النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤٠
باب الحجر للفساد
باب الحجر للفساد
قال أبو حنيفة مثل: لا يُحْجَرُ على الحرِّ العاقل البالغ السفيه، وتصرفه في ماله
جائز، وإن كان مُبَذِّراً مفسداً يتلف مالَه فيما لا غَرْضَ له فيه، ولا مصلحة، وقال
أبو يوسف ومحمد بمثا، وهو قول الشافعي بدله: يُحْجَرُ على السفيه، ويُمْنَعُ من
التصرف في ماله؛ لأنه مبذرٌ ماله بصرفه لا على الوجه الذي يقتضيه العقلُ، فيحجر
عليه؛ نظراً له، اعتباراً بالصبي بل أولى؛
باب الحجر للفساد: [غلب في عرف الفقهاء على تبذير المال وإتلافه على خلاف مقتضى العقل
والشرع. (العناية ١٩١/٨)]: أخر هذا الباب؛ لأن أسباب الحجر فيما تقدم عليه سماوية، وسبب الحجر ههنا
مكتسب، والسماوي في التأثير أقوى، فكان بالتقديم أولى، ولأن الحجر في الأول متفق عليه، وفي الثاني مختلف
فيه، والمتفق عليه أحرى بالتقديم. [نتائج الأفكار ١٩١/٨] ثم اعلم أن تلقيب هذا الباب بباب الحجر للفساد،
مبني على قول أبي يوسف ومحمد بحثًا، لا على قول أبي حنيفة مدلّه، فإنه لا يرى الحجر للفساد أصلاً.
قال أبو حنيفة بال إلخ: اعلم أن الحجر عند أبي حنيفة باله على الحر العاقل البالغ لا يجوز بسبب السفه
والدين والغفلة، وعندهما: يجوز بغير الفسق، وعند الشافعي مدته: يجوز بالكل، وإنما يصح الحجر عندهما في
تصرفات لا تصح مع الهزل، والإكراه كالبيع والإِجارة والهبة والصدقة، وهو ما يحتمل الفسخ، وكل
تصرف لا يحتمل الفسخ كالطلاق والعتاق والنكاح لا يجوز الحجر فيه إجماعاً. وكذا الأسباب الموجبة
للعقوبة كالحدود والقصاص، والسفه هو العمل، بخلاف موجب الشرع واتباع الهوى، وترك ما يدل عليه
الحجي، والسفيه من عادته التبذير، والإسراف في النفقة، وأن يتصرف بتصرفات لا لغرض، أو لغرض
لا يعده العقلاء من أهل المدينة غرضاً مثل دفع المال إلى المغنيين واللعابيين، وشراء الحمام الطيارة بثمن
غال، وأصل المسامحة في التصرفات، والبر والإحسان مشروع إلا أن الإسراف حرام كالإسراف في الطعام
والشراب قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. [الكفاية ١٩١/٨]
ولا مصلحة: كالإلقاء في البحر، والإحراق بالنار، ونحو ذلك. (البناية) أولى: أي بل حجر السفيه أولى
من حجر الصبي. [البناية ٣٥٩/١٣] أولى: أي بل حجر السفيه أولى من حجر الصبي. (البناية)

٤٤١
باب الحجر للفساد
لأن الثابت في حقِّ الصبي احتمالُ التبذير، وفي حقه حقيقته، ولهذا مُنِعَ عنه المالُ، ثم هو
لا يفيد بدون الحجر؛ لأنه يُتْلِفُ بلسانه ما منع من يده. ولأبي حنيفة رسالته: أنه مخاطبٌ
٠
عاقل، فلا يحجر عليه اعتباراً بالرشيد؛ وهذا لأن في سلب ولايته إهدارَ آدميته، وإلحاقه
عدم الحجر
بالبهائم، وهو أشد ضرراً من التبذير، فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى، حتى لو كان في
الحجر دفعُ ضررٍ عام كالحجر على المتطيب الجاهل، والمفتي الماجن، والمكاري المفلس:
ولهذا [أي ولأجل وجود حقيقة التبذير فيه. (البناية ٣٥٩/١٣)] منع [أي في الابتداء إجماعاً بطريق النظر]
إلخ: أجمعوا على أنه يمنع عنه ماله ما لم يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغ لا يمنع عنه عند أبي حنيفة حظه)
وعندهما: دام المنع ما دام السفه. (الكفاية) أنه مخاطب: في هذا الوصف إشارة إلى أهلية التصرف؛ لأن
التكليف يقتضي التمكن من الاستيفاء جرياً على موجب التكليف، والاستيفاء إنما يكون بالوصول إلى
الأموال، وذلك بالتمليك والتملك، وبالعقل يثبت أهلية التمييز. [الكفاية ١٩٢/٨] عاقل: هذا مستدرك؛
لأن المخاطب لا يكون إلا عاقلاً، وما ليس بعاقل كالصبي والمجنون ليس بمخاطب لا محالة.
فلا يتحمل الأعلى: أي الحجر لدفع الأدنى، وهو التبذير؛ وهذا لأن نعمة المال نعمة زائدة، وإطلاق
اللسان نعمة أصلية؛ لأن الآدمي إنما فارق سائر الحيوانات باعتبار قوله في التصرفات. [الكفاية ١٩٣/٨]
على المتطيب الجاهل [فإنه يفسد أبدانهم]: فإنه يسقي الناس في أمراضهم دواء مهلكاً، وهو يعلم بذلك
أو لا يعلم. (الكفاية) والمفتي الماجن: الماجن الذي لا يبالي ما صنع، وما قيل له، ومصدره المجون، والمجانة
اسم منه، والفعل من باب طلب كذا في "المغرب"، وفي "الذخيرة": المفتي الماجن هو الذي يعلم الناس
الحيل الباطلة بأن يعلم المرأة حتى ترتد، فتبين من زوجها، ويعلم الرجل أن يرتد، فتسقط عنه الزكاة، ثم
يسلم، ولا يبالي أن يحرم حلالاً، أو يحل حراماً، فضرر هذا متعد إلى العامة. [الكفاية ١٩٣/٨]
والمكاري المفلس: هو الذي يتقبل الكراء، ويؤاجر الإبل، وليس له إبل، ولا غيرها يحمل عليه، ولا مال
يشتري به الدواب، والناس يعتمدون عليه، ويدفعون الكراء إليه، ويتصرف هو ما أخذ منهم في حاجته،
وإذا جاز أوان الخروج يخفى هو نفسه فتذهب أموال الناس، وربما يصير ذلك سبباً؛ لتقاعدهم عن الخروج
إلى الحج والغزو، وفساد هذا الشخص متعد أيضاً. [الكفاية ١٩٣/٨]

