النص المفهرس

صفحات 21-40

٢٤
فقد آذنته بالحرب
(٧) ملازمة الخوف من الله، واحتقار النفس ومطالعة عيوبها،
والرحمة بالخلق، والنصيحة لهم، مع الحرص على معرفة محاسن
الشريعة، والخوف من سوء الخاتمة.

٢٥
فقد آذنته بالحرب
أقسام أولياء الله
أولياء الله على «طبقتين»؛ سابقون مقربون .. وأصحاب يمين
متقصدون، ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز .. في أول
سورة الواقعة .. وآخرها .. وفي سورة الإنسان، والمطففين، وفي
سورة فاطر؛ فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ
عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَائِقٌ بِالْخَيْرَاتِ يِذْنِ
اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ
أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلِّنَا دَارَ
الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌّ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:
٣٢-٣٥].
وهذا التقسيم في الآيات لأمة محمد﴿ .. وإليك تفصيل أحوالهم
من كلام الإمام ابن القيم:
أولاً: حال الظالمين لأنفسهم:
فالظالم لنفسه قطع مراحل عمره في غفلاته وإيثاره شهواته،
ولذاته على مراضي الرب سبحانه وأوامره مع إيمانه بالله وكتبه
ورسله واليوم الآخر، لكن نفسه مغلوبة معه مأسورة مع حظه
وهواه .. يعلم سوء حاله ويعترف بتفريطه ويعزم على الرجوع إلى
الله.

٢٦
فقد آذنته بالحرب
ثانيًا: حال المقتصدین:
وأما المقتصد المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم فهو الذي ذكره
النبي : في هذا الحديث عن ربه تعالى: «وما تقرب إلي عبدي بمثل
أداء ما افترضته عليه». وهؤلاء المقتصدون - كما يقول ابن قيم
الجوزية:
قطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله وعقد القلب
على ترك مخالفته ومعاصيه؛ فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال
الصالحة واجتناب الأعمال القبيحة؛ فأول ما يستيقظ أحدهم من
منامه يسبق إلى قلبه القيام إلى الوضوء والصلاة كما أمره الله؛ فإذا
أدى فرض وقته اشتغل بالتلاوة والأذكار إلى حين تطلع الشمس؛
فيركع الضحى، ثم يذهب إلى ما أقامه الله فيه من الأسباب؛ فإذا
حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول من
المسجد فأدى فريضته كما أمُر مكملاً لها بشرائطها وأركانها
وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور بين يدي
الرب؛ فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وسائر أحواله
آثارًا تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه، ويجد ثمرتها في قلبه من
الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور وقلة التكالب
والحرص على الدنيا وعاجلها، قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر،
وحببت إليه لقاء ربه ونفرته من كل قاطع يقطعه عن الله؛ فهو
مهموم كأنه في سجن حتى تحضر الصلاة، فإذا حضرت قام إلى
نعيمه وسروره وقرة عينه وحياة قلبه؛ فهو لا تطيب له الحياة إلا
بالصلاة؛ هذا وهم في ذلك كله مراعون لحفظ السنن، لا يخلُّون

٢٧
فقد آذنته بالحرب
منها بشيء ما أمكنهم؛ فيقصدون من الوضوء أكمله، ومن الوقت
أوله، ومن الصفوف أولها عن يمين الإمام أو خلف ظهره، ويأتون
بعد الفريضة بالأذكار المشروعة كالاستغفار ثلاثًا وقوله: «اللهم
أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»
وقوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد
وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولما معطي لما
منعت ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا
إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله
مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». ثم يسبِّحون ويحمدون
ويكبرون تسعًا وتسعين ويختمون المائة بلا إله إلا الله وحده لا
شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ومن أراد
المزيد قرأ آية الكرسي والمعوذتين عقيب كل صلاة؛ فإن فيها
أحاديث رواها النسائي وغيره، ثم يركعون السنة على أحسن
الوجوه هذا دأبهم في كل فريضة.
فإذا كان قبل غروب الشمس توفروا على أذكار المساء الواردة
في السنة نظير أذكار الصباح الواردة في أول النهار لا يخلُّون بها
أبدًا؛ فإذا جاء الليل كانوا فيها على منازلهم من مواهب الرب
سبحانه التي قسمها بين عباده.
فإذا أخذوا مضاجعهم أتوا بأذكار النوم الواردة في السنة، وهي
كثيرة تبلغ نحوًا من أربعين، فيأتون منها بما علموه وما يقدرون عليه
من قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا، ثم يمسحون بها رؤوسهم
ووجوههم وأجسادهم ثلاثًا، ويقرؤون آية الكرسي وخواتيم سورة

