النص المفهرس

صفحات 201-220

وروى الدارقطني: ((أن النبي ◌ُّله نهى أن نستنجي بروث أو عظم، وقال:
إنها لا يُطهِّران))(١) وروى أبو داود عنه عليه السلام أنه قال لرويفع بن ثابت
( أبي بكرة): ((أخبر الناس أنه من استنجى برجيع ( أي روث ) أو عظم ، فهو
بريء من دين محمد ))(٢) وهذا عام في الطاهر منها ، وإذا حرم طعام الجن حرم
طعام الآدمي بالأولى ، لكن أجاز الشافعية الاستنجاء بمطعوم البهائم الخاص بها
كالحشيش ، وقال الجمهور: لا يجوز. قال النووي: لكن النهي عن الاستنجاء
بالفحم ضعيف ، وإن صح حمل على الرخو .
٢ - تثليث الأحجار أو الورق ونحوه ، مندوب عند الحنفية والمالكية ،
واجب عند الشافعية والحنابلة ، فإنهم قالوا : يجب في الاستنجاء بالحجر أمران :
أحدهما - ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر، والإيتار بعد الثلاث إلى السبع إن
لم ينق المحل ، ويسن أن يكون كل حجر أو نحوه لكل محل الخارج ، ودليلهم
حديثان: الأول: ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار ، فإنها
تجزئ عنه)) والثاني: ((من استجمر فليوتر))(٣).
٣ - ألا يستنجي باليد الينى إلا لعذر، لقوله مَّ الَّ: ((إذا بال أحدكم فلا
يمس ذكره بيمينه ، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه ، وإذا شرب فلا يشرب نفساً
واحداً)) (٤) وإذاً يسن الاستنجاء باليسار .
(١) إسناده صحيح (نيل الأوطار: ١ / ٩٦ ).
(٢) وروى أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر: ((نهى النبي ◌َّ أن يتمسح بعظم أو بعرة)) وروى الدارقطني
والبيهقي عن ابن مسعود أن رسول الله مَّم ذهب لحاجته ، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين
وروثة، فألقى الروثة، وقال: إنها ركس، ائتني بحجر)). وروى البخاري عن أبي هريرة قصة مماثلة: ((ابغني
احجاراً أستنفضْ بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة)» ( نصب الراية: ١ / ٢١٦، ٢١٩ ، نيل الأوطار: ١ / ٩٦ ، ٩٧ ).
(٣) روى الحديث الأول : أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني وقال: إسناده صحيح حسن ، ورواه أيضاً ابن
ماجه عن عائشة . والثاني رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ١ / ٩٠، ٩٥).
(٤) رواه الأئمة الستة عن أبي قتادة ( نصب الراية: ١ / ٢٢٠)
- ٢٠١ -

٤ - الاستتار وعدم كشف العورة عمن يراه واجب أثناء الاستنجاء وقضاء
الحاجة ، لحرمته والفسق به ، فلا يرتكبه لإقامة السنة ، ويمسح المخرج من تحت
الثياب بنحو حجر . وإن تركه صحت الصلاة بدونه لأن ما في المخرج ساقط
الاعتبار. ودليل الاستتار أحاديث رواها أبو داود وابن ماجه، منها: (( من أتى
الغائط ، فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من الرمل فليستدبره )) ويبعد
عن الناس في الصحراء ونحوها إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت ولا يشم له
ريح .
٥ - للمستنجي بالماء أن يدلك يده بنحو أرض، ثم يغسلها بعد الاستنجاء
بتراب أو صابون وأشنان ونحوه .
٦ - تنشيف المقعدة قبل القيام إذا كان صائماً لئلا تجذب المقعدة شيئاً من
الماء .
٧ - يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر ،
والمرأة مخيرة في البداية بأيهما شاءت . ويستحب عند الشافعية والحنابلة : أن
ينضح الماء على فرجه وإزاره ليزيل الوسواس عنه .
خامساً - آداب قضاء الحاجة :
يندب لقاضي الحاجة من بول أو غائط ما يأتي (١):
اً - ألا يحمل مكتوباً ذكر اسم الله عليه ، أو كل اسم معظم كالملائكة ،
والعزيز والكريم ومحمد وأحمد، لما روى أنس ((أن النبي خالٍ كان إذا دخل الخلاء
(١) الدر المختار: ١ / ٣١٦ - ٣١٨، الشرح الصغير: ١ / ٨٧ - ٩٤، مغني المحتاج: ١ / ٣٩ - ٤٣ ، المهذب:
١ / ٢٥، المغني: ١ / ١٦٢ - ١٦٨، كشاف القناع: ١ / ٦٢ - ٧٥ .
- ٢٠٢ -

