النص المفهرس

صفحات 41-60

فجمع عن أصحاب أحمد فقهه ، حتى عُدَّ أنه « جامع الفقه الحنبلي )» أو ناقله أو
راويه . وقد صحب الخلال أبا بكر المروذي حتى مات ، ويظهر أنه هو الذي
حبب إليه رواية فقه أحمد .
ثم لخص ماجمعه الخلال اثنان شهيران هما :
أبو القاسم ، عمر بن الحسين الخرقي البغدادي ( المتوفى عام ٣٣٤ هـ ) ودفن
في دمشق ، له كتب كثيرة في المذهب ، منها مختصره المشهور ، الذي شرحه ابن
قدامة في كتابه (« المغني )» .
أبو بكر ، عبد العزيز بن جعفر ، المعروف بغلام الخلال ، ( المتوفى سنة
٣٦٣ هـ ) ، كان قريناً للخرقي الآنف الذكر ، وأشد تلاميذ الخلال اتباعاً له ، وقد
يرجح روايات وأقوالاً رجح الخلال غيرها .
خامساً - أبو سليمان ، داود بن علي الأصفهاني الظاهري ( المولود
بالكوفة سنة ٢٠٢ هـ ، المتوفى في بغداد عام ٢٧٠ هـ ) - مؤسس المذهب
الظاهري :
هو شيخ أهل الظاهر ، وواضع أساس هذا المذهب ، الذي انتصر له وأشاده
من بعده أبو محمد ، علي بن سعيد بن حزم الأندلسي ( ٣٨٤ - ٤٥٦ هـ)
وذلك بما ألف من كتب، من أهمها ((المحلى)) في الفقه، و« الإحكام في أصول
الأحكام )» في أصول الفقه .
كان داود من حفاظ الحديث ، فقيهاً مجتهداً ، صاحب مذهب مستقل ، بعد
أن كان شافعياً في بغداد .
وأساس المذهب الظاهري : العمل بظاهر القرآن والسنة ، مادام لم يقم دليل
على إرادة غير الظاهر ، ثم عند عدم النص ، يأخذ بالإجماع ، بشرط أن يكون
- ٤١ -

إجماع علماء الأمة قاطبة ، وقد أخذ الظاهرية بإجماع الصحابة فقط ، فإن لم
يوجد النص أو الإجماع أخذوا بالاستصحاب : وهو الإباحة الأصلية .
أما القياس والرأي والاستحسان والذرائع وتعليل نصوص الأحكام بالاجتهاد ،
فمرفوض ، ولا يعتبر دليلاً من أدلة الأحكام ، كما أنهم يرفضون التقليد .
من أمثلته الفقهية : قصر تحريم استعمال آنية الذهب والفضة على الشرب
منها ، وقصر تحريم الربا على الأصناف الستة المذكورة في الحديث ، وأن الجمعة
تصلى في مسجد العشائر ، كقول أبي ثور أحد أصحاب المذاهب المندثرة ، وأن
الزوجة الغنية تكلف بالإنفاق على زوجها المعسر وعلى نفسها .
انتشر هذا المذهب في الأندلس، وأخذ في الاضمحلال في القرن الخامس ، ثم
انقرض تماماً في القرن الثامن .
سادساً - زيد بن علي زين العابدين بن الحسين المتوفى سنة
١٢٢ هـ - إمام الشيعة الزيدية ، الذي يعد مذهباً خامساً بجانب المذاهب
الأربعة :
كان إماماً في عصره وشخصية علمية متعددة النواحي ، لمعرفته بعلوم القرآن
والقراءات وأبواب الفقه ، وكان يسمى ((حليف القرآن )» وله أقدم كتاب فقهي
هو ((المجموع)) في الفقه ، مطبوع في إيطاليا، وشرحه العلامة شرف الدين
الحسين بن الحَيْمي اليمني الصنعاني المتوفى عام ١٢٢١ هـ في كتاب ((الروض
النضير، شرح مجموع الفقه الكبير )» في أربعة أجزاء .
١
وقد بلغت كتبه ١٥ كتاباً ، منها (( المجموع )» في الحديث .
والزيدية : هم الذين جعلوا الإمامة بعد علي زين العابدين إلى ابنه زيد
- ٤٢ -
٠

مؤسس هذا المذهب . وقد بويع لزيد بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك ،
فقاتله يوسف بن عمر ، حتى قتل .
وكان زيد يفضل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب النبي عَ له، ويتولى
أبا بكر وعمر ، ويرى الخروج على أئمة الجور، وقد أنكر على من طعن على
أبي بكر وعمر من أتباعه ، فتفرق عنه الذين بايعوه ، فقال لهم : رفضتوني ،
فسموا ((الرافضة)) لقول زيد لهم: ((رفضتوني)). ثم خرج ابنه يحيي بعده في أيام
الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، فقتل أيضاً .
ومن أهم المؤلفات المطبوعة حالياً في هذا المذهب ((كتاب البحر الزخار
الجامع لمذاهب علماء الأمصار)» للإمام يحيى بن المرتضى المتوفى عام ٨٤٠ هـ ـ في
أربعة أجزاء ، وهو جامع لآراء الفقهاء واختلافاتهم .
ويميل هذا الفقه إلى فقه أهل العراق مهد التشيع والأئمة ، ولا يختلف كثيراً
عن فقه أهل السنة ، ويخالفون في مسائل معروفة ، منها : عدم مشروعية المسح
على الخفين ، وتحريم ذبيحة غير المسلم ، وتحريم الزواج بالكتابيات ، لقوله
تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، وخالفوا الشيعة الإمامية في إباحة زواج
المتعة ، فلا يجيزونه، ويزيدون في الأذان: (( حي على خير العمل)) ، ويكبرون
خمس تكبيرات في الجنازة .
وما يزال هذا المذهب مذهب دولة الزيدية في اليمن منذ عام ٢٨٨ هـ ، وهم
أقرب المذاهب الشيعية إلى مذهب أهل السنة ، ومذهبهم في العقيدة هو مذهب
المعتزلة . وهم يعتمدون في استنباط الأحكام على القرآن والحديث والاجتهاد
بالرأي ، والأخذ بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب .
والخلاصة : أن الزيدية منسوبة لزيد ، لقولهم بإمامته ، وإن لم يكونوا على
- ٤٣ -