٤٤٢
باب الحجر للفساد
جاز فيما يُرْوَى عنه؛ إذ هو دفع ضرر الأعلى بالأدنى، ولا يصح القياسُ على منع
الإمام الأعظم
المال؛ لأن الحجر أبلغ منه في العقوبة، ولا على الصبي؛ لأنه عاجز عن النظر
لنفسه، وهذا قادرٌ عليهِ نَظَرَ له الشرعُ مرة بإعطاء آلة القدرة، والجريُ على
النظر لنفسه
خلافه؛ لسوء اختياره، ومنعُ المال مفيدٌ؛ لأن غالبَ السفه في الهبات والتبرعات
بدون الحجر
والصدقات، وذلك يقف على اليد. قال: وإذا حَجَرَ القاضي عليه، ثم رفع إلى
حکمه
قاض آخر، فأبطل حِجْرَه، وأطلق عنه: جاز؛
جاز فيما يروى: وإلحاق ضرر الخاص لدفع ضرر العام جائز أما ضرر المحجور المختلف فيه غير متعد، بل
يقتصر عليه، فلا يكون المحجور المختلف فيه نظير هؤلاء، فجواز الحجر في حق هؤلاء يدل على جواز
الحجر في المختلف فيه. (الكفاية) ولا يصح القياس إلخ: جواب عن قولهما، لهذا منع عنه المال، تقريره:
أن منع المال منه ليكون هو بطريق العقوبة عليه، زجراً له على التبذير، والحجر أبلغ منه في العقوبة لما
ذكرنا، فلا يقاس عليه. (العناية) لأن الحجر إلخ: أي لأن الحجر عن التصرف أبلغ من منع المال من يده
في العقوبات؛ لأن نعمة اليد على المال نعمة زائدة، وإطلاق اللسان، واعتبار البيان نعمة أصلية، فجواز
إلحاق ضرر يسير، وهو المنع عن المال بتفويت نعمة زائدة لا يستدل به على جواز إلحاق الضرر العظيم به
بتفويت النعمة الأصلية. [الكفاية ١٩٣/٨] الصبي: جواب عن قولهما: اعتباراً بالصبي. [العناية ١٩٣/٨]
لأنه عاجز إلخ: يعني أن الصبي لما كان يعجز عن النظر لنفسه مست الحاجة إلى صيرورة الغير ولياً له،
فيصير الصبي مولى عليه، والمولى عليه لا يلي التصرف، أما السفيه، فقادر على النظر لنفسه؛ لأنه أعطي له
آلة القدرة من العقل والبلوغ، وإن كان يعدل عن سنن العقل. [الكفاية ١٩٣/٨] مرّ: فلا حاجة إلى
النظر له مرة أخرى. القدرة: من العقل والحرية والبلوغ. [البناية ٣٦٢/١٣]
منع المال: هذا جواب عن قولهما: ثم هو لا يفيد. (الكفاية) وذلك يقف إلخ: أي لا يمللك إلا بالقبض، فإذا
لم يكن في يده شيء يمتنع عن ذلك، وإن فعل لم يفد. (العناية) وإذا حجر: تفريع على مسألة الحجر. (العناية)
جاز: وكان الواجب أن لا يجوز؛ لأن قضاءه لاقى مجتهداً فيه، ونقضه باطل. [العناية ١٩٤/٨]

٤٤٣
باب الحجر للفساد
لأن الحجرَ منه فتوى، وليس بقضاء، ألا يرى أنه لم يوجد المقضيُّ له، والمقضيُّ
عليه، ولو كان قضاءً، فنفسُ القضاء مختلفٌ فيه، فلابد من الإمضاء، حتى لو رُفِعَ
بقضاء آخر
تصرفُه بعد الحجر إلى القاضي الحاجر، أو إلى غيره، فقضى ببطلان تصرفه، ثم رُفعَ
وصحة الحجر
إلى قاضٍ آخر: تَفَذَ إبطاله؛ لاتصال الإمضاء به، فلا يُقْبَلُ النقض بعد ذلك.
لأن الحجر منه إلخ: هذا جواب عما يقال: تصرف المحجور بالسفه بحكم القاضي ينبغي أن لا ينفذ أصلاً عند
أبي حنيفة بله، ولا يكون لقاض آخر أن يبطل الحجر؛ لأن القضاء الأول لاقى محل الاجتهاد، فلا يقبل
النقض؛ لما عرف، فأجاب بأن القضاء منه يكون فتوى، وليس بقضاء، وهو على قول محمد بحالكه ظاهر؛ لأنه
كان محجوراً قبل قضائه، حتى كان مفسداً لماله، وعند أبي يوسف بثته: وإن كان يحتاج فيه إلى حكم حاكم،
لكن هذا قضاء من وجه؛ لأنه يثبت بقضائه ما لم يكن ثابتاً، ولكنه فتوى من وجه؛ لأنه لم توجد شرائط
القضاء، وهو المقضي له، والمقضي عليه، والدعوى، والإنكار، حتى لو وجد الدعوى والإنكار، بأن تصرف
بعد الحجر، فرفع إلى قاض، وجرت الخصومة بينه وبين عاقده، فقضى القاضي عليه بإبطال التصرف، وصح
الحجر؛ فإنه يصير متفقاً عليه، فلا ينفذ تصرفه بعد ذلك، ونظيره القاضي إذا قضى بجواز بيع أم الولد قبل وجود
الخصومة في ذلك لا يصير متفقاً عليه؛ لأنه فتوى، وبعد الخصومة صار متفقاً عليه. [الكفاية ٨/ ١٩٤]
ولو كان قضاء إلخ: يعني ولئن سلمنا أن حجر القاضي قضاء بأن يجعل السفيه مقضياً له من حيث أن الحجر
ما ثبت إلا نظراً له، والقضاء بالحجر يقع عليه، فيجعل مقضياً عليه، فإذا وجد المقضي له والمقضي عليه عند
اختلاف الجهة يكون قضاء، ولكن نفس القضاء مختلف فيه، وقضاء القاضي بالمختلف إنما يرفع الخلاف إذا
لم يكن نفس القضاء مختلفاً، فلابد من قضاء آخر لنفاذ هذا القضاء. [الكفاية ١٩٤/٨]
الإمضاء: أي إمضاء الحجر أي إمضاء القضاء. فلا يقبل النقض إلخ: لأن في نقضه نقض لقضاء أمضى، وهذا
ظاهر في عين ما وقع الإمضاء له ثانياً، أما في نوعه فلا، كما إذا قضى قاضٍ بعدم النفقة في المبتوتة، ثم رفع هذا
القضاء إلى قاض آخر نفذه، ولا يجوز نقضه لقاض أصلاً. أما إذا رفع نوعه بأن جاءت امرأة أخرى مدعية للنفقة
عند قاضٍ يراها، فله أن يقضي برأيه، وإلا يلزم عدم صحة قضاء قاض في مسألة خلافية عمل فيها قاض برأيه،
قضاء صحيحاً ابتداء، أو بعد الإمضاء، وهو باطل قطعاً؛ لأنا نحكم فيما بيننا على خلاف ما يحكم به الشافعية
فيما بينهم مع اتحاد نوع الحادثة، ومن ظن أنه يجب التنفيذ مطلقاً، فقد أخطأ خطأً لا يخطىء مثله سفيه.

