النص المفهرس

صفحات 121-140

الأرض كإناء من جلد أو خشب ، وحبل من كتَّان أو ليف . فإن كان التغير
يسيراً ، أو بسبب استعمال القطران للدباغ ، فلا يسلب الطهورية ، ولا يضر .
وقال الشافعية(١) : الذي يسلب طهورية الماء ، فيجعله غير صالح لرفع
الحدث ولا لإزالة النجس به : هو كل مخالط طاهر يستغني الماء عنه ، إذا غير
أحد أوصافه ( لونه أو طعمه أو ريحه ) تغيراً كثيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه ، ولم
يكن المغير تراباً ولاملحاً مائياً ولو طرحا قصداً . وذلك مثل الزعفران وماء
الشجر والمني والملح الجبلي والتمر والدقيق والطحلب المطروح في الماء ، والمنقوع في
الماء من كتان أو عرق سوس ، والقطران لغير دباغ ، والماء المخلوط بنحو سدر أو
صابون ، فلا يصح الوضوء به كماء اللحم وماء الباقلا .
وسواء أكان التغير حسياً أم تقديرياً ، فلو وقع في الماء مائع يوافقه في
الصفات ، كماء الورد المنقطع الرائحة ، فلم يتغير ، فلو قدرنا أن ماء الورد الواقع
حل محله مخالف وسط ، كلون العصير، وطعم الرمان ، وريح اللاَّذَن(٢) ، ثم
غيّره ، لم يصر طهوراً .
"تعا
وقال الحنابلة(٢) : يسلب طهورية الماء أنواع منها : المستخرج بالعلاج ، كماء
ورد وزهر وبطيخ ، إذا غلبت أجزاؤه على الماء ؛ والطاهر الذي يغير اسم الماء
حتى صار صبغاً أو خلاً ؛ والطاهر الذي يغير أحد أوصاف الماء تغيراً كثيراً ، بأن
طبخ فيه كماء الباقلا والحمص ، أو لم يطبخ كالزعفران والملح المعدني ، أو طرحه
فيه آدمي عاقل قصداً كطحلب أو ورق شجر ونحوه ، ففي كل ذلك لا يعد ماء
مطلقاً ، فلا يتوضأ به .
(١) مغني المحتاج: ١ / ١٨، المهذب: ١ / ٥.
(٢) اللاذن : نوع من العلوك يستعمل عطراً ودواء .
(٣) المغني: ١ / ١٤ ومابعدها، كشاف القناع: ١ / ٣٠ .
- ١٢١ -

ثانيها - الماء المستعمل القليل :
والقليل : هو ما نقص عن القُلَّتين بأكثر من رطلين . والقلتان : خمسمائة
رطل بغدادي تقريباً (٥٠٠) وبالمصري ( ٣ ٤٤٦) رطلاً(١) وبالشامي ٨١
رطلاً، والرطل الشامي: /١ ٢ كغ فيكون قدرهما (١٩٥,١١٢ كغ)
وتساوي ١٠ تنكات (صفايح) وقيل: ١٥ تنكة أو ٢٧٠ لتراً، وقدرهما بالمساحة
في مكان مربع : ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً بالذراع المتوسط. وفي المكان
المدور كالبئر: ذراعان عمقاً ، وذراع عرضاً . وقال الحنابلة : ذراعان ونصف
عمقاً ، وذراع طولاً .
والمستعمل عند الحنفية(٢): هو الماء الذي استعمل لرفع حدث ( وضوء أو
غسل ) أو لقربة ( ثواب ) كالوضوء - في مجلس آخر - على الوضوء بنية التقرب أو
لصلاة الجنازة ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن . ويصير الماء
مستعملاً بمجرد انفصاله عن الجسد ، والمستعمل : هو الذي اتصل بالأعضاء ، لا
كل الماء . وحكمه عندهم أنه طاهر بنفسه غير مطهر لغيره من الحدث ويطهر
الخبث أي أنه لا يزيل الحدث من وضوء وغسل ، ويزيل النجاسة الحقيقية عن
5
الثوب والبدن على الراجح المعتمد .
والمستعمل عند المالكية(٣) : هو الماء الذي استعمل في رفع حدث ( وضوء أو
غسل ) أو في إزالة خَبَث ( عين النجاسة ) ، سواء أكان الغسل واجباً كغسل
الميت ، أم غير واجب كالوضوء على الوضوء وغسل الجمعة والعيدين ، والغسلة
الثانية والثالثة في الوضوء ، إذا لم يغيره الاستعمال .
(١) الرطل البغدادي: ٧ / ٤ ١٢٨ درهم، والرطل المصري: ١٤٤ درهما، وسعة الدرهم ٣,١٧ غم
(٢) البدائع: ١ / ٦٩ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ١ / ١٨٢ - ١٨٦، فتح القدير: ١ / ٥٨، ٦١
(٣) الشرح الصغير: ١ / ٣٧ - ٤٠، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٤١ - ٤٣، القوانين الفقهية: ص ٣١ ،
بداية المجتهد : ١ / ٢٦ وما بعدها .
- ١٢٢ -