مذهبه في الفروع الفقهية ، بخلاف الحنفية والشافعية مثلاً ، فهم يتابعون الإمام
في الفروع .
سابعاً - أبو جعفر ، محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار الأعرج
القُمِّي المتوفى سنة ٢٩٠ هـ - مؤسس مذهب الشيعة الإمامية في الفقه .
والإمامية يقولون بإمامة اثني عشر إماماً معصوماً، أولهم الإمام أبو الحسن علي
المرتضى ، وآخرهم محمد المهدي الحجة ، الذين زعموا أنه مستور وأنه هو الإمام القائم .
وابن فرّوخ هو المؤسس الحقيقي لفقه الشيعة الإمامية في فارس في كتابه
((بشائر الدرجات في علوم آل محمد ، وماخصهم الله به )) طبع سنة ١٢٨٥ هـ .
وقد تقدمه أول كتاب للإمامية في الفقه لموسى الكاظم الذي مات في السجن
سنة ١٨٣ هـ، كتبه إجابة عن مسائل وجهت إليه، تحت اسم ((الحلال
والحرام».
ثم كتب ابنه علي الرضا كتاب ((فقه الرضا)» طبع عام ١٢٧٤ هـ في
طهران .
ثم جاء بعد ابن فرّوخ الأعرج في القرن الرابع : محمد بن يعقوب بن اسحاق
الكُليني الرازي ، شيخ الشيعة، المتوفى سنة ٣٢٨ هـ، فألف كتابه (( الكافي في علم
الدين )) وفيه ١٦٠٩٩ ستة عشر ألفاً وتسعة وتسعون حديثاً من طرق آل البيت ،
وهو رقم يزيد على ماجاء في كتب الصحاح الستة ( البخاري ومسلم ... ) .
وبه تكون عمدة مذهب الإمامية : هذه الكتب الأربعة الأساسية للشيعة ،
وهم كالزيدية لا يعتمدون في الفقه بعد القرآن إلا على الأحاديث التي رواها أئمتهم
من آل البيت ، كما أنهم يرون فتح باب الاجتهاد ، ويرفضون القياس ،
وينكرون الإجماع . ومرجع الأحكام الشرعية هم الأئمة دائماً لاغيرهم .
-٤٤_

وفقه الإمامية وإن كان أقرب إلى المذهب الشافعي ، فهو لا يختلف في الأمور
المشهورة عن فقه أهل السنة إلا في سبع عشرة مسألة تقريباً ، من أهمها إباحة نكاح
المتعة ، فاختلافهم لا يزيد عن اختلاف المذاهب الفقهية كالحنفية والشافعية مثلاً .
وينتشر هذا المذهب إلى الآن في إيران والعراق . والحقيقة أن اختلافهم مع أهل
السنة لا يرجع إلى العقيدة أو إلى الفقه ، وإنما يرجع لناحية الحكومة والإمامة .
ولعل أفضل ماأعلنت عنه ثورة الخميني في إيران عام ١٩٧٩ م ، هو تجاوز الخلاف
مع أهل السنة ، واعتبار المسلمين جميعاً أمة واحدة راجين تحقيق ذلك .
ومن أهم المسائل الفقهية التي افترقوا بها عن أهل السنة : القول بإباحة
الزواج المؤقت أو زواج المتعة ، وإيجاب الإشهاد على الطلاق ، وتحريمهم
كالزيدية ذبيحة الكتابي والزواج بالنصرانية أو اليهودية ، وتقديمهم في الميراث ابن
العم الشقيق على العم لأب ، وعدم مشروعية المسح على الخفين ، ومسح الرجلين
في الوضوء، ويضيفون في الأذان والتشهد: ((أشهد أن علياً ولي الله)).
ثامناً - عبد الله بن إباض التميمي المتوفى عام ٨٠ هـ في عهد
الخليفة عبد الملك بن مروان - مؤسس مذهب الإباضية من الخوارج .
والإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالاً ، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية رأياً
وتفكيراً ، فهم لايرون أن مخالفيهم من المسلمين مشركين ، وإنما كفار نعمة .
ويحرمون دماء مخالفيهم في السر، لا في العلانية ، ودارهم دار توحيد ، إلا معسكر
السلطان . ولا يحل من غنائم مخالفيهم إلا الخيل والسلاح وكل مافيه قوة في
الحروب ، وتجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم(١).
(١) الشافعي للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة : ص ١١٥ .
- ٤٥ -