وضع خاتمه(١))) وكان فيه: محمد رسول الله . فإن احتفظ به ، واحترز عليه من
السقوط فلا بأس .
٣ - أن يلبس نعليه، ويستر رأسه، ويأخذ أحجار الاستنجاء أو يهيء
ويعد المزيل للنجاسة من ماء ونحوه .
اً - يدخل الخلاء برجله اليسرى، ويخرج برجله اليمنى ؛ لأن كل ما كان
من التكريم يبدأ فيه باليمين ، وخلافه باليسار ، لمناسبة اليمين للمكرم ، واليسار
للمستقذر ، عكس المسجد والمنزل ، يقدم يمناه فيهما .
ويقول عند إرادة الدخول: (( باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الحُبُث
والخبائث)) أي أتحصن من الشيطان ، وأعتصم بك يا الله من ذكور الشياطين ،
وإناتهم، اتباعاً لما رواه الشيخان في السنة: (( سترة ما بين أعين الجن وعورات
بني آدم، إذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول: بسم الله)) ((إن الحُشوش(٢) محتضرة ،
فإذا أتى ، فليقل : أعوذ بالله من الخبث والخبائث )) .
ويقول عند خروجه: ((غفرانَك ، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى
وعافاني )) اتباعاً للسنة ، رواه النسائي .
٤ - يعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى ، لأنه أسهل لخروج الخارج ،
ولما رواه الطبراني عن سراقة بن مالك قال: (( أمرنا رسول الله مطلقا أن نتوكاً على
اليسرى ، وأن ننصب اليمنى)) ويوسع فيما بين رجليه ، ولا يتكلم إلا لضرورة ،
(١) رواه ابن ماجه وأبو داود وقال: هذا حديث منكر، ورواه النسائي والترمذي وصححه ( نيل الأوطار:
١ / ٧٣ )
(٢) الحشوش جمع الحش بالفتح والضم : بستان النخيل في الأصل ، ثم استعمل في موضع قضاء الحاجة ،
واحتضارها : رصد بني آدم بالأذى .
- ٢٠٣ -

ولا يطيل المقام أكثر من قدر الحاجة ؛ لأن ذلك يضره ، بظهور الباسور أو ادماء
الكبد ونحوه .
ويستحب ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ؛ لأن ذلك أستر له ، ولما
روى أبو داود عن النبي ◌ُّعٍ: (( أنه كان إذا أراد الحاجة ، لا يرفع ثوبه حتى
يدنو من الأرض » .
ويستحب أن يبول قاعداً لئلا يترشش عليه، ويكره البول قائماً إلا لعذر
قال ابن مسعود: ((من الجفاء أن تبول وأنت قائم)) قالت عائشة: ((من حدثكم
أن رسول الله هل كان يبول قائماً، فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً))(١)،
ورويت الرخصة في التبول قائماً عن جماعة من الصحابة كعمر وعلي وغيرهما .
ويستحب أن يبول في مكان رخو غير صلب لئلا يترشش بالبول ، ولما روى أحمد
وأبو داود عن أبي موسى: (( إذا بال أحدكم فليرتد لبوله )).
٥ - لا يبول في مهب الريح لئلا تعود النجاسة إليه ، ولا في ماء راكد ،
وقليل جار، أو في كثير أيضاً عند الحنفية ، للنهي عنه في حديث البخاري
ومسلم(٢) ، ولا في المقابر احتراماً لها ، ولا في الطرقات ومُتَحدَّث الناس، لقوله
وَ اقٍ: ((اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل))(٣)
ولا يبول في شق أو ثقب لأن النبي ◌ُ ◌ّ نهى أن يبال في الْجُحْر(٤).
(١) قال الترمذي: هذا أصح شيء في الباب، رواه الخمسة إلا أبا داود (نيل الأوطار: ١ / ٨٨)
(٢) نص الحديث: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ، ثم يغتسل فيه))
(٣) رواه أبو داود بإسناد جيد عن معاذ. والمورد : المياه وطرق الماء والحياض التي يردها الناس للشرب
والاستقاء. وروى مسلم وأحمد وأبو داود عن أبي هريرة: ((اتقوا اللاعنين ، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله ؟ قال :
الذي يتخلى في طريق الناس ، أو في ظلهم)) والملاعن: موضع اللعن، والتخلي : التغوط ، والبراز ، وقيس عليه
البول .
(٤) رواه أبو داود عن عبد الله بن سَرْجس (نيل الأوطار: ١ / ٨٤)
- ٢٠٤ -