والمستعمل في رفع الحدث : هو ما تقاطر من الأعضاء(١) ، أو اتصل بها ، أو
انفصل عنها وكان المنفصل يسيراً ، أو غسلت فيه ، فإن اغترف منه وغسلت
الأعضاء خارجه فليس بمستعمل . والماء المستعمل : طاهر مطهر ، ولا يكره على
الأرجح استعماله مرة أخرى في إزالة النجاسة ، أو في غسل إناء ونحوه ، لكن
يكره استعماله في رفع حدث أو اغتسالات مندوبة مع وجود غيره ، إذا كان
يسيراً . وعلة الكراهة : أن النفوس تعافه .
والماء المستعمل عند الشافعية(٢): هو الماء القليل المستعمل في فرض الطهارة
عن حدث كالغسلة الأولى فيه ، والأصح أن نفل الطهارة كالغسلة الثانية والثالثة
طهور في المذهب الجديد . والمراد بفرضية الطهارة ولو صورة كوضوء الصبي ، إذ
لا بد لصحة صلاته من وضوء .
ومن المستعمل : ماء قليل اغترف منه بدون نية الاغتراف عند إرادة غسل
اليدين بأن يقصد نقل الماء من إنائه لغسلهما خارجه ، فإن نوى الاغتراف بها فهو
طهور .
ومن المستعمل : ماء غسل بدل مسح من رأس أو خف ، وماء غسل كافرة
لتحل لحليلها المسلم ، وماء غسل ميت ، وماء غسل مجنونة لتحل لحليلها المسلم .
ولا يصبح مستعملاً إلا إذا انفصل عن العضو .
والمستعمل الطاهر في إزالة النجاسة ( وهو الغسالة ) يشترط فيه شروط
ثلاثة :
١ - أن يكون الماء وارداً على محل النجاسة إن كان قليلاً في الأصح
(١) احترز بالماء عن التراب، فلا يكره التيم عليه مرة أخرى لعدم تعلقه بالأعضاء .
.
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٢٠ وما بعدها، ٨٥، المهذب: ١ / ٥، ٨.
- ١٢٣ -

لا كثيراً، لئلا يتنجس الماء ، لو عكس الأمر، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع
النجاسة فيه .
٢ - أن ينفصل طاهراً بحيث لم يتغير أحد أوصافه ، وقد طهر المحل .
٣ - ألا يزيد وزنه بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ
الظاهر. فإذا تغير الماء أو زاد وزنه ، أو لم يطهر المحل بأن بقي لون النجس
وريحه معاً ، أو طعمه وحده ، ولم يعسر زواله ، لدلالة ذلك على بقاء عين
النجاسة .
وحكم المستعمل : أنه طاهر غير طهور في المذهب الجديد ، فلا يتوضأ أو
يغتسل به ، ولا تزال النجاسة به ؛ لأن السلف الصالح كانوا لا يحترزون عن
ذلك، ولا عما يتقاطر عليهم منه، وفي الصحيحين ((أنه من ال عاد جابراً في مرض
موته ، فتوضأ وصب عليه من وضوئه )) وكانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل
للاستعمال ثانياً ، بل انتقلوا إلى التيم ، ولم يجمعوه للشرب ، لأنه مستقذر .
ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء . فإن جمع الماء المستعمل فبلغ
قلتين ، فطهور في الأصح .
والمستعمل عند الحنابلة(١): هو المستعمل في رفع حدث أكبر (جنابة ) أو
أصغر (وضوء ) ، أو إزالة نجاسة من آخر غسلة زالت بها النجاسة وهي الغسلة
السابعة (٢) كما هو المذهب ، ولم يتغير أحد أوصاف الماء ( لونه أو طعمه أو ريحه ).
ومن المستعمل : ما غسل به الميت ؛ لأنه غسل تعبدي ، لا عن حدث ،
(١) كشاف القناع: ١ / ٣١ - ٣٧، المغني: ١ / ١٥ وما بعدها، ١٨ - ٢٢، ١٢٤.
(٢) الغسلة الرابعة هي الطاهرة في الوضوء ، والغسلة الثامنة في إزالة النجاسة بعد زوالها : هي الطاهرة عند
الحنابلة .
- ١٢٤ -

ويصبح الماء مستعملاً : لو نوى الجنب أو المتوضئ رفع الحدث في ماء قليل ، فإن
لم ينو رفع الحدث أو نوى الاغتراف أو نوى إزالة الغبار أو التبرد أو العبث ظل
الماء طهوراً . ومنه : الماء اليسير الذي غمس أو غسل به يد القائم من نوم الليل ،
وكان الشخص مسلماً عاقلاً بالغاً ، وكان الغمس قبل غسل اليد ثلاثاً . ومنه الماء
الذي يغمس فيه المسلم البالغ العاقل ( غير الصبي والمجنون والكافر ) يده كلها إلى
الكوع . فلو غمس غير يده كالوجه والرجل لم يكن مستعملاً .
ولا يصير الماء مستعملاً إلا بعد انفصاله عن محل الاستعمال . ويعفى عن
يسير الماء المستعمل الواقع في الماء ؛ لأن النبي مَ اثم وأصحابه كانوا يتوضؤُون من
الأقداح ، ويغتسلون من الجفان ، واغتسل النبي وعائشة من إناء واحد ، تختلف
أيديهما فيه ، كل واحد منهما يقول لصاحبه : أبق لي ، ومثل هذا لا يسلم من
رشاش يقع في الماء . فإن كثر الواقع وتفاحش لم تجز الطهارة به على الرواية
الراجحة ، وهو مذهب الشافعية أيضاً كما بينا ، والمستعمل في طهارة مستحبة
كتجديد الوضوء ، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء ، وغسل الجمعة والعيدين
وغيرهما فيه روايتان: إحداهما - أنه كالمستعمل في رفع الحدث ؛ لأنه طهارة
مشروعة . والثانية وهي الراجحة : أنه طهور فلا يمنع الطهارة ؛ لأنه لم يزل
مانعاً من الصلاة ، فأشبه ما لو تبرد به ، ولا خلاف بين العلماء أن ما استعمل في
التبرد والتنظيف طاهر طهور غير مكروه .
ولا يصير الماء اليسير مستعملاً إذا اغترف منه المتوضئ عند غسل يديه ؛ لأن
المغترف لم يقصد بغمس يده إلا الاغتراف دون غسلها ، ولأن النبي عليه السلام فيا
رواه سعيد عن عثمان اغترف من إناء: ((ثم غرف بيده اليمنى ، فصب على ذراعه
اليمنى ، فغسلها إلى المرفقين ثلاثا )).
وحكم المستعمل : أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث ، كالشافعية .
- ١٢٥ -

وإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين ، ففيه وجهان : وجه : أنه على الأصل
كما كان، ووجه: أنه طهور لقول النبي صَ لّم: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل
الخبث))(١) وإن اجتمع الماء المستعمل مع غير مستعمل فبلغ قلتين ، صار الكل
طهوراً .
ثالثها - ماء النبات من زهر أو ثمر ، كماء الورد ، أو الزهر ، وماء البطيخ
ونحوه من الفاكهة ، طاهر غير مطهر .
النوع الثالث - الماء النجس :
وهو الذي وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها مثل قليل الأرواث ، وكان الماء
راكداً ( غير جاري ) قليلاً .
والقليل بالمساحة عند الحنفية(٢) : ما دون عشر في عشر بذراع العامة.
فينجس وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه .
وأما إذا كان عشراً في عشر بحوض مربع ، أو ستة وثلاثين في مدور ، وكان
عمقه بحال لا تنكشف أرضه بالغرف منه ، على الصحيح ، فلا ينجس إلا بظهور
وصف النجاسة فيه .
وأما الماء الجاري فينجس بظهور أثر النجاسة فيه ، والأثر: طعم النجاسة أو
لونها أو ريحها .
وبذلك يكون الماء المتنجس نوعين :
الأول - ما كان طهوراً قليلاً ، ووقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه .
(١) رواه الخمسة والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي عن عبد الله بن عمر، وقال
الحاكم: صحيح على شرطهما ( نيل الأوطار: ١ / ٣٠).
(٢) مراقي الفلاح : ص ٤ .
- ١٢٦ -

الثاني - ما كان طهوراً وقعت فيه نجاسة غيرت أحد أوصافه الثلاثة . واتفق
العلماء على نجاسة النوع الثاني الذي تغيرت فيه أحد أوصاف الماء ( طعمه أو لونه
أو ريحه ) ، كما أن الشافعية والحنابلة وافقوا الحنفية في نجاسة النوع الأول إلا
ما يعفى عنه عند الشافعية كميتة ما لا دم له سائل مثل الذباب والنحل إذا وقع
بنفسه أو ألقته الرياح .
وقال المالكية في أرجح الروايات بطهورية النوع الأول وهو الماء القليل
الذي وقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه ، لكنه مكروه ، مراعاة للخلاف(١).
والمتنجس عند أكثر الفقهاء لا ينتفع به ولا يستعمل في طهارة ولا في غيرها
إلا في نحو سقي بهمة أو زرع ، أو في حالة الضرورة كعطش .
قلة الماء وكثرته :
لكن الفقهاء اختلفوا في حد القلة والكثرة : فالكثرة عند أبي حنيفة : هو أن
يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه ، لم تسر الحركة إلى
الطرف الثاني منه(٢) . والقلة: ما كان دون عشر في عشر من أذرعة العامة ؛ كما
تقدم .
ولا حد للكثرة في مذهب المالكية فلم يجدوا لها حداً مقدراً ، والماء اليسير
المكروه : هو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل ، فما دونها . فإذا حلت فيه
نجاسة قليلة كالقطرة ، ولم تغيره ، فإنه يكره استعماله في رفع حدث أو إزالة
(١) الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٣٧ وما بعدها، ٤٣، الشرح الصغير: ١ / ٣١، ٣٦ وما بعدها ، القوانين
الفقهية: ص ٣٠، بداية المجتهد: ١ / ٢٣، المهذب: ١ / ٥ - ٨، مغني المحتاج: ١ / ٢١ وما بعدها، المغني: ١ ٪
٢٢ - ٢٧، غاية المنتهي: ١ / ٩ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٣٧، ٣٩ - ٤٢، ٤٤ وما بعدها .
(٢) فتح القدير : ١ / ٥٥ .
- ١٢٧ -