وماتزال هذه الفرقة قائمة في بلاد طرابلس الغرب ، وفي زنجبار وعُمَان ،
ويسمون من أجل خروجهم على إجماع المسلمين ( بالخوامس ) لخروجهم عن
المذاهب الأربعة .
وعمدة كتبهم في الفقه ((شرح النيل وشفاء الغليل)) للشيخ محمد بن
يوسف بن أطَّفَيِّش ، في عشرة مجلدات ، المطبعة السلفية بمصر، ١٣٤٣ هـ .
ومصادر فقههم : القرآن والسنة والإجماع والقياس ، إلا أن المراد بالإجماع
عندهم هو إجماع طائفتهم ، ولا يأخذون بالسنة المعارضة للقرآن .
ومن مخالفاتهم الفقهية : إنكارهم حد الرجم للزاني المحصن ، لأنه لا يتبعض
بالنسبة للعبيد ، ولأنهم لا يأخذون بفعل الرسول ◌ُ ◌ّ لمعارضته القرآن الآمر فقط
بجلد الزناة . وقولهم بجواز الوصية للوارث عملاً بآية: ﴿ كتب عليكم إذا حضر
أحدكم الموت ، إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ﴾ والوالدان وارثان على
كل حال ، لا يحجبهما أحد عن الميراث . وقولهم بجواز الجمع بين المرأة وعمتها ، لعدم
ذكره في القرآن ، وبأن المحرم من الرضاع هو الأم والأخت فقط ، لأنه المذكور في
القرآن(١) .
ويقولون بتخليد العصاة في النار ؛ لأن الإيمان عندهم قول وعمل . وهم الآن
يرفضون تسميتهم بالخوارج .
المطلب الثالث - مراتب الفقهاء وكتب الفقه :
لابد للمفتي أن يعلم حال من يفتي بقوله ، فيعرف درجته في الرواية وفي
الدراية ، وطبقته بين طبقات الفقهاء ، ليميز بين الآراء المتعارضة ، ويرجح
(١) تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور علي حسن عبد القادر: ص ١٧٤ وما بعدها .
- ٤٦ -

أقواها ، والفقهاء على سبع مراتب(١) :
١ - المجتهد المستقل : وهو الذي استقل بوضع قواعده لنفسه ، يبني عليها
الفقه ، كأئمة المذاهب الأربعة . وسمى ابن عابدين هذه الطبقة : طبقة المجتهدين
في الشرع .
٢ - المجتهد المطلق غير المستقل : وهو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد
التي اتصف بها المجتهد المستقل ، لكنه لم يبتكر قواعد لنفسه ، بل سلك طريق
إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد ، فهو مطلق منتسب ، لا مستقل ، مثل تلامذة
الأئمة السابق ذكرهم كأبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية ، وابن القاسم وأشهب
وأسد بن الفرات من المالكية ، والبويطي والمزني من الشافعية ، وأبي بكر
الأثرم ، وأبي بكر المروذي من الحنابلة . وسمى ابن عابدين هذه الطبقة : طبقة
المجتهدين في المذهب : وهم القادرون على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى
القواعد التي قررها أستاذهم في الأحكام ، وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع ،
لكن يقلدونه في قواعد الأصول .
وهاتان المرتبتان قد فقدتا من زمان .
٣ً - المجتهد المقيد ، أو مجتهد المسائل التي لانص فيها عن صاحب المذهب
أو مجتهد التخريج ، كالخصاف والطحاوي والكرخي والحلواني والسرخسي
والبزدوي وقاضي خان من الحنفية، والأبهري وابن أبي زيد القيرواني من
المالكية ، وأبي إسحاق الشيرازي والمروزي ومحمد بن جرير وأبي نصر وابن خزيمة
من الشافعية ، والقاضي أبي يعلى والقاضي أبي علي بن أبي موسى من الحنابلة .
(١) الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي: ص ٣٩ - ٤٢، حاشية ابن عابدين: ١ / ٧١ وما بعدها ، رسالة
رسم المفتي: ص ١١ - ١٢ ، مالك لأبي زهرة: ص ٤٣٨، ٤٤٠ - ٤٥٠، ابن حنبل لأبي زهرة: ص ٣٦٨ - ٣٧٢ . صفة
الفتوى والمفتي والمستفتي لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي: ص ١٦، الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية: ص ٣٩ .
- ٤٧ -

وهؤلاء يسمون أصحاب الوجوه ؛ لأنهم يخرجون مالم ينص عليه على أقوال
الإمام ، ويسمى ذلك وجهاً في المذهب ، أو قولاً فيه .
٤ - مجتهد الترجيح : وهو الذي يتمكن من ترجيح قول الإمام المذهب على
قول آخر ، أو الترجيح بين ماقاله الإمام وماقاله تلاميذه أو غيره من الأئمة ،
فشأنه تفضيل بعض الروايات على بعض ، مثل القدوري والمرغيناني صاحب
الهداية من الحنفية ، والعلامة خليل من المالكية ، والرافعي والنووي من
الشافعية ، والقاضي علاء الدين المرداوي منقح مذهب الحنابلة ، وأبي الخطاب
محفوظ بن أحمد الكلوذاني البغدادي ( ٥١٠هـ ) المجتهد في مذهب الحنابلة .
٥ - مجتهد الفتيا: وهو أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في
الواضحات والمشكلات ، ويميز بين الأقوى والقوي والضعيف ، والراجح
والمرجوح ، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته ، كأصحاب المتون
المعتبرة من المتأخرين ، مثل صاحب الكنز، وصاحب الدر المختار، وصاحب
الوقاية ، وصاحب مجمع الأنهر من الحنفية ، والرافعي والنووي من الشافعية .
٦ - طبقة المقلدين : الذين لا يقدرون على ماذكر من التمييز بين القوي
وغيره ، ولا يفرقون بين الغث والسمين .
هذا ولم يفرق الجمهور بين المجتهد المقيد ، ومجتهد التخريج ، وجعل ابن
عابدين طبقة مجتهد التخريج مرتبة رابعة بعد المجتهد المقيد ، ومثل له بالرازي
الجصاص ( المتوفى سنة ٣٧٠ هـ ) وأمثاله .
مراتب كتب الفقه الحنفي : رتب الحنفية كتب الفقه عندهم ، ومسائل
علمائهم على طبقات ثلاث(١) :
(١) حاشية ابن عابدين: ١ / ٦٤، رسم المفتي: ص ١٦ وما بعدها .
- ٤٨ -

