النص المفهرس

صفحات 141-160

المياه والزيوت وعسل القصب وماء الأزهار والطيب والخل . واتفقوا أن كل
جاف طاهر ، وأن نافجة ( وعاء ) المسك طاهرة كالمسك، وأن الزباد والعنبر(١)
طاهر ، وأن شعر الحيوان المأكول طاهر ، وأن الخمر المتخللة بنفسها طاهرة .
كما اتفقوا على طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية ، وعلى طهارة ميتة السمك
والجراد ، وعلى طهارة ميتة الآدمي ولو كافراً إلا الحنفية ، فقالوا بنجاستها ؛
لقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ وتكريمهم يقتضي طهارتهم ولو أمواتاً،
ولقوله ◌َّ: ((إن المسلم - أي بحكم الغالب - لا ينجس)). أما قوله: ﴿ إنما
المشركون نجس ﴾ فيراد به نجاسة الاعتقاد ، أو أن اجتنابهم كالنجس ، لا نجاسة
الأبدان .
واختلفوا في أشياء ، فقال الحنفية(٢): كل شيء من أجزاء الحيوان غير
الخنزير لا يسري فيه الدم من الحي والميت المأكول وغير المأكول حتى الكلب :
طاهر ، كالشعر ، والريش المجزوز، والإنفحة الصلبة(٣)، والمنقار والظلف،
والعصب على المشهور ، والقرن والحافر ، والعظم مالم يكن به دسم ( وَدَك ) ؛
لأنه نجس من الميتة ، فإذا زال عن العظم زال عنه النجس ، والعظم في ذاته
طاهر، لما أخرج الدار قطني: ((إنما حرم رسول الله عَ لّله من الميتة لحمها ، فأما
الجلد والشعر والصوف ، فلابأس به )). ويدخل فيه شعر الإنسان غير المنتوف ،
وعظمه وسنه مطلقاً على المذهب ، أما الشعر المنتوف فنجس ، لأن كل ما أبين
من الحي فهو كميتته .
(١) الزباد : مادة عطرة تتخذ من دابة كالسنور هي أكبر منه قليلاً. والعنبر: يقال: إنه روث دابة بحرية.
(٢) مراقي الفلاح: ص٢٦، ٢٨، الدر المختار: ١٥٤/١، ١٨٨ - ١٩٣، ٢٩٥، ٣٢٣، البدائع: ٦١/١ - ٦٥.
(٣) الإنفحة شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر، يعصر في صوفة ويغلظ به الجبن . والإنفحة الصلبة
متفق على طهارتها ، أما الإنفحة المائعة واللبن في ضرع الميتة فطاهران عند أبي حنيفة ، نجسان عند الصاحبين ،
والأظهر قولهما كما أوضح ابن عابدين .
- ١٤١ _

وأما دمع الحي وعرقه ولعابه ومخاطه فكالسؤر طهارة ونجاسة ، والمذهب
طهارة لعاب بغل وحمار، وكراهة لعاب سباع الطير وسواكن البيوت كالفأرة
والحية والعقرب والهرة ونحوها ، ونجاسة لعاب وسؤر الخنزير والكلب وسائر
سباع الوحش .
ولعاب الآدمي كسوره طاهر ، إلا في حال شرب الخمر لنجاسة فمه ، ويطهر
فمه بالغسل أو شرب الماء من ساعته ، أو بابتلاع بزاقه ثلاث مرات .
ورطوبة الفرج طاهرة عند الإمام خلافاً لصاحبيه : وهي رطوبة الولد عند
الولادة ، ورطوبة الخلة إذا خرجت من أمها ، وكذا البيضة ، فلا يتنجس بها
الثوب ولا الماء ، لكن يكره التوضؤ به . وميتة الحیوان البري الذي ليس له دم
سائل كالذباب والسوس والنمل والعقرب والزنبور والبرغوث : طاهرة .
وخرء الطيور المأكولة اللحم التي تذرق في الهواء كالحمام والعصفور والعَقْعق
( القاق ) ونحوها : طاهر، لأن الناس اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام
والمساجد الجامعة ، مع علمهم أنها تذرق فيها ، ولو كان نجساً لما فعلوا ذلك ، مع
الأمر بتطهير المسجد في قوله تعالى : ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين ﴾ ، وروي عن
ابن عمر: ((أن حمامة ذرقت عليه، فمسحه وصلى)) وعن ابن مسعود مثل ذلك في
العصفور .
وكذلك خرء مالا يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة ونحوها ، طاهر عند
أبي حنيفة وأبي يوسف ، للضرورة المتحققة ، لأنها تذرق في الهواء ، فيتعذر صيانة
الثياب والأواني عنها .
1
ودم السمك طاهر عند أبي حنيفة ومحمد ، لإجماع الأمة على إباحة تناوله مع
- ١٤٢ -