ولا يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها ، لئلا تسقط عليه
الثمرة ؛ لأن التبول في الماء القليل حرام عند الحنفية ، ومكروه تحريماً في الماء
الكثير ، ومكروه تنزيها في الماء الجاري عندهم ، فتتنجس به . قال الشافعية :
وكذا في غير وقت الثمر ، صيانة لها عن التلويث عند الوقوع ، فتعافها النفس ،
ولم يحرموه ، لأن التنجس غير متيقن . وأجازه الحنابلة في غير حال الثمر ، فإن
النبي ◌ّ ((كان أحب ما استقر به لحاجته هدف أو حائش نخل(١))) أي جماعته.
ويكره أن يستنجي بماء في موضعه بل ينتقل عنه إن لم يكن معداً لذلك ، لئلا
يعود عليه الرشاش ، فينجسه . ويكره أن يبول في المغتسل، لقوله صلٍّ :
((لا يبولن أحدكم في مُسْتَحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه))(٢)
وذلك إذا لم يكن ثَم منفذ ينفذ منه البول والماء .
٦ - يكره تحريماً عند الحنفية ولو في البنيان استقبال القبلة واستدبارها
بالفرج حال قضاء الحاجة، لقوله ◌َ هم: (( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة
ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرّبوا))(٣).
وقال الجمهور غير الحنفية : لا يكره ذلك في المكان المعد لقضاء الحاجة ،
لحديث جابر: ((نهى النبي ◌ُ ◌ّ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض
بعام يستقبلها)) (٤) وهذا يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستتراً بشيء.
ويحرم استقبالها واستدبارها في البناء غير المعد لقضاء الحاجة ، وفي الصحراء
(١) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه
(٢) رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن المغفل
(٣) رواه أحمد والشيخان في صحيحيهما عن أبي أيوب ( نيل الأوطار: ١ / ٨٠ )
(٤) رواه الترمذي وحسنه، فقال: هذا حديث حسن غريب. وروى الجماعة مثله عن ابن عمر ( نيل
الأوطار: ١ / ٨٠ - ٨١)
- ٢٠٥ -

بدون ساتر مرتفع بقدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر ، ولا يبعد عنه أكثر من ثلاثة
أذرع، كما يحرم وطء الزوجة بدون ساتر في الفضاء ، وإلا فلا حرمة ، كأن كان
في منزله، أو في الفضاء بساتر. ويكره أيضاً استقبال عين الشمس والقمر
بفرجه ، لما فيها من نور الله تعالى ، ولكونها آيتين عظيمتين ، فإن استتر عنهما
بشيء أو في المكان المعد فلا بأس ، كما في القبلة . كما يكره استقبال الريح لئلا يرد
عليه رشاش البول ، فينجسه .
٧ - يستحب ألا ينظر إلى السماء ، ولا إلى فرجه ، ولا إلى ما يخرج منه ،
ولا يعبث بيده ، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يستاك ؛ لأن ذلك كله
لا يليق بحاله ، ولا يطيل قعوده ، لأنه يورث الباسور، وأن يسبل ثوبه شيئاً
فشيئاً ، قبل انتصابه .
ويحرم البول في المسجد ولو في إناء ؛ لأن ذلك لا يصلح له ، ويحرم أيضاً
على القبر المحترم ، ويكره عند القبر ، احتراماً له .
وإذا عطس حمد الله بقلبه. ويقول بعد الاستنجاء: ((اللهم طهر قلبي من
النفاق، وحصن فرجي من الفواحش)) ((الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى في
منفعته ، وأخرج عني أذاه ))
- ٢٠٦ -

الفصل الرابع
الوضوء وما يتبعه
وفيه مباحث ثلاثة :
المبحث الأول - الوضوء
تعريفه وأنواعه ، فرائضه، شروطه ، سننه ، آدابه ، مكروهاته ، نواقضه ،
وضوء المعذور ، ما يمنع منه غير المتوضئ .
بحثنا الطهارة عن الخبث وهي الطهارة الحقيقية ، أما الطهارة عن الحدث
فهي طهارة حُكْمية ، وهي ثلاثة أنواع : الوضوء ، الغسل ، التيم . ونبدأ
بالوضوء ، لأن الموجب له الحدث الأصغر ، أما الغسل فالموجب له هو الحدث
الأكبر. وأما التيم فهو بديل يخلف كلاًّ من الوضوء والغسل في حالات معينة،
وقد عرفنا سابقاً أن الطهارة الحكمية : هي وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل
الطهارة ، وأن الطهارة الحقيقية : هي ازالة الخبث وهو عين مستقذرة شرعاً .
وفيه مطالب تسعة :
المطلب الأول - تعريف الوضوء ، وحكمه ( أنواعه أو أوصافه ) :
الوضوء في اللغة بضم الواو : هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء
مخصوصة ، وهو المراد هنا ، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة ، يقال : وضؤ
الرجل : أي صار وضيئاً .
- ٢٠٧ -