١ - مسائل الأصول ، وتسمى ظاهر الرواية: وهي مسائل مروية
عن أصحاب المذهب ، وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ، ويلحق بهم زفر
والحسن بن زياد وغيرهما من تلاميذ الإمام ، لكن الغالب الشائع في ظاهر
الرواية أن يكون قول الثلاثة ( الإمام وصاحبيه ) .
وكتب ظاهر الرواية للإمام محمد : هي الكتب الستة المعتمدة المروية عن محمد
برواية الثقات، بالتواتر أو الشهرة ، وهي المبسوط (١)، والزيادات، والجامع
الصغير ، والجامع الكبير ، والسير الكبير ، والسير الصغير . وسميت بظاهر
الرواية ؛ لأنها رويت عن محمد برواية الثقات . وقد جمعت هذه الكتب الستة في
مختصر الكافي - لأبي الفضل المروزي المعروف بالحاكم الشهيد ، المتوفى عام
٣٤٤ هـ ، ثم شرحه السرخسي في كتاب المبسوط في ثلاثين جزءاً وهو كتاب معتمد
في نقل المذهب .
١
٢ - مسائل النوادر : وهي المروية عن أصحاب المذهب المذكورين ،
لا في الكتب المذكورة ، بل إما في كتب أخر لمحمد ، كالكيسانيات والهارونيات
والجرجانيات ، والرّقيات ، والمخارج في الحيل ، وزيادة الزيادات رواية ابن
رستم ، وهي أمالي محمد في الفقه ، ويقال لها : غير ظاهر الرواية ؛ لأنها لم ترو
عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى .
وإما في كتب لغير محمد ، كالمحرَّر للحسن بن زياد وغيره ، وكتب الأمالي
المروية عن أبي يوسف .
والأمالي : جمع إملاء : وهو ما يقوله العالم بما فتح الله تعالى عليه من ظهر
قلبه ، ويكتبه التلامذة ، وكان ذلك عادة السلف .
(١) ويعرف بالأصل ، وهو أطول وأهم كتب محمد .
الفقه الإسلامي جـ ١ (٤)
- ٤٩ -

وإما برواية مفردة كرواية ابن سماعة ، والمعلى بن منصور وغيرهما في
مسائل معينة .
٣ - الواقعات والفتاوى : وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما
سئلوا عنها ، ولم يجدوا فيها رواية عن أهل المذهب المتقدمين ، وهم أصحاب أبي
يوسف ومحمد ، وأصحاب أصحابها ، وهم كثيرون .
فمن أصحابها مثل : عصام بن يوسف ، وابن رستم ، ومحمد بن سماعة ، وأبي
سليمان الجرجاني ، وأبي حفص البخاري .
وأما من بعدهم فمثل : محمد بن سلمة ، ومحمد بن مقاتل ، ونصر بن يحيى ،
وأبي النصر القاسم بن سلام ، وقد يخالفون أصل المذهب لدلائل ظهرت لهم .
وأول كتاب جمع الفتاوى : كتاب النوازل للفقيه أبي الليث السمرقندي . ثم
جمع المشايخ بعده كتباً أُخَر ، كمجموع النوازل والواقعات للناطفي ، والواقعات
للصدر الشهيد ابن مسعود .
ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة غير متميزة ، كما في فتاوى قاضيخان ،
والخلاصة وغيرهما . وميز بعضهم ، كما في المحيط لرضا الدين السرخسي ، فإنه ذكر
أولاً مسائل الأصول ، ثم النوادر ، ثم الفتاوى .
وأشهر من امتاز بتدوين ورواية الفقه الحنفي بعد محمد وأبي يوسف هم :
عيسى بن أبان ( المتوفى سنة ٢٢٠ هـ ) ، ومحمد بن سماعة ( المتوفى سنة ٢٣٣ هـ )
وهلال بن يحيى الرأي البصري ( المتوفى سنة ٢٤٥ هـ ) ، وأحمد بن عمر بن مهير
الخصاف ( المتوفى سنة ٢٦١ هـ ) ، وأحمد بن محمد بن سلامة ، أبو جعفر الطحاوي
( المتوفى سنة ٣٢١ هـ ) .
- ٥٠ -

