النص المفهرس

صفحات 161-180

وقال الشافعية والحنفية (١) : البول والقيء والروث من الحيوان أو الإنسان
مطلقاً نجس، لأمره مع الم بصب الماء على بول الأعرابي في المسجد (٢)، ولقوله له
في حديث القبرين: ((أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول))(٣)، ولقوله سؤال
السابق: ((استنزهوا من البول)) وللحديث السابق: ((أنه حَ قّ لما جيء له
بحجرين وروثة ليستنجي بها ، أخذ الحجرين ورد الروثة ، وقال : هذا ركس ،
والركس : النجس )) . والقيء وإن لم يتغير وهو الخارج من المعدة : نجس ؛ لأنه
من الفضلات المستحيلة كالبول . ومثله البلغم الصاعد من المعدة ، نجس أيضاً ،
بخلاف النازل من الرأس أو من أقصى الحلق والصدر ، فإنه طاهر .
وأما حديث العرنيين وأمره عليه السلام لهم بشرب أبوال الإبل ، فكان
للتداوي ، والتداوي بالنجس جائز عند فقد الطاهر الذي يقوم مقامه .
إلا أن الحنفية فصلوا في الأمر ، فقالوا :
بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة مخففة ، فتجوز الصلاة معه إذا أصاب المرء
ما يبلغ ربع الثوب . وهو رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف .
وأما روث الخيل وخِثْي البقر ، فنجس نجاسة مغلظة عند أبي حنيفة مثل
غير مأكول اللحم، لأنه معَ ◌ّ رمى الروثة، وقال: هذا رجس أو ركس .
ونجس عند الصاحبين نجاسة مخففة ، فلا يمنع صحة الصلاة بالثوب المتنجس به
حتى يصبح كثيراً فاحشاً ، لأن للاجتهاد فيه مساغاً ، ولأن فيه ضرورة لامتلاء
الطرق به ، ورأي الصاحبين هو الأظهر لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها .
(١) مغني المحتاج: ١ / ٧٩، المهذب: ١ / ٤٦، فتح القدير: ١ / ١٤٢ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٢٥
وما بعدها، الدر المختار: ١ / ٢٩٥ - ٢٩٧.
(٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن أنس بن مالك ( نيل الأوطار: ١ / ٤٣، نصب الراية: ١ / ٢١٢).
(٣) رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ( نصب الراية : ١ / ٢١٤).
الفقه الإسلامي جـ١ (١١)
- ١٦١ -

والكثير الفاحش : ما يستكثره الناس ويستفحشونه ، كأن يبلغ ربع
الثوب .
وعلى هذا : يكون بول ما يؤكل لحمه ، ورجيع ( نجو ) الكلب ، ورجيع
ولعاب سباع البهائم كالفهد والسبع والخنزير، وخرء الدجاج والبط والأوز
لنتنه ، من النجاسة الغليظة بالاتفاق ، ويعفى قدر الدرهم منها .
وبول الفرس ، وبول ما يؤكل لحمه ، وخرء طير لا يؤكل كالصقر والحدأة في
الأصح لعموم الضرورة ، من النجاسة الخفيفة ، ويعفى منها مادون ربع الثوب ،
أو البدن أي مادون ربع العضو المصاب كاليد والرجل إن كان بدناً . وأما الربع
فأكثر فهو كثير فاحش .
وأما خرء الطير المأكول اللحم الذي يذرق ( أو يزرق ) في الهواء ، كالحمام ،
فهو طاهر عند الحنفية ، لعموم البلوى به بسبب امتلاء الطرق والخانات بها . كما
أن الإمام محمد حكم آخرأ بطهارة بول ما يؤكل لحمه ومنه الفرس ، وقال : لا يمنع
الروث وإن فحش ، لما رأى من بَلْوى الناس من امتلاء الطرق والخانات بها ، لما
دخل الرِّي مع الخليفة . وقاس المشايخ عليه طين بخارى ؛ لأن ممشى الناس
والدواب واحد(١) . وهذا يتفق مع رأي مالك وأحمد . وقال الشافعية(٢): يعفى
عن ذرق الطير إذا كثر لمشقة الاحتراز عنه . وأرى الأخذ بالأيسر في هذه الأمور
مالم يكثر النجس .
٧ - المني :
وهو ما يخرج عند اللذة الكبرى عند الجماع ونحوه .
(١) رد المحتار: ١ / ٢٩٥ ومابعدها، اللباب شرح الكتاب: ١ / ٥٦ .
(٢) مغني المحتاج: ١ / ١٨٨ .
- ١٦٢ -

