النص المفهرس

صفحات 41-52

٤٤
فقد آذنته بالحرب
وللكرامة شروط في نفسها تميزها عن أحوال الشياطين وأعمال
السحرة والمشعوذين، وشروط فيمن تحدث على يديه من أهمها:
(١) أن يكون صاحبها مؤمنًا تقيًا:
قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *
الَّذِينَ أَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].
فيؤدي ما افترضه الله عليه من الفروض والواجبات، ويجتنب ما
نهاه الله عنه من المحرمات، ثم يعمل المستحبات ويترك المكروهات.
(٢) أن لا يدعي صاحبها الولاية:
فدعوى الولاية هي دعوى علم الغيب أولاً .. ثم إنها تزكية
للنفس ثانيًا، وليس من لازم الكرامة الولاية كما سبق.
(٣) أن لا يغتر بها من تحدث له ولا يفخر بها مرائيًا.
(٤) أن لا تكون سببًا في ترك شيء من الواجبات؛ لأن
الكرامة يحصل عليها الولي بسبب طاعته لله، فليزم من ذلك أن لا
تخالف ما كان سببًا في حصولها.
ومثال ذلك: الذي يحمله الجني إلى عرفة ليلة عرفة، فيحج مع
الناس ثم يعيده إلى بلده من غير إحرام ولا ميقات. فذلك ليس
كرامة ولكنه خداع من الجني الكافر.
(٥) أن لا تخالف أمرًا من أمور الدين:
فلو رأى في المنام أو في اليقظة أن شخصًا في صورة ملك أو نبي
أو صالح يقول له: قد أبحت لك الحرام أو حرمت عليك الحلال أو

٤٥
فقد آذنته بالحرب
أسقطت عنك التكاليف أو نحو ذلك فلا يصدقه؛ لأن الدين قد
اکتمل قبل وفاة النبي گ.

٤٦
فقد آذنته بالحرب
معاداة أولياء الله
ينبغي للعبد أن يعلم أن جميع المعاصي محاربة لله تعالى.
قال الحسن بن آدم: هل لك بمحاربة الله من طاقة ؟ فإن من
عصى الله فقد حاربه، لكن كلما كان الذنب أقبح كانت المحاربة لله
أشد، ولهذا سمى الله تعالى أكلة الربى وقطاع الطريق محاربين الله
تعالى ورسوله لعظم ظلمهم لعباده وسعيهم بالفساد في بلاده
وكذلك كل من يؤذي مؤمنًا تقيًا أو يعتدي عليه في ماله أو نفسه
أو عرضه، فإن الله تعالى يُعلمه أنه محارب له .. وإذا حارب الله عبدًا
أهلكه وهو يُمهل ولا يُهمل .. ويمد للظالمين مدًا ثم يأخذهم أخذ
عزيز مقتدر، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ
أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
و كما في الحديث: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب».
والمعاداة التي توعد الله بها من عادى أولياءه هي ما كانت
بسبب امتثاله لأوامر الله واجتنابه عن نواهيه .. ودعوته إلى منهجه.
أما إذا كانت المعاداة من أجل نزاع أو خصومة على ما يقتضي
النزاع عليه. فهذا لا يدخل في الحديث.
ثم علينا أن لا نحكم لإنسان آذى أولياء الله ثم لم يُعاجل بمصيبة في
نفسه أو ماله أو ولده. بأنه يسلم من انتقام الله تعالى له، فقد تكون
مصيبته في غير ذلك مما هو أشبه عليه؛ كالمصيبة في الدِّين مثلاً.