المطلب الرابع - اصطلاحات الفقه والمؤلفين فيه :
للفقهاء كغيرهم في مختلف العلوم اصطلاحات(١) معينة شائعة، تتردد في كثير
من المناسبات الفقهية ، كما أن هناك اصطلاحات في كتب المذاهب ، تبين طريق
الأخذ بالقول الراجح في المذهب ، وهي المعروفة بـ :
رسم المفتي : أي العلامة التي تدل المفتي على ما يفتي به ، وللعلامة ابن
عابدين رسالة باسم «رسم المفتي )) وهي الرسالة الثانية من رسائله المشهورة .
أولاً - المصطلحات الفقهية العامة :
هناك مصطلحات فقهية أو أصولية عامة ، هي الفرض ، الواجب ،
المندوب ، الحرام ، المكروه تحريماً، المكروه تنزيهاً، المباح ، وهي أنواع الحكم
التكليفي(٢) عند الأصوليين من الحنفية ، ويلحق بالواجب : الأداء والقضاء
والإعادة . والركن والشرط، والسبب، والمانع ، والصحيح ، والفاسد،
والعزيمة ، والرخصة ، وهي أنواع الحكم الوضعي(٣) عند الأصوليين.
١ - الفرض : هو ماطلب الشرع فعله طلباً جازماً بدليل قطعي لا شبهة
فيه ، كأركان الإسلام الخمسة التي ثبتت بالقرآن الكريم ، والثابت بالسنة المتواترة
أو المشهورة كقراءة القرآن في الصلاة ، والثابت بالإجماع كحرمة بيع المطعومات
(١) الاصطلاح: هو إطلاق لفظ على معنى معين بين فئة من العلماء ، كإرادة هيئة مخصوصة بأقوال وأفعال
معينة من لفظ ((الصلاة )) مع أنها في اللغة هي الدعاء .
(٢) الحكم التكليفي : هو مااقتضى طلب فعل من المكلف ، أو كفه عن فعل ، أو تخييره بين الفعل والترك .
وسمي تكليفياً ؛ لأنه يتضمن التكليف ( المطالبة ) بفعل أو ترك فعل أو تخيير بينهما .
(٣) الحكم الوضعي: هو ما اقتضى وضع شيء سبباً لشيء أو شرطاً له أو مانعاً منه، أو صحيحاً أو فاسداً أو
عزيمة أو رخصة . وسمي وضعياً؛ لأنه يقتضي وضع أمور ترتبط بالأخرى ، كالأسباب للمسببات ، والشروط
للمشروطات .
- ٥١ -

الأربعة ( القمح والشعير والتمر والملح ) ببعضها نسيئة(١). وحكمه: لزوم الإتيان
به ، مع ثواب فاعله ، وعقاب تاركه ، ويكفر منكره .
٢ - الواجب: ماطلب الشرع فعله طلباً جازماً، بدليل ظني فيه شبهة ،
كصدقة الفطر ، وصلاة الوتر والعيدين ، لثبوت إيجابه بدليل ظني ، وهو خبر
الواحد عن النبي ◌َ ◌ّةٍ. وحكمه كالفرض ، إلا أنه لا يكفر منكره .
والفرض والواجب مترادفان بمعنى واحد عند الجمهور غير الحنفية : وهو
ما طلب الشرع فعله طلباً جازماً .
٣ - المندوب أو السنة: هو ماطلب الشرع فعله من المكلف طلبا غير
لازم ، أو هو ما يحمد فاعله ، ولا يذم تاركه ، مثل توثيق الدين بالكتابة ( سند
أو غيره ) ، وحكمه : أنه يثاب فاعله ، ولا يعاقب تاركه ، وقد يستحق اللوم
والعتاب من الرسول ما اله .
ويسمى المندوب عند غير الحنفية سنة ونافلة ومستحباً وتطوعاً ومرغباً
فيه ، وإحساناً وحسناً . وقسم الحنفية المندوب : إلى مندوب مؤكد ، كصلاة
الجماعة ، ومندوب مشروع ، كصيام يومي الاثنين والخميس ، ومندوب زائد ،
كالاقتداء بأكل الرسول وشربه ومشيه ونومه ولبسه ونحو ذلك .
واختار صاحب الدر المختار وابن عابدين رأي الجمهور ، فقالا : لافرق بين
المندوب والمستحب والنفل والتطوع ، وتركه خلاف الأولى ، وقد يلزم من تركه
ثبوت الكراهة(٢) .
٤ - الحرام : هو ماطلب الشرع تركه على وجه الحتم والإلزام . وقال
(١) مراتب الإجماع لابن حزم: ص ٨٥ .
(٢) حاشية ابن عابدين: ١ / ١١٥.
- ٥٢ -