وفي نجاسته وطهارته رأيان إن كان من الآدمي . وأما مني غير الآدمي فهو
نجس عند الحنفية والمالكية ، طاهر عند الحنابلة إن كان من مأكول اللحم ،
والأصح عند الشافعية : طهارة مني غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما .
وفي مني الآدمي : قال الحنفية والمالكية(١) : المني نجس يجب غسل أثره، إلا
أن الحنفية قالوا : يجب غسل رَطْبه ، فإذا جف على الثوب ، أجزأ فيه الفرك .
وأطلق المالكية الحكم بنجاسة المني ولو من مباح الأكل للاستقذار والاستحالة
إلى فساد ، ولأن أصله دم ، ولا يلزم من العفو عن أصله العفو عنه أي لا يلزم من
العفو عن يسير الدم : وهو دون الدرهم العفو عن يسير المني ، إذ ليس كل ماثبت
الأصل يثبت لفرعه .
ودليلهم حديث عائشة: « كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم إذا كان يابساً ، وأغسله إذا كان رطباً))(٢).
وفي رواية البخاري ومسلم من حديث عائشة : أنها كانت تغسل المني من
ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيخرج ، فيصلي ، وأنا أنظر إلى بُقع
الماء في ثوبه . ولأنه شبيه بالأحداث الخارجة من البدن ، مما يدل على كونه
نجساً .
وقال الشافعية على الأظهر ، والحنابلة(٣) : المني طاهر ويستحب غسله أو
(١) الدر المختار: ١ / ٢٨٧ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: ١ / ٥٥ ، مراقي الفلاح: ص ٢٦، بداية
المجتهد: ١ / ٧٩، الشرح الصغير: ١ / ٥٤ ، الشرح الكبير: ١ / ٥٦ .
(٢) رواه الدارقطني في سننه والبزار في مسنده ، وقال: لا يعلم أسنده عن عائشة إلا عبد الله بن الزبير. وأما
حديث ((اغسليه إن كان رطباً، وافركيه إن كان يابساً)) فهو غريب ، وحديث لا يعرف ( نصب الراية : ١ / ٢٠٩)
وفي الجملة: هذا الحديث مضطرب، إذ في بعضه الغسل، وفي بعضه الفرك، وفي بعضه: ((فيصلي فيه)) . .
(٣) مغني المحتاج: ١ / ٧٩ - ٨٠، كشاف القناع: ١ / ٢٢٤، المهذب : ١ / ٤٧.
- ١٦٣ -

فركه إن كان مني رجل ، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها (( أنها كانت تحُكَّ
المني من ثوب رسول الله مُ الل، ثم يصلي فيه))(١). وفي رواية (( كنت أحکه من
ثوبه وهو يصلي فيه)) (٢). وقال ابن عباس: (( امسحه عنك بإذخرة أو خرقة ،
فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق))(٢) . ويختلف عن البول والمذي بأنه بدء خلق
آدمي .
ورجح الشوكاني نجاسة المني فقال: (( فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره
بأحد الأمور الواردة )) (٤) أي بالغسل أو المسح أو الفرك . وأرجح القول بطهارته
حتى لا يلزم منه القول بنجاسة أصل الإنسان ، وتيسيراً على الناس ، لكن يزال
أثره ندباً ، اتباعاً للسنة النبوية .
ويلاحظ أن الحكم بطهارة المني مشروط بألا يسبقه المذي الذي يخرج عادة
عند ثورة الشهوة ، وبأن يكون العضو مغسولاً مسبقاً بالماء ، فإن كان عليه أثر
بول بتنشيفه بالورق كما عليه حال كثير من الناس اليوم ، فإن المني يتنجس
بسبب ما يختلط به من البول . والأولى تخصيص إزار ( لباس ) لحالات الجماع
خروجاً من الخلاف .
٨ - ماء القروح :
عدَّ الحنفية والمالكية(٥) من النجاسات : القيح (وهو المِدَّة الخاثرة تخرج من
(١) رواه الجماعة، ولفظه: ((كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عطلله ثم يذهب فيصلي فيه)) ( نيل
الأوطار : ١ / ٥٣ ) .
(٢) رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما .
(٣) رواه سعيد ورواه الدارقطني مرفوعاً .
(٤) نيل الأوطار : ١ / ٥٥ .
(٥) البدائع: ١ / ٦٠، الدر المختار: ١ / ٢٩٤، الشرح الكبير: ١ / ٥٦ ومابعدها، الشرح الصغير: ١ / ٥٥،
القوانين الفقهية : ص ٣٣ .
- ١٦٤ -

الدمل ) والصديد ( وهو الماء الرقيق من المِدَّة ، الذي قد يخالطه دم ،، وماء
القروح ( المصل الأبيض ) : وهو كل ماسال من الجرح من نَفَط نار ، أو جرب أو
حكة أو غير ذلك ، لكن يعفى عن قليل الصديد والقيح كالدم .
واتفق الشافعية والحنابلة(١) مع بقية الأئمة في الحكم بنجاسة القيح والصديد ،
لكن قرر الحنابلة أنه يعفى عن يسير دم وماتولد منه من قيح وغيره كصديد ،
وماء قروح ، في غير مائع ومطعوم ؛ لأن الإنسان غالباً لا يسلم منه ، ولأنه يشق
الاحتراز عنه ، كأثر الاستجمار. وأما المائع والمطعوم فلا يعفى عن شيء من ذلك .
وقدر اليسير المعفو عنه : هو الذي لم ينقض الوضوء ، أي مالا يفحش في
النفس ، ويعفى من القيح ونحوه أكثر مما يعفى عن مثله من الدم . والمعفو عنه
إذا كان من حيوان طاهر من آدمي من غير سبيل ، فإن كان من سبيل لم يعف
عنه .
والمذهب قطعاً عند الشافعية : طهارة دم البَثَرات ( خرَّاج صغير ) ودم
البراغيث وونيم الذباب ، وماء القروح والنفاطات ( أي الحروق ) أو المتنقّط الذي
له ريح، أو لاريح له في الأظهر، وموضع الفصد والحجامة، قليلاً كان أو
كثيراً. والأظهر العفو عن قليل دم الأجنبي ، أي عن دم الإنسان المنفصل عنه ثم
العائد إليه .
٩ - الآدمي الميت ، وما يسيل من فم النائم :
عرفنا في أنواع المطهرات في الآدمي الميت قولين(٢):
(١) كشاف القناع: ١ / ٢١٩، مغني المحتاج: ١ / ٧٩، ١٩٣ - ١٩٤، المهذب: ١ / ٤٧.
(٢) فتح القدير: ١ / ٧٢، الشرح الصغير: ١ / ٤٤، مغني المحتاج: ١ / ٧٨، كشاف القناع: ١ / ٢٢٢،
المهذب : ١ / ٤٧ .
- ١٦٥ _