خبث ، أو متوقف على طهارة كالطهارة المسنونة والمستحبة ، ولا كراهة في
استعماله في العادات .
والحد الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير : هو القلتان(١)،
من قُلال هجَر : وهو خمس قِرَب ، في كل قربة مائة رطل عراقي ، فتكون القلتان
خمسمائة رطل بالعراقي .
فإذا بلغ الماء قلتين ، فوقعت فيه نجاسة ، جامدة أو مائعة ، ولم تغير طعمه
أو لونه، أو ريحه، فهو طاهر مطهر، لقوله عّ لّ: ((إذا بلغ الماء قلتين ، لم
يحمل الخبث)) قال الحاكم: على شرط الشيخين ( أي البخاري ومسلم ) ، وفي
رواية لأبي داود وغيره بإسناد صحيح: ((فإنه لا ينْجُس)) وهو المراد بقوله: (( لم
يحمل الخبث )) أي يدفع النجس ولا يقبله .
فإن وقعت النجاسة في مائع كثير غير مائع ، ولو بمقدار قلتين فإنه ينجس
بمجرد ملاقاة النجاسة ، لأن الماء يشق حفظه عن النجس ، بخلاف غيره وإن
کثر .
وإن تغير أحد أوصاف الماء الكثير ( القلتين ) ، ولو تغيراً يسيراً ، فنجس
بالإجماع المخصص لحديث القلتين ولحديث الترمذي وابن حبان: ((الماء لا
ينجسه شيء)) (٢) ، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا
وقعت فيه نجاسة ، فغيرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحة ، أنه نجس ، ما دام
كذلك. وقد روى أبو أمامة الباهلي أن النبي مع التّ قال: ((الماء طهور لا ينجسه
(١) القلة : هي الجرة ، سميت قلة لأنها تقل بالأيدي أو تحمل .
(٢) انظر نصب الراية: ١ / ٩٥ ، قال ابن حبان: وهذا مخصوص بحديث القلتين ، وكلاهما ( هذا والحديث
الآتي ) مخصوص بالإجماع أن الماء المتغير بنجاسة ينجس ، قليلاً كان الماء أو كثيراً.
- ١٢٨ -

شيء ، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه )) رواه ابن ماجه ، لكنه حديث
ضعيف (١) .
وأرجح رأي الشافعية والحنابلة في الأخذ بحديث القلتين الثابت الصحيح ،
وإن أعله الحنفية بالاضطراب وتعارض الروايات، إذ في رواية: ((إذا بلغ ثلاث
قلال)) وفي رواية ((قلة)) كما أعلوه بجهالة قدر القلة ، وقد أجاب الشافعية عن
هذا كله(٢).
المبحث الخامس - حكم الأسآر والآبار :
وفيه مطلبان :
المطلب الأول - حكم الأسار :
الأسآر : جمع سؤر، والسؤر: البقية والفضلة ، واصطلاحاً : هو بقية الماء
في الإناء أو في الحوض بعد شرب الشارب منه . ثم استعير لبقية الطعام .
واتفق العلماء على طهارة أسار المسلمين وبهيمة الأنعام ، واختلفوا فيما عداها
اختلافاً كثيراً .
فحكم السؤر بسبب مخالطة لعاب الشارب له عند الحنفية(٢): يختلف
بحسب طهارة أو نجاسة لحم الشارب ، فسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه من الحيوان
طاهر، وسؤر الكلب نجس ، وقد يكون السؤر مكروهاً ، أو مشكوكاً فيه ،
فتكون الأسآر عند الحنفية أربعة أنواع : طاهر ، ومكروه ، ومشكوك فيه ،
ونجس كما يتبين مما يأتي :
(١) نصب الراية: ١ / ٩٤
(٢) سبل السلام : ١ / ١٩
(٣) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٢٠٥ وما بعدها، ٢٩٧، فتح القدير: ١ / ٧٤ وما بعدها ، تبيين الحقائق :
١ / ٣١
الفقه الإسلامي جـ ١ (٩)
- ١٢٩ -

٦ - سؤر طاهر مطهر بلا كراهة : وهو الذي شرب منه الآدمي ، أو
حيوان مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم ، والفرس في الأصح ، ونحوها ، ما لم
تكن جلالة ( تأكل الجلة ) ولا في حال اجترارها إن كانت من الحيوانات المجترة ؛
لأن الماء المختلط به اللعاب أثناء الشرب قد تولد من لحم طاهر ، فيكون طاهراً .
ولا فرق بين أن يكون الآدمي صغيراً أو كبيراً ، مسلماً أو كافراً ، جنباً أو
حائضاً ، إلا أن يشرب الكافر خمراً فينجس فمه ، إذا شرب عقب الخمر فوراً من
إناء ، أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه ، ثم شرب لا ينجس(١) .
ودليل طهارة سؤر الآدمي مطلقاً : ما رواه أبو هريرة قال : يا رسول
الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك، فقال ◌َ له: ((سبحان الله، إن
المؤمن لا ينجس))(٢). وروى مسلم عن عائشة قالت: (( كنت أشرب وأنا
حائض، فأناوله النبي ◌ُ ◌ّ ، فيضع فاه على موضع فيَّ)). وروى البخاري أنه
عليه الصلاة والسلام شرب اللبن ، وعن يمينه أعرابي ، وعن يساره أبو بكر ، ثم
أعطى الأعرابي ، فقال : الأيمن فالأيمن .
٣ - سؤر طاهر مکروه تنزيها استعماله مع وجود غيره : وهو سؤر
الهرة ، والدجاجة المخلاة(٣) ، والإبل والبقر الجلالة ( أي التي تأكل النجاسة إذا
جهل حالها ) ، وسباع الطير كالصقر والنسر والشاهين والحدأة والغراب ،
وسواكن البيوت كالحية والفأرة ، ما لم تر النجاسة في فمها ، لأنها تلازم التطواف
(١) ومثل ذلك : لو أصاب عضو الكافر نجاسة ثم لحسها بفمه ، حتى لم يبق أثرها ، أوقاء الصغير على ثدي
أمه ، ثم مصه ، حتی زال الأثر ، طهر .
(٢) رواه مسلم. وروي أيضاً أن النبي ◌َّ لقي حذيفة، فمد يده ليصافحه، فقبض يده ، وقال: إني
جنب، فقال عليه السلام: ((المؤمن لا ينجس))
(٣) هي المرسلة التي تخالط النجاسات . أما التي تحبس في بيت وتعلف فلا يكره سؤرها، لأنها لا تأكل إلا
الحب .
- ١٣٠ -