٤٤٤
باب الحجر للفساد
يُسَلّمْ إليه مالَه، حتى يبلغ خمساً
وُ
ثم عند أبي حنيفة رله إذا بلغ الغلامُ غیرَ رشید
وعشرين سنةً، فإن تصرف فيه قبل ذلك نَّفَذَ تصرفُه، فإذا بلغ خمساً وعشرين سنةً
أي سفیھا
زماناً طويلا ،
يُسَلَّم إليه مالُه، وإن لم يُؤْنَسْ منه الرشدُ. وقالا: لا يدفع إليه ماله أيداً، حتى يؤنس
رشدُه، ولا يجوز تصرفُه فيه؛ لأن علة المنعِ السَّفَهُ، فيبقى ما بقي العلةُ، وصار
كالصِّبًا، ولأبي حنيفة بطلّه: أن منعَ المال عنه بطريق التأديب، ولا يتأدب بعد هذا
خمسة وعشرين
ظاهراً وغالباً، ألا يرى أنه قد يصير حَدًّاً في هذا السن، فلا فائدةَ للمنعِ، فلزم الدفعُ،
ولأن المنع باعتبار أثر الصِّبا، وهو في أوائل البلوغ، وينقطع بتطاول الزمان،
- منع المال
دلیل آخر
تصرفه: لأنه لا يحجر عليه عنده. (العناية) أن منع المال إلخ: أي لا نسلم أن علة المنع هو السفه وحده، بل
هو مع قصد التأديب، فإذا لم يبق المحل قابلاً للتأديب بعد تلك المدة لم يقصد التأديب بعدها، فانتفت العلة
بانتفاء أحد جزئيها، وهو قصد التأديب، فلزم انتفاء المعلول الذي هو المنع أيضاً بعدها، فوجب الدفع.
بطريق التأديب: أي بطريق العقوبة عليه؛ ليكون زجراً له عن التبذير، والعقوبات مشروعة بالأسباب
الحسية، فأما إهدار العقول في التصرفات بمعنى حكمي، فالعقوبات بهذا الطريق غير مشروعة كالحدود،
ولا يدخل عليه إسقاط شهادة القاذف، فإنه متهم حده عندنا؛ لأنا نقول: إنما كان كذلك؛ لكونه تابعاً لما
هو حسي، وهو إقامة الحد لا مقصوداً بنفسه. [الكفاية ١٩٤/٨]
ألا يرى أنه إلخ: وذلك لأن أدنى مدة البلوغ في حق الغلام اثنتا عشرة سنة، ثم يولد له ابن لستة أشهر؛ لأن أقل
مدة الحمل ستة أشهر، ثم يبلغ ابنه باثنتي عشرة سنة، ثم يولد له ابن لستة أشهر، فیصیر جداً بعد خمس وعشرين
سنة، ولو فرضنا مقام الابن البنت تصير جدة في ثنتين وعشرين سنة؛ لأن أدنى مدة بلوغ البنت تسع سنين، لكن
هذا الذي ذكره عام في الذكور والإناث، ولما صار جدًّا صار فرعه أصلاً، فكان الجد متناهياً في الأصالة، فإذا
لم يؤنس رشده في سن تناهت أصالته عرفنا أنه انقطع رجاء التأديب منه، فلا معنى لمنع المال عنه بعد ذلك؛ إذ المنع
كان للتأديب، وهو لم يبق محلاً للتأديب في حق ماله. [الكفاية ١٩٥/٨] باعتبار أثر الصبا إلخ: لأن أول
أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصبا، وبقاء أثره كبقاء عينه، فإذا امتد الزمان وظهرت الخبرة
والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة؛ لأنه حال كمال لبه. [الكفاية ١٩٦/٨]

٤٤٥
باب الحجر للفساد
فلا يبقى المنعُ، ولهذا قال أبو حنيفة سروله: لو بلغ رشيداً ثم صار سفيهاً: لا يُمْنَعُ المالُ
عنه؛ لأنه ليس بأثر الصبا. ثم لا يتأتى التفريعُ على قوله، وإنما التفريع على قول من
الإمام
هذا السفه
يرى الحجَر، فعندهما لما صحَّ الحجر لا ينفذ بيعه إذا باع؛ توفيراً لفائدة الحجر عليه، وإن
كان فيه مصلحةً أجازه الحاكمُ؛ لأن ركنَ التصرف قد وجد، والتوقفُ للنظر له، وقد
نُصِبَ الحاكمُ ناظراً له، فيتحرى المصلحةَ فيه، كما في الصبي الذي يَعْقُلُ البيع، ويقصده.
الإيجاب والقبول
نفاذ بيعه
ولو باع قبل حجر القاضي: جاز عند أبي يوسف الش؛ لأنه لابد من حجر القاضي
عنده؛ لأن الحجر دائر بين الضرر والنظر، والحجرُ لنظره، فلابد من فعل القاضي، وعند
لأنه مرجحٌ
أبی یوسف
محمد رشته: لا يجوز؛ لأنه يبلغ محجوراً عنده؛ إذ العلةُ هي السَّفَهُ بمنزلة الصِّبا.
ثم لا يتأتى إلخ: أراد أن التفريع الذي ذكره القدوري في "مختصره" بقوله: فإذا باع لا ينفذ لا يتأتى على قول
أبي حنيفة بثه، وإنما التفريع على قول من يرى الحجر. (العناية) فيه مصلحة: بأن كان بمثل القيمة، أو كان
البيع رابحاً، وكان الثمن باقياً في يده أجازه، وإن كان الثمن أقل من القيمة، أو كان البيع خاسراً، ولم يبق الثمن
في يده لم يجزه؛ لأن فيه ضرراً به لخروج المبيع عن يده بدون أن يكون فيه شيء من البدل. [العناية ١٩٥/٨]
قد وجد: وذلك يوجب الجواز. (العناية) ويقصده: فإنه إذا باع، فالولي بالخيار إن شاء أجازه إذا كان فيه
مصلحة، وإن شاء فسخه. دائر بين إلخ: لأنه لما نفذ الحجر لم يصح بيعه بعد الحجر، فبقي ملكه كما
كان، ففي إبقاء الملك له نظر، وفي إهدار قوله ضرر، ومثل هذا لا يرجح أحد الجانبين منه، إلا بقضاء
القاضي. (الكفاية) لأنه يبلغ محجوراً إلخ: والفرق لمحمد بركه بين حجر السفيه حيث لا يتوقف على
القضاء، وبين حجر المديون حيث يتوقف على قضاء القاضي هو أن حجر السفيه لمعنى فيه، وهو سوء
اختياره لا لحق الغير، فأشبه الجنون، ثم ينحجر بنفس الجنون، ولا يتوقف على القضا، فكذا ههنا. وأما
الحجر بسبب الدين ليس لمعنى فيه بل لحق الغرماء، حتى لا يتلف حقهم بتصرفه، فيتوقف على قضاء
القاضي؛ لأن له ولاية عليه، فيعمل حجره، فأما الغريم فلا ولاية له، فلا يجوز حجره. [الكفاية ١٩٦/٨]
السفه: وهو موجود قبل القضاء، فيترتب عليه الحكم. (العناية) الصبا: فلا حاجة إلى فعل القاضي.

٤٤٦
باب الحجر للفساد
وعلى هذا الخلاف إذا بلغ رشيداً، ثم صار سفيهاً. وإن أعتق عبداً: نفذ عتقُه عندهما،
وعند الشافعي بحث: لا ينفذ. والأصل عندهما: أن كلَّ تصرف يُؤَثّر فيه الهزل يؤثر فيه
الحجر، وما لا فلا؛ لأن السفيهَ في معنى الهازل من حيث أن الهازل يخرج كلامُه لا على
نهج كلام العقلاء؛ لاتباع الهوى، ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله، فكذلك السفيه،
والعتقُ مما لا يؤثر فيه الهزلُ، فيصح منه. والأصل عنده: أن الحجرَ بسبب السفه بمنزلة
الحجر بسبب الرق، حتى لا ينفذ بعده شيءٌ من تصرفاته إلا الطلاق كالمرقوق،
والإِعتاقُ لا يصح من الرقيق، فكذلك من السفيه. وإذا صح عندهما: كان على العبد
أن يسعى في قيمته؛ لأن الحجر لمعنى النظر، وذلك في رد العتق، إلا أنه متعذر، فيجب
ردُّه برد القيمة كما في الحجر على المريض، وعن محمد بدله: أنه لا تجب السعاية؛
العتق
وعلى هذا الخلاف إلخ: فعند أبي يوسف ما لا يصير محجوراً حتى يقضي القاضي، وعند محمد محله: يصير
محجوراً بمجرد السفه. [البناية ٣٧٠/١٣] عبداً: يعني بعد الحجر. (العناية) عندهما: وكذلك عند أبي حنيفة محظله)
فلم يختص قولهما بالذكر؛ احترازاً عن قوله؛ لأن عند أبي حنيفة الته الحكم قبل الحجر، وبعده سواء في نفاذ
تصرفات المحجور. [العناية ١٩٦/٨] أن الهازل إلخ: أن التعليل المذكور وإنما يصح في حق السفيه لا في حق
الهازل، والصحيح فيه أن يقال: لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا لنقصان في العقل، والجواب أن
قصد اللعب بالكلام، وترك ما وضع له من مكابرة العقل، واتباع الهوى، فلا فرق بينهما. [العناية ١٩٧/٨]
الهزل: فإنه يصح إعتاق الهازل. بمنزلة الحجر إلخ: قلنا: ليس السفه كالرق؛ لأن حجر الرق لحق الغير في
المحل الذي يلاقيه تصرفه، حتى أن تصرفه فيما لاحق للغير فيه نافذ كالإقرار بالحدود والقصاص، وههنا لا حق
لأحد في المحل الذي يلاقيه تصرفه، فيكون نافذاً. (العناية) الرق: فإنه لا يزيل الخطاب. (العناية) متعذر: لعدم قبوله
الفسخ. (العناية) كما في الحجر إلخ: لأجل النظر لغرمائه وورثته، فإذ أعتق المريض عبداً وجب عليه السعاية
لغرمائه أو لورثته في ثلثي قيمته إذا لم يكن عليه دين، ولا مال به سواه لمعنى النظر. [العناية ١٩٧/٨]