قول الحنفية : إنه ينجس عملاً بفتوى بعض الصحابة ( ابن عباس وابن
الزبير ) كسائر الميتات .
وقول جمهور العلماء: إنه طاهر، لقوله معد له: ((إن المسلم لا ينجس)).
وأما الماء السائل من فم النائم وقت النوم فهو طاهر كما صرح الشافعية
والحنابلة(١)، إلا أن الشافعية والمالكية قالوا: إن كان من المعدة كأن خرج منتناً
بصفرة فنجس كالبلغم الصاعد من المعدة ، فإن كان من غيرها أو شك في أنه منها
أو لا ، فإنه طاهر .
وعد المالكية(٢) من الطاهر : القَلَس ، وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند
امتلائها ، مالم يشابه في التغير أحد أوصاف العذرة .
المطلب الثاني - أنواع النجاسة الحقيقية :
للنجاسة الحقيقية تقسيمات عند الحنفية هي ما يأتي :
التقسيم الأول - تقسيم النجاسة إلى مغلظة ومخففة (٣):
النجاسة المغلظة : ماثبتت بدليل مقطوع به ، كالدم المسفوح والغائط ،
والبول من غير مأكول اللحم ، ولو من صغير لم يطعم ، والخمر (٤)، وخُزْء طير
لا يزرق في الهواء كدجاج وبط وإوز، ولحم الميتة وإهابها ، ونجو ( قذر)
الكلب ، ورجيع السباع ولعابها ، والقيء ملء الفم ، وكل ما ينقض الوضوء إذا
خرج من الإنسان كالعذرة والمني والمذي والدم السائل .
(١) مغني المحتاج: ١ / ٧٩، كشاف القناع: ١ / ٢٢٠.
(٢) الشرح الصغير: ١ / ٤٨ .
(٣) العناية بهامش فتح القدير: ١ / ١٤٠ - ١٤٤، الدر المختار: ١ / ٢٩٣ - ٢٩٧، اللباب: ١ / ٥٥ .
(٤) وأما الأشربة المحرمة الأخرى سوى الخمر فنجاستها غليظة في ظاهر الرواية ، خفيفة على قياس قول
الصاحبين لاختلاف الأئمة فيها ( رد المحتار: ١ / ٢٩٥).
- ١٦٦ -

ويعفى منها في الصلاة مقدار الدرهم تمادويه: ( وهو الدرهم الكبير المثقال ،
وفي المساحة : قدر عرض الكف في الصحيح ) ؛ لأن القليل لا يمكن التحرز عنه ،
وقدر القليل بالدرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء ، فإن زادت النجاسة عن الدرهم
لم تجز الصلاة .
والنجاسة المخففة : وهي ماتثبت بدليل غير مقطوع به ، کبول مايؤكل
لحمه ، ومنه الفرس ، وخرء طير لا يؤكل ، أما نجاسة البعر ( للإبل والغنم )
والروث ( للفرس والبغل والحمار ) والخِثِّي ( البقر ) فهي غليظة عند أبي حنيفة ،
وقال الصاحبان : خفيفة ، ورأيها هو الأظهر، لعموم البلوى بامتلاء الطرق
بها، وطهرها محمد آخراً، وقال : لا يمنع الروث وإن فحش. وفي عصرنا في
الطرق المعبدة تعتبر النجاسة مخففة
ويعفى من النجاسة المخففة في الصلاة : مقدار ربع جميع الثوب ، إن كان
المصاب ثوباً ، وربع العضو المصاب كاليد والرجل ، إن كان المصاب بدناً . وهذا
التقدير مراعى فيه التيسير على الناس ، سيما من لارأي له من العوام .
التقسيم الثاني - تقسيم النجاسة إلى جامدة ومائعة :
النجاسة الجامدة : كالميتة والغائط .
والمائعة : كالبول والدم المسفوح والمذي .
التقسيم الثالث - تقسيم النجاسة إلى مرئية وغير مرئية(١):
المرئية أو العينية : مايكون مرئياً بالعين بعد الجفاف كالعذرة والدم ،
وطهارة النجاسة المرئية تكون بزوال عينها ولو بمرة على الصحيح ؛ لأن النجاسة
حلت المحل ، باعتبار العين ( الجِرْم ) ، فتزول بزوالها .
(١) فتح القدير: ١ / ١٤٥، الدر المختار: ١ / ٢٠٣ - ٣٠٧، اللباب: ١ / ٥٧، مراقي الفلاح: ص ٢٦ .
- ١٦٧ -