في المنازل، أو للضرورة، وعدم إمكان الاحتراز منها، ولأن النبي ◌ُ ◌ّ كان
يصغي ( يميل) للهرة الإناء ، فتشرب منه ، ثم يتوضأ به(١) .
٣ - سؤر مشكوك في طهوريته لا في طهارته : وهو سؤر البغل
والحمار الأهلي ، فيتوضأ به أو يغتسل ، ثم يتيم بعدئذ أو يقدم أيها شاء ،
احتياطاً بالنسبة لصلاة واحدة . وسبب الشك : هو تعارض الأدلة في إباحة لحمه
وحرمته ، أو اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في نجاسته وطهارته ، أو للتردد في
توافر الضرورة والبلوى المسقطتين للنجاسة ، وذلك بسبب ربط هذا الحيوان في
الدور وشربه من الأواني المستعملة ، ومخالطة الناس له بالركوب عليه ، فالمذهب
عند الحنفية : طهارة لعاب البغل والحمار قطعاً ، والشك في الطهورية .
أما تعارض الأدلة في الإباحة والحرمة : فقد ورد في شأن حرمة لحمه
حديثان :
اً - حديث أبيجر بن غالب، قال : يا رسول الله ، أصابتنا سَنَّة ( جدب
وقحط ) ، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سِمان حُمُر ، وإنك حرمت الحُمُر
الأهلية ؟ فقال : أطعم أهلك من سمين حمرك(٢).
٢ - وحديث أنس أن رسول الله عَ لّ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله ،
أكلت الحمر ، فسكت ، ثم أتاه الثانية ، فقال : أكلت الحمر ، فسكت ، ثم أتاه
الثالثة، فقال: أفنيت الحمر ، فأمر منادياً ينادي في الناس: ((إن الله ورسوله
ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية)) وفي رواية: ((فإنها رجس ، فأكفئت القدور،
وإنها لتفور باللحم ))(٣) .
,(١) رواه الدارقطني من طريقين عن عائشة رضي الله عنها ( نصب الراية: ١ / ١٣٣)
(٢) رواه أبو داود
(٣) رواه البخاري
- ١٣١ -

وأما اختلاف الصحابة في الطهارة والنجاسة : فعن ابن عمر نجاسته ، وعن
ابن عباس طهارته .
والحق أن رواية حديث أنس أصح ، وأن لحم الخمير محرم بلا إشكال وأنه إذا
تعارض المحرم والمبيح ، يقدم المحرم ، سواء بالنسبة للحديثين أم للاجتهادين عن
الصحابة ، والأصح أن دليل الشك هو التردد في الضرورة ، فإن الحمار يربط في
الدور والأفنية ، إلا أنها دون ضرورة الهرة والفأرة ، لدخولهما المضايق ، دون
الحمار، فوقع الشك في الطهورية ، فهو نجس من وجه لنجاسة لعابه ، طاهر من
وجه لوجود نوع من الضرورة ، وسرى الشك إلى سؤره ، فهذا سبب الشك ، لا
أن السبب هو الإشكال في حرمة لحمه ، ولا اختلاف الصحابة في سؤره .
٤ - سؤر نجس نجاسة مغلظة ، لا يجوز استعماله بحال إلا للضرورة كأكل
الميتة : وهو ما شرب منه كلب أو خنزير أو سباع البهائم كالأسد والفهد والذئب
والقرد والنمر والضبع .
أما الكلب : فلقوله عليه السلام: ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله
سبعاً)) (١) فلما تنجس الإناء ، فالماء أولى ، وهذا يفيد النجاسة .
وأما الخنزير ، فلأنه نجس العين ، لقوله تعالى : ﴿فإنه رجس ﴾ وأما
سباع البهائم ، فلأن لحمها نجس ، ولعابها المخالط للماء يتولد من لحمها ، فيتنجس
الماء .
(١) رواه أحمد والشيخان (متفق عليه) عن أبي هريرة ولأحمد ومسلم: ((طَهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب
أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)) ( نيل الأوطار: ١ / ٣٦).
- ١٣٢ -