٢٨
فقد آذنته بالحرب
البقرة ويسبحون ثلاثًا وثلاثين، ويحمدون ثلاثًا وثلاثين ويكبرون
أربعًا وثلاثين، ثم يقول أحدهم: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك،
ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك
رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت
بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت).
وإن شاء قال: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن
أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك
الصالحين).
وإن شاء قال: (اللهم رب السموات السبع ورب العرش
العظيم، ربي ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة
والإِنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل دابة أنت أخذ بناصيتها؛
أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء،
وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء،
اقض عني الدين وأغنني من الفقر).
وبالجملة فلا يزال يذكر الله على فراشه حتى يغلبه النوم وهو
يذكر الله، فهذا منامه عبادة وزيادة له في قربه من الله.
فإذا استيقظ عاد إلى عادته الأولى، ومع هذا فهو قائم بحقوق
العباد من عيادة المرضى وتشييع الجنائز وإجابة الدعوة والمعاونة لهم
بالجاه والبدن والنفس والمال وزيارتهم وتفقدهم، وقائم بحقوق أهله
وعياله؛ فهو منتقل في منازل العبودية كيف نقله فيها الأمر، فإذا
وقع منه تفريط في حق من حقوق الله بادر إلى الاعتذار والتوبة

٢٩
فقد آذنته بالحرب
والاستغفار، ومحوه ومداواته بعمل صالح يزيل أثره؛ فهذه وظيفته
دائمًا.
ثالثًا: حال السابقين المقربين:
وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولاً من
وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة؛ ولكن محبة
القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس
متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ففي معرفة حال القوم فوائد
عديدة.
فنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع
القوم؛ فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القدر المشترك، وجملة
أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته
وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها
عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب؛ قد أنساهم حبه ذكر غيره،
وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، قد فنوا بحبه عن حب من سواه،
وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه
والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتذلل والانكسار بين
يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره؛ فإذا وضع أحدهم جنبه على
مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه، واجتمع همه عليه متذكرًا
صفاته العلى وأسماءه الحسنة، ومشاهدًا له في أسمائه وصفاته، قد
تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته؛ فبات جسمه في
فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه

٣٠
فقد آذنته بالحرب
إليه وأسجده بين يديه خاضعًا خاشعًا ذليلاً منكسرًا من كل جهة
من جهاته.
فيا لها من سجدة ما أشرفها من سجدة؛ لا يرفع رأسه منها إلى
يوم اللقاء .. فإذا استيقظ أحدهم إلى قلبه هذا الشأن فأول ما يجري
على لسانه ذكر محبوبه والتوجه إليه واستعطافه والتملق بين يديه
والاستعانة به؛ أن لا يخلي بينه وبين نفسه، وأن لا يكله إليها؛ فيكله
إلى ضعة وعجز وذنب وخطيئة؛ بل يكلؤه كلاءة الوليد الذي لا
يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ فأول ما
يبدأ به: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) متدبرًا
لمعناها من ذكر نعمة الله عليه بأن أحياه بعد نومه الذي هو أخو
الموت وأعاده إلى حاله سويًا سليمًا محفوظًا مما لا يعلمه ولا يخطر
بياله من المؤذيات أو الأذى ... ثم يدعو ويتضرع، ثم يقوم إلى
الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه، ثم يصلي (١) ما كتب الله
صلاة محب ناصح لمحبوبه متذلل منكسر بين يديه، لا صلاة مدل بها
عليه، يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيره، واستزاره
وطرد غيره وأهله وحرم غيره؛ فهو يزداد بذلك محبة إلى محبته،
ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره
في تلك الصلاة؛ فهو يتمنى طول ليله ويهتم بطلوع الفجر، كما
يتمنى المحب الفائز بوصل محبوبه ذلك؛ فهو كما قيل:
وزيد فيه سواد القلب والبصر
يود أن ظلام الليل دام له
(١) المراد بالصلاة هنا قيام الليل في الثلث الأخير من الليل.