٤٤٧
باب الحجر للفساد
لأنها لو وجبت إنما تجب حقاً لمعتقه، والسعايةُ ما عُهِدَ وجوبُها في الشرع إلا لحق
غير المعتق. ولو دبر عبدَه جاز؛ لأنه يوجب حقَّ العتق، فيُعْتبر بحقيقته، إلا أنه لا
العتق
التدبير
تجب السعايةُ ما دام المولى حياً؛ لأنه باقٍ على ملكه، وإذا مات ولم يُؤْنَسْ منه الرشدُ
سعی في قيمته مدبرا؛ لأنه عتق بموته، وهو مدبر، فصار كما إذا أعتقه بعد التدبير.
المحجور
العبد
ولو جاءت جاريتُه بولد، فادعاه: يثبت نسبُه منه، وكان الولد حرًّا، والجاريةُ أمَّ ولد
المحجور
له؛ لأنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نَسْله، فأُلْحِقَ بالمصلح في حقه. وإن لم يكن معها
الاستیلاد
ولدٌ، وقال: هذه أمُّ ولدي، كانت بمنزلة أم الولد لا يَقْدِرُ على بيعها، وإن مات
و
سَعَتْ في جميع قيمتها؛ لأنه كالإقرار بالحرية؛ إذ ليس لها شهادة الولد، بخلاف
الفصل الأول؛ لأن الولدَ شاهدٌ لها،
المعتق: كما في إعتاق أحد الشركين؛ فإنه يسعى للساكت. (العناية) حق العتق: أي حقاً من حقوق
العتق، وهو امتناع البيع، فيشبه حقيقة العتق، فيعتبر بها. فيعتبر بحقيقته: لأنه لما ملك إنشاء حقيقة العتق،
فلأن يملك إنشاء حقه كان أولى، إلا أنه لا تجب إلخ. [العناية ١٩٧/٨] إلا أنه لا تجب إلخ: مستثنى من
قوله: فيعتبر بحقيقته، أي بحقيقة إعتاق المحجور بسبب السفه تجب السعاية، ولا تجب السعاية على مدبره
في التدبير ما دام المولى حيا؛ لأنه بعد صحة التدبير مال مملوك له يستخدمه، ولا يمكن إيجاب نقصان التدبير
عليه؛ لأنه لما بقي على ملكه، والمولى لا يستوجب على ملكه ديناً تعذر إيجاب نقصان التدبير عليه، ألا
ترى أنه لو دبره عبده بمال، وقبل العبد صح التدبير، ولا يجب المال. [الكفاية ١٩٨/٨]
مدبر: فتجب السعاية بقدر قيمة المدبر. لإبقاء نسله: وإبقاؤه من الحوائج الأصلية، لحياة ذكر الإنسان
ببقاء الولد بعد موته. (العناية) أم ولدي: لأن الدعوة حينئذ كانت دعوة تحرير. (العناية) مات: أي السفيه
بعد هذه الدعوة. (البناية) بالحرية: فصار كأنه قال: أنت حرة، فيمتنع بيعها، وتسعى في قيمتها بعد
موته. [العناية ١٩٨/٨] الأول: وهو ما إذا كان معها ولد. [البناية ٣٧٣/١٣]

٤٤٨
باب الحجر للفساد
ونظيرُه المريض إذا ادعى ولدَ جاريته، فهو على هذا التفصيل. قال: وإن تزوج
القدوري
امرأةً: جاز نكاحُها؛ لأنه لا يؤثر فيه الهزلُ، ولأنه من حوائجه الأصلية، وإن سمَّى
لها مهراً: جاز منه مقدارُ مهرٍ مثلها؛ لأنه من ضرورات النكاح، وبطل الفضلُ؛ لأنه
لا ضرورةً فيه، وهو التزامٌ بالتسمية، ولا نظرَ له فيه، فلم تصح الزيادة، فصار
كالمريض مرض الموت. ولو طلّقها قبل الدخول بها: وجب لها النصفُ في ماله؛ لأن
التسميةَ صحيحةٌ إلى مقدار مهر المثل، وكذا إذا تزوج بأربع نسوةٍ، أو كلَّ يوم
واحدة؛ لما بينا. قالٍ: وتُخْرَجُ الزكاةُ من مال السفيه؛ لأنها واجبة عليه، وينفق على
من ماله
أولاده، وزوجته، ومن تجب نفقتُه عليه من ذوي أرحامه؛ لأن إحياءً ولدِه،
ونظيره المريض إلخ: المريض المديون إذا ادعى ولد جاريته، أي قال لأمته: هذه أم ولدي إن كان معها
ولد تسعى في قيمتها للغرماء، وإن لم يكن معها سعت في جميع قيمتها للغرماء؛ وهذا لأنه إذا كان معها
ولد، فثبوت نسب الولد بمنزلة الشاهد لها في إبطال حق الغير، فكذلك في دفع حكم الحجر عن تصرفه،
بخلاف ما إذا لم يكن معها ولد؛ لأنه لا شاهد لها هنا، فإقراره لها بحق العتق بمنزلة إقراره بحقيقة الحرية،
فلا يقدر على بيعها بعد ذلك، ويسعى في قيمتها بعد موته كما لو أعتقها. [الكفاية ١٩٨/٨]
التفصيل: يعني أن يكون معها ولد أو لم يكن. (العناية) الهزل: فلا يؤثر فيه السفه. [البناية ٣٧٤/١٣]
فصار كالمريض إلخ: يعني في لزوم كل واحد منهما مقدار مهر المثل، وسقوط الزيادة، إلا أن الزيادة في
المريض تعتبر من الثلث، وههنا غير معتبرة أصلاً. (العناية) النصف: أي نصف مقدار مهر المثل. (البناية)
وكذا إذا تزوج إلخ: يعني يعتبر مهر المثل لا الزيادة، سواء تزوج بمهر في عقد واحد، أو في كل يوم واحدة
ثم طلقها، أو فعل ذلك مراراً، فإنه يصح تسميته في مقدار مهر المثل، وتبطل الزيادة. [العناية ١٩٨/٨]
أو كل يوم إلخ: يعني لو تزوج كل يوم واحدة، ثم طلقها، هكذا يفعل مراراً من غير حصر؛ فإنه
يصح تسميته في مقدار مهر المثل، وتبطل الزيادة. (الكفاية) لما بينا: إشارة إلى قوله: لأنه من ضرورات
النكاح. [الكفاية ١٩٨/٨]