دمه ، ولو كان نجساً لما أبيح ، ولأنه ليس بدم حقيقة ، بل هو ماء تلون بلون
الدم ؛ لأن الدموي لا يعيش في الماء .
والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر ؛ لأنه ليس بمسفوح ،
ولهذا حل تناوله مع اللحم . ولو لف ثوب جاف طاهر في ثوب نجس رطب
لا ينعصر الرطب لو عصر ، لا ينجس ، كما لا ينجس ثوب رطب نشر على أرض
نجسة يابسة ، فتندت الأرض منه ولم يظهر أثرها فيه . ولا ينجس الثوب بريح
هبت على نجاسة ، فأصابت الريح الثوب ، إلا أن يظهر أثر النجاسة فيه .
وقال المالكية(١) : كل حي ولو كلباً وخنزيراً طاهر ولو أكل نجساً ، وكذا
عَرَقه ودمعه ، ومُخَاطه ، ولعابه الخارج من غير المعدة(٢) ، وبيضه، إلا البيض
الَّذِر وما خرجه بعد موته ، والبيض المذر: وهو ما تغير بعفونة أو زرقة ، أو
صاردماً : نجس ، بخلاف الممروق : وهو ما اختلط بياضه بصفاره من غير
نتونة . وما خرج من الحيوان من بيض أو مخاط أو مع أو لعاب بعد موته بلا
ذكاة شرعية ، يكون نجساً ، إذا كانت ميتة الحيوان نجساً .
ومن الطاهر : بَلْغم : وهو ما يخرج من الصدر منعقداً كالمخاط ، وكذا
ما يسقط من الدماغ من آدمي أو غيره .
ومنه : الصفراء : وهي ماء أصفر ملتحم ، يخرج من المعدة يشبه الصبغ
الزعفراني ، لأن المعدة عندهم طاهرة ، فما خرج منها طاهر ، مالم يستحل إلى
فساد كالقيء المتغير .
ومن الطاهر : ميتة الآدمي ، ولو كافراً على الصحيح ، وميتة مالا دم له من
(١) الشرح الكبير: ٤٨/١ وما بعدها، الشرح الصغير: ٤٣/١ وما بعدها، بداية المجتهد: ٧٤/١ .
(٢) أما الخارج من المعدة فنجس ، وعلامته أن يكون أصفر منتناً .
- ١٤٣ -

جميع هوام الأرض ، كعقرب وجندب وخنفس ، وجراد ، وبرغوث ، بخلاف
ميتة القمل ، والوزغ ( غراب الزرع ) والسحالي من كل ماله لحم ودم ، تكون
نجسة ، ولكن لا يؤكل الجراد إلا بما يموت به من ذكاة ونحوها . أما دود الفاكهة
والمش ( الجبن المعتق في اللبن والملح ) ، فيؤكل قطعاً ولو بدون ذكاة . ويعفى
عن القملتين والثلاث للمشقة .
ومنه : ميتة الحيوان البحري من السمك وغيره ، ولو طالت حياته بالبر
كتمساح وضفدع وسلحفاة بحرية ، ولو على صورة الخنزير والآدمي .
ومنه : جميع ما ذُكِّي بذبح أو نحر أو عقر من غير مُحَّرم الأكل . أما محرم
الأكل كالخيل والبغال والخمير ، فإن الذكاة لا تطهره على مشهور المذهب(١) كما قرر
الدردير والصاوي ، وكذا الكلب والخنزير لا تطهره الذكاة ، فتكون ميتة ما ذكر
نجسة ، ولو ذكي .
ومن الطاهر : الشعر والوبر والصوف ولو من خنزير ، وكذا زغب
الريش : وهو ما اكتنف القصبة من الجانبين
ومنه : الجماد إلا المسكر ، كما بينا في الأعيان المتفق على طهارتها ، أما المسكر
فنجس سواء أكان خمراً أم من نقيع الزبيب أو التمر ونحوه . وأما المخدر كالحشيشة
والأفيون والسيكران ، فطاهر لأنه من الجماد ، ويحرم تعاطيه لتغييبه العقل ،
ولا يحرم التداوي به في ظاهر الجسد .
ومنه : لبن الآدمي ولو كافراً ، ولبن غير محرم الأكل ، ولو مكروهاً كالهر
والسبع . أما لبن محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير فهو نجس . ومنه : فضلة
(١) أما مكروه الأكل كسبع وهر : فإن ذكي لأكل لحمه طهر جلده تبعاً له ، وان ذكي بقصد أخذ جلده فقد
طهر ولا يؤكل لحمه؛ لأنه ميتة بناء على تبعيض الذكاة وهو الراجح ( الشرح الكبير : ٤٩/١ ).
- ١٤٤ _

الحيوان المباح الأكل ، من روث وبعر وبول وزبل دجاج وحمام وجميع الطيور ،
ما لم يستعمل النجاسة ؛ فإن استعملها أكلاً أو شرباً ، ففضلته نجسة .
والفأرة من المباح أكله ، ففضلتها طاهرة ، إن لم تصل للنجاسة ، ولو شكاً ؛
لأن شأنها استعمال النجاسة كالدجاج . بخلاف الحمام ، فلا يحكم بنجاسة فضلته ،
إلا إذا تحقق أو ظن استعمالها للنجاسة .
ومن الطاهر : مرارة المذكَّى غير محرم الأكل من مباح أو مكروه . والمراد
بها : الماء الأصفر الكائن في الجلدة المعلومة للحيوان . ومنه : القَلَس : وهو
ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلائها . والقيء طاهر مالم يتغير عن حالة الطعام
بحموضة أو غيرها ، فإن تغير فنجس .
ومنه : المسك وفأرته : وهي الجلدة المتكون فيها . وكذا الخمر إذا خلل
بفعل فاعل أو حُجِّر أي صار كالحجر في اليبس أو تخلل بنفسه أو تحجَّر بنفسه ،
ويطهر معه وعاؤه وما وقع فيه . ومنه : زرع سقي بنجس ، لكن يغسل ظاهره
المتنجس .
- ومن الطاهر: رماد النجس ، كالزبل والروث النجسين ، والوقود المتنجس
فإنه يطهر بالنار . وكذا دخان النجس طاهر على المعتمد .
ومنه : الدم الغير المسفوح ، أي الجاري من المذكى : وهو الباقي بالعروق ، أو
في قلب الحيوان ، أو ما يرشح من اللحم ؛ لأنه كجزء المذكى ، وكل مذكى وجزؤه
طاهر. لكن ما بقي على محل الذبح هو من باقي المسفوح : نجس ، وكذا
ما يوجد في بطن المذبوح من الدم بعد السلخ : نجس ، لأنه جرى من محل الذبح
إلى البطن ، فهو من المسفوح .
الفقه الإسلامي جـ ١ (١٠)
- ١٤٥ -