٣١
فقد آذنته بالحرب
فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم، ويناجيه
بكلامه معطيًا لكل آية حظها من العبودية فتجذب قلبه وروحه إليه
آيات المحبة والوداد، والآيات التي فيها الأسماء والصفات، والآيات
التي تعرَّف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم،
وتُطيبُ له السير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة؛ فتكون له
بمنزلة الحادي الذي يطيب له السير ويهونه، وتقلقه آيات الخوف
والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره،
المائلین إلی سواه، فیجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه.
فتأمل هذه الثلاثة وتفقه فيها، والله المستعان ولا حول ولا قوة
إلا بالله. وبالجملة فيشاهد المُتَكَلِمُ سبحانه وقد تجلى في كلامه
ويعطي كل آية حظها من عبودية قلبه الخاصة الزائدة على نفس
فهمها ومعرفة المراد منها، ثم شأن آخر لو فطن له العبد لعلم أنه
كان قبلُ يلعب كما قيل:
إلى غاية ما بعدها لي مذهب
وكنت أرى أن قد تناهى بي
تيقنت أني إنما كنت ألعب
فلما تلاقينا وعاينت حسنها
فوا أسفاه! ووا حسرتاه! كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر
والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل
إليها وما ذاق أطيب ما فيها؛ بل عاش فيها عيش البهائم وانتقل
منها انتقال المفاليس؛ فكانت حياته عجزًا وموته كمدًا ومعاده
حسرة وأسفًا.

٣٢
فقد آذنته بالحرب
اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك
المستغاث، وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك؛ فإذا صلى ما
كتب الله جلس مطرقًا بين يدي ربه هيبة له وإجلالاً، واستغفره
استغفار من قد تيقن أنه هالك إن لم يغفر له ويرحمه، فإذا قضى من
الاستغفار وطرًا وكان عليه بعد ليل اضطجع على شقه الأيمن مجمًا
نفسه مريحًا لها مقويًا على أداء وظيفة الفرض؛ فيستقبله نشيطًا
بجدِّه، وهِّتِه كأنه لم يزل طول ليلته لم يعمل شيئًا؛ فهو يريد أن
يستدرك ما فاته في صلاة الفجر، فيصلي السنة ويبتهل إلى الله بينها
وبين الفريضة؛ فإن لذلك الوقت شأنًا يعرفه من عرفه، ويكثر فيه
من قول:
«يا حيُّ يا قيوم لا إله إلا أنت» فلهذا الذكر في هذا الموطن
تأثير عجيب، ثم ينهض إلى صلاة الصبح قاصدًا الصف الأول عن
يمين الإمام أو خلف قفاه، فإن فاته ذلك قصد القرب منه مهما
أمكن فإن للقرب من الإمام تأثيرًا في سر الصلاة، ولهذا القرب تأثير
في صلاة الفجر خاصة، يعرفه من عرف قوله تعالى: ﴿وَقُرْ أَنَ الْفَجْرِ
إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .. فإذا فرغ من
صلاة الصبح أقبل بكليته على ذكر الله والتوجه إليه بالأذكار التي
شرعت أول النهار، فيجعلها وردًا له لا يخل بها أبدًا، ثم يزيد عليها
ما شاء من الأذكار الفاضلة أو قراءة القرآن حتى تطلع الشمس فإذا
طلعت فإن شاء ركع ركعتي الضحى وزاد ما شاء، وإن شاء قام
من غير ركوع ثم يذهب متضرعًا إلى ربه سائله أن يكون ضامنًا
عليه متصرفًا في مرضاته بقية يومه .. فلا ينقلب إلا في شيء يظهر له