الحنفية : هو ماثبت طلب تركه بدليل قطعي لاشبهة فيه ، مثل تحريم القتل
وشرب الخمر والزنا والسرقة . وحكمه : وجوب اجتنابه ، وعقوبة فاعله . ويسمى
الحرام أيضاً معصية ، وذنباً ، وقبيحاً ، ومزجوراً عنه ، ومتوعداً عليه أي من
الشرع . ويكفر منكر الحرام .
٥ - المكروه تحريماً : وهو عند الحنفية : ماطلب الشرع تركه على وجه
الحتم والإلزام بدليل ظني ، كأخبار الآحاد ، كالبيع على بيع الغير، والخطبة على
الخطبة ، ولبس الحرير والذهب للرجال . وحكمه : الثواب على تركه ، والعقاب
على فعله .
وإذا أطلق المكروه عند الحنفية يراد به المكروه تحريماً. والمكروه التحريمي
عندهم إلى الحرام أقرب ، ولكن لا يكفر منكره .
٦ - المكروه تنزيهاً: وهو عند الحنفية : ماطلب الشرع تركه ، طلباً غير
جازم ، ولا مشعر بالعقوبة . كأكل لحوم الخيل، للحاجة إليها في الجهاد ، والوضوء
من سؤر الهرة وسباع الطير كالصقر والغراب ، وترك السنن المؤكدة عموماً.
وحكمه : ثواب تاركه ، ولوم فاعله دون عقاب .
والمكروه عند غير الحنفية نوع واحد : وهو ماطلب الشرع تركه لاعلى وجه
الحتم والإلزام ، وحكمه : أنه يمدح ويثاب تاركه ، ولا يذم ولا يعاقب فاعله .
٧ - المباح : هو ماخير الشرع المكلف بين فعله وتركه ، كالأكل والشرب .
والأصل في الأشياء الإباحة مالم يرد حظر أو تحريم . وحكمه : أنه لاثواب ولا
عتاب على فعله أو تركه ، إلا إذا أدى الترك إلى خطر الهلاك ، فيجب الأكل مثلاً
ويحرم الترك ، حفاظاً على النفس .
٨ - السبب عند جمهور الأصوليين: هو ما يوجد عنده الحكم ، لا به،
- ٥٣ _

سواء أكان مناسباً للحكم ، أم لم يكن مناسباً . مثال المناسب : الإسكار سبب
لتحريم الخمر ؛ لأنه يؤدي إلى ضياع العقول ، والسفر سبب لجواز الفطر في
رمضان ؛ لأنه يؤدي إلى التيسير ودفع المشقة . ومثال غير المناسب أي بحسب
إدراكنا : دلوك (زوال) الشمس سبب لوجوب الظهر، في قوله تعالى: ﴿أقم
الصلاة لدلوك الشمس )، وعقولنا لا تدرك مناسبة ظاهرة بين السبب والحكم .
٩ - الشرط والركن : الشرط : هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان
خارجاً عن حقيقته ، فالوضوء شرط للصلاة خارج عنها ، وحضور الشاهدين في
عقد الزواج شرط له خارج عنه ، وتعيين المبيع والثمن في عقد البيع شرط لصحته
وليس جزءاً من العقد .
والركن عند الحنفية : هو ما يتوقف عليه وجود الشيء ، وكان جزءاً من
حقيقته أو ماهيته ، فالركوع ركن في الصلاة ؛ لأنه جزء منها ، وكذا القراءة في
الصلاة ركن ؛ لأنها جزء من حقيقة الصلاة ، والإيجاب والقبول في العقد ركن ؛
لأنه جزء يتكون به العقد . والركن عند الجمهور : ما يتوقف عليه أساساً وجود
الشيء ، وإن كان خارجاً عن ماهيته .
١٠ - المانع : ما يلزم من وجوده عدم الحكم ، أو بطلان السبب . مثال
الأول : الدين في باب الزكاة مانع من وجوبها عند الحنفية ، ومثال الثاني : الأبوة
مانع من القصاص .
١١ - الصحة والفساد والبطلان :
الصحة : موافقة أمر الشرع ، والصحيح : هو ما استوفى أركانه وشروطه
الشرعية . وصحة العبادة عند الفقهاء : وقوعها مسقطة لطلب الشرع ، على وجه
- ٥٤ -

يسقط القضاء . وصحة المعاملات : ترتيب آثارها الشرعية عليها ، فالمراد من
صحة العقد هو ترتيب أثره عليه ، وهو ماشرع له ، كحل الانتفاع في البيع ،
والاستمتاع في الزواج .
والعبادات باتفاق العلماء : إما صحيحة ، أو غير صحيحة ، وغير الصحيح
منها لافرق فيه بين الباطل والفاسد ، فالقسمة ثنائية .
أما المعاملات المدنية : فلا فرق فيها أيضاً عند غير الحنفية بين الفاسد
والباطل ، وعند الحنفية تكون القسمة ثلاثية ؛ لأن العقد غير الصحيح إما باطل
أو فاسد .
وغير الصحيح : هو مالم يستوف أركانه وشروطه المطلوبة شرعاً .
والباطل عند الحنفية : هو الذي يشتمل على خلل في أصل العقد أي في
أساسه ، ركناً كان أو غيره ، أي في صيغة العقد ، أو العاقدين ، أو المعقود عليه .
ولا يترتب عليه أي أثر شرعي ، كأن يصدر البيع من مجنون أو صبي غير مميز
( دون السابعة ) .
والفاسد عند الحنفية : هو ماكان الخلل فيه في وصف من أوصاف العقد ،
بأن كان في شرط من شروطه ، لا في ماهيته أو ركنه . ويترتب عليه في
المعاملات بعض الآثار ، إذا توافر ركنه وعناصره الأساسية ، مثل البيع بثمن
مجهول ، أو المقترن بشرط فاسد كانتفاع البائع بالمبيع بعد البيع مدة معلومة ،
والزواج بغير شهود . فيثبت الملك خبيثا في البيع الفاسد إذا قبض المبيع ، ويجب
المهر ، والعدة بعد الفراق ، ويثبت النسب بالدخول في الزواج الفاسد .
وبه يظهر أن البطلان : هو مخالفة أمر الشرع المؤدية إلى عدم ترتب الآثار
الشرعية المقصودة عادة من العبادة أو المعاملة . وهو في المعاملات : مخالفة
- ٥٥ _

