النص المفهرس
صفحات 1-20
الفِقَةُ الإِسْلامِ وَالْلِيَةُ الشامل للأولّة الشرعيّة والآراء المذهبيّة وأهمّ النظريّات الفِقِهِّة وتحقيق الأحاديث النبوية وتخريجها وَفَهْرَة الفَبَائِيَّة لمَوْضُوعَاتِ وَأَهَمّ المَسَائِلِ الْفِقِهِيَّة ((مَنْ يُرِدِ اللهُبِهِ خَيرًّا يُفْقِّهُهُ فِي الِينِ)) الدكتور وهبة الزحيلي الى الجزء الأول الطّمارة الصلاة عَار الفكر الله تعالى الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م ط ١ ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير ، كما يمنع الاقتباس منه، والترجمة إلى لغة أخرى ، إلا بإذن خطي من دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق سورية - دمشق - شارع سعد الله الجابري - ص.ب (٩٦٢) - س. ت ٢٧٥٤ هاتف ٢١١٠٤١، ٢١١١٦٦ - برقياً: فكر - تلكس Tx FKR 411745 Sy الصف التصويري : على أجهزة.C.T.T السويسرية الإفشاء (أوفست) : في المطبعة العلمية بدمشق ٠٠ ....... قفـ الله تعالى: . لله تعالى قفـ بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين تقيم الحمد لله العليم الخبير ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد البشير النذير، وعلى آله وصحبه أئمة الهدى ومصابيح الحياة ، ورضي الله تبارك وتعالى عن أئمة الاجتهاد من السلف الصالح صحباً وتابعين ، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد : فإن تنظيم شؤون الحياة والعلاقات الاجتماعية بين الناس ، لا يتم على نحو صحيح في ميزان العدل الإلهي والمنطق البشري ، بدون عقيدة سامية ، وأخلاق رصينة ، ومبادئ وأنظمة شاملة ، تضع حداً للفرد في ذاته وفي سره وعلانيته ، وللأسرة الخلية الأولى للمجتمع ، وللمجتمع الكبير المنتظم تحت سلطان الدولة ، ليعيش في أمن واستقرار، ويظل في تقدم إلى الأمام ، وليحمي نفسه من الأمراض التي قد يتعرض لها ، والتيارات التي تغزوه وتهز كيانه ، إما بسبب الضعف والانحلال والفساد ، أو بسبب الفقر والجوع ، أو بسبب التسلط والظلم والاستعباد ، أو بسبب الترف والأهواء ، أو بسبب طغيان المادة على كل شيء ، كما في عصرنا الحاضر. ولا عاصم لهذا المجتمع من التردي ، والانحدار أو الضياع ، إلا بباعث إصلاحي - ٥ - قوي يهز أركان الانحراف ، ويقض مضاجع الغافلين السادرين ، ليعيد إلى النفس الشعور بالذات والثقة بها ، وضرورة إثبات وجودها وحيويتها وفاعليتها ، وليس مثل القرآن العظيم ، وسيرة نبي الإسلام أصدق لهجة ، وأقوم دعوة ، وأخلص هدفاً في تصحيح مسيرة الناس: ﴿وبالحق أنزلناهُ وبالحقِ نَزَلَ ، وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً ﴾ ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ﴾ . ولا يمكن البقاء لأي دعوة تعتمد على الاعتقاد الداخلي أو العاطفة فقط ، بل لا بد دائماً من الالتزام العملي ببعض الواجبات ، ليكون ذلك دليلاً صادقاً على صحة الاعتقاد ؛ لأن الإيمان الصحيح هو ما وقر في القلب وصدقه العمل . وقد كان فقه الإسلام الذي ما يزال موضع اعتزاز وفخار وتقدير بين أنواع الفقه العالمي خير صورة عملية للمسلمين ، لبَّى مطالب الناس في حكم أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم ، وتنظيم شؤون حياتهم ، وفيه تبلورت بحق أحكام القرآن والسنة النبوية ، وبه تحقق المقصد الأسمى والغاية الكبرى لهذا الدين الحنيف ؛ لأن ماجاء به الإسلام من مبادئ في العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والمعاملة المستقيمة ، إنما يستهدف في