٤٤٩
باب الحجر للفساد
وزوجتِه من حوائجه، والإنفاق على ذي الرحم واجبٌ عليه لقرابته، والسفهُ
لا يبطل حقوقَ الناس، إلا أن القاضيَ يدفع قَدْرَ الزكاة إليه، ليصرفها إلى مصرفها؛
بنفسه
لأنه لابد من نيته؛ لكونها عبادة لکن یبعث أميناً معه؛ کیلا يصرفه في غیر وجهه،
وفي النفقة يدفع إلى أمينه ليصرفها؛ لأنها ليست بعبادة، فلا يحتاج إلى نيته، وهذا
بخلاف ما إذا حلف، أو نذر، أو ظاهر حيث لا يلزمه المالُ، بل يُكَفِّرُ يِمِينَه،
الأمین
وظهارَه بالصوم؛ لأنه مما يجب بفعله، فلو فتحنا هذا البابَ يَُذِّرُ أموالَه بهذا الطريق،
وجوب الكفارة
ولا كذلك ما يجب ابتداء بغير فعله. قال: فإن أراد حَجَّة الإِسلام: لم يُمْنَعْ منها؛
القدوري
لأنها واجبة عليه بإيجاب الله تعالى من غير صنعه، ولا يسلم القاضي النفقة إليه،
ويسلمها إلى ثقةٍ من الحاجِّ ينفقها عليه في طريق الحج؛ كيلا يتلفها في غير هذا
الوجه. ولو أراد عمرةً واحدةً: لم يُمْنَعْ منها؟
لا يبطل حقوق إلخ: لكن لا يسمع قوله في القرابة حتى يقيم البينة عليها، وعسرة القريب؛ لأن إقراره بذلك
بمنزلة الإقرار بالدين على نفسه، فلا يلزم إقراره شيئًا إلا في الولد؛ فإن الزوجين إذا تصادقا على النسب قبل
قولهما؛ لأن كل واحد منهما في تصديق الآخر يقر على نفسه بالنسب، والسفه لا يؤثر في منع الإقرار
بالنسب؛ لكونه من حوائجه، لكن لابد من إثبات عسرة المقر له، والإقرار بالزوجية صحيح، ويجب مهر مثلها
والنفقة. (العناية) وهذا: أي ما ذكرناه مما أوجبه الله تعالى، وما كان من حقوق الناس. [العناية ١٩٩/٨]
نذر: أي ما أوجبه على نفسه. (العناية) بل يكفر إلخ: لكل حنث ثلاثة أيام متابعات، وعن كل ظهار
شهرين متتابعين، وإن كان مالكاً للمال حال التكفير. [العناية ١٩٩/٨] يكفر يمينه إلخ: لأن يده مقصورة
عن ماله، فهو بمنزلة ابن السبيل المنقطع عن ماله، وبمنزلة من يكون له دين على إنسان، أو غصب
غاصب من يده وهو ما كان يعطيه، فله أن يكفر بالصوم. [الكفاية ١٩٩/٨] فعله: كالزكاة وحجة
الإِسلام، ونحوهما. [البناية ٣٧٦/١٣]

٤٥٠
باب الحجر للفساد
استحساناً؛ لاختلاف العلماء في وجوبها، بخلاف ما زاد على مرة واحدة من الحج.
فإنه يمنع
ولا يُمْتَعُ من القران؛ لأنه لا يمنع من إفراد السفر لكل واحد منهما، فلا يمنع من
الجمع بينهما، ولا يُمْتَعُ من أن يَسُوْقَ بَدَنَةَ؛ تحرزاً عن موضع الخلاف؛ إذ عند
عبد الله بن عمر ظّم، لا يجزئه غيرُها، وهي جَزُور أو بقرة . * فإن مرض وأوصى
بوصايا في القرب، وأبواب الخير: جاز ذلك في ثلثه؛ لأن نظره فيه؛ إذ هي حالة
"حالة المرض
جواز ذلك
انقطاعه عن أمواله، والوصيةُ تخلف ثناءً أو ثواباً، وقد ذكرنا من التفريعات أكثر من
هذا في "كفاية المنتهي". قال: ولا يُحْجَرُ على الفاسق إذا كان مصلحاً لماله عندنا،
استحساناً: وفي القياس لا يعطى له نفقة السفر؛ لأن العمرة عندنا تطوع، فصار كما لو أراد الخروج
للحج تطوعاً بعد ما حج حجة الإسلام، وجه الاستحسان: أن العلماء اختلفوا في فرضية العمرة، فلا يمنع
منها احتياطاً. [الكفاية ١٩٩/٨] لاختلاف العلماء: العمرة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية، وهو قول
محمد بن الفضل البخاري، وقيل: واجبة لا فرض عين، كما قال الشافعي ماله. (مجمع الأنهر)
من القران: القارن: هو أن يجمع بين إحرام الحج والعمرة في الميقات، أو قبله في أشهر الحج، أو قبلها،
ويذكر الحج والعمرة بلسانه عند التلبية، ويقصد بقلبه، أو لم يذكرهما بلسانه، وينويهما بقلبه. (مجمع الأنهر)
تحرزاً عن موضع إلخ: القارن يلزمه هدي، ويجزیه الشاة عندنا، ولکن البدنة فيه أفضل، و کان ابن عمر
يقول: لا يجزيه إلا بدنة، وهي بقرة أو جزور، فهو إذا ساق البدنة، فقد قصد به التحرز عن موضع الخلاف،
وأخذ بالاحتياط في أمر الدين، وأراد أن فعله أقرب إلى فعل رسول الله مَثّ فلا يمنع عنه. [الكفاية ١٩٩/٨]
فإن عرض إلخ: وقيد بالمرض باعتبار أن الوصية غالباً تكون في المرض، فإن السفيه الصحيح إذا أوصى بوصيته،
فحكمها كحكم المريض. [العناية ٢٠٠/٨] ثلثه: أي ثلث ماله استحساناً، والقياس ينفيها كما لو تبرع في
حياته، واستحسنوا فيها إذا وافق الحق، وما يتقرب به إلى الله تعالى أن يكون من الثلث. [البناية ٣٧٨/١٣]
*غريب، وروى الطبراني في "كتاب مسند الشاميين" حدثنا أبو زرعة ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع أخبرني شعيب
عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر رجله، كان يقول: لا أعلم الهدي إلا من الإبل والبقر، وكان عبد الله
بن عمر لا ينحر في الحج إلا الإبل والبقر، فإن لم يجد لم يذبح لذلك شيئًا. [نصب الراية ١٦٥/٤]

٤٥١
باب اهجر للفساد
والفسقُ الأصلي والطارئ سواء. وقال الشافعي له: يُخْخَرُ عليه زجراً له، وعقوبةً
عليه كما في السفيه، ولهذا لم يجعل أهلاً للولاية والشهادة عنده، ولنا: قوله تعالى:
الشافعي
ولاية النكاح
للزجر
﴿فَإِنْ أَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية، وقد أُوْنِسَ نوعُ رشد فيتناوله
النكرةُ المطلقة، ولأن الفاسقَ من أهل الولاية عندنا لإسلامه، فيكون والياً للتصرف، وقد
قررناه فيما تقدم، ويَحْجُرُ القاضي عندهما أيضاً، وهو قول الشافعي محلّه بسبب الغفلة،
وهو أن يُغْبَنَ في التجارات، ولا يصبر عنها لسلامة قلبه؛ لما في الحجر من النظر له.
فصل في حد البلوغ
قال: بلوغُ الغلام بالاحتلام، والإحبال، والإنزال إذا وطئ، فإن لم يوجد ذلك،
القدوري
فحتى يتمَّ له ثماني عشرةَ سنةً عند أبي حنيفة ماله، وبلوغُ الجارية بالحيض والاحتلام
والحَبَل، فإن لم يوجد ذلك، فحتى يتم لها سبع عشرة سنة،
أونس: لأنه مصلح في ماله، وإن لم يكن مصلحاً في دينه. [البناية ٣٨٠/١٣] فيتناوله إلخ: وهي في قوله
تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، والنكرة في موضع الإثبات تخص، وإذا وجد رشد ما، فقد وجد الشرط،
فيجب دفع المال إليه. [الكفاية ٢٠٠/٨] لإسلامه: أقول: يرد النقض بالسفيه المصلح في دينه دون ماله على
قولهما لامحالة؛ لأن الإسلام فيه أيضاً متحقق بل فيه أقوى، فلزم أن يكون من أهل الولاية، فينبغي أن يكون
والياً للتصرف أيضاً غير محجور عليه كما ذهب إليه أبو حنيفة ده. [نتائج الأفكار ٢٠٠/٨]
تقدم: يعني أي في أول كتاب النكاح. (العناية) حد البلوغ إلخ: البلوغ في اللغة: الوصول، وفي
الاصطلاح: انتهاء حد الصغر، ولما كان الصغر أحد أسباب الحجر وجب بيان انتهائه، وهذا الفصل لبيان
ذلك. [العناية ٢٠١/٨] بالاحتلام: الحلم بالضم ما يراه النائم. [البناية ٢٠١/٨] ذلك: أي واحد من
الأشياء المذكورة. [العناية ٣٨١/١٣]

