النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢٠
کتاب الإكراه
يعدم الرضا، فيفسد، بخلاف ما إذا أكره بضربٍ سَوْطٍ، أو حبسٍ يومٍ، أو قيد يوم؛
لأنه لا يبالي به بالنظر إلى العادة، فلا يتحقق به الإكراهُ، إلا إذا كان الرجلُ صاحبَ
منصبٍ يعلم أنه يستضر به؛ لفوات الرضا، وكذا الإقرارُ حجةٌ لترجح جنبةِ الصدق
فيه على جنبة الكذب، وعند الإكراه يحتمل أنه يَكْذِبُ لدفع المضرة. ثم إذا باع
مُكْرَهًا، وسلَّم مكرهًا: يثبت به الملكُ عندنا، وعند زفر الث: لا يثبت؛ لأنه بيعٌ
بيع المکره
الملك
موقوف على الإجازة، ألا ترى أنه لو أجاز جاز، والموقوفُ قبل الإِجازة لا يفيد
الملك. ولنا: أن ركنَ البيع صدر من أهله مضافاً إلى محله، والفسادُ لفقد شرطه، وهو
المال
الإيجاب والقبول العاقل البالغ
التراضي، فصار كسائر الشروط المفسدة، فيثبت الملكُ عند القبض، حتى لو قبضه،
المشتري
وأعتقه، أو تصرَّفَ فيه تصرفا لا يمكن نقضه: جاز، ويلزمه القيمة،
المشتري لا الثمن
کالتدبير والاستیلاد
الرضا: وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيفسد. [العناية ١٦٨/٨] بخلاف إلخ: فإنه لا يكون إكراهاً.
أكره: المراد بالإكراه ههنا: معناه اللغوي. إلا إذا كان إلخ: فإن الشرفاء والأجلاء من العلماء والكبراء
يستنكفون عن ضرب سوط واحد، وحبس يوم واحد أكثر مما يستنفك غيرهم من ضرب سياط، وحبس أيام،
ولهذا قال محمد بحثه: ليس في ذلك تقدير لازم، بل ذلك على حسب ما يرى الحاكم من حال من ابتلي
به. [العناية ١٦٩/٨] لفوات الرضا: فإذا فات الرضا ثبت الإكراه لوجود العلة. [البناية ٣١٢/١٣]
وكذا الإقرار إلخ: معطوف على قوله: لأن من شرط صحة هذه العقود التراضي إلى قوله: فتفسد؛ فإنه
دليل مستقل في حق فساد الإقرار بالإكراه. لترجح جنبة إلخ: فلا يكون لاحتمال الكذب اعتبار،
ولا ترجيح للصدق حال الإكراه؛ لأن العقل يعتبر حينئذ احتمال أنه يكذب؛ لدفع المضرة. الكذب: فإنه عاقل
بالغ ذو دين. لفقد شرطه إلخ: إذ تأثير فوات شرط الجواز في إفساد العقد كما في الربا، فإن المساواة في
الأموال الربوية شرط جواز العقد، فإذا عدم المساواة يفسد العقد، ويثبت الملك للمشتري بالقبض، فهذا
مثله. [الكفاية ١٦٩/٨] فصار: أي فصار الفساد بفقد شرط كفساد بسبب سائر الشروط المفسدة.

٤٢١
کتاب الإکراه
كما في سائر البياعات الفاسدة، وبإجازة المالك يرتفع المفسدُ، وهو الإكراه، وعدم
الرضا فيجوز، إلا أنه لا ينقطع به حقَّ استردادِ البائع، وإن تداولته الأيدي،
المكره
سبب الإكراه
ولم يَرْضَ البائعُ بذلك، بخلاف سائر البياعات الفاسدة؛ لأن الفساد فيها لحقِّ الشرع،
وقد تعلق بالبيع الثاني حقُّ العبد، وحقّه مقدمٌ لحاجته، أما ههنا الردّ لحق العبد، وهما
البائع المكره
على حق الله
المشتري الثاني
سواء، فلا يبطل حقُّ الأول لحق الثاني. قال الله: ومَنْ جعل البيعَ الجائز المعتاد بيعاً
فاسداً يجعله كبيع المُكْرَه، حتى ينقض بيع المشتري من غيره؛ لأن الفساد لفواتٍ
الرضا، ومنهم من جعله رهنًا لقصد المتعاقدين،
فيجوز: بخلاف سائر البياعات الفاسدة؛ لأن المفسد فيها باق. (البناية) إلا أنه إلخ: استثناء من قوله: كما
في سائر البياعات الفاسدة؛ فإن فيه إذا باع المشتري ما اشتراه بشراء فاسد لم يبق للبائع الأول حق
استرداده، وههنا لا ينقطع بسبب الاكراه حق الاسترداد للبائع. [العناية ١٦٩/٨] وهما: أي البائع المكره،
والمشتري منه الذي باعه. [البناية ٣١٤/١٣] ومن جعل إلخ: ذكر بيع الوفاء في كتاب الإكراه، وذكر
القول بالفساد أولاً يشعر بأن المختار عنده الفساد، ثم إن تفسير الجواز في قول مشايخ سمرقند بإفادة بعض
الأحكام صريح في أنه ليس جائزاً مطلقاً؛ لأنه في قوة الفاسد المفيد لبعض الأحكام.
الجائز المعتاد [أي بسمرقند، ونواحيها] إلخ: وأراد به بيع الوفاء، صورته: أن يقول البائع للمشتري:
بعت منك هذا العين بما لك علي من الدين على أني متى قضيت الدين، فهو لي. [البناية ٣١٤/١٣]
المكره: وعليه الإمام ظهير الدين، والصدر الشهيد حسام الدين. لفوات الرضا: كما في بيع المكره. (البناية)
ومنهم: أي ومن المشايخ كالقاضي الإمام السيد أبو شجاع السمرقندي، والقاضي علي السغدي،
والقاضي الإمام الحسن الماتريدي، وشيخ الإسلام عطاء بن حمزة وغيرهم ثر. [البناية ٣١٥/١٣]
لقصد إلخ: لأنهما وإن سميا بيعاً لكن غرضهما الرهن، والعبرة للمقاصد والمعاني، ولا يملكه المرتهن، ولا يطلق له
الانتفاع إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره، واستهلك من عينه، والدین ساقط بهلا که في يده إذا كان
وفى بالدين، ولا ضمان عليه في الزيادة إذا هلك بغير صنعه. [العناية ١٦٧/٨]