الحقيقة تحقيق أغراض تهذيبية ، تؤدي إلى تصحيح المعاملات والسلوك الاجتماعي ، وكان الفقه الأكبر : وهو معرفة النفس مالها وماعليها ، والفقه بالمعنى الضيق وهو الأحكام الشرعية العملية : هو الترجمة الصادقة الدقيقة لشريعة الإسلام ، ومنهاج القرآن في الحياة . ولكن مما لا شك فيه أن الفقه الإسلامي بحاجة ماسة إلى كتابة حديثة فيه ، تبسط ألفاظه ، وتنظم موضوعاته ، وتبين مراميه ، وتربط اجتهاداته بالمصادر الأصلية له ، وتيسر للباحث طريق الرجوع إليه ، للاستفادة منه في مجال التقنين ، وتزوده بمعادن الثروة الخصبة الضخمة التي أبدعتها عقول - ٦ - ٠ ، المجتهدين ، دون تقيد باتجاه مذهبي معين ؛ لأن فقه مذهب ما لا يمثل فقه الشريعة كله ، وقد بدئ ولله الحمد على هذا النحو بمحاولات كتابة موسوعة فقهية في سورية ومصر والكويت ، ولما يكتمل شيء منها ؛ لأن للعمل الجماعي عيوبه أحياناً ، من بطء الإنجاز ، وتوزع العلماء ، وكثرة المشكلات . وكون أحد آراء الفقهاء بدون تعيين هو الحق والصواب - باعتبار أن الحق واحد لا يتعدد - لا يمنع الأخذ بأي رأي فقهي ؛ لتعذر معرفة الأصوب بسبب انقطاع الوحي والنبوة ، إلا أن يتضح لنا رجحان الرأي بدليله الأرجح. وإذ لم يتبين الأمر أمامنا ، فلنأخذ في مجال وضع القوانين المستمدة من الفقه بالرأي الذي يحقق مصلحة الناس ، وحاجة التعامل ، ويتلاءم مع التطورات الزمنية ، والأعراف الصحيحة التي لا تصادم الشريعة ، وتنسجم في أفقها العام وهدفها البعيد ، مع مبادئ الإسلام وروح التشريع ، ومقاصد الشرائع الكلية ، وبذلك نحقق غاية الشريعة ومصالح الناس معاً، فلا يتعثر تطبيق الشريعة ، ولا يصطدم بأصولها العامة، أو بأحكامها الثابتة المقررة في نصوصها ، فإن الأخذ بالنصوص لايكون بتعطيلها ، بل بتخصيصها وتأويلها والاجتهاد في فهمها ، فكثيراً ما خصص الفقهاء النص 5 بالتعامل ، وقرروا بناء الأحكام على العرف . وكل هذا يتم وفق نظرة إسلامية شاملة متكاملة ، لا بمجرد ترقيع بمظاهر ، وترك الجوهر والمضمون الحقيقي ، ولا بمجرد تطعيم القوانين والأنظمة بنموذج إسلامي مبتور الجذور والأصول عن بقية أحكام شرع الله تعالى ، كالاهتمام بتطبيق العقوبات الشرعية ( الحدود مثلاً ) في مجتمع ما غريب عن الإسلام في التربية والتعليم ، والاجتماع والاقتصاد ، والمنهج والحياة ، والتنظيم المستورد المفروض قسراً على الأمة . وبما أنني ما زلت مؤمناً بأن المستقبل للإسلام وفقهه وتشريعاته ، وإن - ٧ - عطل بعض الناس الانتفاع بنظامه ، بالقوانين الوضعية المستوردة ، فإني حريص على بيان أحكام هذا الفقه ؛ لأن ذلك التعطيل ردة موقوتة ليس لها دعائم بقاء أو استقرار أو احترام في أذهان المسلمين ، بدليل ظهور صحوة مباركة في بداية هذا القرن الخامس عشر الهجري ، وبروز اتجاه قوي نحو العودة بالفعل لتطبيق الشريعة الإسلامية في شتى المجالات ، وقد بدأت فعلاً لجان علمية متخصصة تنفذ قرارات وزراء الخارجية العرب بوضع قانون موحد مستمد من الشريعة الإسلامية في النطاقين المدني والجنائي . منهج هذا الكتاب : ويمكن إبراز بعض مزايا هذا الكتاب في الفقه على النحو الجديد في التأليف أسلوباً وتبويباً وتنظيماً وفهرسة واستدلالاً بما يأتي : اً - إنه كتاب فقه الشريعة الإسلامية المعتمد على الدليل الصحيح من القرآن والسنة والمعقول ، لا فقه السنة وحدها ، ولا فقه الرأي وحده ، إذ ليس عمل المجتهد معتبراً من دون الاعتماد على القرآن والسنة . ومعرفة أحكام الشرع الفقهية التي هي : مجرد أمر وصفي