٣٣
فقد آذنته بالحرب
فيه مرضاة ربه، وإن كان من الأفعال العادية الطبيعية قلَبَه عبادة
بالنية وقصد الاستعانة به على مرضاة الرب، وبالجملة، فيقف عند
أول الداعي إلى فعله، فيفتش ويستخرج منه منفذًا ومسلكًا يسلك
به إلى ربه فينقلب في حقه عبادة وقربة .. فإذا جاء فرض الظهر بادر
إليه مكملاً له ناصحًا فيه لمعبوده؛ كنصح المحب الصادق المحبة لمحبوبه
الذي قد طلب منه أن يعمل له شيئًا ما.
وبالجملة فهذا حال هذا العبد مع ربه في جميع أعماله فهو يعلم
أنه لا يوفي هذا المقام حقه ... (١).
أخي الكريم:
قبل أن تقلب الصفحة قف مع نفسك وقفة صادقة هل أنت
ظالم لنفسك؟
أم أنت مقتصد؟
أم أنت من السابقين المقربين؟
فهنيئًا لك إن كنت من السابقين المقربين.
وجبر الله مصيبتك إن كنت من المقتصدين.
وعظّم الله أجرك إن كنت من الظالمين لأنفسهم.
وإياك ثم إياك ثم إياك من ركوب بحر التمني، وهو بحر لا ساحل
له، وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم كما قيل: إن المنى رأس
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين ص٣١٤ وما بعدها.

٣٤
فقد آذنته بالحرب
أموال المفاليس، وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان وخيالات المحال
والبهتان.
فكن صاحب همة عالية وأماني حائمة حول العلم والإيمان
والعمل الذي يقربك إلى الله ويدنيك من جواره (١).
(١) بتصرف من مدارج السالكين لابن القيم ٤٥٤/١.

٣٥
فقد آذنته بالحرب
ثمرات الولاية
للولاية ثمرات كثيرة منها:
(١) ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ أَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢ -٦٤].
ففي هذه الآية يخبر الله تعالى أن من كان وليًا لله تعالى، فله عدة
ثمرات وكرامات:
أ- لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة.
ب- ولا هم يحزون على ما وراءهم في الدنيا.
ج- أن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وقد فسَّرَ النِي ◌َ﴿ المراد بالبشرة أنها الرؤيا الصالحة يراها المسلم
أو تُرى له كما جاء ذلك عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت.
أن النبي ◌ُّ قال: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات».
قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة».
(٢) إعلام الولي بأن الله معه بنصره، وتأييده، وهذه المعية معية
خاصة؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ

٣٦
فقد آذنته بالحرب
اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
وَالَّذِينَ أَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ *
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ أَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
[المائدة: ٥٤، ٥٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾
[النحل: ١٢٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ أَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
(٣) إعلام الولي بما أعده الله عز وجل له في الآخرة من النعيم
والرضوان. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنْ
لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥].
(٤) ثناء الناس على عمله دون قصد منه، يدل لهذا حديث أبي
ذر ◌ُه أن النبي ﴿ سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده
الناس عليه؛ فقال ﴿: «تلك عاجل بشرى المؤمن»(١).
(٥) تبشير الملائكة له عند النزع الأخير وخروج الروح.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ *
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١].
(١) رواه مسلم ٢٠٣٤/٤ (٢٦٤٢).

٣٧
فقد آذنته بالحرب
قال ابن كثير رحمه الله: «أي تقول الملائكة للمؤمنين عند
الاحتضار نحن كنا أولياء كم أي: قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم
ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس
منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم
البعث والنشور، وتجاوز بكم الصراط المستقيم ونوصلكم إلى جنات
النعيم)»(١). اهـ.
(٦) إجابة الدعوة. كما جاء في الحديث: «ولئن سألني
لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه».
فهذا يدل على أن ولي الله تعالى مستجاب الدعوة إما عجلاً
وإما آجلاً على التفصيل الذي ذكره النبي ◌ُ ◌ّ بقوله: «ما من مسلم
يدعو، ليس باثم ولا بقطيعة رحم - إلا أعطاه الله إحدى ثلاث:
إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة، وإما أن
يدفع عنه من السوء مثلها» قال أبو سعيد الخدري ظه: إذا نكثر.
قال: «الله أكثر»(٢).
وقد كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم بجاب الدعوة مثل
البراء بن مالك؛ فعن أنس بن مالك قال: قال مح﴿: «كم من أشعث
أغبر ذي طمرين لا يؤبه له .. لو أقسم على الله لأبره .. منهم
البراء بن مالك»(٣).
(١) تفسير ابن كثير ١٠٧/٤.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧١٠) وقال الألباني رحمه الله في صحيح الأدب
المفرد (٥٤٧): «صحیح».
(٣) انظر: صحيح الجامع وزيادته للألباني (٤٥٧٣).