وقال الشافعية(١) : الحيوان كله طاهر إلا الكلب والخنزير وفرع كل
منهما، والجماد كله طاهر إلا المسكر .
والعلقة ( دم غليظ ) والمضغة ( لحمة صغيرة ) ورطوبة الفرج ( وهي ماء
أبيض متردد بين المذي والعرق ) من كل حيوان طاهر ، ولو غير مأكول ، من
آدمي أو غيره: طاهرة . ومن الطاهر : لبن المأكول ، ولو ذكراً صغيراً ميتاً ،
وإنفحته(٢) إن أخذن منه بعد ذبحه ، ولم يطعم غير لبن ولو نجساً . ومترشح كل
حيوان طاهر كعرق ولعاب ومخاط وبلغم ، إلا المتيقن خروجه من المعدة . وماء
قروح ونَفَط ( بثور ) لم يتغير ، والبيض المأخوذ من حيوان طاهر ولو من ميتة
إن كان متصلباً ، ولو من غير مأكول ، ولو استحالت البيضه دماً ، وبزر القز:
وهو البيض الذي يخرج منه دود القز .
ومنه ميتة الحيوان البحري وإن لم يسمَّ سمكاً إلا التمساح والضفدع والحية
فإنها نجسة . أما ميتة الجراد فهي طاهرة ، وأما ميتة غيره من الحيوان البري الذي
ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث فهي نجسة .
ومنه : المسك وفأرته المنفصلة في حياته ، أو بعد ذكاته . ومنه : الزَّباد
( نوع من الطيب يؤخذ من حيوان كالسنور) لا ما فيه من شعر السنور البري ،
والعنبر ( هو نبت أوروث بحري وهو الطيب المعروف ) وإن ابتلعه حوت ، ما لم
يستحل .
ومن الطاهر إجماعاً كما بينا : شعر أو صوف أو ريش أو وبر الحيوان
(١) مغني المحتاج: ٨٠/١ وما بعدها، شرح الباجوري: ١٠٥/١، ١٠٨، شرح الحضرمية: ص٢٢، المهذب :
١١/١، المجموع : ٥٧٦/٢ .
(٢) الإنفحة : لبن في جوف نحو سخلة ، وهي طاهرة للحاجة إليها في عمل الجبن .
- ١٤٦ -

المأكول ، ولو أخذ نتفاً بعد التذكية ، أو في حال الحياة . أما لو أخذ بعد الموت
فنجس ، كما أن الشعر المجزوز من حيوان غير مأكول : نجس كميتته .
ويعفى عن قليل من دخان النجاسة ، وعن اليسير عرفاً من شعر نجس من
غير كلب أو خنزير ، كما يعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر الاحتراز عنه .
ويعفى عن روث سمك في ماء مالم يغيره لتعذر الاحتراز عنه . ويعفى عن قليل
بخار النجاسة المتصاعد بواسطة نار نجس . أما البخار الخارج من نجاسة
الكنيف ، والريح الخارج من الدبر ، فطاهر .
والثمر والشجر والزرع النابت من نجاسة ، أو سقيت بماء نجس : طاهر ،
لكن يطهر ظاهر الزرع النابت على نجاسة بالغسل .
وقال الحنابلة(١) : الطاهر: دم عِرْق مأكول بعدما يخرج بالذبح ، وما في
خلال اللحم ؛ لأنه لا يمكن التحرز منه ، ودم السمك وبوله ؛ لأنه لو كان نجساً
لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح ، ولأنه يستحيل ماء ، ولأنه كالكبد .
ودم الشهيد ، ولو كثر إذا لم ينفصل عنه .
ودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل مالا نفس له سائلة .
والكبد والطحال من مأكول. لحديث: ((أحلت لنا ميتتان ودمان))
ودود القز وبزره
والمسك وفأرته ( سرة الغزال )
والعنبر(٣) ، لما ذكر البخاري عن ابن عباس: ((العنبر شيء دسره البحر)) أي
(١) كشاف القناع: ٢١٩/١ - ٢٢٠، غاية المنتهى: ١٤/١
(٢) العنبر: مادة صلبة ، لا طعم لها ولا ريح إلا إذا سحقت أو أحرقت ، يقال : إنه روث دابة بحرية .
- ١٤٧ _

دفعه ورمى به ، وهو الطيب المعروف .
وما يسيل من فم وقت النوم ، والبخار الخارج من الجوف ، لأنه لا تظهر له
صفة بالمحل ، ولا يمكن التحرز منه .
والبلغم ولو أزرق ، وسواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة ، لأن
النبي ◌َّ فيما يرويه مسلم أشار بمسحه في الثوب أثناء الصلاة .
وبول ما يؤكل لحمه ، أما العلقة التي يخلق منها الآدمي أو يخلق منها حيوان
طاهر ، فإنها نجسة ؛ لأنها دم خارج من الفرج . وكذلك البيضة المذرة ( أي
الفاسدة ) أو البيضة التي صارت دماً : نجسة ، لأنها أي الأخيرة في حكم العلقة .
ومن الطاهر : الدم والعرق واللعاب والمخاط من حيوان يؤكل ، أو من غيره
إذا كان مثل الهر أو الفأر أو أقل منه ، وألا يكون متولداً من النجاسة .
ومنه : ميتة الحيوان البحري ، وإن لم يسم سمكاً ، إلا التمساح والضفدع
والحية ، فإنها نجسة ، كما قال الشافعية . كما أن ميتة الحيوان البري ماعدا الجراد
الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث نجسة ، كما قال الشافعية .
ومن الطاهر : الشعر ونحوه من كل حيوان مأكول اللحم حياً كان أو ميتاً ،
أو من غير مأكول اللحم إذا كان قدر الهر فأقل ، ولم يتولد من نجاسة ، لكن
أصول الشعر والريش نجسة مطلقاً .
- ١٤٨ -