وغير المرئية أو غير العينية : مالا يكون مرئياً بعد الجفاف كالبول ونحوه ،
أي ما لاتكون ذاته مشاهدة بحس البصر . وطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن
الغاسل أن المحل قد طهر ، وقدر ذلك لموسوس بثلاث مرات ؛ لأن التكرار لابد
منه لاستخراج النجاسة ، وإذا لم يقطع بزواله ، فالمعتبر غالب الظن ، كما في أمر
الاجتهاد في القِبلة ، ولابد من العصر في كل مرة ، في ظاهر الرواية ، لأنه هو
المستخرج
النجاسات عند غير الحنفية :
يلاحظ أن هذه التقسيمات معروفة عند غير الحنفية ، وأضاف إليها المالكية
تقسيماً آخر عندهم وهو: النجاسة المجمع عليها في المذهب ، والمختلف فيها في
المذهب(١).
والنجاسات المجمع عليها في المذهب : ثمانية عشر: بول ابن آدم الكبير ،
ورجيعه ، والمذي ، والودي ، ولحم الميتة، والخنزير وعظمهما ، وجلد الخنزير
مطلقاً ، وجلد الميتة إن لم يدبغ ، وما قطع من الحي في حال حياته إلا الشعر
وما في معناه ، ولبن الخنزيرة ، والمسكر ، وبول الحيوان المحرم الأكل ، ورجيعه ،
والمني ، والدم الكثير ، والقيح الكثير ، والأصح أن كل حي ولو كلباً أو خنزيراً
طاهر ، وكذا عرقه في المعتمد عند المالكية .
والنجاسات المختلف فيها في المذهب المالكي ثمانية عشر: بول الصبي الذي
لا يأكل الطعام ، وبول الحيوان المكروه الأكل ، وجلد الميتة إذا دبغ ، وجلد المذكى
المحرم الأكل ، ولحمه ، وعظمه ، ورماد الميتة ، وناب الفيل ، ودم الحوت ،
والذباب ، والقليل من دم الحيض ، والقليل من الصديد ، ولعاب الكلب ، ولبن
(١) القوانين الفقهية: ص ٣٤.
- ١٦٨ -

ما لا يؤكل لحمه غير الخنزير ، ولبن مستعمل النجاسة ، وعرق مستعمل النجاسة ،
وشعر الخنزير ، والخمر إذا خللت .
وتظهر ثمرة هذه التقسيمات في كيفية التطهير ، وفي المقدار المعفو عنه .
المبحث الثاني - المقدار المعفو عنه من النجاسة
للفقهاء تقديرات للمعفو عنه من النجاسات لامانع في تقديري من الأخذ
بها ، وأهمها في كل مذهب ما يأتي :
اً - مذهب الحنفية(١):
حددوا المعفو عنه بحسب نوع النجاسة مغلظة أو مخففه : يعفى من النجاسة
المغلظة أو المخففه : القدر القليل، دون الكثير ، وقدروا القليل في النجاسة
الجامدة المغلظة : بمادون الدرهم (١٧, ٣ غم ) : وهو مايزن عشرين قيراطاً ،
وبما دون مقعر الكف في النجاسة المائعة . وتكره الصلاة تحريماً في المشهور بالقدر
القليل من النجاسة ، مع كونه معفواً عنه .
والقليل من النجاسة المخففة في الثياب : مادون ربع الثوب ، وفي البدن :
مادون ربع العضو المصاب كاليد والرجل .
كما يعفى عن القليل من بول أو خرء الهرة والفأرة ، في الطعام والثياب
للضرورة . وعن انتضاح غسالة لا تظهر مواقع قطرها في الإناء ، وعن رشاش
بول ، كرؤوس الإبر، للضرورة ، وإن امتلأ منه الثوب والبدن ، لكن لو وقع
في ماء قليل نجسه في الأصح ، لأن طهارة الماء آكد ، ومثله الدم الذي يصيب
(١) فتح القدير: ١ / ١٤٠ - ١٤٦، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ١ / ٢٩٥ - ٣٠٩، مراقي الفلاح: ص ٢٥
ومابعدها .
- ١٦٩ -

الجزار ، وأثر الذباب الذي وقع على نجاسة . ومثله أيضاً روث الحمار وختي البقر
والفيل في حالة الضرورة والبلوى .
ويعفى عما لا يمكن الاحتراز أو الامتناع عنه من غسالة الميت مادام في
تغسيله ، لعموم البلوى . كما يعفى عن طين الشوارع، إلا إذا علم عين النجاسة
للضرورة .
ويعفى عن الدم الباقي في عروق الحيوان المذكى ( المذبوح ) لتعذر الاحتراز
عنه ، وعن دم الكبد والطحال والقلب ، لأنه دم غير مسفوح ، وعن الدم الذي
لا ينقض الوضوء في الصحيح ، وعن دم البق والبراغيث والقمل وإن كثر، وعن
دم السمك في الصحيح وعن لعاب البغل والخمار ، والمذهب طهارته ، وعن دم
الشهيد في حقه وإن كان مسفوحاً .
ويعفى للضرورة عن بخار النجس وغباره ورماده لئلا يحكم بنجاسة الخبز في
سائر الأمصار، وعن ريح هبت على نجاسة فأصابت الريح الثوب ، إلا إذا ظهر
أثر النجاسة في الثوب .
ويعفى عن بعر الإبل والغنم إذا وقع في البئر أو في الإناء مالم يكثر كثرة
فاحشة أو يتفتت ، فيتلون به الماء . والقليل : هو ما يستقله الناظر إليه ،
والكثير : ما يستفحشه الناظر إليه .
وأما خرء الطيور المأكولة التي تذرق في الهواء ، فهو طاهر ، وإن لم تذرق
فهو نجاسة مخففة .
وهكذا فإن سبب العفو إما الضرورة ، أو عموم البلوى ، أو تعذر الاحتراز
( الامتناع ) عن النجس .
- ١٧٠ -