وبيان مسلَمات ، لاتكوّن قناعة عقلية ولا متعة نفسية ، ولا طمأنينة للعالم والمتعلم إذا جاءت من غير دليل ، كما أن العلم بدليل الحكم يخرج من ربقة الجمود على التقليد المذموم في القرآن إلى الاتباع المقرون بالبصيرة الذي اشترطه الأئمة فيمن يتلقى العلم عنهم ، ثم إن أدلة الأحكام هي روح الفقه ، ودراستها رياضة للعقل ، وتربية له ، وتكوين للملكة الفقهية لدى كل متفقه . وبكلمة موجزة : يمتاز هذا الكتاب الشامل لفقه المذاهب باعتماده - وهو نفس اعتماد المذاهب الأربعة ونحوها - على استنباط أحكامه من مختلف مصادر التشريع الإسلامي النقلية والعقلية ( الكتاب والسنة والاجتهاد بالرأي المعتمد على - ٨ - روح التشريع الأصلية العامة ) ، فمن قصر فقه الإسلام على القرآن وحده فقد بتر أو مسخ الإسلام من جذوره ، وكان أقرب لأعداء الدين ، ومن حصر الفقه بالسنة وحدها فقد قصَّر وأساء ، وعاش قاصر الطرف عن شؤون الحياة ، وبعد عن التفاعل أو التجاوب مع متطلبات الناس ، وتحقيق مصالحهم ، ومن المعروف أنه حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله ودينه ، وأن زعماء مدرسة الحديث ( مالك والشافعي وأحمد ) أخذوا بالمصالح المرسلة والعرف والعادة وسد الذرائع وغيرها من أدلة الاجتهاد بالرأي ، كما أن زعماء مدرسة الرأي کالنخعي وربيعة الرأي وأبي حنيفة وأصحابه لم يهملوا بتاتاً سنة أو أثراً أو اجتهاداً عن السلف . اً - وهو ليس كتاباً مذهبياً محدوداً، وإنما هو فقه مقارن بين المذاهب الأربعة ( الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ) وبعض المذاهب الأخرى أحياناً ، بالاعتماد الدقيق في تحقيق كل مذهب على مؤلفاته الموثوقة لديه ، والإحالة على المصادر المعتمدة عند أتباعه ؛ لأن نقل حكم في مذهب من كتب المذاهب الأخرى لا يخلو من الوقوع في غلط في بيان الرأي الراجح المقرر ، وقد عثرت على أمثلة كثيرة من هذا النوع ، آثرت عدم الإشارة إليها ، حرصاً على الموضوعية والإيجابية فيما يقرر ، وبعداً عن تفسيرات فجة ، وعصبيات مذهبية ضيقة ، وتنزهاً عن المغالاة في تقديس كل جزئيات الكتب الفقهية . وقد لقي هذا النوع من الدراسة والبيان لفقه المذاهب الأربعة إقبالاً شديداً وحرصاً تاماً على المطالعة والاستفادة ، وهو يتفق مع الاتجاه العالمي للدراسة المقارنة ، ويضعف العصبية المذهبية أو يزيلها من النفس . ومع ذلك فإني أحاول دائماً التنويه بالرأي الموحد بين فقهاء المذاهب ، لا في مجرد العناوين لأحكام فقهية ، بل في الشروط والتفصيلات أيضاً . ٣ - فيه الحرص على بيان صحة الحديث ، وتخريج وتحقيق الأحاديث التي - ٩ - استدل بها الفقهاء ، حتى يتبين القارئ طريق السلامة ، فيأخذ الرأي الذي صح دليله ، ويترك بدون أسف كل رأي متكئ على حديث ضعيف . واذا لم أذكر ضعف الحديث فيعني غالباً أنه مقبول . ٤ - إنه استيعاب مختلف الأحكام الفقهية للمسائل الأصلية ، وموازنة القضايا الفقهية في كل مذهب مع المذاهب الأخرى ، حتى يتحقق التقابل بين الآراء ، ويجد الباحث ضالته المنشودة لمعرفة الحكم المطلوب في المذهب الذي يطمئن إليه ، ومقابلة الجزئيات المذهبية مع المذاهب الأخرى والموازنة بين الآراء . وبالرغم من كونه أمراً عسيراً ، فإنه يحقق هدف القارئ ، ويروي ظمأه . ٥ - فيه تركيز على الجوانب العملية ، وبعد عن المسائل الفرضية البعيدة الحصول ، وإهمال لكل ما يتعلق بالرق والعبيد ، لعدم الحاجة إليه بعد إنهاء هذه المشكلة وإلغاء الرق من العالم ، إلا على سبيل الإلمام التاريخي