الفصل الثاني
النجاسة
وفيه مباحث خمسة :
المبحث الأول - أنواع النجاسة إجمالاً وحكم إزالتها :
النجاسة : ضد الطهارة، والنَّجَس ضد الطاهر، والأنجاس جمع نَجِس : وهو
اسم لعين مستقذرة شرعاً . ويُطلق على النجس الحكمي والحقيقي . ويختص
الخبث بالحقيقي ، ويختص الحدث بالحكمي . والنجس بفتح الجيم : اسم ،
وبكسرها صفة .
وتنقسم النجاسة قسمين : حقيقية ، وحكمية
فالنجاسة الحقيقية : هي لغة : العين المستقذرة كالدم والبول والغائط ،
وشرعاً : هي مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص .
والنجاسة الحكمية : هي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة
حيث لامرخص . ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء ، والحدث الأكبر
( الجنابة ) الذي يزول بالغسل .
والنجاسة الحقيقية أنواع : إما مغلظة أو مخففة ، وإما جامدة أو مائعة ،
وإما مرئية أو غير مرئية .
وأما حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها : عن الثوب والبدن والمكان للمصلي :
- ١٤٩ _

فواجب عند جمهور الفقهاء غير المالكية ، لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر) .
وهناك قولان مشهوران في مذهب مالك(١) : الوجوب والسنية ، وذلك حالة
التذكر والقدرة والتمكن ، والمعتمد المشهور هو السنية ، إلا أن فروع المذهب بنيت
على قول الوجوب ، فإن صلى المرء بالنجاسة عامداً قادراً على إزالتها ، أعاد صلاته
أبداً، وجوباً ، لبطلانها . وعلى القول المشهور بأن إزالة النجاسة سنة إن ذكر
وقدر ، تندب الإعادة . وعلى كلا القولين : تندب الإعادة للناسي ، وغير العالم
بوجود النجاسة ، والعاجز عن إزالتها .
ويشمل هذا المبحث المطلبين الآتيين :
المطلب الأول - النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها :
أولاً - النجاسات المتفق عليها في المذاهب :
أجمع الفقهاء على نجاسة الأنواع التالية (٢):
١ - لحم الخنزير: وإن كان بذبحه شرعاً ؛ لأنه بالنص القرآني نجس العين ،
فيكون لحمه وجميع أجزائه من شعر وعظم وجلد ولو مدبوغ نجساً .
٢ - الدم: دم الآدمي غير الشهيد ودم الحيوان غير المائي ، الذي انفصل
منه حياً أو ميتاً ، إذا كان مسفوحاً ( جارياً ) كثيراً . فيخرج دم الشهيد مادام
عليه ، ودم السمك ودم الكبد والطحال والقلب ، وما يبقى في عروق الحيوان
بعد الذبح ما لم يسل ، ودم القمل والبرغوث والبق وإن كثر عند الحنفية .
(١) الشرح الكبير: ١ / ٦٥، الشرح الصغير: ١ / ٦٤ وما بعدها، فتح العلي المالك: ١ / ١١١.
(٢) فتح القدير: ١ / ١٣٥ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: ١ / ٥٥ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٢٥
وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٤ ، بداية المجتهد: ١ / ٧٣ وما بعدها ، الشرح الصغير: ١ / ٤٩ وما بعدها ، مغني
المحتاج: ١ / ٧٧ وما بعدها، المهذب: ١ / ٤٦ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٢١٣ وما بعدها ، المغني: ١ / ٥٢ وما
بعدها . الشرح الصغير : ١ / ٤٩ - ٥٥ .
- ١٥٠ -

والدم المسفوح نجس ولو كان عند المالكية والشافعية من سمك وذباب
وقراد .
ويترتب على هذا الخلاف : أكل الفسيخ ( السمك المملح ) الذي يوضع بعضه
على بعض ، ويسيل دمه من بعضه إلى بعض ، لا يؤكل منه عند الشافعية والراجح
عند المالكية إلا الصف الأعلى أو المشكوك في كونه من الأعلى أو من غيره .
وأما عند الحنفية وابن العربي من المالكية : فيؤكل كله ؛ لأن الخارج من
السمك ليس بدم ، بل رطوبة ، وحينئذ فهو طاهر(١) .
٣ - بول الآدمي وقيئه(٢) وغائطه: إلا بول الصبي الرضيع ، فيكتفى
برشه عند الشافعية والحنابلة مع أنه نجس . وكذلك بول الحيوان غير المأكول اللحم
وغائطه وقيئه ، إلا خرء الطيور وبول الفأر والخفاش عند الحنفية ، لأن الفأر
لا يمكن التحرز عنه ، والخفاش يبول في الهواء ، فيعفى عنهما في الثياب والطعام
فقط دون ماء الأواني ، وما اجترته الحيوانات نجس .
٤ - الخمر: نجسة عند أكثر الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر
والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ﴾ وقال بعض المحدثين بطهارتها .
والخمر تشمل كل مسكر مائع عند الجمهور والمعتمد عند الحنفية .
٥ - القيح : وهو دم فاسد ، لا يخالطه دم ، وهو نجس لأنه دم مستحيل .
ومثله الصديد : وهو ماء رقيق يخالطه دم . والنجس منهما : هو الكثير ، ويعفى
عن القليل .
٦ - المَذْي والوَدي : والمذي : هو ماء أبيض رقيق يخرج عند ثوران الشهوة
(١) الشرح الكبير للدرير وحاشية الدسوقي : ١ / ٥٧ .
(٢) القيء عند الحنفية نجس نجاسة مغلظة إذا ملا الفم بحيث لا يمكن إمساكه .
- ١٥١ _