وأما بفتح الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به .
والوضوء شرعاً: نظافة مخصوصة(١) ، أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية (٢).
وهو غسل الوجه واليدين والرجلين ، ومسح الرأس . وأوضح تعريف له
هو : أنه استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة ( أي السابقة ) على صفة مخصوصة
في الشرع(٣). وحكمه الأصلي أي المقصود أصالة للصلاة: هو الفرضية ، لأنه شرط
لصحة الصلاة ، بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا
وجوهكم وأيديكم إلى المرافقِ، وامسحوا برءوسكم، وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ وبقوله
مَ افُ: (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))(٤) وبإجماع الأمة على
وجوبه .
وفرض الوضوء بالمدينة كما أوضح المحققون . والحكمة من غسل هذه الأعضاء
هو كثرة تعرضها للأقذار والغبار .
وقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى فتجعله مندوباً ، أو واجباً بتعبير
الحنفية(٥) ، أو ممنوعاً، لهذا قسمه الفقهاء أنواعاً ، وذكروا له أوصافاً .
فقال الحنفية(٦) : الوضوء خمسة أنواع :
الأول - فرض :
أ - على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً ، كاملة ، أو غير
(١) مراقي الفلاح : ص ٩
(٢) مغني المحتاج : ١ / ٤٧
(٣) كشاف القناع: ١ / ٩١
(٤) رواه الشيخان
(٥) الفرض عند الحنفية : هو الثابت بالدليل القطعي. والواجب: هو الثابت بدليل ظني فيه شبهة .
(٦) مراقي الفلاح : ص ١٣ وما بعدها
- ٢٠٨ -

كاملة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة(١)، الآية السابقة: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا وجوهكم ... ) ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقبل الله صلاة
أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))(٢) (( لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من
(٣)
غُلُول ))(٢) .
ب - ولأجل لمس القرآن ، ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط ، أو نقود ،
لقوله تعالى: ((لا يمسه إلا المطهرون)) ولقوله ◌َ ◌ّ: ((لا يمس القرآن إلا
(٤)
طاهر ))(٤).
الثاني - واجب :
للطواف حول الكعبة ، وقال الجمهور غير الحنفية . إنه فرض ، ولقوله
مَافٍ: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق ، فمن نطق فيه ،
فلا ينطق إلا بخير ))(٥) .
قال الحنفية : ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقية ، لم تتوقف صحته على
الطهارة ، فيجب بتركه دم في الواجب ، وبَدَنة في الفرض للجنابة ، وصدقة في
النفل بترك الوضوء .
(١) هناك آيات في القرآن تسمى آيات السجدة، وعددها أربع عشرة آية عند الشافعية والحنابلة، إذا قرأها
المؤمن سجد سجدة بنية وطهارة واستقبال القبلة ، والسجدة واجبة عند الحنفية ، سنة عند الجمهور.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ( سبل السلام: ١ / ٤٠ )
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر، والغلول: الخيانة ، وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة (نيل
الأوطار: ١ / ٢٠٤ )
(٤) رواه الأثرم والدارقطني ، والحاكم والبيهقي والطبراني ، ومالك في الموطأ مرسلاً، وهو حديث ضعيف ،
وقال ابن حجر: لا بأس به ( نيل الأوطار ١ / ٢٠٥ )
(٥) رواه ابن حبان والحاكم والترمذي عن ابن عباس ( نصب الراية: ٣ / ٥٧)
الفقه الإسلامي جـ ١ (١٤)
- ٢٠٩ -

الثالث - مندوب : في أحوال كثيرة منها ما يأتي (١):
أ - التوضؤ لكل صلاة، لقوله ◌َ التّ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند
كل صلاة بوضوء ، ومع كل وضوء بسواك(٢))) ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد
أدی بالسابق صلاة : فرضاً أو نفلاً ، لأنه نور على نور ، وإن لم يؤد به عملاً
مقصوداً شرعاً، كان إسرافاً(٣)، لقوله مع التر: (( من توضأ على طهر كتب له عشر
حسنات))(٤) ، كما يندب المداومة على الوضوء لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد
والبيهقي عن ثوبان: ((استقيموا ولن تُحصْوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ،
ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن )»
ب - مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث واعتقاد وفقه ونحوها ، لكن
إذا كان القرآن أكثر من التفسير، حرم المس .
جـ - للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة ، لقوله
مُالقلم: ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك
الأيمن ، ثم قل : اللهم إني أسلمت نفسي إليك ، ووجهت وجهي إليك ، وفوضت
أمري إليك، وألجأت ظهري إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، آمنت
بكتابك الذي أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت))(٥).
د - قبل غسل الجنابة ، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة
(١) انظر أيضاً مغني المحتاج: ١ / ٦٣
(٢) رواه أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ١ / ٢١٠)
(٣) رد المحتار لابن عابدين : ١ / ١١١
(٤) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر ، لكنه حديث ضعيف
(٥) رواه أحمد والبخاري والترمذي عن البراء بن عازب . ويشير حديث الأمر بغسل اليد بعد اليقظة إلى
المبادرة إلى الوضوء، روى ابن ماجه عن جابر مرفوعاً: ((إذا قام أحدكم من النوم ، فأراد أن يتوضأ، فلا يدخل يده
في وَضوئه، حتى يغسلها ، فإنه لا يدري أين باتت يده، ولا على ما وضعها)) (نصب الراية: ١ / ٢)
- ٢١٠ -