وقال المالكية(١) :
اً - سؤرابن آدم: إن كان مسلماً لا يشرب الخمر ، فسؤره طاهر مطهر
باجماع . وإن كان كافراً أو شارب خمر : فإن كان في فمه نجاسة فهو كالماء الذي
خالطته النجاسة . وإن لم يكن في فمه نجاسة ، فهو طاهر مطهر ، وهو رأي
الجمهور .
لكن يكره عند المالكية سؤر شارب خمر مسلم أو كافر شك في فمه ، كما يكره
ما أدخل يده فيه ، لأنه كماء حلته نجاسة ولم تغيره .
اً - سؤرما يستعمل النجاسة : كالهرة والفأرة ، فإن رئي في أفواهها
نجاسة ، كان كالماء الذي خالطته النجاسة ، فإن تحقق طهارة أفواهها ، فطاهر ،
وإن لم يعلم فيغتفر ما يعسر التحرز عنه ، لكنه مكروه ، وفي تنجيس ما يتحرز
منه قولان(٣) ، أرجحهما : القول بالطهارة .
اً - سؤر الدواب والسباع طاهر، لكنه يكره سؤر حيوان لا يتوقى نجساً
كطير .
٤ - سؤر الكلب والخنزير طاهر ، وغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع
مرات من ولوغه في الماء إنما هو عبادة . وفي غسل الإناء الذي شرب منه الخنزير
سبعاً : قولان .
(١) القوانين الفقهية: ص ٣١، بداية المجتهد: ١ / ٢٧ - ٣٠، الشرح الصغير: ١ / ٤٣، الشرح الكبير: ١ /
٤٣ - ٤٤
(٢) روى قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن
يغسل مرة أو مرتين)) وقرة ثقة عند أهل الحديث. وروى مالك من حديث أبي قتادة أن رسول الله مُكافّ قال عن
الهرة: « إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات)).
- ١٣٣ -

وقال الشافعية والحنابلة (١):
اً - سؤر الآدمي طاهر، سواء أكان مسلماً أم كافراً ، وهذا متفق عليه بين
العلماء، كما بينا، لقوله مَ له: ((المؤمن لا ينجس)).
٣ً - سؤر الحيوان المأكول اللحم طاهر، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على
أن سؤر ماأكل لحمه يجوز شربه والتوضؤ به .
٣ - سؤر الهر والفأرة وابن عُرْس ونحوها من حشرات الأرض كالحيات وسام
أبرص : طاهر ، يجوز شربه والتوضؤ به ، ولا يكره عند أكثر أهل العلم من
الصحابة والتابعين ، إلا أبا حنيفة ، فإنه كره الوضوء بسؤر الهر ، كما أوضحنا ،
فإن فعل أجزأ .
٤ - سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبغال والحمير والسباع المأكول لحمه وغير
الماكول ، طاهر، وهي الرواية الراجحة عند الحنابلة، لحديث جابر: (( أن النبي
مرّالتّ سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر ؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها))(٢) ،
ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة ، فكان طاهراً كالشاة ، ولأن النبي
عَّ اتٍ وصحبه كانوا يركبون البغل والحمار، فلو كان نجساً لبين النبي ◌ُ ◌ّ ذلك،
ولأنها لا يمكن التحرز عنهما لمقتنيهما ، فأشبها الهر . وقول النبي عن الحمر يوم
خيبر: (( إنها رجس)) أراد أنها محرمة الأكل .
٥ - سؤر الكلب والخنزير وما تولد منها أو من أحدهما: نجس لقوله محل له
في الكلب: ((إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات أولهن بالتراب)) (٣)،
(١) المجموع: ١ / ٢٢٧، المغني: ١ / ٤٦ - ٥١، مغني المحتاج: ١ / ٨٣، كشاف القناع: ١ / ٢٢١.
(٢) رواه الشافعي في مسنده .
(٣) رواه مسلم، وفي رواية صححها الترمذي: ((أولاهن أو أخراهن بالتراب)) وفي رواية أبي داود: ((السابعة
بالتراب )) أي بأن يصاحب السابعة .
- ١٣٤ -

والخنزير كالكلب، لأنه أسوأ حالاً منه . وأما المتولد فحكمه حكم أصله ؛ لأنه
يتبع أخهما في النجاسة .
وهذا المذهب هو الراجح ، أما قول المالكية بالغسل تعبدا فلا يفهم ، لأن
الأصل وجوب الغسل من النجاسة ، بدليل سائر أنواع الغسل ، ولو كان الأمر
بالغسل تعبدأ لما أمر النبي ماتم بإراقة الماء ، ولما اختص الغسل بموضع الولوغ ،
لعموم اللفظ في الإناء كله .
المطلب الثاني - حكم الآبار :
الكلام في الآبار المتنجسة يشبه الكلام في الماء الذي خالطته نجاسة ، ولا
فرق بين الأمرين عند الجمهور ، وفرق الحنفية بينهما في بعض الأحوال .
فقال المالكية(١) : إذا وقعت دابة نجسة في بئر ، وغيرت الماء ، وجب نزح
جميعه . فإن لم تغيره استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء .
وقال الشافعية والحنابلة (٢) : الماء الراكد والجاري سواء في التفرقة بين القليل
والكثير ، فما دون القلتين وهو القليل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة المؤثرة ، وإن
لم يتغير . وأما الكثير وهو القلتان فأكثر، فلا ينجس بملاقاة نجس جامد أو مائع
إن لم يتغير الماء ، وإن غيره فنجس .
وبناء عليه قال الشافعية : إذا أريد تطهير الماء النجس نظر : فإن كانت
نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين ، طهر ، بأن يزول التغير بنفسه ، أو بأن
يضاف إليه ماء آخر ، أو بأن يؤخذ بعضه ، لأن النجاسة بالتغير وقد زال .
وقال الحنابلة : المصانع أو البرك التي يجتمع فيها ماء كثير ، لا تتنجس بشيء
(١) القوانين الفقهية: ص ٣٥.
(٢) المجموع: ١ / ١٧٨ - ١٨٤، مغني المحتاج: ١ / ٢١ - ٢٤، المغني: ١ / ٣٩ - ٤١.
- ١٣٥ -