٤٥٢
باب الحجر للفساد
وهذا عند أبي حنيفة بدالله، وقالا: إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة سنة، فقد
عليه الفتوى
بلغا، وهو رواية عن أبي حنيفة له، وهو قول الشافعي باله، وعنه في الغلام تسع
عشرة سنة، وقيل: المراد أن يَطْعَنَ في التاسع عشرة سنة، ويتم له ثمانية عشرة سنة،
فلا اختلاف، وقيل: فيه اختلاف الرواية؛ لأنه ذكر في بعض النسخ، حتى
يستكمل تسع عشرة سنة، أما العلامة: فلأن البلوغَ بالإِنزال حقيقةً، والحَلُ
للمبسوط
والإِحبال لا يكون إلا مع الإنزال، وكذا الحيض في أوان الحبلٍ، فُعِلَ كلِّ ذلك
علامة البلوغ، وأدنى المدة لذلك في حق الغلام اثنتا عشرة سنة، وفي حق الجارية
البلوغ
تسع سنين. وأما السن، فلهم العادة الفاشية أن البلوغ لا يتأخر فيهما عن هذه
الغلام والجارية
المدة. وله قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتْلُغَ أَشُدَّهُ﴾، وأَشِدُّ الصبي ثماني عشرة سنة، هكذا
أبي حنيفة
قاله ابن عباس ها، وتابعه القتي، وهذا أقلُّ ما قيل فيه، فبنى الحكم عليه،
للتيقن به غير أن الإِناث نشوءُهن، وإدارا كهن أسرعُ،
بلوغهن
والاحتياط
فلا اختلاف: بين الروايتين؛ لأنه لا يتم له ثماني عشر سنة، إلا ويطعن في التاسع عشر سنة.
حتى يستكمل إلخ: يدل على اختلاف الرواية. (البناية) أما العلامة: أي أما ثبوت البلوغ بالعلامة.
الحبل: وفي نسخة: الحيض. تسع سنين: وقال تاج الشريعة بدله: لما روي أن عائشة أنها بلغت على
رأس تسع سنين. (البناية) المدة: أي خمس عشرة سنة. [البناية ٣٨٣/١٣]
قوله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَّتِيمِ إِلَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. وهذا: أي قول
ابن عباس أنّهما. (البناية) للتيقن: أي كون ثمانية عشرة سنة في تفسير الأشد للتيقن؛ لأن بعضهم قالوا:
الأشد اثنان وعشرون، وبعضهم خمسة وعشرون، وبعضهم ثلاثة وعشرون. أسرع: من إدراك
الذكور. [البناية ٣٨٦/١٣]

٤٥٣
باب الحجر للفساد
فنقصنا في حقهن سنةً؛ لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحدٌ منها المزاجَ
فيتقوى المزاج
لا محالة. قال: وإذا راهَقَ الغلامُ أو الجارية الخُلُمَ، وأشكل أمرُه في البلوغ، فقال:
دنا وقرب
القدوري
قد بلغت، فالقول قوله، وأحكامُه أحكامُ البالغين؛ لأنه معنى لا يُعْرَف إلا
البلوغ
من جهتهما ظاهراً، فإذا أخبرا به، ولم يُكَذِّبْهما الظاهرُ: قُبِلَ قولُهما فيه، كما يُقْبَلُ
قولُ المرأة في الحيض.
لاشتمالها إلخ: أي زدنا سنة في حق الغلام ليوافق فصل من فصول السنة مزاجه، فيقوى مزاجه. [الكفاية ٢٠٢/٨]
الفصول الأربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء. (البناية) أمره: يعني لم يعلم ذلك منه. [البناية ٣٨٦/١٣]
ولم يكذبهما إلخ: إشارة إلى ما ذكرنا من أن الغلام إذا ادعى البلوغ، وعمره أقل من اثنتي عشرة سنة،
لا يصدق، والجارية إذا ادعته، وعمرها أقل من تسع سنين لا تصدق. (البناية) الحيض: لأنه معنى لا يعرف
إلا من جهتها، فالقول قولها إلا إذا كذبها الظاهر. [البناية ٣٨٧/١٣]

٤٥٤
باب الحجر بسبب الدین
باب الحجر بسبب الدين
قال أبو حنيفة : لا أحْجُرُ في الدَّين، وإذا وجبت ديونٌ على رجل وطلب
غرماؤه حَبْسَه، والحجْرَ عليه: لم أحجر عليه؛ لأن في الحجر إهدارَ أهليته، فلا يجوز
لدفع ضرر خاص. فإن كان له مالٌ: لم يتصرف فيه الحاكمُ؛ لأن شهرنوعُ حِجْر،
ضرر الغرماء
ولأنه تجارةٌ لا عن تراض، فيكون باطلاً بالنص، ولكن يَحْبِسُه أبداً حتى يبيعه في دينه
الحاكم
إيفاء لحق الغرماء، ودفعاً لظلمه، وقالا: إذا طلب غرماءُ المفلس الحِجْرَ عليه، حَجَرَ
القاضي عليه ومنعه من البيع والتصرفٍ والإقرار، حتى لا يَضُرَّ بالغرماء؛ لأن الحجرَ
على السفيه إنما جوَّزناه نظرًا له، وفي هذا الحجر نظرٌ للغرماء؛ لأنه عنتناه يُلَجِّئِ مَالَه،
فيفوت حقَّهم، ومعنى قولهما: "مَعَثُ من البيع" أن يكون بأقل من ثمن المثل،
باب الحجر إلخ: أي هذا باب في بيان الحجر بسبب الدين أخره عن الحجر بسبب السفه؛ لأن هذا
الحجر موقوف على طلب الغرماء، فيكون فيه وصف زائد على المشاركة، في أصل الحجر، فصار
كالمركب، فأخر لذلك. [البناية ٣٨٧/١٣] بالنص: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. [البناية ٣٨٨/١٣] أبداً: أي زماناً طويلاً ممتداً.
لظلمه: أي المديون؛ لأن المماطلة ظلم. غرماء المفلس: ليس المراد بالمفلس في قوله: إذا طلب غرماء المفلس
الحجر معناه الحقيقي، بل المراد به إما من يدعي الإفلاس، فيتناول للغني أيضاً؛ إذ الظاهر أن المديون الذي
لا يؤدي دينه يدعي الإفلاس، وإن كان غنياً في نفسه، وإما من حاله حال المفلس، ولا شك أن الغني
الذي لا يؤدي دينه حاله في عدم أداء الدين حال المفلس، فلا يلزم تخصيص المسألة بما هو مفلس حقيقة.
والتصرف إلخ: أقول: وجه ذكر التصرف المطلق بين البيع، والإقرار مع أنهما من جنس التصرف أيضاً
غير واضح. لأنه عساه إلخ: بأن يواضع أحداً على أن يقر له بالمال عند الناس، ولا يطالبه ذلك الرجل
بالمال، فيفوت حق الغرماء، أو يبيع ماله تلجئة من عظيم لا يمكن الانتزاع من يده. [الكفاية ٢٠٦/٨]
يلجئ: الجأه إلى كذا، ولجأه اضطره وأكرهه، والتلجئة أن يلجئك إلى أن تأتي أمرًا باطنه خلاف ظاهره.