التصرف لنظامه الشرعي في ناحية جوهرية . والناحية الجوهرية : هي
الأساسية .
والفساد : هو اختلال في العقد المخالف لنظامه الشرعي في ناحية فرعية
متممة يجعله مستحقاً للفسخ . وهو يجعل العقد في مرتبة متوسطة بين الصحة
والبطلان ، فلا هو بالباطل غير المنعقد لتوافر الناحية الجوهرية أو الأساسية
المطلوبة شرعاً فيه ، ولا هو بالصحيح التام الاعتبار، لوجود خلل فيه في ناحية
فرعية فقط غير جوهرية . وأسباب الفساد أربعة هي : الجهالة ، والغرر
( الاحتمال ) ، والإكراه(١)، والشرط الممنوع المفسد.
١٢ - الأداء والقضاء والإعادة :
هذه الأمور تبحث عادة مع الواجب الموسع : وهو الذي يتسع وقته له
ولغيره من جنسه ، كأوقات الصلوات المفروضة ، فإن كل وقت يسع الفريضة
صاحبة الوقت ، وأداء صلاة أخرى .
والأداء : هو فعل الواجب في الوقت المقدر له شرعاً .
والإعادة : فعل الواجب ثانياً في الوقت ، كإعادة الصلاة مع الجماعة .
والقضاء : فعل الواجب بعد انتهاء الوقت . وقضاء الصلاة المفروضة أمر
واجب ، لما رواه أنس في الصحيحين أن الرسول مائلٍ قال: ((من نام عن صلاة أو
(١) الجهالة أربعة أنواع: إما في المعقود عليه، أو في العوض، أو في الأجل، أو في وسائل التوثيق المشروطة
في العقد ، كالرهن والكفالة . والغرر: أن يعتمد التعاقد على أمر موهوم غير موثوق ، وهو نوعان: إما في أصل المعقود
عليه ، كبيع الحمل في بطن أمه ، وإما في أوصاف العقد الفرعية ومقاديره ، كادعاء مقدار معين لحليب شاة .
والإكراه : حمل الغير على أن يفعل مالا يرضاه ولا يختار مباشرته، لو خلي ونفسه ( راجع المدخل الفقهي للأستاذ
مصطفى الزرقا: ف : ٣٧١ - ٣٧٦ ).
- ٥٦ -

نسيها ، فليصلها إذا ذكرها ، لاكفارة لها إلا ذلك)) ويقاس على الناسي والنائم
من باب أولى : تارك الصلاة كسلاً ، أو عمداً بغير عذر مشروع .
ثانياً : المصطلحات الخاصة بالمذاهب :
هناك مصطلحات مكررة في كل مذهب ، دعا إليها إيثار الاختصار ، وملل
التكرار ، وضرورة معرفة المعتمد الراجح من بين الأقوال وهي ما يلي :
مصطلحات المذهب الحنفي :
أ - ظاهر الرواية: يراد به في الغالب الشائع - كما عرفنا - قول أئمة
الحنفية الثلاثة ( أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ) .
ب - الإمام : هو أبو حنيفة ، والشيخان : هما أبو حنيفة وأبو يوسف ،
والطرفان : هما أبو حنيفة ومحمد ، والصاحبان : هما أبو يوسف ومحمد . والثاني :
هو أبو يوسف. والثالث: هو محمد، ولفظ ((له)) أي لأبي حنيفة، ولفظ
((لهما)) أو ((عندهما)) أو ((مذهبها)) أي مذهب الصاحبين، وإذا قالوا :
أصحابنا ، فالمشهور إطلاق ذلك على الأئمة الثلاثة : أبي حنيفة وصاحبيه ، وأما
المشايخ : فالمراد بهم في الاصطلاح : من لم يدرك الإمام .
جـ ـ يفتى قطعاً بما اتفق عليه أبو حنيفة وأصحابه في الروايات الظاهرة ،
فإن اختلفوا : فإنه يفتى بقول الإمام أبي حنيفة على الإطلاق ، وخصوصاً في
العبادات ، ولا يرجح قول صاحبيه أو أحدهما إلا لموجب : وهو - كما قال ابن
نجيم - إما ضعف دليل الإمام ، وإما للضرورة والتعامل ، كترجيح قولهما في
المزارعة والمساقاة ( المعاملة ) ، وإما بسبب اختلاف العصر والزمان .
ويفتى بقول أبي يوسف في القضاء والشهادات والمواريث ، لزيادة تجربته .
- ٥٧ _

كما يفتى بقول محمد في جميع مسائل ذوي الأرحام ، ويفتى بقول زفر في سبع عشرة
مسألة(١) .
د - إذا لم يوجد رواية للإمام في المسألة : يفتى بقول أبي يوسف ، ثم
بقول محمد ، ثم بقول زفر ، والحسن بن زياد .
هـ - إذا كان في مسألة قياس واستحسان ، فالعمل على الاستحسان إلا
في مسائل معدودة مشهورة ، هي اثنتان وعشرون مسألة(٢).
وإذا لم تذكر المسألة في ظاهر الرواية ، وثبتت في رواية أخرى ، تعين
المصير إليها .
وإذا اختلفت الروايات عن الإمام ، أو لم يوجد عنه ولا عن أصحابه رواية
أصلاً ، يؤخذ في الحالة الأولى بأقواها حجة ، ويؤخذ في الحالة الثانية بما اتفق
عليه المشايخ المتأخرون ، فإن اختلفوا يؤخذ بقول الأكثرين ، فإن لم يوجد منهم
قول أصلاً ، نظر المفتي في المسألة نظرة تأمل وتدبر واجتهاد ، ليجد فيها ما يقرب
من الخروج عن العهدة ، ولا يتكلم فيها جزافاً ، ويخشى الله تعالى ويراقبه ، لأن
الجرأة على الفتيا بدون دليل أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي .
و - إذا تعارض التصحيح والفتوى ، فقيل : الصحيح كذا ، والمفتى به
كذا ، فالأولى العمل بما وافق المتون ، فإن لم توجد موافقة لها ، فيؤخذ بالمفتى
به ؛ لأن لفظ الفتوى آكد ( أقوى ) من لفظ الصحيح والأصح والأشبه وغيرها .
وإذا ورد في المسألة قولان مصححان جاز القضاء والإفتاء بأحدهما . ويرجح
(١) انظر رد المحتار لابن عابدين: ١ / ٦٥ - ٧٠، ٤ / ٣١٥، رسالة المفتي في مجموع رسائل ابن عابدين:
١ / ٣٥ - ٤٠.
(٢) رسم المفتي: ص ٣٥، ٤٠.
- ٥٨ -