٢ - مذهب المالكية(١):
يعفى عن القليل من دم الحيوان البري ، وعن القليل من الصديد والقيح ،
وهو بمقدار الدرهم البغلي : وهو الدائرة السوداء الكائنة في ذراع البغل فدون .
وذلك سواء أكان الدم ونحوه من نفسه أم من غيره ، من آدمي أو حيوان ولو من
خنزير ، بثوب أو بدن أو مكان .
ويعفى عن كل ما يعسر التحرز عنه من النجاسات بالنسبة للصلاة ودخول
المسجد ، لا بالنسبة للطعام والشراب ، فإذا حل ذلك بطعام أو شراب نجَّسه ،
ولا يجوز أكله وشربه ، والمعفو عنه لمشقة الاحتراز ما يأتي :
سلَس الأحداث : وهو ماخرج بنفسه من غير اختيار من الأحداث ، كالبول
والمذي والمني والغائط يسيل من المخرج بنفسه ، فيعفى عنه ، ولا يجب غسله
للضرورة إذا لازم كل يوم ، ولو مرة .
وبلل الباسور(٢) إذا أصاب البدن أو الثوب كل يوم ولو مرة . أما اليد أو
الخرقة ، فلا يعفى عن غسلها ، إلا إذا كثر الرد بها أي إرجاع الباسور ، بأن يزيد
على المرتين كل يوم ، وإلا وجب غسلها ؛ لأن اليد لا يشق غسلها كالثوب
والبدن .
وما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو غائط طفلها ، ولو لم يكن
وليدها ، إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها حال نزولها ، بخلاف المفرّطة .
(١) القوانين الفقهية: ص ٣٣، الشرح الكبير: ١ / ٥٦، ٥٨ / ٧١ - ٨١، ١١٢، الشرح الصغير: ١/
٧١ - ٧٩ .
(٢) الباسور: هو النابت داخل مخرج الغائط بحيث يخرج منه وعليه بلولة النجاسة . وخروج الصرم
كالباسور .
- ١٧١ -

ومثلها الجزار والكنَّاف والطبيب الذي يعالج الجروح . ويندب لها ولأمثالها
إعداد ثوب خاص للصلاة .
وما يصيب ثوب المصلي أو بدنه أو مكانه من بول أو روث خيل أو بغال أو
حمير، إذا كان ممن يزاول رعيها أو علفها أو ربطها ، ونحو ذلك ، لمشقة
الاحتراز .
أثر ذباب أو ناموس يقع على نجاسة ( عَذِرة أو بول أو دم ) بأرجله أو فيه ،
ثم يطير ويحط على ثوب أو بدن لمشقة الاحتراز .
أثر الوشم الذي تعسر إزالته للضرورة(١).
أثر موضع الحجامة إذا مسح بخرقة ونحوها ، إلى أن يبرأ المحل ، فيغسل ،
لمشقة غسله قبل برء الجرح ، فإذا برأ غسل وجوباً أو ندباً على قولين .
أثر الدمامل من المدَّة السائلة إذا كثرت ، سواء سالت بنفسها أو بعصرها ،
لأن كثرتها مظنة الاضطرار كالحكة والجرب . فإن كانت دملاً واحداً فيعفى عما
سال منه بنفسه أو بعصر احتيج إليه . فإن عصر بغير حاجة لم يعف إلا عن قدر
الدرهم دون مازاد عليه .
دم البراغيث بمادون الدرهم ، لامازاد عنه ، وخرء البراغيث ولو كثر .
والقليل من ميتة القمل ، ثلاث فأقل .
الماء الخارج من فم النائم إذا كان من المعدة بحيث يكون أصفر منتناً ، إذا
لازم ، فإن لم يلازم فهو نجس .
طين المطر ، وماؤه المختلط بنجاسة ، إذا أصاب الثوب أو الرجل ، مادام
(١) فتح العلي المالك للشيخ عليش: ١ / ١١٢ .
- ١٧٢ -

طرياً في الطرق ، ولو بعد انقطاع المطر، مالم تغلب النجاسة على الطين بأن
تكون أكثر منه يقيناً أو ظناً ، ومالم تصب الإنسان عين النجاسة غير المختلطة
بغيرها ، ومالم يكن له دخل في الإصابة بشيء من الطين . فإن وجدت حالة من
هذه الثلاثة فلاعفو ، ويجب الغسل ، كما لاعفو بعد جفاف الطرق ، لزوال
المشقة .
أثر الاستجمار بحجر أو ورق بالنسبة للرجل ، إن كان غير زائد على المعتاد .
أما إن كان منتشراً كثيراً ، غسل الزائد على ماجرت العادة بتلويثه ، ويعفى عن
المعتاد . ويتعين الماء في الاستنجاء بالتبول من قبل المرأة ، كما سنفصل في بحث
الاستنجاء .
٣ - مذهب الشافعية(١):
لا يعفى عن شيء من النجاسات إلا ما يأتي :
مالا يدركه البصر المعتدل كالدم اليسير والبول المترشش .
القليل والكثير من دم البثرات والبقابيق والدماميل والقروح والقيح
والصديد منها ، ودم البراغيث والقمل والبعوض والبق ونحوه مما لادم له سائل(٣)،
وموضع الحجامة والفصد ، وونيم الذباب ، وبول الخُفّاش ، وسلس البول ، ودم
الاستحاضة ، وماء القروح والنفاطات ( البقابيق ) الذي له ريح ، ومالاريح له
في الأظهر ، لمشقة الاحتراز عنه .
لكن إذا عصر البثرة أو الدمل أو قتل البرغوث أو فرش أو حمل الثوب الذي
(١) المجموع: ١ / ٢٦٦، ٢٩٢ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٨١، ١٩١ - ١٩٤، شرح الباجوري: ١ / ١٠٤،
١٠٧، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب: ١ / ١٣٣ ومابعدها ، شرح الحضرمية لابن حجر: ص ٥٠ ومابعدها .
(٢) كذباب ونمل وعقرب وزنبور ( دبور) ووزغ ( وهو البرص ) ، لانحو حية وضفدع وفأرة .
- ١٧٣ -