واستكمال الصورة الفقهية أحياناً . ٦ - قد أذكر ترجيحاً بين الآراء ، بحسب ما يبدو لي ، وبخاصة في مقابلة الحديث الضعيف ، أو لما أرى في مذهب ما من تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة ومضرة . وإذ لم أصرح بالترجيح ، فالأولى العمل برأي الأكثرين أو الجمهور ؛ لأن الكثرة يحصل بها الترجيح ، فيقدم رأي الجمهور إلا إذا لم يكن ملائماً لظروف الحياة الشرعية المعاصرة في المعاملات أو لم يترجح لدى مجتهد ما . ويجوز تقليد كل مذهب ، وإن أدى إلى التلفيق(١)، عند الضرورة أو الحاجة أو العجز والعذر ؛ لأن الصحيح جوازه عند المالكية وجماعة من الحنفية ، (١) التلفيق : هو الإتيان بكيفية لا يقول بها كل مجتهد على حدة . - ١٠ - ٦ كما يجوز الأخذ بأيسر المذاهب أو تتبع الرخص(١) عند الحاجة أو المصلحة ؛ لأن دين الله يسر لا عسر ، وأن القول بجواز التلفيق من باب التيسير على الناس ، قال تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر﴾ ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ ﴿يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفاً﴾. ولا يجوز تتبع الرخص عبثاً أو لهوى ذاتي ، بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ما هو الأخف عليه ، بدون ضرورة ولا عذر ، سداً لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية ، ولا يجوز التلفيق الذي يؤدي إلى نقض حكم الحاكم ؛ لأن حكمه يرفع الخلاف درءاً للفوضى ، ولا التلفيق الذي يؤدي إلى الرجوع عما عمل به المرء تقليداً ، أو مصادمة أمر مجمع عليه ، أو الوقوع في محظور شرعي ، كالتزوج بامرأة بلا ولي ولا صداق ولا شهود ، مقلداً كل مذهب فيما لا يقول به الآخر . لاً - سهولة الأسلوب ، وتبسيط الكلام ، وبيان الأمثال، والتنظيم الأقرب لفهم أهل العصر ، وتحقيق الرأي الراجح في كل مذهب ، ووضع الضوابط الكلية ، ليسهل التعرف على الأحكام من غير استطراد ولا بعثرة للمسائل ، فيصبح الفقه قريب المنال بأسلوبه وتنظيمه وتبويبه ، بعد أن كان أحياناً عصي الفهم ، غريب الأسلوب ، بعيد الإدراك ، حتى بالنسبة للمتخصص الذي يلقى صعوبة في التعرف على حكم فقهي معين في ثنايا المسائل الكثيرة المتشابكة ، وقد يحتاج لجهد كبير ووقت طويل للاطلاع على باب فقهي برمّته ، أو اللجوء إلى أكثر من كتاب في الموضوع ذاته . وحينئذ لا يبقى عذر لأحد في محاولة التخلص من أحكام الفقه الإسلامي ، بعد أن أزيل غموضه ، ورفعت حواجز الوهم والتعقيد والصعوبة في فهمه من بطون الكتب القديمة الغاصة بثروة وكنوز لا مثيل لها في التاريخ . (١) تتبع الرخص : أن يأخذ الشخص من كل مذهب ماهو أهون له وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل . - ١١ - ٨ - حاولت بحث بعض القضايا الجديدة ، ليتعايش الناس معها ، مستلهماً قواعد الشريعة ومبادئها ومقررات الفقهاء ، ويظل الباب مفتوحاً أمام المزيد من البحوث والاجتهادات الجزئية ؛ لأن فضل الله لا ينقطع ، ومواهبه وعطاياه ? لا تنحصر في زمن دون آخر ، ولا على أشخاص دون غيرهم . ويظل رائدي إلى الأبد قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء ) وقوله سبحانه: ﴿وقل: رب زدني علماً) وقوله ◌َ ◌ّ فيما يرويه البخاري ومسلم: ((من يرد الله به خيراً، يفقهه في الدين)) وما يرويه البخاري: (( رب مبلَّغ أوعى من سامع)). ومع أن هذا العمل يحتاج إلى جهد كبير وصبر وأناة ، وتعاون فئة من العلماء ، فقد صممت على الكتابة مستعيناً بالله تعالى ، لتقريب الفقه