أو تذكر الجماع بلا تدفق ، وهو نجس للأمر بغسل الذكر منه والوضوء في حديث
علي رضي الله عنه، قال: « كنت رجلاً مذَّاء ، فاستَحَيْت أن أسأل رسول الله
عَاقل ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله ، فقال: فيه الوضوء ، والمسلم: يغسل
ذكره ويتوضأ ))(١) .
والودي : ماء أبيض كدر ثخين يخرج عقب البول ، أو عند حمل شيء ثقيل .
. وهو نجس ؛ لأنه يخرج مع البول أو بعده ، فيكون له حكمه(٢) .
والرمل أو الحصاة التي تخرج عقب البول : إن أخبر طبيب عدل بأنها منعقدة
من البول فهي نجسة ، وإلا فهي متنجسة تطهر بالغسل(٣).
٧ - لحم ميتة الحيوان غير المائي الذي له دم سائل ، مأكول اللحم أو
غير المأكول ، كالكلب والشاة والهرة والعصفور ونحوها . ومثله : جلد الميتة إن لم
يدبغ . هذا عند الحنفية . وقال غيرهم : ميتة غير الآدمي بجميع أجزائها من عظم
وشعر وصوف ووبر وغير ذلك تجسة ، لأن كلاً منها تحله الحياة .
٨ - لحوم الحيوان غير المأكول ، وألبانه ؛ لأنها متولدة من اللحم
فتأخذ حكمه .
٩ - الجزء المنفصل أو المقطوع من الحي في حال حياته كاليد
والآلية، إلا الشعر وما في معناه، لقوله مع اله: ((ماقطع من البهيمة وهي حية
(١) أخرجه الشيخان عن على، ولأحمد وأبي داود: ((يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ)) (نيل الأوطار:
١ / ٥١ ) .
(٢) يلاحظ أن فضلات النبي ◌ُ ◌ّ من دم وقيح وقيء، وغائط وبول ومذي وودي طاهرة ، لأن بركة الحبشية
شربت بوله مَ ◌ّ فقال: ((لن تلج النار بطنك)) صححه الدارقطني، ولأن أبا طيبة شرب من دم النبي ◌ُ ◌ّ المأخوذ
بعد حجامته ، فقال له النبي ◌ُ ◌ّ: ((من خالط دمه دمي لم تمسه النار)).
(٣) مغني المحتاج : ١ / ٧٩ .
- ١٥٢ -

فهو - أي المقطوع - ميت))(١) .
ثانياً - النجاسات المختلف فيها :
اختلف الفقهاء في حكم نجاسة بعض الأشياء :
اً - الكلب :
الأصح عند الحنفية : أن الكلب ليس بنجس العين ؛ لأنه ينتفع به حراسة
واصطيادًاً ، أما الخنزير فهو نجس العين ، لأن الهاء في الآية القرآنية: ﴿فإنه
رجس﴾ منصرف إليه ، لقربه . وفم الكلب وحده أو لعابه ورجيعه هو النجس ،
فلا يقاس عليه بقية جسمه ، فيغسل الإناء سبعاً بولوغه فيه (٢)، لقوله عالٍ:
((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً)) ولأحمد ومسلم: ((طُهور إناء
أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب))(٣).
وقال المالكية (٤) : الكلب مطلقاً سواء أكان مأذوناً في اتخاذه ككلب الحراسة
والماشية ، أم لا ، طاهر ، والولوغ لا غيره كما لو أدخل رجله أو لسانه بلا
تحريك ، أو سقط لعابه ، هو الذي يغسل من أجله تعبّداً سبع مرات ، على
المشهور عندهم .
وقال الشافعية والحنابلة(6) : الكلب والخنزير وما تولد منهما من الفروع
وسؤره وعرقه نجس العين ويغسل ما تنجس منه سبع مرات إحداهن بالتراب ،
(١) رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ، وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنه عن أبي واقد الليثي رضي الله
عنه ( سبل السلام: ١ / ٢٨ ) .
(٢) فتح القدير: ١ / ٦٤، رد المحتار لابن عابدين: ١ / ١٩٢، ٣٠٠، البدائع: ١ / ٦٣.
(٣) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن أبي هريرة (نيل الأوطار: ١ / ٣٦، سبل السلام: ١ / ٢٢).
(٤) الشرح الكبير: ١ / ٨٣، الشرح الصغير: ١ / ٤٣ .
(٥) مغني المحتاج: ١ / ٧٨، كشاف القناع: ١ / ٢٠٨، المغني: ١ / ٥٢ .
- ١٥٣ -