٤٥٥
باب الحجر بسبب الدین
أما البيعُ بثمن المثل لا يُبْطِلُ حقَّ الغرماء، والمنعُ لحقهم، فلا يمنع منه. قال: وباع
ماله إن امتنع المفلسُ من بيعه، وقسَمَه بين غرمائه بالحصص عندهما؛ لأن البيع
مستحقٌّ عليه لإِيفاء دَيْنِه حتى يحبس لأجله، فإذا امتنع ناب القاضي منابه كما في
الجَبِّ والعُنَّةِ. قلنا: التلجئةُ موهومةٌ، والمستحقُّ قضاءُ الدين، والبيعُ ليس بطريق
متعين لذلك، بخلاف الجَبِّ والعُنّةِ، والحبسُ لقضاء الدين بما يختاره من الطريق
كيف، وإن صحَّ البيعُ كان الحبس إضراراً بهما بتأخير حق الدائن، وتعذيب المديون،
فلا يكون مشروعاً. قال: وإن كان دينُه دراهمَ، وله دراهمُ: قضى القاضي بغير أمره،
الحبس
وهذا بالإجماع؛ لأن للدائن حقَّ الأخذ من غير رضاهِ، فللقاضي أن يُعينَه.
المدیون
من جنس حقه
منه: أي من البيع بثمن المثل. (البناية) كما في الجب [المجبوب الذي قطع ذكره، وخصيتاه. (مجمع الأنهر)]
والعنة: المجبوب إذا أبى أن يفارق امرأته ناب القاضي منابه في التفريق، والعنين بعد مضي المدة إذا أبى أن
يفارق امرأته ناب القاضي منابه أيضاً في التفريق. [الكفاية ٢٠٦/٨] والعنة: العنين من لا يقدر على
الجماع مطلقاً مع وجود الآلة، أو يقدر على الثيب دون البكر. (مجمع الأنهر)
موهومة: لأنه احتمال مرجوح، فلا يهدر به أهلية الإنسان. (العناية) ليس بطريق إلخ: لأنه يمكنه الإيفاء
بالاستقراض والاستيهاب، والسؤال من الناس، فلا يجوز للقاضي تعيين هذه الجهة عليه. [العناية ٢٠٦/٨]
يخلاف الجب إلخ: فإن التفريق هناك متعين؛ لأنه لما لم يمكنه الإمساك بالمعروف، تعين عليه التسريح
بالإِحسان، فلما امتنع عن التسريح بالإحسان مع عجزه عن الإمساك بالمعروف ناب القاضي منابه في
التفريق. (العناية) والحبس إلخ: جواب عن قولهما: حتى يحبس لأجله أي لأجل البيع، تقريره: سلمنا لزوم
الحبس لكنه ليس لأجل البيع، بل لقضاء الدين بما يختاره من الطرق الذي ذكرناه من الاستقراض
والاستيهاب، وسؤال الصدقة، وبيع ماله بنفسه. [العناية ٢٠٧/٨]
كيف وإن الخ: أي كيف صح البيع، ولو صح البيع كان الحبس ظلماً؛ لأنه إضرار بهما بتأخير حق
الدائن، وتعذيب المديون، فلم يكن مشروعاً، ولكنه مشروع بالإجماع، فلم يصح البيع. [العناية ٢٠٧/٨]

٤٥٦
باب الحجر بسبب الدین
وإن كان دينُه دراهمَ، وله دنانيرُ، أو على ضد ذلك: باعها القاضي في دينه، وهذا
عند أبي حنيفة رحلته استحسان، والقياس أن لا يبيعه، كما في العُرُوض، ولهذا لم يكن
فإنها لا تباع
عند أبي حنيفة
لصاحب الدين أن يأخذه جبراً. وجه الاستحسان: أنهما مُتّحدان في الثمنية والمالية
الدراهم والدنانير
مختلفان في الصورة، فبالنظر إلى الاتحاد: يثبت للقاضي ولاية التصرف، وبالنظر إلى
الاختلاف يُسْلَبُ عن الدائن ولايةُ الأخذ؛ عملاً بالشبهين، بخلاف العروض؛ لأن
العَرَضَ يتعلق بصورها، وأعيانها، أما النقود، فوسائل، فافترقا. ويباع في الدين
النقودُ، ثم العروضُ، ثم العقار، يبدأ بالأيسر، فالأيسر؛ لما فيه من المسارعة إلى قضاء
الدين مع مراعاة جانب المديون، ويُتْرَكُ عليه دست من ثياب بدنه، ويُباع الباقي؛
لأن به كفايةً، وقيل: دَسْتان؛ لأنه إذا غسل ثيابَه لابد له من ملبس. قال: فإن أقرَّ في
هذا المقدار
حال الحجر بإقرار: لزمه ذلك بعد قضاء الديون؛ لأنه تعلَّق بهذا المال حقُّ الأولين،
فلا يتمكن من إبطال حقِّهم بالإقرار لغيرهم، بخلاف الاستهلاك؛
ذلك: أي دينه دنانير وله دراهم. (البناية) استحسان: كون جواز بيع النقدين بطريق الاستحسان دون القياس إنما
هو قول أبي حنيفة بله فقط، وأما عندهما، فيجوز بيع النقدين بطريق القياس. ولهذا: عند اختلاف جنس حقه.
في الثمنية: ولهذا يضم أحدهما في الآخر في الزكاة. [البناية ٣٩٢/١٣] ولاية التصرف إلخ: الولاية تقتضي
الإيجاب والإلزام، وهو أنسب بحال القاضي، فيجب رعاية الاتحاد في حقه دون الغريم؛ إذ ليس له ولاية
على المديون، فيناسب حاله رعاية الاختلاف. وأعيانهما: فلا يبيعها القاضي.
فافترقا: فلا يتعلق الغرض بصورها، فيتصرف القاضي فيها. الديون: التي وقع بها الحجر. (البناية)
بخلاف الاستهلاك: أي بخلاف ما إذا استهلك المحجور عليه قبل قضاء الدين مال إنسان حيث يكون
المتلف عليه أسوة للغرماء بلا خلاف؛ لأن فعله أعني الاستهلاك مشاهد محسوس، فلا يرد؛ لأن الحجر لا يصح
في الفعل الحسي. [البناية ٣٩٤/١٣]

٤٥٧
باب الحجر بسبب الدین
لأنه مشاهدٌ لا مردَّ له، ولو استفاد مالاً آخرَ بعد الحجر: نفذ إقرارُه فيه؛ لأن حقّهم لم
يتعلق به؛ لعدم وقت الحجر. قال: وينفق على المفلس من ماله وعلى زوجته وولده
الصغارِ، وذوي أرحامه ممن يجبُ نفقتُه عليه؛ لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق الغرماء،
ولأنه حقٌّ ثابت لغيره، فلا يبطله الحجرُ، ولهذا لو تزوج امرأةً كانت في مقدار مهر
مثلها أسوةً للغرماء. قال: فإن لم يُعْرَف للمُفْلس مالٌ، وطلب غرماءِه حَبْسَه وهو يقول:
لا مال لي حبسه الحاكم في كل دَيْنٍ التزمه بعقد كالمهر والكفالة، وقد ذكرنا هذا الفصل
بوجوهه في كتاب أدب القاضي من هذا الكتاب، فلا نعيدها إلى أن قال: وكذلك إن
أقام البيئةَ أنه لا مال له، يعني خَلَّى سبيلَه لوجوب النَّظِرَة إلى الميسرة، ولو مرض في
الحبس يبقى فيه إن كان له خادمٌ يقوم بمعالجته، وإن لم يكن: أخرجه تحرزاً عن هلاكه،
له خادم
لأنه [بخلاف الإقرار فإن سببه محتمل. (البناية)] مشاهد إلخ: وذكر في حجر "الذخيرة": ولو كان سبب
وجوب الدين ثابتاً عند القاضي بعلمه أو بشهادة شهدوا على الاستقراض، أو الشراء بمثل القيمة شارك هؤلاء
الغرماء غريمه الذي له الدين قبل الحجر. [الكفاية ٢٠٧/٨] على المفلس: المراد منه المعنى المجازي المديون،
فإن حمله على المعنى الحقيقي ينافيه قوله الآتي: من ماله كذا في "نتائج الأفكار". ولهذا: أي لعم إبطال الحجر
حقاً ثابتاً للغير. [البناية ٣٩٥/١٣] دين: وفي كل دين لزمه بدلاً عن مال حصل في يده كثمن المبيع.
إلى أن قال: متعلق بقوله: قال: فإن لم يعرف الخ يعني قال القدوري في "مختصره": فإن لم يعرف للمفلس
مال - إلى أن قال - وكذلك إن أقاما البينة أنه لا مال له، وقوله: خلى سبيله تفسير من المصنف لمراد
القدوري بقوله: وكذلك إن أقام إلخ، وقوله: لوجوب النظرة إلخ تعليل لذلك. يعني خلى إلخ: ذكر في
أدب القاضي حكماً من هذا الباب، وعطف عليه قوله: وكذلك إن أقام البيئة، ففسر ذلك الحكم بقوله:
يعني خلى سبيله مراد من قوله: وكذلك إن أقام البيئة.
تحرزاً عن إلخ: لأنه لا يجوز إهلا که مکان الدین، ألا یری أنه لو توجه الهلاك إليه بالخمصة لکان له أن يدفعه
بمال الغیر، فکیف یجوز إهلاكه لأجل مال الغير، وعن أبي يوسف بطله أنه لا يخرجه من السجن في غير هذه
الصورة أيضاً؛ لأن الهلاك لو كان إنما يكون بسبب المرض، وأنه في الحبس وغيره سواء. [العناية ٢٠٨/٨]