أحدهما بما هو أوفق للزمن أو العرف أو أنفع للوقف أو للفقراء ، أو كان دليله
أوضح وأظهر ؛ لأن الترجيح بقوة الدليل .
ولفظ: ((به يفتى)) آكد من لفظ ((الفتوى عليه))؛ لأن الأول يفيد
الحصر .
ولفظ ((الأصح)) آكد من ((الصحيح)) و ((الأحوط)) آكد من
((الاحتياط)).
ز - المراد بكلمة ((المتون)): أي متون الحنفية المعتبرة ، مثل كتاب
مختصر القدوري ، والبداية ، والنقاية ، والمختار ، والوقاية ، والكنز، والملتقى ،
فإنها وضعت لنقل ظاهر الرواية والأقوال المعتمدة .
ح - لا يجوز العمل بالضعيف من الرواية ، ولو في حق نفسه ، بدون
فرق بين المفتي والقاضي ، إلا أن المفتي مخبر عن الحكم الشرعي ، والقاضي ملزم به .
وصح عن أبي حنيفة أنه قال: ((إذا صح الحديث فهو مذهبي )) ، ونقل مثل ذلك
عن غيره من أئمة المذاهب(١) . لكن يجوز الإفتاء بالقول الضعيف للضرورة تيسيراً
على الناس .
ط - الحكم الملفق عند الحنفية باطل ، كما أن الرجوع عن التقليد بعد
العمل باطل ، على ما هو المختار في المذهب ، فمن صلى ظهراً بمسح الرأس مقلداً
للحنفي ، فليس له إبطال صلاته باعتقاده لزوم مسح كل الرأس مقلداً للمالكي .
وأجاز بعض الحنفية التقليد بعد العمل ، كما إذا صلى ظاناً صحة صلاته على
مذهبه ، ثم تبين بطلانها في مذهبه ، وصحتها على مذهب غيره فله تقليده ،
ويجتزئ بتلك الصلاة ، على ما قال في الفتاوى البزازية : روي عن أبي يوسف أنه
(١) انظر الميزان للشعراني: ١ / ٥٤ - ٦٣، أعلام الموقعين: ٢ / ٢٦٠ - ٢٧٤، ط محي الدين عبد الحميد .
- ٥٩ -

صلى الجمعة مغتسلاً من الحمام ، ثم أخبر بفارة ميتة في بئر الحمام ، فقال : نأخذ
بقول إخواننا من أهل المدينة: ((إذا بلغ الماء قُلَّتين ( ٢٧٠ لتراً أو ١٥ تنكة ) ، لم
يحمل خبثاً ))
ي - أجاز بعض الحنفية : أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره ، أو
برواية ضعيفة ، أو بقول ضعيف ، نفذ ، وليس لغيره نقضه .
ك - تعتبر حاشية ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) علامة الشام وهي «رد
المحتار على الدر المختار)) خاتمة التحقيقات والترجيحات في المذهب الحنفي .
مصطلحات المذهب المالكي :
المذهب المالكي كغيره من المذاهب يتميز بكثرة الأقوال ، مراعاة لمصالح
الناس وأعرافهم المختلفة .
والمفتي يفتي بالراجح الذي يكون صالحاً في موضوع المسألة . وغير المفتي
الذي لم يستكمل شروط الاجتهاد يأخذ بالمتفق عليه ، أو المشهور من المذهب ، أو
ما رجحه الأقدمون ، فإن لم يعرف أرجحية قول ، قيل كما ذكر الشيخ عليش
(١٢٩٩ هـ ): إنه يأخذ بالقول الأشد ؛ لأنه أحوط ، وقيل: يختار أخف الأقوال
وأيسرها، لأن ذلك أليق بالشرع الإسلامي؛ لأن النبي مع الإ جاء بالحنيفية
السمحة، وقيل: إنه يتخير، فيأخذ بأيها شاء؛ لأنه لا تكليف إلا بما يطاق(١).
أ - رتب بعض المالكية الترجيح بين روايات الكتب ، والروايات عن
المشايخ ، فقال : قول مالك في المدونة أولى من قول ابن القاسم فيها ، فإنه الإمام
الأعظم ، وقول ابن القاسم فيها أولى من قول غيره فيها ، لأنه أعلم بمذهب مالك ،
(١) كتاب مالك لأبي زهرة : ص ٤٥٧ وما بعدها .
- ٦٠ -