فيه ذلك المعفو عنه ، عفي عن قليله فقط إذ لامشقة في تجنبه ، ولا يعفى عن
جلد البرغوث ونحوه . كما يعفى في الأظهر عن قليل دم الأجنبي(١)، غير الكلب
والخنزير، ومن الأجنبي : ما انفصل من بدنه ثم أصابه ، وسبب العفو: هو
المسامحة ، أما دم الكلب ونحوه فلا يعفى عن قليله لغلظ حكمه . ويتحدد القليل
والكثير بالعرف .
ويلاحظ أن محل العفو عن سائر الدماء مالم يختلط بأجنبي ، فإن اختلط به
ولو دم نفسه من موضع آخر لم يعف عن شيء منه .
ويعفى عن أثر محل الاستجمار في حق صاحبه دون غيره ، حتى ولو عرق
محل الأثر وانتشر، ولم يجاوز محل الاستنجاء .
ويعفى عما يتعذر الاحتراز عنه غالباً من طين الشارع المتيقن نجاسته ، في
زمن الشتاء ، لا في زمن الصيف ، إذا كان في أسفل الثوب ( ذيله ) ، والرجل ،
دون الكم واليد ، بشرط ألا تظهر عين النجاسة عليه ، وأن يكون المرء محترزاً عن
إصابتها بحيث لا يرخي ذيل ثيابه ، وأن تصيبه النجاسة وهو ماش أو راكب ،
لا إن سقط على الأرض .
فيكون ضابط القليل المعفو عنه : هو الذي لا ينسب صاحبه إلى سقطة على
شيء ، أو كبوة على وجهه ، أو قلة تحفظ ، فإن نسب إلى ذلك ، فلا يعفى عنه .
فإن لم يكن الطين متيقن النجاسة ، وإنما يغلب على الظن اختلاطه بها
كغالب الشوارع ، فهو وأمثاله كثياب الخمارين والأطفال والجزارين والكفار
الذين يتدينون باستعمال النجاسة ، طاهر في الأصح عملاً بالأصل . وإن لم تظن
نجاسته فهو طاهر قطعاً ، كما أن ماء الميزاب الذي تظن نجاسته طاهر جزماً .
(١) أي ما انفصل عن نفس الإنسان ثم عاد إليه، لكن لو أخذ دماً أجنبياً ولطخ به بدنه أو ثوبه، فإنه
لا يعفى عن شيء منه ، لتعديه بذلك ، فإن التضخ بالنجاسة حرام .
- ١٧٤ -
:
٠

ويعفى عن ميتة دود الفاكهة والخل والجبن المتخلقة فيها مالم تخرج منه ثم
تطرح فيه بعد موتها ، ومالم تغيره ، وعن الإنفحة المستعملة للجبن ، والكحول
المستخدم في الأدوية والعطور ، وعن دخان النجاسة ، وعن القليل من بخار الماء
النجس المنفصل بواسطة النار ، وعن الخبز المسخن أو المدفون في رماد نجس ، وإن
علق به شيء منه ، وعن الثياب المنشورة على الحيطان المبنية برماد نجس ، لمشقة
الاحتراز .
ويعفى عن خرء الطيور في الفرش والأرض إن شق الاحتراز عنه ، ولم
يتعمد المشي عليه ، ولم يكن أحد الجانبين رطباً ، إلا للضرورة كأن يتعين محل
المرور فيه .
ويعفى عن قليل شعر نجس كشعرة أو شعرتين ، من غير كلب أو خنزير أو
ما تولد منهما أو من أحدهما مع غيره ، فذلك منهما وإن قل غير معفو عنه .
ويعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر الاحتراز عنه .
ومن المعفو عنه: أثر الوشم(١)، وروث السمك في الماء إذا لم يغيره ، والدم
الباقي على اللحم أو العظم ، ولعاب النائم الخارج من المعدة في حق المبتلى به ،
وما يصيب قائد الحيوان وسائسه ونحوهما من جرَّة البعير ونحوه من الحيوانات
المجترة ، وروث البهائم وبولها حين درس الحب ، وروث الفأر في مجمع الماء في
المراحيض إذا كان قليلاً ولم يغير أحد أوصاف الماء ، وروث المحلوبة ونجاسة ثديها
(١) الوشم : غرز الجلد بالإبرة حتى يخرج الدم ، ثم يوضع عليه نحو نيلة ليزرق ، أو يخضر بسبب الدم الحاصل
بغرز الإبر. وهو حرام لخبر الصحيحين: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة،
والنامصة والمتنمصة)» وتجب إزالته مالم يخف ضرراً يبيح التيم ، فإن خاف ذلك لم تجب إزالته ولاإثم عليه بعد التوبة .
وهذا إذا فعله برضاه بعد البلوغ، وإلا فلا تلزمه إزالته ( مغني المحتاج: ١ / ١٩١ ) وقال الحنفية : يطهر محل الوشم إذا
غسل لأنه أثر يشق زواله (رد المحتار: ١ / ٣٠٥).
- ١٧٥ -