إلى الناس ، سواء العالم والمتعلم ، دون أي تعصب لرأي مذهبي معين ؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها ، ولأن المساهمة في تقدم العلم بحسب ما يرى العالم من الحاجة أمر واجب على العلماء، لأن (( العلم يزكو بالإنفاق)) كما قال سيدنا علي رضي الله عنه ، خصوصاً ما يتطلب البحث والتتبع والاستقصاء ، والتحقيق وبيان الراجح دليلاً ومذهباً ، راجياً من الله تعالى أن يحقق به النفع ، وأن يكون سبيلاً للأجر وادخار الثواب عند الله تعالى بعد الموت وانتهاء الأجل ، قال تع فيما يرويه البخاري في الأدب المفرد ، ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي هريرة : (( إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))(١) وقال ابن عمر رضي الله عنه: « مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة )» وجزى الله والدي رحمه الله الذي حبب إلي هذا العلم ، وجزى الله أيضاً أساتذتي في الأزهر وسورية على أفضالهم علي خير الجزاء . (١) لكن رمز له السيوطي بالضعف . - ١٢ - فإن أصبت الهدف المرجّى ، فذلك من فضل الله تعالى ، ولا أدعي العصمة والكمال والإحاطة بكل شيء في الفقه ، فذلك من سمات الله وحده ، وأعترف سلفاً بعجزي وقصوري : ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ وإنما هو عمل لا يعدو أن يكون محاولة في البيان والتنظيم وتقريب الفقه للناس ، والموازنة بين أحكامه في المذاهب الأربعة ونحوها ، والله ولي التوفيق . ﴿ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ، واجعل لي لسان صدق في الآخرين ، واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ . الباعث المباشر على تأليف هذا الكتاب : كان المسلم في الصدر الأول وحدة متكاملة ، يجمع بين شؤون الدین والدنيا والآخرة ، في انسجام والتزام دقيق متوازن ، سواء في شخصه وأسرته أم في سلوكه وعمله في الحياة ، وسواء أكان حاكمً قائداً ، أم رعية من آحاد المسلمين العاديين ، فكان إذا دعا داعي الجهاد مثلاً هبَّ كالأسد الهصور للدفاع المستميت عن دين الله تعالى وعزة الإسلام وحرمات المسلمين ، وإن طرأت قضية تهم الجماعة أو المجتمع في السياسة والحكم أو في القضايا الاجتماعية أو في مجال الإفتاء ، بادر إلى تقديم كل ما يمكنه من عمل مثمر أو فكر متفتح منتج مستلهماً العون الإلهي ، مبتغياً تحقيق مرضاة الله تعالى . واليوم تشعبت اتجاهات المسلمين ومسالكهم ، فلم يعد العمل للإسلام في قمة اهتمام المسلم واعتنائه ، وأصبح العمل البنَّاء من أجل الصالح العام أمراً قليل الأهمية أو عسير التحقيق ، وانصرف غالب الناس من ملايين المسلمين الموزعين في زهاء خمسين دولة إلى أعمالهم الخاصة ، تشغلهم ثروتهم أو تجارتهم أو عملهم الحر أو تثقيفهم أنفسهم بثقافات نظرية أو عملية طغت على الثقافة الإسلامية . - ١٣ - -. وأصبح من الصعب العثور على فهم إيجابي للمسلم لحياة العصر ، بسبب ازدواج الثقافة العلمية المادية والشرعية ، أو بسبب العمل بالتقنينات الوضعية المستوردة والنظريات الاقتصادية الحديثة . لكن يظل في أعماق الساحة الإسلامية قلَّة من الرجال أو الشباب الذين فهموا ما يتطلبه الإسلام ، وحياة المسلم المعاصر ، من احتياجات مع زحمة أعباء الحياة ، لمعرفة شؤون الحلال والحرام في المعاملات أو أحكام التكاليف الشرعية ، فقدروا ما يضر وما ينفع ، وبعدوا عن العيش بالعاطفة وحدها . ولقد كان لأصحاب دار الفكر بدمشق ، فضل الاقتراح علي بتأليف كتاب فقهي جامع لكل نواحي الفقه