٣٨
فقد آذنته بالحرب
وإن البراء لقي زحفًا من المشركين، فقال له المسلمون: أقسم
على ربك قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم. فمنحهم
أكتافهم. ثم التقوا مرة أخرى. فقالوا: أقسم على ربك فقال:
أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك ◌َ﴾.
فمنحوا أكتافهم وقتل البراء اته.
وممن هو مستجاب الدعوة كذلك سعد بن أبي وقاص نظ﴾،
فعن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر بن
الخطاب واستعمل عليهم عمارًا فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن
يصلي.
فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق. إن هؤلاء يزعمون أنك لا
تحسن تصلي. فقال: أما أنا .. والله فإني كنت أصلي بهم صلاة
رسول الله ﴿ لا أخرم عنها. أصلي صلاتي العشاء فأركد في
الأوليين وأخف في الآخرين. قال: قال: ذلك الظن بك يا أبا
إسحاق. وأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة يسأل عنه أهل
الكوفة، فلم يدعْ مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا حتى دخل
مسجدًا لبني عبس فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة يكنى
أبا سعدة. فقال: أما إذا نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية.
ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله
لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة ..
فأطل عمره .. وأطل فقره .. وعرضه للفتن. وكان بعد ذلك إذا سئل
يقول: شیخ کبیر مفتون. أصابتني دعوة سعد.

٣٩
فقد آذنته بالحرب
يقول جابر بن سمرة: فأنا رأيته بَعْدُ قد سقط حاجباه على عينه
من الكبر. وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن.
وممن هو مستجاب الدعوة أيضًا سعيد بن زيد بن عمرو بن
نفيل ظ؛ فعن عروة بن الزبير أن سعيداً بن زيد خاصمته أروى
بنت أوس إلى مروان بن الحكم .. وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها
فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من
رسول الله:﴿. قال: ماذا سمعت من رسول الله:﴿؟ قال: سمعت
رسول الله ﴿ يقول: «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى
سبع أرضین».
فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال سعيد: اللهم إن
كانت كاذبة فأعم بصرها .. واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت
حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذا وقعت في حفرة
فماتت».
وذكر من هم مجابو الدعوة يضيق المقام عن حصرهم.
ولكن ينبغي للمسلم أن يحذر من ظلم الناس، فربما يظلم إنسانًا
له منزلة عند الله تعالی، فیرفع یدیه وتُستجاب دعوته.
(٧) ومن ثمرات ولاية الله رعاية الله عز وجل لوليه بتوفيقه
وحفظ جوارحه عن المعاصي كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وكما جاء في الحديث: «فإذا أحببته كنت سمعه الذين يسمع به
وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها».

٤٠
فقد آذنته بالحرب
وقد استشكل قوم؛ كيف يكون الباري جلَّ وعلا سمع العبد
وبصره ويده ورجله؟
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله جوابًا على هذا سبعة أقوال:
القول الأول: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى: كنت سمعه
وبصره في إيثاره أمره .. فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب
هذه الجوارح.
القول الثاني: أن المعنى: كليته مشغولة بي فلا يصغى بسمعه إلا
إلى ما يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به.
القول الثالث: المعنى: أجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه
وبصره ... الخ.
القول الرابع: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله
في المعاونة على عدوه.
القول الخامس: قال الفاكهاني -وسبقه إلى معناه ابن هبيرة:
هو فيما يظهر لي أنه على حذف مضاف، والتقدير: كنت حافظ
سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع إلا ما يحل استماعه، وحافظ بصره
كذلك ... الخ.
القول السادس: يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله، وهو أن
يكون معنى سمعه مسموعه؛ لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول مثل:
فلان أملي بمعنى مأمولي، والمعنى أنه لا يسمع إلا ذكري ولا يلتذ إلا
بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي ولا ينظر إلا في عجائب ملكوني