إذا وقع في اللبن حال حلبه ، وأثر روث البهائم المختلط بالطين ، الذي يصيب
عسل خلايا النحل ، ونجاسة فم الصبي عند إرضاعه أو تقبيله .
٤ - مذهب الحنابلة(١):
لا يعفى عن يسير نجاسة ، ولو لم يدركها الطرف ( أي البصر ) كالذي يعلق
بأرجل ذباب ونحوه ، لعموم قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ ، وقول ابن عمر :
(( أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً)» وغير ذلك من الأدلة .
إلا أنه یعفی عن یسیر دم وقیح وصديد وماء قروح في غير مائع ومطعوم ،
لأنه يشق التحرز عنه ، وذلك إذا كان من حيوان طاهر حال حياته ، من آدمي
أو غير آدمي مأكول اللحم كابل وبقر ، أولا كهر ونحوه من غير سبيل ( قبل أو
دبر ) فإن وقع في مائع أو مطعوم ، أو كان من حيوان نجس كالكلب والخنزير ،
والخمار والبغل ، أو خرج من أحد السبيلين ( القبل أو الدبر ) حتى دم حيض
ونفاس واستحاضة ، فلا يعفى فيه عن شيء من ذلك .
ويعفى عن أثر الاستجمار(٢) بعد الإنقاء واستيفاء العدد المطلوب في
الاستجمار. وعن يسير طين شارع تحققت نجاسته لمشقة التحرز منه .
وعن يسير سلس بول ، مع كمال التحفظ منه ، للمشقة .
(١) المغني: ١ / ٣٠، ٢ / ٧٨ - ٨٣، كشاف القناع: ١ / ٢١٨ _ ٢٢١.
(٢) يعفى عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع :
أحدها - محل الاستنجاء ، يعفى عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه .
الثاني - أسفل الخف والحذاء ، إذا أصابته نجاسة فدلكها بالأرض حتى زالت عين النجاسة ، فيه ثلاث روايات :
إحداهن - يجزئ دلكه بالأرض وتباح الصلاة فيه ، ويظهر أن هذه الرواية هي الراجحة كما أوضح ابن قدامة .
الثالث - إذا جبر عظمه بعظم نجس ، فجبر، لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر، وأجزأتهٍ صلاته ( المغني: ٢ / ٨٣
وما بعدها ) .
- ١٧٦ -
٠

وعن يسير دخان نجاسة وغبارها وبخارها ، مالم تظهر له صفة في الشيء
الطاهر ، لعسر التحرز .
وعن ماء قليل نجس بماء معفو عن يسيره .
وعن النجاسة التي تصيب العين ، ويتضرر المرء بغسلها .
وعن أثر الدم الكثير ونحوه كالقيح الواقع على جسم صقيل بعد المسح ؛ لأن
الباقي بعد المسح يسير .
وعدوا من الطاهرات : دم العروق من مأكول اللحم ، لأنه لا يمكن التحرز
منه ، ودم السمك ، ودم الشهيد الذي عليه ولو كثر، ودم بق وقمل وبراغيث
وذباب ونحوها من كل مالانفس له سائلة ، والكبد والطحال من مأكول ،
لحديث: ((أحل لنا ميتتان ودمان))، ودود القز وبزره ، والمسك وفأرته :
وهي سرَّة الغزال، والعنبر لقول ابن عباس - فيما ذكره البخاري: ((العنبر شيء
دسره البحر )) أي دفعه ورمى به ، وما يسيل من فم النائم وقت النوم ، كما سبق
بيانه ، والبخار الخارج من الجوف ، لأنه لاتظهر له صفة بالمحل ، ولا يمكن التحرز
منه ، والبلغم ولو أزرق ، سواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة ، لحديث مسلم
عن أبي هريرة مرفوعاً: ((فإذا تنخع أحدكم ، فليتنخع عن يساره ، أو تحت
قدمه ، فإن لم يجد فليقل هكذا ، فتفل في ثوبه ، ثم مسح بعضه ببعض )) ولو
كانت النخامة نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه ، وهو في الصلاة .
۔
وبول سمك ونحوه مما يؤكل ، كل ذلك طاهر .
المبحث الثالث - كيفية تطهير النجاسة الحقيقية بالماء :
المواضع التي تزال عنها النجاسة الحقيقية ثلاثة : هي الأبدان ، والثياب ،
ومواطن الصلاة .
- ١٧٧ -
الفقه الإسلامي جـ ١ (١٢)

وقد عرفنا في بحث المطهرات : أن الماء الطهور هو الأصل في إزالة
النجاسة ، لقوله مؤلّ لأسماء بنت أبي بكر في كيفية تطهير ثوبها من الحيض :
((تحتُّه، ثم تقرصه بالماء))(١) .
وعرفنا أيضاً أن الرأي الراجح في النجاسة الحقيقية لاالحكمية عند الحنفية :
هو جواز التطهير بالمائعات الأخرى غير الماء كماء الورد والخل وعصير الفواكه
والنباتات ، وأنه يمكن التطهير بمطهرات أخرى كثيرة هي ٢١ مطهراً عند الحنفية
وافقهم في بعضها غيرهم ، وخالفهم في البعض الآخر .
وأما كيفية التطهير بالماء أو شروطه فهي ما يأتي(٢):
أً - العدد :
اشترط الحنفية العدد في النجاسة غير المرئية وهو الغسل ثلاثاً فقالوا : إن
كانت النجاسة غير مرئية كالبول وأثر لعاب الكلب ونحوهما ، فطهارته أن يغسل
حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر، ولا يطهر إلا بالغسل ثلاث مرات ،
وإنما قدروا التكرار بالثلاث ولو في نجاسة الكلب ؛ لأن غالب الظن يحصل
5
عنده ، فأقيم السبب الظاهر مُقَامه تيسيراً .
ودليلهم حديثان هما: ((يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا))(٣) و((إذا
(١) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: ١ / ٣٨).
(٢) انظر عند الحنفية: البدائع: ١ / ٨٧ - ٨٩، الدر المختار: ١ / ٣٠٣ - ٣١٠، فتح القدير: ١ / ١٤٥ ،
اللباب: ١ / ٥٧ ، مراقي الفلاح: ص ٢٦ ومابعدها، وعند المالكية: بداية المجتهد: ١ / ٨٣ ، الشرح الصغير: ١ /
٨١ - ٨٢، القوانين الفقهية: ص ٣٥، وعند الشافعية: المجموع: ١ / ١٨٨، مغني المحتاج: ١ / ٨٣ - ٨٥، المهذب:
١ / ٤٨ وما بعدها، وعند الحنابلة: المغني: ١ / ٥٢ - ٥٨، كشاف القناع: ١ / ٢٠٨، ٢١٣ .
(٣) روي عن أبي هريرة من طريقين: الأول عند الدار قطني ، وفيه متروك . وله رواية أخرى بإسناد
صحيح ، والثاني عند ابن عدي في الكامل ، وابن الجوزي ، وهو حديث لم يصح ( نصب الراية: ١ / ١٣٠
ومابعدها ) .
- ١٧٨ -

