النص المفهرس
صفحات 181-200
ولغ الكلب في الإناء ، فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب))(١). ويقاس الخنزير على الكلب ؛ لأنه أسوأ حالاً منه ، وشر منه ، لنص الشارع على تحريمه ، وتحريم اقتنائه ، فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه ، وإنما لم ينص الشارع عليه ؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه . والغسلة الأولى أولى بجعل التراب فيها للخبر الوارد ، وليأتي الماء بعده ، فينظفه ، ولابد من استيعاب المحل المتنجس بالتراب ، بأن يمر التراب مع الماء على جميع أجزاء المحل المتنجس . والأظهر عند الشافعية تعين التراب ، فلا يكفي غيره كأشنان وصابون . ويقوم عند الحنابلة الأشنان والصابون والنخالة ونحوها من كل ماله قوة في الإزالة ، مقام التراب ، ولو مع وجوده ، وعدم تضرر المحل به ، لأن نصه على التراب تنبيه على ماهو أبلغ منه في التنظيف . وإذا أضر التراب بالمحل فيكفي مسماه أي أقل شيء يسمى تراباً يوضع في ماء إحدى الغسلات ، للنهي عن إفساد المال، ولحديث: ((إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم))(٢) . وأما نجاسة غير الكلب والخنزير فتطهر عند الحنابلة بسبع مرات منقية دون تراب، لقول ابن عمر: ((أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً)) فينصرف إلى أمره عظاتٍ ، وقد أمر به في نجاسة الكلب ، فيلحق به سائر النجاسات ، والحكم لا يختص بمورد النص ، بدليل إلحاق البدن والثوب به ، وكذلك محل الاستنجاء يغسل سبعاً كغيره . فإن لم ينق المحل المتنجس بالسبع ، زاد في الغسل حتى ينقى المحل . (١) رواه مسلم ( نصب الراية: ١ / ١٣٣ ) . (٢) روى أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: ((ذروني ماتركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه )» وهو حديث صحيح . - ١٨١ - ولا يضر بقاء لون النجاسة أو ريحها أو هما معاً حالة العجز عن إزالتها ، لحديث خولة بنت يسار السابق: (( يكفيك الماء ، ولا يضرك أثره )) . ويضر بقاء طعم النجاسة لدلالته على بقاء عينها ، ولسهولة إزالته . وأما عند الشافعية في نجاسة غير الكلب والخنزير : فإن كانت النجاسة مرئية ( عينية ) : وهي التي تدرك بإحدى الحواس ، وجبت إزالة عينها وطعمها ولونها ورائحتها . ويجب نحو صابون إن توقفت الإزالة عليه . ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله ، كما قرر الفقهاء بالاتفاق ، ويضر بقاؤهما معاً ، أو بقاء الطعم وحده . ولا يشترط عدد معين للغسلات . وإن كانت النجاسة غير مرئية ( لاعين عليها ) : وهي ماتيقن وجودها ولا يدرك لها طعم ولالون ولاريح ، كفى جري الماء عليها مرة ، كبول جف ولم يبق له أثر. والجري : هو وصول الماء إلى المحل بحيث يسيل عليه زائداً على النضح . اً - العصر فيما يمكن عصره ويتشرب كثيراً من النجاسة : قال الحنفية : إن كان محل النجاسة مما يتشرب فيه كثير من النجاسة : فإن كان مما يمكن عصره كالثياب : فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول عين النجاسة ، إن كانت النجاسة مرئية . وبالغسل ثلاثاً والعصر في كل مرة إن كانت غير مرئية ؛ لأن الماء لا يستخرج كثير النجاسة إلا بالعصر ، ولا يتم الغسل بدونه . أما إن كان محل النجاسة مما لا يتشرب فيه شيء أصلاً من النجاسة كالأواني الخزفية والمعدنية ، أو كان مما يتشرب شيء قليل من النجاسة كالجسد والخف والنعل ، فطهارته بزوال عين النجاسة . - ١٨٢ - وأما إن كان مما لا يعصر كالحصير والسجاد والخشب : فينقع في الماء ثلاث مرات ، ويجفف في كل مرة ، فيطهر ، وهو قول أبي يوسف ، وهو الرأي الراجح ، وقال محمد : لا يطهر أبداً . وأما تطهير الأرض : فإن كانت رخوة ، فيصب الماء عليها ، حتى يتسرب في أسفل الأرض ، وتزول النجاسة ، ولا يشترط فيها العدد ، وإنما بحسب الاجتهاد وغلبة الظن بطهارتها ، ويقوم تسرب الماء أو تسفله مقام العصر ، وعلى قياس ظاهر الرواية : يصب الماء عليها ثلاث مرات ، ويتسفل