٤١
فقد آذنته بالحرب
ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي ورجله كذلك وبمعناه قال ابن هبيرة
أيضًا.
القول السابع: قال الخطابي: وقد يكون عبر بذلك عن سرعة
إجابة الدعاء، والنجح في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان كلها
إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.
وقال بعضهم وهو منتزع مما تقدم: لا يتحرك له جارحة إلا في
الله ولله؛ فهي كلها تعمل بالحق للحق.
والمعاني هذه كلها صحيحة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والحديث حق كما
أخبر به النبي ◌َ ﴿، فإن ولي الله لكمال محبته لله .. وطاعته لله يبقى
إدراكه الله وبالله .. وعمله لله وبالله .. فما يسمعه مما يحبه الحق
أحبه .. وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه .. وما يراه مما يحبه الحق
أحبه .. وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه .. ويبقى في سمعه وبصره من
النور ما يميز به بين الحق والباطل كما قال النبي ﴿ في الحديث
المتفق على صحته:
«اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا،
وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوق نورًا .. وتحتي نورًا
وأمامي نورًا .. وخلفي نورًا .. واجعل لي نورًا».
(١) انظر: فتح الباري ٤١٨/١١.

٤٢
فقد آذنته بالحرب
فولي الله فيه من الموافقة لله ما يتحد به المحبوب والمكروه ..
والمأمور والمنهي ونحو ذلك .. فيبقى محبوب الحق محبوبه .. ومكروه
الحق مكروهة ومأمور الحق مأموره .. وولي الحق وليه .. وعدو الحق
عدوه .. »(١). اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «المراد من هذا الكلام أن
من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض ثم بالنوافل قربه إليه
ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان؛ فيصير يعبد الله على
الحضور والمراقبة كأنه يراه .. فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته
وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله والأنس به والشوق إليه حتى يصير
هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة .. ولا يزال
هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوى حتى تمتلئ قلوبهم به، فلا
يبقى في قلوبهم غيره ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلى بموافقة ما
في قلوبهم .. فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب
كل ما سواه ولم يبقَ للعبد شيء من نفسه وهواه ولا إرادة إلا لما
يريده منه مولاه .. فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره .. ولا يتحرك إلا
بأمره .. فإن نطق نطق بالله .. وإن سمع سمع به .. وإن نظر نظر به ..
وإن بطش بطش به .. فهذا هو المراد .. »(٢). اهـ.
(١) مجموع الفتاوى ٣٧٣/٢.
(٢) جامع العلوم والحكم ص٤٤٣.

٤٣
فقد آذنته بالحرب
الكرامة والولاية
مذهب أهل السنة والجماعة أن الكرامة أمر خارق للعادة
يظهره الله على أيدي المؤمنين المتقين .. لكنها لا تصل إلى الخوارق
التي يظهرها الله على أيدي أنبيائه ورسله المسماة في القرآن والسنة
بـ «الآية» و «البرهان» والمسماة عند العلماء بـ «المعجزة»
وليس من شرط الولاية حدوث الأمر الخارق للعادة؛ لأنه قد يحدث
على يد من يُستدرج.
وليست الكرامة دليلاً على الولاية وكمالها؛ فمن يحدث على
يديه الخارق للعادة مع إيمانه وتقواه، فإنه لا يدل على أنه أفضل ممن
سواه من أولياء الله المؤمنين. بل قد يكون من لا يخرج على يديه
الخارق أفضل .. ولذا كانت نسبة وجود الخارق للعادة على من بعد
الصحابة أكثر من الصحابة؛ لأن حاجتهم لتقوية الإيمان أقل.
وضعف الإيمان فیمن بعدهم أكثر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ومما ينبغي أن يعرف أن
الكرمات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها الضعيف
الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته ويكون من
هو أكمل ولاية الله منه مستغنيًا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك؛ لعلو
درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته، ولهذا كانت هذه الأمور في
التابعين أكثر منها في الصحابة .. بخلاف من يجري على يديه
الخوارق لهدي الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة»(١).
(١) الفتاوى ٢٨٣/١١.