لأنه إذا ثبتت نجاسة فم الكلب بنص الحديث السابق: ((طهور إناء أحدكم ... ))،
والفم أطيب أجزائه ، لكثرة ما يلهث ، فبقيته أولى .
وفي حديث آخر رواه الدارقطني والحاكم: ((أنه م ◌ُّ دعي إلى دار قوم ،
فأجاب ، ثم دعي إلى دار أخرى فلم يجب ، فقيل له في ذلك ، فقال : إن في دار
فلان كلباً ، قيل له : وإن في دار فلان هرة ، فقال: إن الهرة ليست بنجسة))
فأفهم أن الكلب نجس .
٢ - ميتة الحيوان المائي ، والحيوان الذي لادم له سائل :
اتفق أئمة المذاهب على طهارة ميتة الحيوان المائي إذا كان سمكا ونحوه من
حيوان البحر، لقوله ◌َ له: ((أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد ،
والكبد والطحال)) (١) ولقوله عليه السلام في البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل
(٢)
میتته ))(٢) .
واختلف الفقهاء في ميتة الحيوان الذي لادم له سائل ، وعباراتهم في الميتة
مطلقاً ما يأتي :
قال الحنفية(٣): موت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده أي لا ينجسه ، كالسمك
والضفدع والسرطان ، لكن لحم الميتة ذات الدم السائل وجلدها قبل الدبغ
نجس . وما لادم له سائل إذا وقع في الماء لا ينجسه كالبق والذباب والزنابير
والعقرب ونحوها، لحديث الذباب: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ،
(١) أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر، وفيه ضعف ( سبل السلام: ١ / ٢٥ ، نيل الأوطار:
٨ / ١٥٠ ) .
(٢) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وابن أبي شيبة ، واللفظ له ، وصححه ابن خزيمة والترمذي عن أبي هريرة
( سبل السلام : ١ / ١٤ ) .
(٣) فتح القدير: ١ / ٥٧ ، البدائع: ١ / ٦٢ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٢٥ .
- ١٥٤ -

١
فلیغمسه ، ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء ))(١) وبه يتبين أن
ميتة الحيوان المائي وما لادم له طاهرة عند الحنفية . ومثلهم قال المالكية(٢):
ميتة البحر وما لادم له طاهرة .
وقال الشافعية والحنابلة(٢): ميتة السمك والجراد ونحوهما من حيوان البحر
طاهرة ، وأما ميتة مالا دم له سائل كالذباب والبق والخنافس والعقارب
والصراصر ونحوها ، فهي نجسة عند الشافعية ، طاهرة عند الحنابلة . وميتة
حيوان البحر الذي يعيش في البر كالضفدع والتمساح والحية : نجسة عند الشافعية
×هوالحنابلة .
إلا أن الشافعية قالوا : ميتة دود نحو خل وتفاح نجسة ، لكن لاتنجسه لعسر
الاحتراز عنها ، ويجوز أكله معه ، لعسر تمييزه.
وقال الحنابلة : مالا نفس ( دم ) له سائلة : إن تولد من الطاهرات فهو
طاهر حياً وميتاً، وأما إن تولد من النجاسات كدود الحَشّ ( البستان)
وصراصره فهو نجس ، حياً وميتاً ؛ لأنه متولد من النجاسة ، فكان نجساً كولد
الكلب والخنزير .
والخلاصة : أن ميتة الحيوان المائي وما لادم له طاهرة عند الفقهاء إلا
الشافعية فيقولون بنجاسة ميتة مالادم له سائل ، لقوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم
الميتة ) والميتة عند الشافعية : مازالت حياته ، لا بذكاة شرعية ، كذبيحة
(١) رواه البخاري عن أبي هريرة. قال الشافعي: ((ووجه ذلك أنه عليه السلام لا يأمر بغمس ما ينجس
مامات فيه ؛ لأن ذلك عمد إفساده)) وزاد فيه أبو داود بإسناد حسن: (( وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء )» ( نصب
الراية : ١ / ١١٥ ) .
(٢) بداية المجتهد: ١ / ٧٤، الشرح الصغير: ١ / ٤٤، ٤٥، ٤٩، القوانين الفقهية: ص ٣٤.
(٣) مغني المحتاج: ١ / ٧٨، المهذب: ١ / ٤٧، المغني: ١ / ٤٢ - ٤٤، كشاف القناع: ١ / ٢٢٣.
- ١٥٥ -

المجوسي ، والمحرم ( بضم الميم ) ، وما ذبح بالعظم ، وغير المأكول إذا ذبح .
وكذلك قال المالكية : جميع ماذُكِّي ( ذبح ) بذبح أو نحر أو عقر من غير محرم
الأكل طاهر، أما ما حرم أكله كالخمير والبغال ، والخيل عندهم ، فإن الذكاة
لاتعمل فيه . وكذا الكلب والخنزير لا تعمل فيهما الذكاة ، فميتة ماذكر نجسة .
٣ - أجزاء الميتة الصلبة التي لادم فيها :
كالقرن والعظم والسن ومنه عاج الفيل والحافر والخف والظلف والشعر
والصوف والعصب والإنفحة (١) الصلبة: طاهرة ليست بنجسة عند الحنفية(٢)، لأن
هذه الأشياء ليست بميتة ؛ لأن الميتة من الحيوان شرعاً : اسم لما زالت حياته ،
لابصنع إنسان ، أو بصنع غير مشروع ، ولا حياة في هذه الأشياء ، فلا تكون
ميتة . ولأن نجاسة الميتات لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة ، ولم
توجد في هذه الأشياء .
وبناء عليه يكون الجزء المقطوع من هذه الأشياء في حال الحياة طاهراً .
وأما الإنفحة المائعة واللبن فطاهران عند أبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿ وإن
لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً
للشاربين﴾. وقال الصاحبان - وقولهما هو الأظهر - : هما نجسان؛ لأن اللبن
وإن كان طاهراً بنفسه ، لكنه صار نجساً لمجاورة النجس .
وقال الجمهور غير الحنفية (٢): أجزاء الميتة كلها نجسة ، ومنها الإنفحة واللبن
(١) الإنفحة كما بينا سابقاً: شيء يستخرج من بطن الجدي قبل أن يُطْعَم غير اللبن، فيعصر في صوفة مبتلة في
اللبن ، فيغلظ كالجبن ، وهو المعروف عند العامة بالمجبنة )).
(٢) البدائع: ١ / ٦٣ .
(٣) الشرح الصغير: ١ / ٤٤، ٤٩ وما بعدها، الشرح الكبير: ١ / ٥٥ ، مغني المحتاج: ١ / ٧٨ ، المغني:
١ / ٥٢، ٧٢، ٧٤، ٧٩ .
- ١٥٦ -