في كل مرة . وإن كانت صلبة فإن كان في أسفلها حفرة أو بالوعة يصب الماء عليها ثلاث مرات ويزال عنها إلى الحفرة . وإن لم يكن لها منفذ للماء لا تغسل لعدم الفائدة في الغسل . وتطهر عند الشافعية بمكاثرة الماء عليها ، كما سنبين قريباً . ولم يشترط غير الحنفية العصر فيا يمكن عصره ، إذ البلل بعض المنفصل ، وقد فرض طهره . ومرجع الخلاف هو حكم الغسالة الآتي بيانه ، هل هي طاهرة أو نجسة، إن حكم بطهارتها لم يجب العصر ، وإلا وجب . لكن يسن العصر خروجاً من الخلاف . أما لا يمكن عصره فلا يشترط فيه العصر ، بلاخلاف . ٣ - الصب أو إيراد الماء على النجاسة ( الغسل في الأواني ) : قال الحنفية : لا يشترط صب الماء أو وروده على محل النجاسة ، فيطهر الغسل في الأواني ، وغسل الثوب المتنجس أو البدن المتنجس ، بتبديل الماء بماء جديد ، ثلاث مرات ، والعصر في كل مرة ، ويغسل الإناء بعد الغسلة الأولى ثلاثاً ، وبعد الثانية مرتين ، وبعد الثالثة مرة واحدة ، وذلك إذا حدث الغسل في إناء واحد ، أما إن غسل في آنية ثلاثة ، فكل إناء ينوب عن تبديل الماء مرة . - ١٨٣ - لكن المعتبر - كما بينا وكما أوضح ابن عابدين(١) - في تطهير النجاسة المرئية: زوال عينها، ولو بغسلة واحدة ، ولو في إناء واحد ( إجانة : إناء تغسل فيه الثياب ) ، فلا يشترط فيها تثليث غسل ولاعصر . وأما غير المرئية فالمعتبر فيها غلبة الظن في تطهيرها ، بلا عدد ، على المفتى به . وقيل : مع شرط التثليث . وهذا المفتى به عند الحنفية يقترب من مذهب المالكية القائلين بإزالة عين النجاسة . وقال الشافعية : يشترط ورود الماء ، لا العصر في الأصح . أي يشترط ورود الماء على محل النجاسة ، إن كان الماء قليلاً ، لئلا يتنجس الماء لو عكس الأمر ، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه . فلو وضع ثوباً في إجانة وفيه دم معفو عنه ، وصب الماء عليه تنجس بملاقاته ، وتجب المبالغة في الغرغرة عند غسل فمه المتنجس ، ويحرم ابتلاع نحو طعام قبل ذلك . هذا ... وقد اتفق الحنفية مع غيرهم على أن المتنجس إذا غسل في ماء جار ، أو غدير ( أي ماء كثير له حكم الجاري ) أو صب عليه ماء كثير ، أو جرى عليه الماء ، طهر مطلقاً ، بلاشرط عصر وتجفيف ، وتكرار غمس ، لأن الجريان بمنزلة التكرار والعصر (٢). تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة : قال الحنفية (٣): إذا كانت الأرض المتنجسة صلبة منحدرة ، يحفر في أسفلها حفرة ، ويصب الماء عليها ثلاث مرات ، ويزال عنها إلى الحفرة ، بدليل ماأخرجه الدار قطني عن أنس في قصة (١) رد المحتار: ١ / ٣٠٨. (٢) المرجع السابق . (٣) البدائع : ١ / ٨٩ . - ١٨٤ - الأعرابي الذي بال في المسجد: ((احفروا مكانه، ثم صبوا عليه)) (١). ولا تطهر الأرض بمكاثرة الماء . وقال غير الحنفية(٢): تطهر الأرض النجسة بالصب ومكاثرة الماء عليها أي كثرة إفاضته أو طرح الماء عليها ، حتى تغمر النجاسة . لحديث أبي هريرة قال : ((قام أعرابي، فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي مُ ◌ّعٍ: دعوه ، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذّنُوباً من ماء ، فإنكم بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا مُعسِّرين)) (٣) . وأما تطهير الماء النجس بالمكاثرة ففيه تفصيل عند الشافعية (٤): أ - إن كانت نجاسته بالتغير ، وهو أكثر من قلتين ، طهر ، بأن يزول التغير بنفسه ، أو بأن يضاف إليه ماء آخر، أو بأن يؤخذ بعضه ؛ لأن النجاسة بالتغير ، وقد زال . ب - وإن كان نجاسته بالقلة ، بأن يكون دون القلتين ، طهر بأن يضاف إليه ماء آخر ، حتى يبلغ قلتين ، سواء كوثر بماء طاهر أو نجس ، كثير أو قليل . ويطهر بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين ، كالأرض النجسة إذا طرح عليها (١) لكنه حديث معلول بتفرد عبد الجبار به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ (نيل الأوطار: ١ / ٤٢). (٢) الشرح الصغير: ١ / ٨٢، المهذب: ١ / ٧، المجموع: ١ / ١٨٨ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٢١٣ ، المغني : ٢ / ٩٤ . (٣) رواه الجماعة إلا مسلماً. والسجل أو الذنوب : الدلو ملأى. وروى أحمد والشيخان في معناه حديثاً آخر، جاء فيه: ((لاتُزْرموه دعوه)) أي لا تقطعوه (نيل الأوطار: ١ / ٤١ - ٤٣). (٤) المهذب: ١ / ٦ - ٧، المجموع: ١ / ١٨٣ - ١٩٥ . - ١٨٥ - ماء حتى غمر النجاسة ، لإيراد الماء على النجاسة(١). لكن الماء الذي طهر بالمكاثرة ، دون أن يبلغ قلتين ، هو طاهر غير مطهر ؛ لأن المستعمل في إزالة النجاسة لاتجوز الطهارة به . وأما إذا كان الماء أكثر من قلتين ، والنجاسة الواقعة جامدة ، فالمذهب أنه تجوز الطهارة منه ، لأنه لاحكم للنجاسة القائمة ، فكان وجودها كعدمها . وإن كان الماء قلتين فقط ، وفيه نجاسة قائمة ، ففيه وجهان ، أصحهما جواز الطهارة به . وإن كانت النجاسة ذائبة جازت الطهارة به على الصحيح . التطهير بالماء الجاري : قال الحنفية(٢): يختلف حكم الماء الجاري عن الراكد . والجاري : هو ما يعده الناس جارياً عرفاً . وألحقوا بالجاري : حوض الحمام وغير الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه ، والناس يغترفون منه ، فلو أدخلت القَصْعة أو اليد النجسة فيه ، لا ينجس . وحكمه : أنه إذا وقعت النجاسة فيه ، ولم ير لها أثر من طَعْم أو لون أو ريح ، فهو طاهر مطهر ، يجوز الوضوء به ، وإزالة النجاسة به ؛ لأن النجاسة إذا كانت مائعة لاتستقر مع جريان الماء . أما إذا كانت دابة ميتة : فإن كاء الماء يجري عليها أو على أكثرها ، أو (١) قال النووي: وأما ما يخترعه بعض الحنفية ويقول: إن مذهب الشافعي أنه لو كان الماء قلتين إلا كوزاً ، فكمله ببول ، طهر ، فبهتان ، لا يعرفه أحد من أصحابنا ( المجموع : ١ / ١٩٠). (٢) الدر المختار: ١ / ١٧٣ - ١٨٠، اللباب: ١ / ٢٧، فتح القدير: ١ / ٥٣ - ٥٦ . - ١٨٦ - نصفها ، لا يجوز استعماله ، وإن كان يجري على أقلها ، وأكثره يجري على موضع طاهر ، وللماء قوة ، فإنه يجوز استعماله ، إذا لم يوجد أثر للنجاسة . والغدير(١) والحوض العظيم الراكد : وهو في رأي العراقيين: الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه . وفي ظاهر الرواية وهو الأصح : هو الذي يغلب على ظن المرء واجتهاده عدم وصول النجاسة فيه إلى الجانب الآخر . يجوز الوضوء وإزالة النجاسة به من الجانب الآخر الذي لم تقع فيه النجاسة ؛ لأن الظاهر أن النجاسة لاتصل إلى الجانب الآخر ، كما أن المفتى به جواز التطهر به من جميع الجوانب . وقال غير الحنفية(٢): الماء الجاري كالراكد، إن كان كثيراً لاتضره النجاسة ، التي لم تغير أحد أوصافه ( الطعم واللون والريح ) فهو طاهر، وإن كان قليلاً تنجس مجموعه بمجرد الملاقاة . ولاحد للكثرة عند المالكية . والكثير عند الشافعية والحنابلة : مابلغ قلتين ( ٥٠٠ رطل بغدادي تقريباً ) . والعبرة في الجاري بالجرية: وهي كما عرفها الشافعية : ما يرتفع من الماء عند تموجه : أي تحقيقاً أو تقديراً ، فإن كبرت الجرية لم تنجس إلا بالتغير ، وهي في نفسها منفصلة عما أمامها وماخلفها من الجريات حكماً . والجرية عند الحنابلة : هي الماء الذي فيه النجاسة ، وما قرب منها ، من خلفها وأمامها ، مع ما يحاذي ذلك مما بين طرفي النهر . أو هي ماأحاط بالنجاسة فوقها وتحتها ، ويمنة ويسرة . والتعريفان مترادفان . (١) هو القطعة من الماء يغادرها السيل . (٢) بداية المجتهد: ١ / ٢٣، القوانين الفقهية: ص ٣٠، الشرح الصغير: ١ / ٣٠ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٢٤ وما بعدها، المهذب: ١ / ٧، كشاف القناع: ١ / ٤٠ ومابعدها، المغني: ١ / ٣١ وما بعدها . - ١٨٧ - فإن كان الماء جارياً ، وفيه نجاسة جارية ، كالميتة ، والجرية المتغيرة ، فالماء الذي قبلها طاهر ؛ لأنه لم يصل إليه النجاسة ، فهو كالماء الذي يصب على النجاسة من إبريق ، والذي بعدها طاهر أيضاً ؛ لأنه لم تصل إليه النجاسة . وأما ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها : فإن كان قلتين ولم يتغير ، فهو طاهر ، وإن کان دونها ، فهو نجس کالراكد . وينظر إلى أجزاء الجرية الواحدة ، بعضها ببعض : وهي ما يرتفع وينخفض بين حافتي النهر من الماء عند تموجه . أما الجريات فلا يتقوى بعضها ببعض ، فلو وقعت فيه نجاسة ، وجرت بجرية ، فموضع الجرية المتنجس بها نجس ، وأما المارة بعدها ، فلها حكم غسالة النجاسة ، فلو كانت النجاسة كلباً ، فلا بد من سبع جريات مع كدورة الماء بالتراب الطهور في إحداهن . ويعرف كون الجرية قلتين بأن تمسح ، وتضرب ذراعاً وربعاً ، طولاً وعرضاً وعمقاً . وإذا كان أمام الماء الجاري ارتفاع يرده ، فله حكم الراكد . والخلاصة : أنه إذا وردت النجاسة على الماء تنجس الماء إجماعاً ، وإذا ورد الماء على نجس تنجس(١) . المبحث الرابع - حكم الغسالة : الغُسَالة : هي الماء المستعمل في إزالة حدث أو خبث أي إزالة النجاسة الحكمية أو الحقيقية . وحكمها عند الجمهور غير الحنفية أنها ظاهرة إذا طهر المحل المغسول . وللفقهاء تفصيلات في شأنها . (١) الدر المختار: ١ / ٣٠٠ وما بعدها . - ١٨٨ - ٠٫٠ قال الحنفية(١) : غسالة النجاسة نوعان : غسالة النجاسة الحقيقية، وغسالة النجاسة الحكمية وهي الحَدَث . أما غسالة النجاسة الحكمية : وهي الماء المستعمل ، فهو في ظاهر الرواية طاهر غير مطهر ، أي لا يجوز التوضؤ به ، لكن في الراجح يجوز إزالة النجاسة الحقيقية به . والماء المستعمل : هو ما زايل البدن واستقر في مكان . أما مادام على العضو الذي استعمله فيه فلا يكون مستعملاً . ويصير مستعملاً إما بإزالة الحدث ، أو بنية إقامة القربة ، كالصلاة المعهودة ، وصلاة الجنازة، ودخول المسجد ، ومس المصحف ، وقراءة القرآن ونحوها . فإن كان الشخص محدثاً صار الماء مستعملاً بلاخلاف عندهم ، لوجود السببين : وهو إزالة الحدث ، وإقامة القربة جميعاً . وإن لم يكن محدثاً يصير مستعملاً أيضاً عند أئمة الحنفية ماعدا زفر ، لوجود إقامة القربة ، لكون الوضوء نوراً على نور. وعند زفر لا يصير مستعملاً لانعدام إزالة الحدث . أما إن كان الوضوء أو الغسل للتبرد ولم يكن محدثاً لا يصير مستعملاً . وأما غسالة النجاسة الحقيقية : فهي نجسة إذا انفصلت متغيرة ، بأن تغير طعمها أو لونها أو ريحها . أو إذا لم يطهر المحل ، كما لو انفصلت بعد الغسلات الثلاث ، الأولى والثانية والثالثة من نجاسة غير مرئية ؛ لأن النجاسة انتقلت إليها ، إذ لا يخلو كل ماء عن نجاسة . ولا يجوز الانتفاع بالغسالة فيما سوى الشرب والتطهير من بل الطين وسقي (١) البدائع: ١ / ٦٦ - ٦٩، رد المحتار: ١ / ٣٠٠. - ١٨٩ - الدواب ونحو ذلك ، إن كان قد تغير طعمها أو لونها أو ريحها ؛ لأنه لما تغیر ، دل على أن النجس غالب ، فالتحق بالبول . وإن لم يتغير شيء من ذلك يجوز الانتفاع بها، لأنه لما لم يتغير دل على أن النجس لم يغلب على الطاهر ، والانتفاع بما ليس بنجس العين مباح في الجملة . وقال المالكية(١): إن انفصلت الغسالة متغيرة الطعم أو اللون أو الريح ، فهي نجسة ، والموضع نجس . وإن طهر المحل ، كانت الغسالة طاهرة . ولا يجوز استعمال المتنجس في العادات . والأظهر عند الشافعية(٢): طهارة غُسَالة قليلة تنفصل بلاتغير ، وقد طهر المحل ، لأن البلل الباقي على المحل هو بعض المنفصل ، فلو كان المنفصل نجساً ، لكان المحل كذلك . أما الكثيرة فطاهرة مالم تتغير ، وإن لم يطهر المحل . أي أن الغسالة القليلة المنفصلة طاهرة غير مطهرة ، مالم تتغير بطعم أو لون أو ريح ، ولم يزد وزنها ، بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ، ويعطيه من الوسخ الظاهر ، وقد طهر المحل . أما إذا تغيرت أو زاد وزنها ، أو لم يطهر المحل ، فهي نجسة كالمحل . وبه يتبين أن الغسالة كالمحل مطلقاً ، فحيث حكم بطهارته ، حكم بطهارتها ، وحيث لا ، فلا . وقال الحنابلة(٢) كالشافعية : ماأزيلت به النجاسة ، إن انفصل متغيراً بالنجاسة ، أو قبل طهارة المحل ، فهو نجس ، لأنه تغير بالنجاسة ، كما أن الماء (١) الشرح