٤٧
فقد آذنته بالحرب
والله عز وجل قد وعد أنه ينصر رسله وأولياءه؛ فقال تعالى:
﴿إِنَّا لَنَْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ أَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ *
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:
٥١، ٥٢].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «قد أورد أبو جعفر بن جرير
رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ أَمَنُوا فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١، ٥٢] سؤالاً، فقال: قد عُلم أن بعض
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية؛ کیحی وزكريا
وشعياء ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرًا كإبراهيم وإما
إلى السماء كعيسى فأين النصرة في الدنيا؟
ثم أجاب عن ذلك بجوابين:
أحدهما: أن يكون الخبر خرج عامًا والمراد به البعض؛ قال وهذا
سائغ في اللغة.
الثاني: أن يكون المراد بالنصر والانتصار لهم ممن آذاهم وسواءً
كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيى
وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك
دماءهم.
وقد ذُكر أن النمرود أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأما
الذين راموا صلب المسيح التَّئُ من اليهود، فسلط الله تعالى عليهم
الروم، فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم، ثم قبل يوم
القيامة سينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام إمامًا عادلاً

٤٨
فقد آذنته بالحرب
وحكمًا مقسطًا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل
الخنزير ويكسر الصليب، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام وهذه
نُصرة عظيمة وهي سنةُ الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه؛
أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم؛ ففي
صحيح البخاري عن أبي هريرة ظه عن رسول الله: ﴿ أنه قال:
«يقول الله تبارك وتعالى من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب»
وفي الحديث الآخر: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث بالحرب»
وفي الحديث الصحيح: «من كنت خصمه خصمته». ولهذا أهلك
الله عز وجل قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل
مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى
الله تعالى من بينهم المؤمنين؛ فلم يُهلك منهم أحدًا وعذب
الكافرين؛ فلم يُفلت منهم أحدًا، قال السُّدي: لم يبعث الله عز
وجل رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى
الحق، فُيُقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم
من ينصرهم؛ فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم وهم منصورون
فيها. وهكذا نصر الله نبيه محمدًا﴿ وأصحابه على من خالفه
وناوأه وكذبه وعاداه فجعل كلمته هي العليا ودينه هو الظاهر على
سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية
وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر
فنصره عليهم وخذلهم به وقتل صناديدهم، وأسر سُراتهم فاستاقهم
مقرَّنين في الأصفاد، ثم منَّ عليهم بأخذه الفداء منهم ثم بعد مدة
قريبة فتح عليه مكة؛ فقرت عينه ببلده وهو البلد المحرم الحرام

٤٩
فقد آذنته بالحرب
المشرف المعظم فأنقذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك
وفتح له اليمن ودانت له جزيرة العرب بكاملها ودخل الناس في
دين الله أفواجًا، ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة
العظيمة فأقام الله تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده فلَّغوه عنه دين
الله عز وجل ودعوا عباد الله تعالى إلى الله جلّ وعلا، وفتحوا البلاد
والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب حتى انتشرت الدعوة
المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائمًا
منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ أَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] أي:
يوم القيامة تكون النُّصرة أعظم وأكبر وأجل»(١).
(١) تفسير ابن كثير ٩٠/٤.

٥٠
فقد آذنته بالحرب
الولاية والتواضع
ترجم الإمام البخاري- رحمه الله- في كتاب الصحيح المسمى
«الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله/. وسننه
وأيامه»(١).
لهذا الحديث بـ «باب التواضع».
واستشكل العلماء دخول هذا الحديث في باب التواضع.
وقد التمس الحافظ ابن حجر - رحمه الله- لذلك عدة أجوبة
منها:
(١) أن التقرب إلى الله بالنوافل لا يكون إلا بغاية التواضع لله
والتو کل علیه.
(٢) أن موالاة الأولياء لا تتأتى إلا بغاية التواضع؛ إذ منهم
الأشعث الأغبر الذي لا يؤبه له، وقد ورد في الحث على التواضع
عدة أحاديث صحيحة لكن ليس شيء منها على شرطه فاستغنى
عنها بحديثي الباب ... »(٢). اهـ.
(١) وهذه التسمية أصبحت مهجورة بين طلاب العلم فضلاً عن غيرهم.
(٢) فتح الباري ٤٢٢/١١.