الإسلامي ، ينسجم مع أسلوب وحاجيات المسلم المعاصر الذي لم يعد يقبل بديلاً عن التسلح بالقناعة الفكرية ، والاطمئنان الذاتي لصحة الحكم الشرعي المؤيد بالدليل ، فبادرت إلى تلبية الدعوة وتنفيذ الاقتراح بجهد متواصل وعمل مضن ، حتى وفقني الله تعالى لإنجاز المطلوب ، بعد أن لمست فائدة هذا المنهج في الإقبال على دراسة واقتناء وتدريس ثلاثة أجزاء من هذا الكتاب عن المعاملات والعقود بعنوان ((الفقه الإسلامي في أسلوبه الجديد)) في أكثر من ست جامعات عربية . فللإخوة أصحاب دار الفكر كل التقدير والشكر الجزيل ، ولهم من الله تعالى المثوبة وما يستحقون على نشر هذا الكتاب وطبعه وتمويله وإخراجه في أجمل مظهر من الطباعة الأنيقة الحديثة ، وجزاهم الله خير الجزاء . - ١٤ - مقدمات ضرورية عن الفقه لابد قبل البدء في بحث الأحكام الشرعية من بيان معلومات تتناول ما يأتي : معنى الفقه وخصائصه ، لمحة موجزة عن فقهاء المذاهب ، مراتب الفقهاء وكتب الفقه ، اصطلاحات الفقه والمؤلفين في المذاهب ، أسباب اختلاف الفقهاء ، وخطة البحث . المطلب الأول - معنى الفقه وخصائصه : الفقه لغة : الفهم (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿قالوا: يا شعيب ، ما نفقه كثيراً مما تقول ) وقوله سبحانه: ﴿فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ . وفي الاصطلاح الشرعي: عرفه أبو حنيفة رحمه الله تعالى بأنه (( معرفة النفس ما لها وما عليها ))(٢) والمعرفة: هي إدراك الجزئيات عن دليل . والمراد بها هنا سببها : وهو الملكة الحاصلة من تتبع القواعد مرة بعد أخرى . وهذا تعريف عام يشمل أحكام الاعتقاديات ، كوجوب الإِيمان ونحوه ، والوجدانيات أي الأخلاق والتصوف ، والعمليات كالصلاة والصوم والبيع (١) يقال : فقه يفقه كعلم يعلم ، أي فهم مطلقاً ، سواء أكان الفهم دقيقاً أم سطحياً ، ويقال : فقه يفقه مثل كرم يكرم ، أي صار الفقه له سجية. ويقال: تفقه الرجل تفقهاً: أي تعاطى الفقه، ومنه قوله تعالى: ﴿ ليتفقهوا في الدين ﴾ . (٢) مرآة الأصول: ٤٤/١، التوضيح لمتن التنقيح: ١٠/١. ٠ - ١٥ - ونحوها ، وهذا هو الفقه الأكبر. وعموم هذا التعريف كان ملائماً لعصر أبي حنيفة الذي لم يكن الفقه فيه قد استقل عن غيره من العلوم الشرعية ، ثم استقل ، فأصبح علم الكلام ( التوحيد ) يبحث في الاعتقاديات ، وعلم الأخلاق والتصوف كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحوها ، يبحث في الوجدانيات . وأما الفقه المعروف حالياً فموضوعه أصبح مقصوراً على معرفة ما للنفس وما عليها من الأحكام العملية ، وعندئذ زاد الحنفية في التعريف كلمة ((عملاً )) لتخرج الاعتقاديات والوجدانيات . وعرف الشافعي رحمه الله الفقه بالتعريف المشهور بعده عند العلماء بأنه : العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (١). والمقصود بالعلم هنا : هو الإدراك مطلقاً الذي يتناول اليقين والظن ؛ لأن الأحكام العملية قد تثبت بدليل قطعي يقيني ، كما تثبت غالباً بدليل ظني . والأحكام : جمع حكم ، وهو مطلوب الشارع الحكيم ، أو هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً. والمراد بالخطاب عند الفقهاء : هو الأثر المترتب عليه ، كايجاب الصلاة ، وتحريم القتل ، وإباحة 5 الأكل ، واشتراط الوضوء للصلاة . واحترز بعبارة ((العلم بالأحكام)) عن العلم بالذوات والصفات والأفعال . و(( الشرعية)»: المأخوذة من الشرع، فيحترز بها عن الأحكام الحسية مثل : الشمس مشرقة ، والأحكام العقلية مثل : الواحد نصف الاثنين ، والكل أعظم من الجزء ، والأحكام اللغوية أو الوضعية ، مثل : الفاعل مرفوع ، أو نسبة أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً مثل زيد قائم ، أو غير قائم . (١) شرح جمع الجوامع للمحلي: ٣٢/١ وما بعدها، شرح الإسنوي: ٢٤/١ ، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب: ١٨/١، مرآة الأصول: ٥٠/١، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٥٨ . - ١٦ - و((العملية)) : المتعلقة بالعمل القلبي كالنية ، أو غير القلب مما يمارسه الإنسان مثل القراءة والصلاة ونحوها من عمل الجوارح الباطنة والظاهرة . والمراد أن أكثرها عملي ، إذ منها ما هو نظري ، مثل اختلاف الدين مانع من الإرث . واحترز بها عن الأحكام العلمية والاعتقادية ، كأصول الفقه ، وأصول الدين كالعلم بكون الإله واحداً سميعاً بصيراً. وتسمى العملية أحياناً: ((الفرعية)) والاعتقادية: (( الأصلية)). و ((المكتسب)) صفة للعلم: ومعناه المستنبط بالنظر والاجتهاد ، وهو احتراز عن علم الله تعالى، وعلم ملائكته بالأحكام الشرعية، وعلم الرسول محمد له الحاصل بالوحي ، لا بالاجتهاد ، وعلمنا بالبدهيات أو الضروريات التي لا تحتاج إلى دليل ونظر ، كوجوب الصلوات الخمس ، فلا تسمى هذه المعلومات فقهاً ، لأنها غير مكتسبة . والمراد بالأدلة التفصيلية : ما جاء في القرآن ، والسنة ، والإجماع ، والقياس . واحترز بها عن علم المقلد لأئمة الاجتهاد، فإن المقلد لم يستدل على كل مسألة يعملها بدليل تفصيلي ، بل بدليل واحد يعم جميع أعماله ، وهو مطالبته بسؤال أهل الذكر والعلم ، فيجب عليه العمل بناء على استفتاء منه . هذا ... وقد أصبح الفقه أخيراً كما في قواعد الزركشي : هو معرفة أحكام الحوادث نصاً واستنباطاً ، على مذهب من المذاهب . وموضوع الفقه : هو أفعال المكلفين من حيث مطالبتهم بها ، إما فعلاً كالصلاة ، أو تركاً كالغصب ، أو تخييراً كالأكل . والمكلفون : هم البالغون العاقلون الذين تعلقت بأفعالهم التكاليف الشرعية . الفقه الإسلامي جـ ١ (٢) - ١٧ - خصائص الفقه : الفقه : هو الجانب العملي من الشريعة ، والشريعة : كل ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام ، سواء بالقرآن ، أم بالسنة ، وسواء ما تعلق منها بكيفية الاعتقاد ، ويختص بها علم الكلام أو علم التوحيد ، أو بكيفية العمل ، ويختص بها علم الفقه . وقد بدأت نشأة الفقه تدريجياً في حياة النبي طاقةٍ وفي عصر الصحابة ، وكان سبب نشوئه وظهوره المبكر بين الصحابة هو حاجة الناس الماسة إلى معرفة أحكام الوقائع الجديدة ، وظلت الحاجة إلى الفقه قائمة في كل زمان لتنظيم علاقات الناس الاجتماعية ، ومعرفة الحقوق والواجبات لكل إنسان ، وإيفاء المصالح المتجددة ، ودرء المضار والمفاسد المتأصلة والطارئة . ويمتاز الفقه الإسلامي بعدة مزايا أو خصائص أهمها ما يأتي (١) : ٦ - أساسه الوحي الإلهي : يتميز الفقه عن غيره من القوانين الوضعية بأن مصدره وحي الله تعالى المتمثل في القرآن والسنة النبوية ، فكل مجتهد مقيد في استنباطه الأحكام الشرعية بنصوص هذين المصدرين ، وما يتفرع عنهما مباشرة ، وما ترشد إليه روح الشريعة ، ومقاصدها العامة ، وقواعدها ومبادئها الكلية ، فكان بذلك كامل النشأة ، سوي البنية ، وطيد الأركان ، لاكتمال مبادئه ، وإتمام قواعده، وإرساء أصوله في زمن الرسالة وفترة الوحي على النبي معَ ◌ّةٍ، قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام (١) راجع فجر الإسلام لأحمد أمين ، وتاريخ الفقه الإسلامي للسايس وتاريخ التشريع للخضري ، والسياسة الشرعية لعبد الرحمن تاج ، والأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ١٣٦ - ١٥٤، المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقا : ف / ٢ - ٤ و ٩٠ . - ١٨ - ديناً﴾ ولم يبق بعدئذ إلا التطبيق وفق المصالح البشرية التي تنسجم مع مقاصد الشريعة . ٣ - شموله كل متطلبات الحياة : يمتاز الفقه الإسلامي عن القوانين بأنه يتناول علاقات الإنسان الثلاث : علاقته بربه ، وعلاقته بنفسه ، وعلاقته بمجتمعه ، لأنه للدنيا والآخرة ، ولأنه دين ودولة ، وعام للبشرية وخالد إلى يوم القيامة ، فأحكامه كلها تتآزر فيها العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة ، لتحقق - بيقظة الضمير ، والشعور بالواجب ، ومراقبة الله تعالى في السر والعلن ، واحترام الحقوق - غاية الرضا والطمأنينة والإيمان والسعادة والاستقرار ، وتنظيم الحياة الخاصة والعامة وإسعاد العالم كله . ومن أجل تلك الغاية : كانت الأحكام العملية ( الفقه ) وهي التي تتعلق بما يصدر عن المكلف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات ، شاملة نوعين : الأول : أحكام العبادات : من طهارة وصلاة وصيام وحج وزكاة ونذر ويمين ، ونحو ذلك مما يقصد به تنظيم علاقة الإنسان بربه . وقد ورد في القرآن عن العبادات بأنواعها نحو ١٤٠ آية . الثاني : أحكام المعاملات : من عقود وتصرفات وعقوبات وجنايات وضمانات ، وغيرها مما يقصد به تنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض ، سواء أكانوا أفراداً أم جماعات . وهذه الأحكام تتفرع إلى ما يلي : أ - الأحكام التي تسمى حديثاً بالأحوال الشخصية : وهي أحكام الأسرة من بدء تكوينها إلى نهايتها من زواج وطلاق ونسب ونفقة وميراث ، ويقصد بها تنظيم علاقة الزوجين والأقارب بعضهم ببعض . ب - الأحكام المدنية : وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من - ١٩ - بيع وإجارة ورهن وكفالة وشركة ومداينة ووفاء بالالتزام ، ويقصد بها تنظيم علاقات الأفراد المالية وحفظ حق المستحق . وقد ورد في المجموعة المدنية في القرآن نحو سبعين آية . جـ ـ الأحكام الجنائية : وهي التي تتعلق بما يصدر من المكلف من جرائم ، وما يستحقه عليها من عقوبات ، ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم ، وتحديد علاقة المجني عليه بالجاني وبالأمة ، وضبط الأمن . وقد ورد في المجموعة الجنائية في القرآن نحو ثلاثين آية . د - أحكام المرافعات أو الإجراءات المدنية أو الجنائية : وهي التي تتعلق بالقضاء والدعوى وطرق الإثبات بالشهادة واليمين والقرائن وغيرها ، ويقصد بها تنظيم الإجراءات لإقامة العدالة بين الناس . وقد ورد في القضاء والشهادة وما يتعلق بها في القرآن نحو عشرين آية . هـ - الأحكام الدستورية : وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، ويقصد بها تحديد علاقة الحاكم بالمحكوم ، وتقرير ما للأفراد والجماعات من حقوق ، وما عليهم من واجبات . و- الأحكام الدولية : وهي التي تتعلق بتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم والحرب ، وعلاقة غير المسلمين المواطنين بالدولة ، وتشمل الجهاد والمعاهدات . ويقصد بها تحديد نوع العلاقة والتعاون والاحترام المتبادل بين الدول . ز - الأحكام الاقتصادية والمالية : وهي التي تتعلق بحقوق الأفراد المالية والتزاماتهم في نظام المال ، وحقوق الدولة وواجباتها المالية ، وتنظيم موارد - ٢٠ -