الصغير: ١ / ٨٢، القوانين الفقهية: ص ٣٥. (٢) مغني المحتاج: ١ / ٨٥، شرح الحضرمية: ص ٢٣ ومابعدها . (٣) المغني : ١ / ٥٨، ٢ / ٩٨. - ١٩٠ - القليل إذا لاقى محلاً نجساً لم يطهره ، يكون نجساً ، كما لو وردت النجاسة عليه . وإن انفصل غير متغير من الغسلة التي ظهر بها المحل . فإن كان المحل أرضاً فهو طاهر ، لطهارة الأرض التي بال عليها الأعرابي بصب دلو ماء عليها، بأمره ماله . وإن كان غير أرض : ففيه وجهان أصحهما أنه طاهر . الله تعالى - ١٩١ - الفصل الثالث الاستنجاء معناه ، حكمه ، وسائله ، مندوباته ، آداب قضاء الحاجة . أولاً - معنى الاستنجاء والفرق بينه وبين غيره من الاستبراء والاستجمار ونحوهما : الاستنجاء : لغة : إزالة النجو أي الغائط . واصطلاحاً : هو قلع النجاسة بنحو الماء ، أو تقليلها بنحو الحجر ، فهو استعمال الأحجار أو الماء . أو هو إزالة للنجاسة من كل خارج ملوّث ولو نادراً كدم ومذي وودي ، لاعلى الفور ، بل عند الحاجة إليه بماء أو حجر . أو هو إزالة نجس عن سبيل : قبل أو دبر. فلا يطلب من ريخ ، وحصاة ، ونوم ، وفصد دم . والاستنجاء أو الاستطابة أعم من أن يكون بالماء وغيره . والاستجمار : إزالة النجس بالأحجار ونحوها ، مأخوذ من الجمرات أي الأحجار . والاستبراء : طلب البراءة من الخارج ، حتى يتيقن من زوال الأثر أو هو طلب براءة المخرج عن أثر الرشح من البول . والاستنزاه : طلب البعد عن الأقذار . وهو بمعنى الاستبراء . - ١٩٢ - والاستنقاء : طلب النقاوة ، وهو أن يدلك المقعدة بالأحجار أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء(١) . وكل هذه الوسائل للتطهر من النجاسة ، ولا يجوز الشروع في الوضوء حتى يطمئن المرء من زوال أثر رشح البول . ثانياً - حكم الاستنجاء والاستجمار والاستبراء : أما حكم الاستنجاء : فقال الحنفية(٢) : إنه في الأحوال العادية، مالم تتجاوز النجاسة المخرج، سنة مؤكدة للرجال والنساء، لمواظبة النبي معالجائل ، ولقوله عليه السلام: (( من استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا (٣) حرج))(٣) . فإذا تجاوزت النجاسة المخرج ، وكان المتجاوز قدر الدرهم فيجب إزالته بالماء . وإن زاد المتجاوز على قدر الدرهم ، افترض الغسل بالماء أو المائع . وقال الجمهور غير الحنفية(٤): يجب الاستنجاء أو الاستجمار من كل خارج معتاد من السبيلين ، كالبول أو المذي أو الغائط ، لقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر ﴾ وهو يعم كل مكان ومحل من ثوب أو بدن ، ولأن الاستنجاء بالماء هو الأصل في إزالة النجاسة، ولقوله عليه السلام: (( إذا ذهب أحدكم إلى الغائط ، (١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٣١٠، ٣١٩، مراقي الفلاح: ص ٧، كشاف القناع: ١ / ٦٢، الشرح الصغير: ١ / ٨٧، ٩٤، ٩٦، ١٠٠، مغني المحتاج: ١ / ٤٢ وما بعدها . (٢) فتح القدير: ١ / ١٤٨، تبيين الحقائق: ١ / ٧٦، اللباب: ١ / ٥٧، الدر المختار: ١ / ٣١٠، ٣١٣، مراقي الفلاح : ص ٧ . (٣) رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبانٍ عن أبي هريرة ( نصب الراية: ١ / ٢١٧). (٤) الشرح الصغير: ١ / ٩٤، ٩٦، القوانين الفقهية: ص ٣٧، الشرح الكبير: ١ / ١٠٩ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٤٣، ٤٦، المهذب: ١ / ٢٧، المغني: ١ / ١٤٩ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٧١ ، ٧٧ . - ١٩٣ - الفقه الإسلامي جـ١ (١٣) فليذهب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه))(١) وقوله: (( لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار)) رواه مسلم ، وفي لفظ لمسلم: (( لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة أحجار)) وهذا أمر ، والأمر يقتضي الوجوب . وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء باتفاق العلماء ، لقوله عَ ◌ّ: ((من استنجى من ريح فليس منا))(٢)، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى : ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾: إذا قمتم من النوم ، ولم يأمر بغيره ، فدل على أنه لا يجب ، ولأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ، ولا نجاسة ههنا . والأظهر عند الشافعية : ألا استنجاء لدود وبعر بلا لوث، إذ لانجاسة باقية ، ويندب عند الشافعية والحنابلة ، ويجب عند الحنفية والمالكية ، بعد قضاء الحاجة قبل الاستنجاء الاستبراء : أيضاً إما بالمشي أو التنحنح أو الاضطجاع على شقه الأيسر أو غيره بنقل أقدام وركض ، وهو : أن يستخلص مجرى البول من ذكره ، بمسح ذكره بيده اليسرى من حلقة دبره ( بدايته ) إلى رأسه ثلاثاً ، لئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل ، فيضع أصبعه الوسطى تحت الذكر ، والإبهام فوقه ، ثم يمرهما إلى رأس الذكر ، ويستحب نتره ثلاثاً بلطف ليخرج مابقي إن كان . وعبارة المالكية والحنابلة والشافعية : يكون الاستبراء بنتر وسلت خفيفين ثلاثاً : بأن يجعل إصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله ، والإبهام فوقه ، ثم يسحبه برفق ، حتى يخرج مافيه من البول . والنتر : جذبه ، وندب أن (١) رواه أبو داود، وروى الشافعي والبيهقي: (( وليستنج بثلاثة أحجار)) وروى أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني وقال إسناده صحيح حسن عن عائشة: ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط ، فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه ( نصب الراية: ١ / ٢١٤، نيل الأوطار: ١ / ٩٠). (٢) رواه الطبراني في معجمه الصغير . - ١٩٤ - يكون كل منهما برفق ، وذلك حتى يغلب على الظن نقاوة المحل من البول ، ولا يتتبع الأوهام ، فإنه يورث الوسوسة ، وهي تضر بالدين(١) . روى الإمام أحمد حديث: ((إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات)). واستبراء المرأة : أن تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها . والاستبراء عموماً يختلف باختلاف الناس . والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه ، فمنهم من يحصل هذا بأدنى عصر ، ومنهم من يحتاج إلى تكرّره ، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح ، ومنهم من لايحتاج إلى شيء من هذا . ويكره حشو مخرج البول من الذكر بنحو قطن ، وإطالة المكث في محل قضاء الحاجة ، لأنه مورث وجعاً في الكبد . ودليل طلب الاستبراء : حديث ابن عباس: أن النبي ◌َّ مرّ بقبرين، فقال: ((إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة))(٢) . ودليل القائلين بندبه دون إيجابه: قوله عَل ◌َله: ((تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه )) والظاهر من انقطاع البول عدم عوده ، ويحمل الحديث على ما إذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه إن لم يستبرئ خرج منه شيء . ثالثاً - وسائل الاستنجاء وصفاته أو كيفيته : يكون الاستنجاء بالماء أو بالحجر ونحوه من كل جامد طاهر قالع غير محترم ، كورق وخرق وخشب وخزف ، لحصول الغرض به كالحجر . (١) ولذلك قال العارفون : إن الوسواس سببه خبل في العقل، أوشك في الدين . (٢) رواه البخاري ومسلم . - ١٩٥ - والأفضل الجمع بين الجامد والماء ، فيقدم الورق ونحوه ، ثم يتبعه بالماء ، لأن عين النجاسة تزول بالورق أو الحجر، والأثر يزول بالماء(١) . والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجر ونحوه ، لأنه يزيل عين النجاسة وأثرها ، بخلاف الحجر والورق ونحوه ، روي عن أنس بن مالك أنه لما نزلت آية: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ قال رسول الله عَ ◌ّ: يا معشر الأنصار ، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم ؟ قالوا : نتوضأ للصلاة ، ونغتسل من الجنابة ، ونستنجي بالماء، قال: هو ذاكم، فعليكموه))(٢). وشرط الاستنجاء بالحجر أو الورق ونحوه ما يأتي(٣): اً - ألا يجف النجس الخارج، فإن جف تعين الماء. اً - ألا ينتقل عن المحل الذي أصابه عند خروجه واستقر فيه، أو ألا يجاوز صفحته وحشفته ، فإن انتقل عنه ، بأن انفصل عنه ، تعين الماء في المنفصل اتفاقاً . ٣ - ألا يطرأ عليه شيء رطب أجنبي عنه ، نجساً كان، أو طاهراً ، فإن طرأ علیه جاف طاهر فلا يؤثر . 