أول الطهارة . وقال الشافعية : عند أول غسل جزء من الوجه ، ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة . ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها ، فيثاب على كل منهما . ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير ، فإن طال الزمن لم يجزه ذلك . ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة ، لتكون أفعاله مقترنة بالنية ، وإن استصحب حكمها أجزأه ، ومعناه : ألا ينوي قطعها . ولا يضر عزوب النية : أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها ، بعد أن أتى بها في أول الوضوء ؛ لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام . وذلك بخلاف الرفض : أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل مافعله منه ، كأن يقول بقلبه : أبطلت وضوئي ، فإنه يبطل . وللمتوضئ عند الشافعية والحنابلة تفريق النية على أعضاء الوضوء ، بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه ، لأنه يجوز تفريق أفعال الوضوء ، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله . والمعتمد عند المالكية خلافاً للأظهر عند ابن رشد : أنه لا يجزئ تفريق النية - ٢٣٠ - على الأعضاء ، بأن يخص كل عضو بنية ، من غير قصد إتمام الوضوء ، ثم يبدوله فيغسل مابعده ، وهكذا ، فإن فرق النية على الأعضاء مع قصده إتمام الوضوء على الفور ، أجزأه ذلك . وبه يلتقي المالكية مع الشافعية والحنابلة . والخلاصة : اتفق العلماء على وجوب النية في التيم ، واختلفوا في وجوبها في الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين . ثانياً - الترتيب : الترتيب : تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد الآخر كما ورد في النص القرآني : أي غسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين . واختلف الفقهاء في وجوبه(١) . فقال الحنفية والمالكية : إنه سنة مؤكدة لافرض ، فيبدأ بما بدأ الله بذكره وبالميامن ؛ لأن النص القرآني الوارد في تعداد فرائض الوضوء عطف المفروضات بالواو ، التي لا تفيد إلا مطلق الجمع، وهو لا يقتضي الترتيب ، ولو كان الترتيب مطلوباً لعطفه بالفاء أو ((ثم))، والفاء التي في قوله تعالى : ﴿ فاغسلوا﴾ لتعقيب جملة الأعضاء. وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب ، قال علي رضي الله عنه: (( ما أبالي بأي أعضائي بدأت )) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ((لا بأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين )) وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ((لابأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء)) (٢). (١) الدر المختار: ١ / ١١٣، مراقي الفلاح: ص ١٢، فتح القدير: ١ / ٢٣، البدائع: ١ / ١٧ ومابعدها ، الشرح الصغير: ١ / ١٢٠، الشرح الكبير: ١ / ١٠٢، مغني المحتاج: ١ / ٥٤ ، المهذب: ١ / ١٩، المغني: ١ / ١٣٦ - ١٣٨، كشاف القناع: ١ / ١١٦، بداية المجتهد: ١ / ١٦، القوانين الفقهية: ص ٢٢، المجموع: ١ / ٤٨٠ - ٤٨٦ . (٢) روى الدارقطني الأثرين الأولين، وأما الأثر الثالث فلا يعرف له أصل . - ٢٣١ - وقال الشافعية والحنابلة : الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل . لفعل النبي مافر المبين للوضوء المأمور به(١)، ولقوله مع المه في حجته: «ابدؤوا بما بدأ الله به))(٣)، والعبرة بعموم اللفظ ، ولأن في آية الوضوء قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب ، فإنه تعالى ذكر ممسوحاً بين مغسولات ، والعرب لا تفرق بين المتجانسين ولاتقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة ، وهي هنا الترتيب ، ولأن الآية بيان للوضوء الواجب ، بدليل أنه لم يذكر فيها شيء من السنن . وقياساً على الترتيب الواجب في أركان الصلاة . فلو نكس(٣) الترتيب المطلوب ، فبدأ برجليه ، وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه ، ثم يكمل مابعده على الترتيب الشرعي . ويمكن تصحيح الوضوء غير المرتب بأن يغسل أعضاءه أربع مرات ، لأنه يحصل له في كل مرة غسل كل عضو ، فيحصل له من المرة الأولى غسل الوجه ، ومن الثانية غسل اليدين ، ومن الثالثة مسح الرأس ، ومن الرابعة غسل الرجلين . وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة ، لم يصح وضوءه ، وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة ؛ لأن الواجب الترتيب ، لاعدم التنكيس ، ولم يوجد الترتيب . ولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه ، فالأصح عند الشافعية: أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح ، ولو بلا مُكْث ؛ لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين ، فللأصغر أولى ، ولتقدير الترتيب في لحظات معينة . ولا يكفي ذلك عند الحنابلة ، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب ، (١) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٢). (٢) رواه النسائي بإسناد صحيح . (٣) نكس - كنصر - الشيء: فانتكس: قلبه على رأسه ، ونكْسه بالتشديد تنكيساً . - ٢٣٢ - فيخرج وجهه ثم يديه ، ثم يمسح رأسه ، ثم يخرج من الماء ، سواء أكان الماء راكداً أم جارياً . والترتيب مطلوب بين الفرائض ، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين ، وإنما هو مندوب ، لأن مخرجهما في القرآن واحد ، قال تعالى : ﴿ وأيديكم .... وأرجلكم ﴾ والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضواً، ولا يجب الترتيب في العضو الواحد . وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود ، قال أحمد : إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى ؛ لأن مخرجها من الكتاب واحد . وفي تقديري: أن رأي القائلين بالترتيب أولى، المواظبة النبي عَ ◌ّ قولاً وفعلاً عليه ، واستمر الصحابة على ذلك ، لا يعرفون غير الترتيب في الوضوء ، ولا يتوضؤون إلا مرتبين ، ودرج المسلمون على الترتيب في كل العصور . وكون الواو لا يقتضي الترتيب صحيح مسلّم به ، لكن ذلك عند عدم القرائن الدالة على إرادة الترتيب ، والقرائن الدالة عليه كثيرة ، وهي المواظبة من النبي وصحبه(١) . ثالثاً - الموالاة أو الولاء : عالـ هي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف ، أو هي المتابعة بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق ، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً ومناخاً . واختلف الفقهاء في وجوبها(٢). فقال الحنفية والشافعية : الموالاة سنة لاواجب ، فإن فرق بين أعضائه تفريقاً يسيراً لم يضر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه . وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو (١) مقارنة المذاهب: ص ٢١ - ٢٣. (٢) بداية المجتهد: ١ / ١٧، القوانين الفقهية: ص ٢١، المجموع: ١ / ٤٨٩ - ٤٩٣، الدر المختار: ١ / ١١٣، الشرح الصغير: ١ / ١١١، الشرح الكبير: ١ / ٩٠، مغني المحتاج: ١ / ٦١، كشاف القناع: ١ / ١١٧ ، المغني: ١ / ١٣٨، المهذب : ١ / ١٩ . - ٢٣٣ - بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل ، أجزأه ؛ لأن الوضوء عبادة لا يبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة والحج . واستدلوا على رأيهم بالآتي : آً - («إنه مُ التّ توضأ في السوق ، فغسل وجهه ويديه ، ومسح رأسه ، فدعي إلى جنازة، فأتى المسجد يمسح على خفيه وصلى عليها)) (١) قال الإمام الشافعي : وبينهما تفريق كثير . اً - صح عن ابن عمر رضي الله عنهما التفريق أيضاً ، ولم ينكر عليه أحد . وقال المالكية والحنابلة : الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض ، بدليل ما يأتي : اً - ((إنه ◌ُّ رأى رجلاً يصلي ، وفي ظهر قدمه لُمْعة (بقعة) قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبي ◌ُ ◌ّ أن يعيد الوضوء والصلاة))(٣) ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة . اً - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه ، فأبصره النبي مُاللّ ، فقال : ارجع فأحسن وضوءك ، فرجع ثم (٣) صلى ))(٣) . (١) الواقع أنه أثر صحيح رواه مالك عن نافع: ((أن ابن عمر توضأ في السوق ... )) إلخ ( المجموع: ١ / ٤٩٣ ) . (٢) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي مَ ◌ّله ، لكن قال عنه النووي: إنه ضعيف الإسناد ، وقال عنه أحمد : إسناده جيد . (٣) رواه أحمد ومسلم ( انظر الحديثين في نيل الأوطار: ١ / ١٧٤ وما بعدها ) لكن قال عنه النووي : لادلالة فيه على الموالاة . - ٢٣٤ _ اً - مواظبته ◌َّ على الولاء في أفعال الوضوء، فإنه لم يتوضأ إلا متوالياً ، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء . ٤ - القياس على الصلاة : الوضوء عبادة يفسدها الحدث ، فاشترطت الموالاة كالصلاة . وفي تقديري أن القول بضرورة الموالاة إلا لعجز أمر يتفق مع ضرورة الجدية في العبادات وعدم العبث واللعب فيها ، ومع وحدة العبادة ، والسنة الفعلية ، ولزوم الانصراف الكلي بالنية والتطبيق لتنفيذ مطلب الشرع على نحو متتابع منسجم بعضه مع بعض ، دون تخلل أمر صارف عن موضوعية التصرف . رابعاً - الدلك الخفيف باليد : الدلك : هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه . والمراد باليد : باطن الكف ، فلا يكفي دلك الرِّجْل بالأخرى . واختلف الفقهاء في إيجابه(١) . ـها فقال الجمهور ( غير المالكية ) : الدلك سنة لاواجب ، لأن آية الوضوء لم تأمر به ، والسنة لم تثبته ، فلم يذكر في صفة وضوء النبي معَ ◌ّه . والثابت في صفة غسله عليه الصلاة والسلام مجرد إفاضة الماء مع تخلل أصول الشعر(٢). وقال المالكية : الدلك واجب ، ويكون في الوضوء بباطن الكف ، لابظاهر اليد ، ويكفي الدلك بالرجل في الغسل ، والدلك فيه : هو إمرار (١) فتح القدير: ١ / ٩، الدر المختار: ١ / ١١٤، مراقي الفلاح: ص ١٢، الشرح الصغير: ١ / ١١٠ ومابعدها، الشرح الكبير: ١ / ٩٠ ، نيل الأوطار: ١ / ٢٢٠، ٢٤٥ . (٢) عبرت ميمونة عن كيفية الغسل بالغسل ، وعبرت عائشة بالإفاضة والمعنى واحد ، وقد استدل بذلك على عدم وجوب الدلك، وعلى أن مسمى ((غسل)) لا يدخل فيه الدلك ( نيل الأوطار: ١ / ٢٤٤ ومابعدها ) . - ٢٣٥ _ العضو على العضو إمراراً متوسطاً ، ويندب أن يكون خفيفاً مرة واحدة ، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة . وهو واجب بنفسه ، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور . واستدلوا بما يأتي : اً - إن الغسل المأمور به في آية الوضوء ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ لا يتحقق معناه إلا بالدلك ، فإن مجرد إصابة الماء للعضو لا يعتبر غسلاً ، إلا إذا صاحبه الإمرار بشيء آخر على الجسم ، وهو معنى الدلك . ٢ - حديث ((بُلُّوا الشعر، وأنقوا البشر)) (١) على فرض صحته مشعر بوجوب الدلك ؛ لأن الإنقاء لا يحصل بمجرد الإفاضة . اً - القياس: قاسوا طهارة الحدث الأصغر على إزالة النجاسة التي لاتحصل إلا بالدلك والعرك، كما قاسوها على غسل الجنابة في آية: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ فالصيغة للمبالغة ، والمبالغة تكون بالدلك. ويظهر لي أن الدلك وسيلة تنظيف وتحسين هيئة الأعضاء الظاهرة ، ويكفي لتحقيق هذا المقصود القول بسنية الدلك لا بوجوبه، لأن الأحاديث التي وصفت غسل النبي مع لته لا تدل حقاً على الدلك ، وليس في كتب اللغة ما يشعر بأن الدلك داخل في مسمى الغسل ، فالواجب ماصدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة . حكم ناسي أحد الفروض : قال ابن جزي المالكي(٢) : من نسي شيئاً من فرائض الوضوء ، فإن ذكر بعد أن جف وضوءه ، فعل ماترك خاصة ، وإن ذكر (١) نيل الأوطار: ١ / ٢٢٠. (٢) القوانين الفقهية: ص ٢٣ . - ٢٣٦ - ٠ قبل أن يجف وضوءه ابتدأ الوضوء ، قال الطيطلي : إنه يعيد الذي نسي وما بعده ولا يبتدئ الوضوء ، وهو الصحيح . المطلب الثالث - شروط الوضوء : سبب وجوب الوضوء : هو الحدث ، ودخول وقت الصلاة ، والقيام إليها ونحوها ، والأصح عند الشافعية : الاثنان معاً أي الحدث والقيام إلى الصلاة ونحوها . وأما شروط الوضوء فنوعان: شروط وجوب ، وشروط صحة(١) . وشرائط الوجوب : هي ما إذا اجتمعت وجبت الطهارة على الشخص . وشرائط الصحة : ما لا تصح الطهارة إلا بها . أولاً - شروط الوجوب : يشترط لوجوب الوضوء على الشخص ، أي التكليف به وافتراضه عليه شروط ثمانية هي ما يأتي : اً ۔ العقل: فلايجب ولا یصح من مجنون حال جنونه ، ولامن مصروع حال صرعه ، ولا يجب على النائم والغافل ولا يصح منهما لعدم النية عند الجمهور غير الحنفية ؛ إذ لانية لنائم أو غافل حال النوم أو الغفلة . اً - البلوغ: فلا يجب على صبي ، لكن لا يصح الوضوء إلا من مميز، فالتمييز شرط لصحة الوضوء . (١) البدائع: ١ / ١٥، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨٠، مراقي الفلاح: ص ١٠، الشرح الصغير: ١ / ١٣١ - ١٣٤، الشرح الكبير: ١ / ٨٤ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٤٧ ، كشاف القناع: ١ / ٩٥ . - ٢٣٧ - اً - الإسلام : شرط وجوب عند الحنفية بناء على المشهور عندهم من أن الكفار غير مخاطبين بالعبادات وغيرها من فروع الشريعة ، فلايجب على كافر إذ لا يخاطب كافر بفروع الشريعة . وهو شرط صحة عند الجمهور بناء على أن المقرر لديهم مخاطبة الكفار بفروع الشريعة ، فلا يصح من كافر ، إذ يشترط لصحة أدائه منه وجود الإسلام(١) . وهذا شرط في جميع العبادات من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج . ٤ - القدرة على استعمال الماء الطهور الكافي ، فلا يجب على عاجز عن استعمال المطهر ، ولا على فاقد الماء ، والتراب أيضاً ، ولاعلى واجد ماء لا يكفي لجميع الأعضاء مرة مرة . ولاعلى عاجز يضره الماء ، فالمراد بالقادر : هو الواجد الماء الذي لا يضره استعماله . هذا عند الحنفية والمالكية ، والأظهر عند الشافعية والحنابلة أنه يجب استعمال الماء الذي لا يكفيه ثم يتيم . ٥ - وجود الحدث : فلا يلزم المتوضئ إعادة الوضوء أي الوضوء على الوضوء . أً، لأَ - عدم الحيض والنفاس بانقطاعهما شرعاً، فلا يجب على الحائض والنفساء . 