٤٥٨
باب الحجر بسبب الدین
والمحترفُ فِيه لا يُمَكّنُ من الاشتغال بعمله هو الصحيح؛ ليضجر قلبُه، فينبعثَ على
الحبس
قضاء دينه، بخلاف ما إذا كانت له جارية، وفيه موضع يمكنه فيه وطئها: لا يُمْنَعُ عنه؛
الجبس
لأنه قضاء إحدی الشهوتين، فیعتبر بقضاء الأخرى. قال: ولا يحول بينه، وبين غرمائه
و
القدوري
یقاس
المديون المفلس
بعد خروجه من الحبس، بل يلازمونه، ولا يمنعونه من التصرف والسفر؛ لقوله عليها:
"لصاحب الحقِّ يدٌ ولسان"،* أراد باليد الملازمة، وباللسان التقاضي. قال: ويأخذون
فَضْلَ كسبه يُقْسَمُ بينهم بالحصص؛ لاستواء حقوقهم في القوة، وقالا: إذا فلسه
الطلب
الصاحبان
الحاكمُ حال بين الغرماء وبينه، إلا أن يقيموا البينة أن له مالاً؛ لأن القضاءَ بالإفلاس
عندهما يصح، فيثبت العسرةُ، ويستحق النظرةَ إلى الميسرة، وعند أبي حنيفة محافظه:
لا يتحقق القضاءُ بالإفلاس؛ لأن مالَ الله تعالى غادٍ ورائحٌ، ولأن وقوفَ الشهود
على عدم المال لا يتحقق إلا ظاهراً، فيصلح للدفع لا لإِبطال حقِّ الملازمة.
لدفع الحبس
هو الصحيح: احتراز عن قول بعضهم: لا يمنع عن الاكتساب في السجن؛ لأن فيه نظراً للجانبين لجانب
المديون أنه ينفق على نفسه وعياله، ولرب الدين أنه إذا فضل من شيء يصرف ذلك إليه. [العناية ٢٠٨/٨]
الشهوتين: أي شهوة البطن، وشهوة الفرج. [البناية ٣٩٦/١٣] ولا يحول بينه إلخ: أي لا يمنعهم من أن
يدوروا معه. (العناية) لقوله عليها: لصاحب إلخ: فوجه التمسك به: هو أن الحديث مطلق في حق الزمان،
فيتناول الزمان الذي يكون بعد الإطلاق عن السجن وقبله. [الكفاية ٢٠٨/٨-٢٠٩]
يقسم بينهم إلخ: أي يأخذ كل واحد منهم حصته من الدين، وهذا إذا أخذوا فضل كسبه بغير اختياره،
أو أخذ القاضي، وقسمه بينهم بدون اختياره، أما المديون ففي حال صحته لو آثر أحد الغرماء على غيره
بقضاء الدين باختياره، فله ذلك نص على ذلك في "فتاوى النسفي". [البناية ٣٩٨/١٣]
* رواه الدارقطني في "سننه" حدثنا أبو علي الصفار ثنا عباس بن محمد ثنا أبو عاصم ثنا ثور بن يزيد عن
مكحول قال: قال رسول الله وَّ: "إن لصاحب الحق اليد واللسان" .[١٢٦/٤، كتاب الأقضية]

٤٥٩
باب الحجر بسبب الدین
وقوله: "إلا أن يقيموا البينة" إشارة إلى أن بينة اليسار تترجَّح على بينة الإعسار؛ لأنها
القدوري
أكثرُ إثباتاً؛ إذ الأصلُ هو العسرة، وقوله في الملازمة: "لا يمنعونه من التصرف والسفر"
دليل على أنه يدور معه أينما دار، ولا يجلسه في موضع؛ لأنه حبس. ولو دخل داره
تفسير للملازمة
لحاجته لا يتبعه، بل يجلس على باب داره إلى أن يخرج؛ لأن الإنسان لا بد أن يكون
٠
الغريم
كغداء وغائط
له موضعُ خلْوةٍ، ولو اختار المطلوبُ والحيسَ، والطالب الملازمةَ: فالخيار إلى الطالب؛
لأنه أبلغ في حصول المقصود؛ لاختياره الأضيقَ عليه، إلا إذا علم القاضي أن يدخل
خيار الطالب
عليه بالملازمة ضررٌ بَيِّنٌ، بأن لا يمكنه من دخوله دارَه، فحينئذ يحبسه دفعًا للضرر عنه.
ولو كان الدينُ للرجل على المرأة لا يلامها؛ لما فيها من الخلوة بالأجنبية، ولكن
يبعث امرأةً أمينةً تلازمها. قال: ومن أفلس وعنده متاعٌ لرجل بعينه ابتاعه منه:
فصاحبُ المتاع أسوةٌ للغرماء فيه، وقال الشافعي بحث: يَحْجُرُ القاضي على المشتري
بطلبه، ثم للبائع خيارُ الفسخ؛ لأنه عجز المشتري عن إيفاء الثمن،
بينة إلخ: اليسار اسم للإيسار من اليسر، أي استغنى، والإعسار مصدر أعسر، أي افتقر، وفي بعض
النسخ: على بينة العسار بمعنى الإعسار، وقال في "المغرب": وهو خطأ. (العناية) أكثر إثباتاً: لأنها تشهد
بالوجود، والأخرى بالنفي، والبينة المثبتة أولى من النافية. حبس: وليس بمستحق عليه، وعن محمد رسالته: أنه قال:
للمدعي أن يجلسه في مسجد حيه، أو بيته؛ لأنه ربما يطوف في الأسواق، والسكك بغير حاجة، فيتضرر
المدعي. (العناية) لحاجته: كغداء وغائط، وعن هذا قيل: إن أعطاه الغداء وأعدله موضعاً لأجل الغائط له
أن يمنعه عن ذلك حتى لا يهرب. [العناية ٢٠٩/٨]
ومن أفلس: وفي بعض النسخ: فإن أفلس، يقال: أفلس الرجل إذا لم يبق في يده مال كأنما صارت دراهمه
فلوساً وزيوفاً كما يقال: أخبث الرجل إذا صار أصحابه خبثاء، وأقطف إذا صارت دابته قطوفاً. (البناية)
بطلبه: أي بطلب البائع الحجر عليه. [البناية ٤٠١/١٣]