إلا إذا أخذا من الرضيع عند الشافعية ؛ لأن كلاً منها تحله الحياة ، إلا أن الحنابلة
قالوا: صوف الميتة وشعرها طاهر، لما رواه الدارقطني عن النبي معاقلّ أنه قال :
(( لابأس بمسك الميتة إذا دبغ، وصوفها وشعرها إذا غسل)) لكنه حديث ضعيف.
كما أن المالكية استثنوا زغب الريش والشعر، فقالوا بطهارتها ، لأنه ليس
بميتة ، بخلاف العظم فإنه ميتة . ورجح بعض المالكية الكراهة التنزيهية لناب
الفيل الميت المسمى بالعاج ، وكذا قصب الريش من حي أو ميت : وهو الذي
يكتنفه الزغب .
والخلاصة : أن الفقهاء ماعدا الشافعية يقولون بطهارة شعر الميتة وصوفها
وریشها .
٤ - جلد الميتة :
قال المالكية والحنابلة في المشهور عندهم(١): جلد الميتة نجس ، دبغ أو لم
يدبغ ، لأنه جزء من الميتة ، فكان محرماً لقوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾
فلم يطهر بالدبغ كاللحم ، وللأحاديث النبوية الواردة في ذلك ، منها :
((لا تنتفعوا من الميتة بشيء))(٢)، ومنها كتابه عَ لّ إلى جهينة: ((إني كنت
رخصت لكم في جلود الميتة ، فإذا جاءكم كتابي هذا ، فلا تنتفعوا من الميتة ياهاب
ولا عصب))(٣) وفي لفظ: (( أتانا كتاب رسول الله ◌َ ◌ّ قبل وفاته بشهر أو
شهرين)) وهو ناسخ لما قبله، لأنه في آخر عمر النبي ◌َ ◌ّر. وتأول المالكية
(١) الشرح الصغير: ١ / ٥١، المغني: ١ / ٦٦، بداية المجتهد: ١ / ٧٦ .
(٢) رواه أبو بكر الشافعي بإسناده عن أبي الزبير عن جابر، وإسناده حسن .
(٣) رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عُكيم ، وقال أحمد : إسناده جيد لكن التحقيق أن هذا الحديث
ضعيف ، لانقطاع سنده واضطراب متنه وسنده ، وللإطلاق تارة ، والتقييد أخرى فيه بشهر أو بشهرين . وقال
الترمذي: إن أحمد ترك أخيراً هذا الحديث ، لاضطرابهم في إسناده . وجمع بعضهم بينه وبين الأحاديث الصحيحة في
تطهير الديغ بأنه في الجلود التي لم تدبغ، لأن اسم ((الإهاب)) خاص بالجلد الذي لم يدبغ .
- ١٥٧ -

حديث (( أيما إهاب - أي جلد - دبغ فقد طهر)) بأنه في مشهور المذهب محمول على
الطهارة اللغوية ، لا الشرعية .
ومثل ذلك : إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه ، يكون جلده نجساً ، دبغ أو لم يدبغ .
وقال الحنفية والشافعية(١): تطهر الجلود النجسة بالموت وغيره، كالمذبوح
غير المأكول اللحم بالدباغ، لقوله رافة: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))(٢) ورواه
مسلم بلفظ: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)) وهذا هو الراجح لصحة هذا الحديث ،
ولأن الدبغ يقطع الرطوبات ويزيل النجاسات ، ويؤيده حديث البخاري
ومسلم عن ابن عباس ، قال: (( تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة ، فماتت ، فمر بها
رسول الله مَ ◌ّ، فقال:( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه ، فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها
ميتة ؟ قال : إنما حرم أكلها )).
وفي لفظ، قال: «يُطَهِّرها الماء والقَرَظ)» قال النووي في شرح مسلم : يجوز
الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه
كالشَّث ( من جواهر الأرض يشبه الزاج ) والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من
الأدوية الطاهرة ، ولا يحصل بالشمس إلا عند الحنفية ، ولا بالتراب والرماد
والملح على الأصح .
أي أن الحنفية يجيزون الدبغ الحقيقي بمواد كيماوية، والدبغ الحكمي
كالتقريب والتشميس ؛ لأن كل ذلك مجفف قالع مطهر ، كما قدمنا سابقاً .
(١) البدائع: ١ / ٨٥، مغني المحتاج: ١ / ٨٢.
(٢) رواه اثنان من الصحابة : ابن عباس، وابن عمر، الأول رواه النسائي والترمذي وابن ماجه وقال
الترمذي : حديث حسن صحيح . والثاني: رواه الدارقطني ، وقال: إسناده حسن ( نصب الراية: ١ / ١١٥ وما
بعدها ) .
- ١٥٨ -