الوطء، لورود السنة به، قالت عائشة: ((كان النبي عَ الّ إذا كان جنباً، فأراد
أن يأكل أو ينام، توضأ))(١) وقالت أيضاً: ((إن رسول الله عَ لٍّ إذا أراد أن ينام
وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة )) (٣) وقال أبو سعيد الخدري :
((إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ))(٣) .
هـ - بعد ثورة الغضب، لأن الوضوء يطفئه، روى أحمد في مسنده: ((فإذا
غضب أحدكم فليتوضأ )) .
و - لقراءة القرآن ، ودراسة الحديث وروايته ، ومطالعة كتب العلم
الشرعي ، اهتماماً بشأنها ، وكان مالك يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن
رسول الله ، تعظيماً له .
ز - للأذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج، وزيارة النبي محمد له،
وللوقوف بعرفة ، والسعي بين الصفا والمروة ، لأنها في أماكن عبادة .
ح - بعد ارتكاب خطيئة ، من غيبة وكذب وغيمة ونحوها ، لأن الحسنات
تمحو السيئات، قال عظ اته: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به
الدرجات ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال: إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة
الخطا إلى المساجد، وانتظار صلاة بعد صلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط))(٤).
ط - بعد قهقهة خارج الصلاة ، لأنها حدث صورة .
(١) رواه أحمد ومسلم ، وهناك رواية أخرى للنسائي بمعناها .
(٢) رواه الجماعة .
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري
(٤) رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي ، وابن ماجه بمعناه عن أبي هريره ، ورواه ابن ماجه أيضاً وابن
حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ( الترغيب والترهيب: ١ / ١٥٨ )
- ٢١١ -

ي - بعد غسل ميت وحمله، لقوله اتي: « من غسل ميتاً فليغتسل ، ومن
حمله فليتوضأ))(١) .
ك - للخروج من خلاف العلماء ، كما إذا لمس امرأة ، أو لمس فرجه ببطن
كفه ، أو بعد أكل لحم الجزور ، لقول بعضهم بالوضوء منه ، ولتكون عبادته
صحيحة بالاتفاق عليها ، استبراء لدينه .
الرابع - مكروه :
كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول ، أي أن الوضوء على الوضوء
مكروه ، وإن تبدل المجلس(٢) ما لم يؤد به صلاة أو نحوها .
الخامس - حرام :
كالوضوء بماء مغصوب ، أو بماء يتيم . وقال الحنابلة : لا يصح الوضوء
بمغصوب ونحوه لحديث: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ))(٣).
وقال المالكية (٤) أيضاً : الوضوء خمسة أنواع :
واجب ، ومستحب ، وسنة ، ومباح ، وممنوع .
فالواجب : هو الوضوء لصلاة الفرض ، والتطوع ، وسجود القرآن ،
ولصلاة الجنازة ، ولمس المصحف ، وللطواف . ولا يصلى عندهم إلا بالواجب ،
ومن توضأ لشيء من هذه الأشياء ، جاز له فعل جميعها .
(١) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أبي هريرة ، وهو حديث حسن
(٢) هذا ما حققه ابن عابدين (رد المحتار: ١ / ١١١) وإن قال في مراقي الفلاح بأن الوضوء على الوضوء
يستحب إذا تبدل مجلس المتوضئ .
(٣) رواه مسلم عن عائشة، وللبخاري ومسلم عنها بلفظ: ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد )).
(٤) القوانين الفقهية: ص ٢٠ .
- ٢١٢ -