من النجاسات مالم تتغير ، أي يتغير لونها أو طعمها أو ريحها ، فإن تغيرت
بنجاسة كبول آدمي أو عذرته المائعة ، نزحت ، ولم يقدروا مقداراً معيناً للماء
المنزوح ، ثبت عن علي رضي الله عنه بإسناد صحيح (« أنه سئل عن صبي بال في
بئر، فأمرهم أن ينزفوها )) ومثل ذلك عن الحسن البصري . وسئل أحمد عن بئر
بال فيها إنسان ، قال : تنزح حتى تغلبهم . قلت : ماحده ؟ قال : لا يقدرون
على نزحها . أي فهم في نزح جميع ماء البئر كالمالكية .
واتفق الحنفية(١) مع الجمهور على أن الماء الكثير (وهو عشر في عشر) (٢)
لا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه ، وأما الماء القليل فيتنجس ولو لم تتغير
أوصافه . وقدروا استحساناً مقادير معينة في نزح ماء البئر القليل ، على النحو
التالى :
أولاً - حالة بقاء الواقع في البئرحياً :
إذا سقط آدمي أو حيوان في بئر ، وبقي حياً :
لا ينجس البئر بوقوع آدمي فيه أو حيوان مأكول اللحم إذا خرج حياً ، ولم
يكن على بدنه نجاسة . فإن كان عليه نجاسة تنجس الماء لوجود النجاسة .
وينجس البئر إذا وقع فيه خنزير ، أو وصل إليه لعاب الكلب ، أما لعاب
سائر أنواع الحيوان غير المأكول اللحم كلعاب بغل وحمار وسباع طير ووحش إذا
وصل إلى الماء ، فيأخذ فيه الماء في الصحيح حكم الحيوان طهارة ، وكراهة
ونجاسة ، فينزح بالنجس والمشكوك فيه وجوباً ، ويستحب في المكروه عدد من
(١) تبيين الحقائق: ١ / ٢٨ - ٣٠، الدر المختار ورد المختار: ١ / ١٩٤ وما بعدها، فتح القدير: ١ / ٦٨ وما
بعدها، مراقي الفلاح: ص ٥ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: ١ / ٣٠ - ٣٣ .
(٢) أي أن مساحة الماء الكثير هي بمقدار عشرة أذرع طولاً ، وعشرة أذرع عرضاً.
- ١٣٦ -

الدلاء ، كما سيأتي . والنجس : هو سباع الوحش أو البهائم كالأسد والذئب ،
والمكروه: هو سباع الطير كالنسر والصقر، والمشكوك فيه: هو البغل والحمار.
وقال الحنابلة(١) : إذا وقعت الفأرة أو الهر ونحوهما في مائع أو ماء يسير ،
ثم خرجت حية ، فهو طاهر .
7
ثانياً - حالة موت الإنسان أو الحيوان في البئر :
أ - إذا مات الإنسان في البئر ينجس الماء عند الحنفية ، لأن ابن عباس وابن
الزبير أفتيا بمحضر من الصحابة بنزح ماء زمزم بموت زنجي فيه (٢).
وهذا مخالف لرأي غير الحنفية(٣) الذين يقولون بطهارة ماء البئر بموت
الآدمي، ولو كان كافراً، لقوله عَّمَ: ((المؤمن لا ينجس))(٤).
ب - إذا كان الحيوان برياً غير مائي كشاة وكلب ودجاجة وهرة وفأرة
ومات في البئر، فإنه ينجس .
جـ - ولا ينجس البئر بموت حيوان لادم له سائل كذباب وصرصور
وخنفساء وزُنبور وبق وعقرب ، أو بموت حيوان مائي كسمك وضفدع وتمساح
وسرطان وكلب ماء وخنزيره، لقوله مَ لّ: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم
فليغمسه ، ثم لينزعه ، فإن في أحد جناحيه داء ، وفي الآخر شفاء)) رواه
البخاري، وزاد أبو داود: (( وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء))(9) ولقوله عليه
(١) المغني: ١ / ٥٢ .
(٢) راجع نصب الراية: ١ / ١٢٩ .
(٣) المغني: ١ / ٤٦ .
(٤) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن حذيفة بن اليمان بلفظ ((إن المسلم لا ينجس))، وقال ابن عباس :
((المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً)) (نيل الأوطار: ١ / ٢٠، ٥٦).
(٥) رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: ١ / ٥٥).
- ١٣٧ -