5 (١) اللباب: ١ / ٥٧ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٧، القوانين الفقهية: ص ٣٦ - ٣٧ ، الشرح الصغير: ١/ ٩٦ وما بعدها، ١٠٠، مغني المحتاج: ١ / ٤٣، المغني: ١ / ١٥١ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٧٢، ٧٥ ، المهذب : ١ / ٢٧ وما بعدها . (٢) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي، وسنده حسن. ويؤيده قول ابن عباس: ((نزلت هذه الآية في أهل قُبا: ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطّهرين))، فسألهم رسول الله مَّة، فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء)) ( نصب الراية : ١ / ٢١٨ وما بعدها ) . (٣) مغني المحتاج: ١ / ٤٤ وما بعدها، المهذب: ١ / ٢٨، كشاف القناع: ١ / ٧٢ وما بعدها ، المغني: ١ / ١٥٢ وما بعدها، ١٥٩ وما بعدها، الدر المختار: ١ / ٣١١ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٩٧ وما بعدها ، ١٠٠، بداية المجتهد: ١ / ٨٣، القوانين الفقهية: ص ٣٦، اللباب: ١ / ٥٨، فتح القدير: ١ / ١٤٨، تبيين الحقائق : ١ / ٧٧ . - ١٩٦ - ٤ - أن يكون الخارج من فرج معتاد: فلا يجزئ في الخارج من غيره ، كالخارج بالفصد ، أو من منفذ منفتح تحت المعدة ، ولو كان الأصلي منسداً انسداداً عارضاً ، ولا يجزئ الورق ونحوه في بول خنثى مشكل ، وإن كان الخارج من أحد قبليه ، لاحتمال زيادته ، ولا في بول الأقلف إذا وصل البول إلى الجلدة . ويجزئ الورق ونحوه عند غير المالكية في مسح دم حيض أو نفاس ، كما يجزئ الحجر في الأظهر عند الشافعية وعند الحنابلة والحنفية فيما ندر خروجه كالدم والودي والمذي ، أو انتشر الخارج فوق عادة الناس ، ولكن لم يجاوز في الغائط صفحته ( ماانضم من الأليتين عند القيام ) وحشفته ( وهي مافوق الختان أو قدرها من مقطوعها ) . ولا يجوز الاستجمار بالأحجار عند المالكية من المني ولا من المذي ودم الحيض ، وإنما يتعين الماء في إزالة مني ، ودم حيض ونفاس ، ودم استحاضة إن لم يلازم كل يوم ولو مرة ، وإلا فهو معفو عنه كسلس البول الملازم لذكر أو أنثى ، ولا تجب إزالته حينئذ . كما يتعين الماء عند المالكية أيضاً في إزالة بول المرأة ، بكراً أو ثيباً ، لتعديه المخرج إلى جهة المقعدة عادة . وهل يشترط عدد ثلاثة أحجار في الاستنجاء ؟ قال الحنفية والمالكية : يستحب ولا يجب عدد الثلاث ، ويكفي مادونه إن حصل الإنقاء أو التنظيف به ، ومعنى الإنقاء : إزالة عين النجاسة وبلّتها ، بحيث يخرج الحجر نقياً ، وليس عليه أثر ، إلا شيئاً يسيراً فالواجب عند المالكية والسنة عند الحنفية الإنقاء دون العدد، للحديث السابق: (( من استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج )). - ١٩٧ - وقال الشافعية والحنابلة : الواجب الإنقاء وإكمال الثلاثة : ثلاثة أحجار ، أو ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر ، وإن لم ينق بالثلاث ، وجب الإنقاء برابع فأكثر ، إلى أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء ، أو صغار الحصى ، لأنه المقصود من الاستنجاء . ودليلهم الأحاديث السابقة ، منها: (( وليستنج بثلاثة أحجار)) وخبر مسلم عن سلمان: (( نهانا رسول الله مُ ◌ّ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار )» وفي معناها : ثلاثة أطراف حجر . وإذا زاد عن الثلاثة : سن الإيتار ، لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((إذا استجمر أحدكم، فليستجمر وتراً)) وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود: (( ومن استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج)). وأما عدد الغسلات حالة الاستنجاء بالماء : فالصحيح أنه مفوض إلى الرأي حتى يطمئن القلب بالطهارة بيقين أو غلبة الظن ، وهو الأصح عن الإمام أحمد ، قال أبو داود : سئل أحمد عن حد الاستنجاء بالماء ؟ فقال : ينقي . ولم يصح عن النبي ◌ُ التّ في ذلك عدد ولا أمر به، ويروى عن أحمد عدد سبع غسلات(١) . وعلى هذا فإن الواجب في الاستنجاء أن يغلب على الظن زوال النجاسة ، ولا يضر شم ريحها باليد ؛ لأن بقاء الرائحة يدل على بقائها على المحل ، ويحكم على اليد بالنجاسة حينئذ . وصفة الاستنجاء : أن يفرغ الماء على يده اليسرى قبل أن يلاقي بها الأذى ، ثم يغسل القبل : المخرج خاصة في حالة البول ، والذكر كله في حالة المذي ، ثم يغسل الدبر ، ويوالي صب الماء ، ويدلكه بيده اليسرى ، ويسترخي (١) مراقي الفلاح: ص ٨، المغني: ١ / ١٦١ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٤٦. - ١٩٨ - قليلاً ، ويجيد العرك حتى ينقي . ولا يستنجي باليمين ، ولا يمس به ذكره(١) . ويحترز الصائم من إدخال الإصبع المبتل في الدبر، لأنه يفسد الصوم . وكيفية الاستجمار : أن يمسح بالحجر الأول من الأمام إلى الخلف ، وبالثاني من الخلف إلى الأمام ، وبالثالث كالأول من الأمام إلى الخلف إذا كانت الخصية مدلاة ، خشية تلويثها ، وكالثاني من الخلف إلى الأمام إن كانت الخصية غير مدلاة . والمرأة تبتدئ من الأمام إلى الخلف خشية تلويث فرجها(٢). وقال الشافعية(٢) : يسن استيعاب المحل بكل حجر من الثلاث ، بأن يبدأ بالأول من مقدم الصفحة اليمنى ويديره برفق إلى محل ابتدائه ، وبالثاني من مقدم اليسرى ويديره كذلك ، ويمر الثالث على صفحتيه ومُسرَبته جميعاً. والمسربة : مجرى الغائط . رابعاً - مندوبات الاستنجاء : يسن في الاستنجاء ما يأتي(٤): لله تعالى اً - أن يستنجي بحجر أو ورق منق، بألا يكون خشناً كالآجر ، ولا أملس كالعقيق، لأن الإنقاء هو المقصود . وكالحجر : كل طاهر مزيل بلا ضرر ، وليس متقوماً ولا شيئاً محترماً فلا يستنجي بملوث كالفحم ، ولا بما يضر كالزجاج ، ولا (١) القوانين الفقهية: ص ٣٦، تبيين الحقائق: ١ / ٧٨ . (٢) مراقي الفلاح : ص ٨ . (٣) مغني المحتاج: ١ / ٤٥، المهذب: ١ / ٢٧ . (٤) مراقي الفلاح: ص ٧، الدر المختار: ١ / ٣١١ - ٣١٥، فتح القدير: ١ / ١٥٠، تبيين الحقائق: ١ / ٧٨ ، اللباب: ١ / ٥٨، الشرح الصغير: ١ / ٩٦، ١٠٠، وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٨٠، القوانين الفقهية: ص ٣٧ ، مغني المحتاج: ١ / ٤٣، ٤٦، المهذب: ١ / ٢٨، المغني: ١ / ١٥٤ - ١٥٨، كشاف القناع: ١ / ٧٥ وما بعدها، ٧٧ . - ١٩٩ - بمال متقوم ، كحرير وقطن ونحوهما ، لأنه إتلاف للمال ، ولا بشيء محترم لطعمه أو شرفه أو لحق الغير . وهذا يعني أنه يجوز عند الحنفية الاستنجاء بالمائع غير الماء كماء الورد والخل ، واشترط الجمهور غير الحنفية : أن يكون بجامد يابس ، فلا يجوز بالمائع . واتفقوا على أن الاستنجاء يكون بطاهر قالع غير محترم ، فلا يجوز ( أو يكره تحريماً عند الحنفية ) الاستنجاء بالنجس كالبعر والروث ، ولا بالعظم والطعام أو الخبز لآدمي أو بهيمة ؛ لأنه إتلاف وإهانة ، ولا بغير القالع نحو الزجاج والقصب الأملس والآجر والخزف ولا بالمتناثر كتراب أو مدر وفحم رخوين ، بخلاف التراب والفحم الصلبين ، ولا بالشيء المحترم لشرف ذاتي كالذهب والفضة والجواهر ، أو لكونه حق الغير كالشيء المملوك للغير ، ومنه جدار الغير ولو وقفاً . واكتفى المالكية بالقول بأنه يكره الاستنجاء بعظم وروث طاهرين وبجدار مملوك له . والخلاصة : أنه يشترط لجواز الاستجمار بالأحجار ونحوها شروط خمسة هي : كل جامد طاهر قالع غير مؤذ ولا محترم لطعمه أو شرفه أو حق الغير ، وإلا فلا ، وأجزأ إن أنقى ويجزئ الإنقاء باليد بدون الثلاث من الأحجار ونحوها . ولم يشترط الحنفية كونه جامداً . وقال المالكية والحنفية: إن استجمر بما لا يجوز أجزأه مع الكراهة . وقد ثبت النهي عن الاستنجاء بالروث والعظم ، روى مسلم وأحمد عن ابن مسعود: (( لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنها زاد إخوانكم من الجن))(١) (١) انظر نصب الراية: ١ / ٢١٩، نيل الأوطار: ١ / ٩٧. - ٢٠٠ -