استيقظ أحدكم من نومه ، فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها في إنائه)) (١) ، فقد
أمر عَلَ ◌ّ بالغسل ثلاثاً، وإن كان هناك شيء غير مرئي، وأما الأمر بالغسل
سبعاً من ولوغ الكلب ، فكان في ابتداء الإسلام ، لقلع عادة الناس بإلف
الكلاب ، كالأمر بكسر الدنان والنهي عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت
الخمر .
وأما إن كانت النجاسة مرئية كالدم ونحوه ، فطهارتها زوال عينها ولو بمرة
على الصحيح ، إلا أن يبقى من أثرها ، كلون أو ريح ، ما يشق إزالته ، فلا يضر
بقاؤه، ويغسل إلى أن يصفو الماء، على الراجح، بدليل قوله م ◌ّ للحائض إن لم
يخرج أثر الدم: (( يكفيك الماء، ولا يضرك أثره)) (٢).
وتظهر المشقة عندما يحتاج في إزالة الأثر إلى غير الماء القَرَاح كصابون أو ماء
حار .
وعليه : يطهر الثوب المصبوغ بمتنجس إذا صار الماء صافياً مع بقاء اللون .
ولا يضر أثر دهن متنجس على الأصح لزوال النجاسة المجاورة بالغسل ،
ويطهر السمن والدهن المتنجس بصب الماء عليه ورفعه عنه ثلاثاً .
ويطهر اللبن والعسل والدبس والدهن بغلي على النار ثلاثاً ، فيصب عليه
الماء ، ويغلى ، حتى يعلو الدهن ، ويرفع بشيء ثلاث مرات .
ويطهر لحم طبخ بخمر بغلي وتبريد ثلاث مرات . وعلى هذا : الدجاج
(١) رواه مالك والشافعي وأحمد في مسنده وأصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة ، وهو حديث صحيح
حسن .
(٢) روى أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة: (( أن خولة بنت يسار قالت: يارسول الله ،
ليس لي إلا ثوب واحد ، وأنا أحيض فيه ؟! قال : فإذا طَهُرتٍ ، فاغسلي موضع الدم ، ثم صلِّي فيه ، قالت: يارسول
الله، إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء، ولا يضرك أثره )) وسنده ضعيف - ( نيل الأوطار: ١ / ٤٠).
- ١٧٩ -

المغلي قبل إخراج أمعائها ، يطهر بالغسل ثلاثاً ، ويطهر ظاهره وباطنه ، على
المفتى به . وإذا وضع الدجاج بقدر انحلال المسام لنتف ريشه ، يطهر بالغسل
ثلاثاً .
والحنطة المطبوخة في خمر لا تطهر أبداً ، على المفتى به . أما لو انتفخت من
بول ، نقعت وجففت ثلاثاً . ولو عجن خبز بخمر صب فيه خل ، حتى يذهب
أثره ، فيطهر .
وقال المالكية : لا يكفي في غسل النجاسة إمرار الماء ، بل ولابد من إزالة
عين النجاسة وأثرها ، بأن ينفصل الماء طاهراً ، ويزول طعم النجاسة قطعاً ،
ويزول لونها وريحها إن تيسر زوالهما، ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله ،
كالمصبوغ بالنجاسة من زعفران متنجس أو نيلة ونحوهما .
ولا يشترط عدد معين للغسل أصلاً ؛ لأن المفهوم من الأمر بإزالة النجاسة
إزالة عينها . وأما العدد المشترط في غسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب ، فهو
عبادة لالنجاسة .
وقال الشافعية والحنابلة : مانجس بملاقاة شيء ( من لعاب أو بول ، وسائر
الرطوبات ، والأجزاء الجافة إذا لاقت رطباً ) من كلب أو خنزير ، وماتولد
منهما ، أو من أحدهما من حيوان طاهر ، يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب
الطاهر، ولو غبار رمل، لقوله عَ لَّه: ((يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع
مرات ، أولاهن أو أخراهن بالتراب))(١) وفي حديث عبد الله بن المغفل: ((إذا
(١) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة. وفي لفظ لمسلم وأبي داود: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه
الكلب أن يغسله سبع مرات)) ورواه مالك في الموطأ بلفظ: ((إذا شرب)) بدل ((إذا ولغ)» وغير مالك كلهم يقولون :
((إذا ولغ)) (نصب الراية: ١ / ١٣٢ ).
- ١٨٠ -