والسنة : وضوء الجنب للنوم .
والمستحب : الوضوء لكل صلاة ، ووضوء المستحاضة وصاحب السلس
لكل صلاة ، وأوجبه غير المالكية لهما ، والوضوء للقربات كالتلاوة والذكر
والدعاء والعلم ، وللمخاوف كركوب البحر ، والدخول على السلطان والقوم .
والمباح : للتنظيف والتبرد .
والممنوع : التجديد قبل أن تقع به عبادة .
واتفق الشافعية والحنابلة(١) مع الحنفية والمالكية على الحالات السابقة
ونحوها التي يندب لها الوضوء ، من قراءة قرآن أو حديث ، ودراسة العلم ،
ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه ، وذكر وأذان ونوم ورفع شك في حدث
أصغر، وغضب(٢)، وكلام محرم كغيبة ونحوها ، وفعل مناسك الحج كوقوف
ورمي جمار، وزيارة قبر النبي صَ لّه، وأكل ، ولكل صلاة ، لحديث أبي
هريرة يرفعه: (( لولا أن أشق على أمتي ، لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة)) (٢).
كما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف
والنعاس والنوم قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض ، والقهقهة في الصلاة ، وأكل
مامسته النار، ولحم الجزور، والشك في الحدث ، وزيارة القبور ، ومن حمل
الميت ومسه .
المطلب الثاني - فرائض الوضوء :
نص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء : وهي غسل
(١) مغني المحتاج: ١ / ٤٩، كشاف القناع: ١ / ٩٨ وما بعدها .
(٢) لأنه من الشيطان ، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار ، كما ورد في الخبر.
(٣) رواه أحمد بإسناد صحيح .
- ٢١٣ -

الوجه ، واليدين ، والرجلين ، ومسح الرأس ، في قوله تعالى: ﴿ ياأيها الذين
آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ، وأيديكم إلى المرافق ، وامسحوا
برؤوسكم ، وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ .
وأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى ، اتفقوا
فيها على النية ، وأوجب المالكية والحنابلة الموالاة ، كما أوجب الشافعية
والحنابلة الترتيب ، وأوجب المالكية أيضاً الذلك .
فتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها ، وسبعة
عند المالكية بإضافة النية والدلك والموالاة ، وستة عند الشافعية بإضافة النية
والترتيب .
وسبعة عند الحنابلة والشيعة الإمامية بإضافة النية والترتيب والموالاة .
وبه يتبين أن الأركان أو الفرائض نوعان : متفق عليها ، ومختلف فيها .
النوع الأول - فرائض الوضوء المتفق عليها :
هي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي :
أولاً - غسل الوجه :
لقوله تعالى: ﴿ فاغسلوا وجوهكم﴾ أي غسل ظاهر وجميع الوجه مرة(١)،
(٢)
وللإجماع(٢).
(١) روى الجماعة إلا مسلماً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: توضأ رسول الله عَ لفيلمه مرة مرة (نيل الأوطار:
١ / ١٧٢ ) .
(٢) الدر المختار: ١ / ٨٨، فتح القدير: ١ / ٨ ومابعدها، البدائع: ١ / ٣ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ١ /
٢، الشرح الصغير: ١ / ١٠٤ وما بعدها، الشرح الكبير: ١ / ٨٥، مغني المحتاج: ١ / ٥٠ وما بعدها ، المهذب: ١ /
١٦، كشاف القناع: ١ / ٩٢، ١٠٦، المغني: ١ / ١١٤ - ١٢٠، بداية المجتهد: ١ / ١٠، القوانين الفقهية: ص ١٠.
- ٢١٤ -

والغسل : إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر ، وأقله قطرتان في الأصح ،
ولا تكفي الإسالة بدون التقاطر . والمراد بالغسل ، الانغسال ، سواء أكان بفعل
المتوضىء أم بغيره . والفرض هو الغسل مرة ، أما تكرار الغسل ثلاث مرات فهو
سنة وليس بفرض .
والوجه : ما يواجه به الإنسان . وحده طولاً : مابين منابت شعر الرأس
المعتاد ، إلى منتهى الذقن ، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن .
والذقن :منبت اللحية فوق الفك السفلي أو اللَّحْيين : أي العظمين اللذين
تنبت عليهما الأسنان السفلى . ومن الوجه : موضع الغمم : وهو ماينبت عليه
الشعر من الجبهة ، وليس منه النزعتان(١): وهما بياضان يكتنفان الناصية:
وهي مقدم الرأس من أعلى الجبين ، وإنما النزعتان من الرأس ؛ لأنها في حد
تدوير الرأس .
وحد الوجه عرضاً : مابين شحمتي الأذنين . ويدخل في الوجه في الراجح
عند الحنفية والشافعية البياض الذي بين العذار والأذن . وقال المالكية
والحنابلة : إنه من الرأس . كما يدخل في الوجه في الأصح عند الحنابلة كما في المغني
موضع التحذيف : وهو ماينبت عليه الشعر الخفيف من طرفي الجبين بين ابتداء
العذار والنزعة (٢) لأن محله من الوجه . ولكن قال النووي : صحح الجمهور أي من
الشافعية أن موضع التحذيف من الرأس ، الاتصال شعره بشعر الرأس . وقال
صاحب كشاف القناع الحنبلي : لا يدخل في الوجه تحذيف ، وإنما هو من الرأس .
(١) يقال: رجل أنزع، ولا يقال: امرأة نزعاء، بل يقال: زعراء، والعرب تمدح بالنزع، وتذم بالغمم لأن
الغمم يدل على البلادة والجبن والبخل ، والنزع بضد ذلك .
(٢) وسمي بذلك لأن النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه وضابطه : أن تضع طرف خيط على
رأس الأذن ، والطرف الثاني على أعلى الجبهة ، وتفرض هذا الخيط مستقيماً، فمانزل عنه إلى جانب الوجه ، فهو موضع
التحذيف .
- ٢١٥ -