5 ٨ - ضيق الوقت: لأن الخطاب الشرعي يتوجه للمكلف حينئذ توجهاً مضيقاً ، وموسعاً في ابتداء الوقت ، فلا يجب الوضوء حال سعة الوقت ، ويجب إذا ضاق الوقت . و يمكن اختصار هذه الشروط في أمر واحد : هو قدرة المكلف بالطهارة عليها بالماء . (١) انظر كتابنا الوسيط في أصول الفقه: ص ١٥٣ ومابعدها، ط أولى . - ٢٣٨ - ثانياً - شروط الصحة : يشترط لصحة الوضوء شروط ثلاثة عند الحنفية ، وأربعة عند الجمهور : اً - عموم البشرة بالماء الطهور : أي أن يعم الماء جميع أجزاء العضو المغسول ، بحيث لا يبقى منه شيء ، إلا وقد غسل ، لكي يغمر الماء جميع أجزاء البشرة ، حتى لو بقي مقدار مغرز إبرة لم يصبه الماء من المفروض غسله ، لم يصح الوضوء . وبناء عليه يجب تحريك الخاتم الضيق عند الجمهور غير المالكية ، أما المالكية فقالوا : لا يجب تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته ، ولا يعد حائلاً بخلاف غير المأذون فيه ، كالذهب للرجل أو المتعدد أكثر من واحد ، فلابد من نزعه مالم يكن واسعاً يدخل الماء تحته ، فيكفي تحريكه ؛ لأنه بمنزلة الدلك بالخرقة . ولا يصح الوضوء باتفاق الفقهاء بغير الماء من المائعات كالخل والعصير واللبن ونحو ذلك ، كما لا يصح التوضؤ بالماء النجس ، إذ لاصلاة إلا بطهور أو لاصلاة إلا بطهارة . ٢ً - إزالة ما يمنع وصول الماء إلى العضو: أي ألا يكون على العضو الواجب غسله حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة ، كشمع وشحم ودهن ودهان ، ومنه عماص العين ، والحبر الصيني المتجسم ، وطلاء الأظافر للنساء . أما الزيت ونحوه فلا يمنع نفوذ الماء للبشرة . ٣ - عدم المنافي للوضوء أو انقطاع الناقض من خارج أو غيره: أي انقطاع كل ما ينقض الوضوء قبل البدء به ، لغير المعذور ، من دم حيض ونفاس وبول - ٢٣٩ _ ونحوهما ، وانقطاع حدث حال التوضؤ؛ لأنه بظهور بول وسيلان ناقض ، لا يصح الوضوء . والخلاصة : أنه لا يصح الوضوء لغير المعذور حال خروج الحدث أو وجود ناقضٍ للوضوء . ٤ - دخول الوقت للتيم عند الجمهور غير الحنفية ، ولمن حدثه دائم کسلس البول عند الشافعية والحنابلة ، لأن طهارته طهارة عذر وضرورة ، فتقيدت بالوقت . والإسلام كما عرفنا شرط لصحة أداء العبادات عند غير الحنفية ، وعندهم : شرط وجوب . وأما التمييز فهو شرط لصحة الوضوء وغيره من العبادات بالاتفاق . وقال الشافعية : شروط الوضوء والغسل ثلاثة عشر : الإسلام ، والتمييز ، والنقاء من الحيض والنفاس ، وعما يمنع وصول الماء إلى البشرة ، والعلم بفرضيته ، وألا يعتقد فرضاً معيناً من فروضه سنة ، والماء الطهور ، وإزالة النجاسة العينية ، وألا يكون على العضو ما يغير الماء ، وألا يعلق نيته ، وأن يجري الماء على العضو ، ودخول الوقت لدائم الحدث ، والموالاة ( أي فقد الصارف ) . المطلب الرابع - سنن الوضوء : ميز الحنفية بين السنة والمندوب ، فقالوا : السنة : هي المؤكدة وهي الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم ، على سبيل المواظبة ، أي أنها التي واظب عليها النبي ◌ُ ◌ّ وتركها أحياناً بلاعذر. وحكمها الثواب على الفعل والعقاب على الترك . - ٢٤٠ -