السلام: (( يا سلمان ، كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم ، فماتت
فيه ، فهو حلال أكله ، وشربه ، ووضوءه )» .
ثالثاً - حالة وقوع النجاسة في الماء :
أ - تنجس البئر الصغيرة بوقوع نجاسة فيها ، وإن قلت ، كقطرة دم وقطرة
خمر، وبول وغائط ، وينزح ماء جميع البئر، بعد إخراج عين النجاسة ، وتطهر
البئر والدلو والرشاء ( الحبل ) والبكرة ، ويد المستقي.
ب - ولا تنجس البئر بالبعر ( للإبل والغنم ) والروث ( للفرس والبغل
والخمار) والخِثي (للبقر) إلا أن يستكثره الناظر أو ألا يخلو دلو عن بعرة
ونحوها . وأما القليل فهو ما يستقله الناظر .
وذلك بدليل ماروى ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((أتيت النبي ◌ُ ◌ّ
بحجرين وروثة ، فأخذ الحجر، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس))(١).
ولا تنجس البئر بخُرْء حمام وعصفور ونحوها مما يؤكل من الطيور غير
الدجاج والإوز والبط ، استحساناً ؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه مسح خرء
الحمامة عنه ياصبعه :
والأصح أنه لا ينجس البئر بخرء الطيور غير المأكولة اللحم ، مثل سباع
الطير ، لتعذر صونها ، أي البئر عنه أي عن الخرء.
وقال الشافعية : روث جميع البهائم والطيور نجس ، لأنه ركس ،
والركس : النجس .
(١) رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن ابن مسعود ( نيل الأوطار: ١ / ٩٨) والركس : النجس.
- ١٣٨ -

وقال المالكية والحنابلة(١) : روث وبول الحيوان المأكول طاهر، وروث
وبول محرم الأكل نجس .
مقدار الماء الواجب نزحه :
١ - يجب نزح ماء البئر كله أو مائتا دلو لو لم يمكن نزح البئر، إذا مات
آدمي فيه ، أو حيوان كبير مثل البغل والخمار والكلب أو الشاة ونحوها ، أو إن
انتفخ الحيوان في البئر أو تفسخ ، سواء أكان صغيراً أم كبيراً ، أو كانت الفأرة
هاربة من الهرة أو مجروحة ، وإن خرجت حية ، أو كانت الهرة هاربة من الكلب
أو مجروحة ، لأن الفأرة والهرة تبول في هذه الحالة ، والبول والدم نجاسة مائعة .
٢ - وينزج مابين أربعين دلواً إلى ستين دلواً إذا كان الحيوان ذا حجم
متوسط ، مثل الحمامة والدجاجة والسنور ( الهر ) . والأظهر ماذكر في الجامع
الصغير : وهو أربعون أو خمسون دلواً ، وفي الاثنين من هذه الحيوانات ينزح الماء
كله . والأربعون واجب والخمسون مستحب .
٣ - وينزح من البئر عشرون دلواً أو ثلاثون بحسب كُبْر الدلو وصُغْرها(٢)،
إذا مات فيها حيوان صغير كالعصفور والفأر وسام أبرص ونحوها . ونزح
العشرين واجب ، والثلاثين مستحب أي أنه إذا كان الواقع كبيراً والبئر كبيرة
فالعشرة مستحبة ، وإن كانا صغیرین فالاستحباب دون ذلك ، وإن كان أحدهما
صغيراً والآخر كبيراً ، فخمس مستحبة ، وخمس دونها في الاستحباب .
هذا وقد روي عن أنس أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من
(١) القوانين الفقهية: ص ٣٣ .
(٢) هذا ماجاء في الهداية ، والمذكور في الكتاب للقدوري : بحسب كبر الحيوان وصغره .
- ١٣٩ -

ساعتها : ينزح منها عشرون دلواً . وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال في
الدجاجة إذا ماتت في البئر: ينزح منها أربعون دلواً(١) .
حجم الدلو : المعتبر في حجم الدلو : دلو تلك البئر ، فإن لم يكن فالمعتبر
دلو: يسع صاعاً، أي حوالي /١ ٢ كغ أو ٢,٧٥ ليتراً، وغير هذا الدلو
المذكور ، بأن كان أصغر أو أكبر يحتسب به ، فلو نزح القدر الواجب بدلو واحد
كبير ، أجزأ ، في ظاهر المذهب الحنفي ، لحصول المقصود .
ويكفي ملء أكثر الدلو ، كما يكفي نزح الموجود في البئر ولو كان دون
القدر الواجب .
ويمكن تطهيرها بتغويرها أي بفتح مصرف أو حفر منفذ يخرج منه بعض
الماء . وإذا وجد في الماء حيوان ميت ، فيحكم بموته من يوم وليلة إذا لم يكن
منتفخاً ، ومن ثلاثة أيام بلياليها إذا كان منتفخاً ، فيلزم إعادة صلوات تلك المدة
إن توضؤوا منها عن حدث ، وغسلوا الثياب وكل شيء أصابه ماؤها .
المبحث السادس - أنواع الأعيان الطاهرة :
جميع مافي الكون إما جماد ، أو حيوان ، أو فضلات . والأصل في الأشياء
الطهارة ، مالم تثبت نجاستها بدليل شرعي . والفقهاء متقاربون في الحكم بطهارة
الأعيان ، فاتفقوا على أن الجماد ( وهو كل جسم لم تحله الحياة ولم ينفصل عن
حي(٢)) كله طاهر إلا المسكر، فجميع أجزاء الأرض الجامدة والمائعة وما تولد
منها طاهرة ، ومن الجامد : المعادن كالذهب والفضة والحديد ونحوها ، وجميع
أنواع النبات ولو كان ساماً أو مخدراً كالحشيش والأفيون والبنج ، ومن المائع :
(١) راجع الأثرين في نصب الراية: ١ / ١٢٨ .
(٢) أما المنفصل عن الحي كالبيض والسمن وعسل النحل فليس من الجماد ، لانفصاله عنه ، وهو طاهر .
- ١٤٠ _