والصدغان من الرأس : وهما فوق الأذنين ، متصلان بالعذارين ،. لدخولهما
في تدوير الرأس ، ولابد من إدخال جزء يسير من الرأس ؛ لأنه مما لا يتم الواجب
إلا به . وقال الحنابلة : يستحب تعاهد موضع المفصل ( وهو مابين اللحية
والأذن ) بالغسل ، لأنه مما يغفل الناس عنه . وقال الشافعية : ويسن غسل
موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه ، خروجاً من الخلاف في
وجوب غسلها . ويجب غسل جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن
الأذنين ، كما يجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين ، على الواجب فيهما ؛
لأن ما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب .
ومن الوجه : ظاهر الشفتين(١) ومارن الأنف وموضع الجدع من الأنف
ونحوه ، ولا يغسل المنضم من باطن الشفتين ، ولا باطن العينين .
ويجب غسل الحاجب والھذْب ( الشعر النابت على أجفان العين ) والعذار
( الشعر النابت على العظم الناتئ المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض(٢) والشارب
وشعر الخد ، والعنفقة ( الشعر النابت على الشفة السفلى ) واللّحية ( الشعر النابت
على الذقن خاصة ، وهي مجمع اللَّحْيين ) الخفيفة ، ظاهراً وباطناً ، خفيفاً كان
الشعر أو كثيفاً(٣) لما روى مسلم من قوله ◌َ ◌ّ لرجل ترك موضع ظفر على قدمه :
((ارجع فأحسن وضوءك)).
فإن كانت اللحية كثيفة لاترى بشرتها ، فيجب فقط غسل ظاهرها ، ويسن
تخليل باطنها ، ولا يجب إيصال الماء إلى بشرة الجلد ، لعسر إيصال الماء إليه ، ولما
روى البخاري أنه مُّ توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه (٤)، وكانت لحيته الكريمة
(١) وهو ماظهر عند انطباقهما بلا تكلف .
(٢) العارض : صفحة الخد ، أو هو القدر المحاذي للأذن من الوجه ، أو مانزل عن حد العذار .
(٣) الشعر الكثيف : ما يستر البشرة عن المخاطب ، بخلاف الخفيف .
(٤) رواه البخاري عن ابن عباس ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٧ ) .
- ٢١٦ -

كثيفة ، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالباً .
وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند
الشافعية على المعتمد ، وعند الحنابلة ، لأنه نابت في محل الفرض ، ويدخل في
اسمه ظاهراً ، ويفارق ذلك شعر الرأس ، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه ،
ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: (( ... ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا
خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء )) .
ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل ؛ لأنه شعر خارج عن محل
الفرض ، وليس من مسمى الوجه .
وأضاف الحنابلة : أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق
واجبان في الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: ((إذا توضأت فمضض)) ولما روى
الترمذي من حديث سلمة بن قيس: ((إذا توضأت فانتثر)) ولحديث أبي هريرة
المتفق عليه: ((إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر)» كما أوجب
الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله عَ التّ: ((لاصلاة لمن لا وضوء له ، ولا وضوء لمن لم
يذكر اسم الله عليه )»(١).
ثانياً - غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة :
لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ وللإجماع(".
(١) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ، ولأحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد
مثله .
(٢) المراجع السابقة: البدائع: ص ٤، فتح القدير: ص ١٠، تبيين الحقائق: ص ٣ ، الدر المختار: ص ٩٠
ومابعدها، الشرح الصغير: ص ١٠٧ ومابعدها، الشرح الكبير: ص ٨٧ ومابعدها ، بداية المجتهد: ١ / ١٠ ، القوانين
الفقهية : ص ١٠ ، مغني المحتاج: ص ٥٢ ، المهذب: ص ١٦ ومابعدها ، المغني: ص ١٢٢ ومابعدها ، كشاف القناع :
ص ١٠٨ ومابعدها .
- ٢١٧ -