٥١
فقد آذنته بالحرب
صفة التردد
وصف الله عز وجل نفسه في هذا الحديث بصفة التردد، وهي
صفة ثابتة. نثبتها لله كما يليق بجلاله وكماله، ولا تشبه صفة
المخلوقين، فكما أننا نثبت الله صفة السمع والبصر والحياة والعلم،
فإننا كذلك نثبت صفة التردد.
قال الله تعالى في نهاية هذا الحديث: «وما ترددت عن شيء أنا
فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته».
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن معنى تردد الله
فأجاب: (والتحقيق: أن كلام رسوله حق وليس أحد أعلم بالله من
رسوله، ولا أنصح للأمة منه ولا أنصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا
كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم
وأسوئهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام
رسول الله :﴿ عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكن
المتردد منا وإن كان تردده في الأمر؛ لأجل كونه ما يعلم عاقبة
الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد
منه، فإن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في
أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم
بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد؛ فيريد الفعل لما
فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء
الواحد الذي يُحب من وجه ويكره من وجه كما قيل:

٥٢
فقد آذنته بالحرب
الشيب كره وكره أن أفارقه
فأعجب لشيء على البغضاء محبوب
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد
من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، ومن
هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث، فإنه قال:
«لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، فإن العبد الذي
هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًا له، يتقرب إليه أولاً بالفرائض وهو
يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها؛ فأتى بكل ما
يقدر عليه من محبوب الحق.
فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين يقصد اتفاق الإرادة بحيث
يحبه محبوبه، ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسور عبده
ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت؛ ليزداد من محاب محبوبه. والله
سبحانه وتعالى قد قضی بالموت، فكل ما قضی به، فهو يريده ولابد
منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره
لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا
للحق من وجه مکروهًا له من وجه.
وهذا حقيقة التردد وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه
مكروهًا من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما
ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده ... (١).
(١) الفتاوى ١٢٩/١٨.

٥٣
فقد آذنته بالحرب
الخاتمة
في ختام هذه الرسالة المختصرة يمكن أن نستفيد من الحديث مع
ما سبق عدة فوائد منها:
١) تقديم الإعذار على الإنذار، وذلك من قوله مج لـ «قال الله
تعالی: من عادی لي وليا فقد آذنته بالحرب».
٢) قال الحافظ ابن حجر: «يؤخذ من قوله: «ما تقرب إلي
عبدي بأحب مما افترضته عليه ... » أن النافلة لا تقدم على الفريضة؛
لأن النافلة إنما سميت نافلة؛ لأنها تأتي زائدة على الفريضة فما لم تؤدّ
الفريضة لا تحصل النافلة .. ومن أدى الفرض ثم زاد عليه النفل وأدام
ذلك تحقق منه إرادة التقرب.
٣) من أعظم الفرائض المقربة إلى الله الصلاة، ومن أعظم
النوافل المقربة إلى الله كثرة تلاوة القرآن وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم
وكثرة ذكر الله الذي يتوطأ عليه القلب واللسان.
٤) النافلة تجير الفرائض، قال ﴿: «إن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة من عمله الصلاة .. فإن صلحت فقد أفلح
وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن انتقص من فريضة قال
الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمَّل بها ما انتقص من
الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك».

٥٤
فقد آذنته بالحرب
٥) أن العبد مهما بلغ أعلى الدرجات فينبغي له ألا ينقطع
عن الطلب من الله تعالى؛ وذلك لما فيه من إظهار الذل والخضوع
له.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

٥٥
فقد آذنته بالحرب
الفهرس
المقدمة
٥
نص الحديث
٦
تعريف الولاء.
٨
صفة أولياء الله في القرآن
١٠
تفاضل الناس في الولاية.
١٢
الولاية توجد في جميع أصناف الأمة.
١٣
الولاية والعصمة
١٥
الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
١٧
شروط ولاية الله
٢١
أقسام أولياء الله.
٢٥
ثمرات الولاية
٣٥
الكرامة والولاية
٤٣
معاداة أولياء الله
٤٠
الولاية والتواضع
٥٠
صفة التردد.
٥١
الخاتمة
٥٣
الفهرس.
٥٥