٥ - بول الصبي الرضيع الذي لم يطعم غير اللبن :
قرر الشافعية والحنابلة(١) : أن ما تنجس ببول أو فيء صبي لم يَطْعم (يتناول
قبل مضي حولين ) غير لبن للتغذي ( لاتحنيكه بنحو تمر حين الولادة ) ، ينضح .
أما الطفلة الصبية والخنثى فلابد من غسل موضع بولهما ، بإسالة الماء عليه ، عملاً
بالأصل في نجاسة الأبوال . واستثناء الصبي بسبب كثرة حمله على الأيدي ، مأخوذ
من خبر الشيخين: عن أم قيس بنت مِحْصَن أنها: (( أتت بابن لها صغير لم يأكل
الطعام، فأجلسه رسول الله مع المه في حِجْره ، فبال على ثوبه ، فدعا بماء ، فنضحه
ولم يغسله)) ولخبر الترمذي وحسنه: (( يغسل من بول الجارية ، ويرش من بول
الغلام ))(٢) وفرّق بينهما بأن الائتلاف بحمل الصبي أكثر، فخفف في بوله ، وبأن
بوله أرقّ من بولها ، فلا يلصق بالمحل لصوق بولها به ، وألحق بها الخنثى .
وهذا الرأي هو الراجح ، لصحة الحديث الخاص الوارد فيه ، فيقدم على
الحديث العام الآمر بالاستنزاه من البول .
وقرر الحنفية والمالكية(٢): نجاسة بول أو فيء الصبي والصبية ، ووجوب
الغسل منه، عملاً بعموم الأحاديث الآمرة بالاستنزاه من البول: ((استنزهوا من
البول ، فإن عامة عذاب القبر منه))(٤).
(١) مغني المحتاج: ١ / ٨٤، كشاف القناع: ١ / ٢١٧، المهذب: ١ / ٤٩ .
(٢) راجع الحديثين في نصب الراية: ١ / ١٢٦ - ١٢٧ .
(٣) بداية المجتهد: ١ / ٧٧، ٨٢، الشرح الصغير: ١ / ٧٣، مراقي الفلاح: ص ٢٥، اللباب شرح الكتاب :
١ / ٥٥، فتح القدير: ١ / ١٤٠، الدر المختار: ١ / ٢٩٣.
(٤) رواه ثلاثة من الصحابة : أنس ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، وحديث أنس رواه الدارقطني ، وهو
مرسل ، وحديث أبي هريرة رواه الدارقطني أيضاً والحاكم في المستدرك ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ،
ولا أعرف له علة ، ولم يخرجاه ، وحديث ابن عباس رواه الطبراني والدارقطني والبيهقي والحاكم (نصب الراية: ١ /
١٢٨ ) .
- ١٥٩ -

إلا أن المالكية قالوا : يعفى عما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو
غائط الطفل ، سواء أكانت أماً أم غيرها ، إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها
حال نزولها ، بخلاف المفرِّطة ، لكن يندب لها غسله إن تفاحش .
٦ - بول الحيوان المأكول اللحم وفضلاته ورجيعه :
هناك اتجاهان فقهيان: أحدهما القول بالطهارة ، والآخر القول بالنجاسة ،
الأول المالكية والحنابلة ، والثاني للحنفية والشافعية .
قال المالكية والحنابلة(١) : بول ما يؤكل لحمه من الحيوان كالإبل والبقر والغنم
والدجاج والحمام وجميع الطيور، ورجيعه وفضلاته ( روثه ) : شيء طاهر ،
واستثنى المالكية التي تأكل النجاسة أو تشربها ، فتكون فضلته نجسة ، كما أن
ما يكون منها مكروهاً ، أبوالها وأروائها مكروهة . وهكذا فإن أبوال سائر
الحيوانات تابعة للحومها ، فبول الحيوان المحرم الأكل نجس ، وبول الحلال طاهر ،
وبول المكروه مكروه .
ودليلهم على الطهارة : إباحته عليه الصلاة والسلام للعُرَنيين شرب أبوال
الإبل وألبانها(٢) ، ولأن إباحة الصلاة في مرابض الغنم دليل على طهارة أروائها
وأبوالها(٣) .
(١) الشرح الصغير: ١ / ٤٧، بداية المجتهد: ١ / ٧٧ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٣ ومابعدها، كشاف
القناع : ١ / ٢٢٠ ٠
(٢) روى الشيخان وأحمد عن أنس بن مالك ((أن رهطاً من عُكْل أو قال: عُرَيْنة، قدموا، فاجتووا
المدينة ، فأمر لهم رسول الله عَيتم بلقاح، وأمرهم أن يخرجوا، فيشربوا من أبوالها وألبانها » واجتووها أي استوخموها ،
يقال : اجتويت المدينة: إذا كرهت المقام فيها ، وإن كنت في نعمة ، وقيده الخطابي : بما إذا تضرر بالإقامة ، وهو
المناسب لهذه القصة ( نيل الأوطار: ١ / ٤٨ ).
(٣) قال ابن تيمية في نهاية الحديث السابق: وقد ثبت عنه أنه قال : صلوا في مرابض الغنم ، روى أحمد
والترمذي وصححه قال: قال رسول الله عَّم: ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)) قيل: إن حكمة
النهي مافيها من النفور، فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها ( نيل الأوطار: ٢ / ١٣٧ ).
- ١٦٠ -