والمرفق : ملتقى عظم العضد والذراع .
ويجب عند جمهور العلماء منهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في
الغسل، لأن حرف ((إلى)) لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى ((مع)) كما في قوله
تعالى: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ ، ولأن
الأصل في اليد شمولها الكف إلى الذراع ، لكن التحديد بالمرافق أسقط
ماوراءها ، وقد أوضحت السنة النبوية المطلوب وبينت المجمل ، روى مسلم
عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله ما يلي: (( أنه توضأ فغسل وجهه ،
فأسبغ الوضوء ، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ، ثم اليسرى حتى
أشرع في العضد .. ))(١) وروى الدارقطني عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: ((هلّ
أتوضأ لكم وُضوء رسول الله ◌َ ◌ّةٍ، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أَضْراف
العضدين ... ))(٢) وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال: ((كان النبي ◌ُّ إذا
توضأ أمرَّ الماء على مرفقيه)).
ويجب غسل تكاميش الأنامل ، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر
رؤوس الأنامل ، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت
وصول الماء ، بأن كانت كثيرة ، ويعفى عن القليل منها ، ويعفى عند الحنفية
عن تلك الأوساخ ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة دفعاً للحرج . لكن يجب
بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر وغيرها كدهن وطلاء .
ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين ، ويندب تخليل أصابع
الرجلين .
(١) نيل الأوطار: ١ / ١٥٢.
(٢) نيل الأوطار: ١ / ١٥٢.
- ٢١٨ -

ويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية ؛ لأنها نابتة فيه ،
كما يجب عند الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت
إلى محل الفرض . وقال الشافعية : إن تدلت جلدة العضد منه ، لم يجب غسل
شيء منها ، لاالمحاذي ولاغيره لأن اسم اليد لا يقع عليها ، مع خروجها عن محل
الفرض .
فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين ، وجب بالاتفاق غسل مابقي
منه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقوله عَ ◌ّ: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا
منه مااستطعتم )) .
أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد ، لأنه
من المرفق .
فإن قطع مافوق المرفق ، ندب غسل باقي العضد ، لئلا يخلو العضو عن
طهارة .
ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق ، ولا يجب عند المالكية تحريك
الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة ، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته ، ولا يعد حائلاً .
ثالثاً - مسح الرأس :
لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم) وروى مسلم ((أنه م فله مسح
بناصيته وعلى العمامة)).
والمسح : هو إمرار اليد المبتلة على العضو .
والرأس : منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا .
ويدخل فيه الصُدْغان مما فوق العظم الناتئ في الوجه .
- ٢١٩ _

واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه(١):
فقال الحنفية على المشهور المعتمد : الواجب مسح ربع الرأس مرة ، بمقدار
الناصية ، فوق الأذنين لا على طرف ذؤابة ( صغيرة ) ، ولو بإصابة مطر أو
بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر .
ودليلهم : أنه لابد من تحقيق معنى المسح عرفاً ، فيحمل على مقدار
يسمى المسح عليه مسحاً في المتعارف ، وبما أن الباء للإلصاق ، فيكون معنى
الآية وامسحوا أيديكم ملصقة برؤوسكم ، والقاعدة : أن الباء إذا دخلت على
الممسوح اقتضت استيعاب الآلة ، وإذا دخلت على الآلة اقتضت استيعاب
الممسوح ، فتفيد المسح بمقدار اليد ؛ لأن استيعاب اليد ملصقة بالرأس
لا يستغرق غالباً سوى الربع ، فيكون هو المطلوب من الآية .
ويوضحه مارواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة أن النبي معد له
توضأ ، فمسح بناصيته ، وعلى العمامة، والخفين )) ومارواه أبو داود عن أنس
قال: ((رأيت رسول الله عْطِّ يتوضأ وعليه عِمامة قِطْرية (من صنع قَطَر) ،
فأدخل يده تحت العمامة ، فمسح مقدَّم رأسه ، ولم ينقض العمامة))(٢)، فكان
ذلك بياناً لمجمل الآية القرآنية ، لأن الناصية أو مقدم الرأس مقدرة بالربع ؛
لأنها أحد جوانب الرأس الأربعة ، ولعل هذا هو أرجح الآراء .
وقال المالكية ، والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم : يجب مسح جميع
الرأس ، وليس على الماسح نقض ضفائر شعره ، ولا مسح مانزل عن الرأس من
(١) تبيين الحقائق: ١ / ٣، البدائع: ١ / ٤، فتح القدير: ١ / ١٠ وما بعدها، الدر المختار: ١ / ٩٢ ، بداية
المجتهد: ١ / ١١، القوانين الفقهية: ص ٢١، الشرح الصغير: ١ / ١٠٨ وما بعدها، الشرح الكبير: ١ / ٨٨ ، المهذب:
١ / ١٧، مغني المحتاج: ١ / ٥٣، المغني: ١ / ١٢٥ ومابعدها، كشاف القناع: ١ / ١٠٩ ومابعدها .
(٢) نيل الأوطار: ١ / ١٥٧، ١٦٧، نصب الراية: ١ / ١ - ٢ .
- ٢٢٠ -