٤٢٢
کتاب الإكراه
ومنهم من جعله باطلاً؛ اعتباراً بالهازل، ومشايخ سمرقند ب جعلوه بيعاً جائزاً مفيداً
ے
لبعض الأحكام على ما هو المعتاد للحاجة إليه. قال: فإن كان قبضُ الثمن طوعاً: فقد
القدوري
أجاز البيعَ؛ لأنه دليلُ الإِجازة كما في البيع الموقوفِ، وكذا إذا سلِّم طائعاً، بأن
المبيع إلى المشتري
كان الإكراهُ على البيع لا على الدفع؛ لأنه دليل الإجازة، بخلاف ما إذا أكره على
الهبة، ولم يذكر الدفعَ، فوهب ودفع، حيث يكون باطلاً؛ لأن مقصودَ المكره
طائعاً
الاستحقاقُ لا مجردُ اللفظ، وذلك في الهبة بالدفع، وفي البيع بالعقد على ما هو الأصل،
فدخل الدفع في الإكراه على الهبة دون البيع.
جعله باطلاً: لأنهما تكلما بلفظ البيع، ولیس قصدهما، فکان لكل منهما أن يفسخ بغير رضا صاحبه، ولو
أجاز أحدهما لم يجز على صاحبه. [العناية ١٧٠/٨] الأحكام: وهو الانتفاع به دون البعض، وهو البيع
والهبة من آخر. (البناية) ما هو المعتاد: أنهم في عرفهم لا يفهمون لزوم البيع بهذا الوجه، بل يجوزونه إلى
أن يرد البائع الثمن إلى المشتري، ويرد المبيع على البائع من غير امتناع، ولا يكون ذلك، إلا إذا لم يخرج
عن ملكه ببيع أو هبة، ولهذا سموه بيع الوفاء؛ ولأنه وفى بما عهد من رد المبيع. [العناية ١٧٠/٨]
لأنه: أي قبض الثمن طوعاً. (البناية) الموقوف: إذا قبض المالك الثمن كان إجازة، ودلالة الإجازة تقوم مقام
الإجازة. (البناية) يكون باطلاً: لا جائزاً وإن دفع وسلم طائعاً: أي فاسداً يوجب الملك بعد القبض كالهبة الصحيحة
بناء على أصلنا أن فساد السبب لا يمنع وقوع الملك بالقبض، فإن تصرف فيه، نفذ تصرفه وعليه ضمان
قيمته. [العناية ١٧٠/٨] الاستحقاق: أي ما يتعلق به الاستحقاق ليتضرر به المكره. [البناية ٣١٦/١٣]
ما هو الأصل: يريد به أن الأصل في البيع أن يتعلق الاستحقاق به من غير قبض، والتوقف على القبض،
أو الإجازة من العوارض، فلم يكن الإكراه على البيع إكراهاً على الدفع، فكان الدفع عن اختيار منه، وذا
دليل الإجازة، أما الهبة في أصل الوضع، فلا يتعلق بها الاستحقاق من غير قبض، فكان الإكراه على الهبة
إكراهًا على الدفع نظراً إلى مقصود المكره، وهو حمله على شيء يتعلق به الاستحقاق، وإزالة الملك ليتضرر
به لا صورة العقد. [الكفاية ١٧١/٨]

٤٢٣
کتاب الإ كراه
قال: وإن قبضه مكرهاً، فليس ذلك بإجازة، وعليه ردُّه إن كان قائماً في يده؛ لفساد
البائع الثمن الثمن
بائع الثمن
العقِد. قال: وإن هلك المبيعُ في يد المشتري، وهو غيرُ مُكرَه: ضمن قيمته للبائع، معناه:
المشتري
بالإ كراه
والبائع مكره؛ لأنه مضمونٌ عليه بحكم عقد فاسد، وللمُكْرَه أَنْ يُضَمِّنَ المُكْرِهِ إن
شاء؛ لأنه آلة له فيما يرجع إلى الإتلاف، فكأنه دَفَعَ مالَ البائع إلى المشتري، فيضمِّن
أيَّهما شاء كالغاصب، وغاصب الغاصب، فلو ضمَّن المكرهَ: رجع على المشتري
المشتري والمكره
بالقيمة؛ لقيامه مقام البائع، وإن ضمن المشتريَ: نَفَذُ كلُّ شراءٍ كان بعد شرائه لو
أحد المشتریین
تناسخته العقودُ؛ لأنه مَلكه بالضمان، فظهر أنه باع ملكه، ولا ينفذ ما كان قبله؛ لأن
الاستناد إلى وقت قبضه، بخلاف ما إذا أجاز المالكُ المكرَهُ عقداً منها، حيث
يجوز ما قبله وما بعده؛ لأنه أسقط حقّه، وهو المانعُ فعاد الكلُّ إلى الجواز، والله أعلم.
النفاذ
حقه
المالك المكره
إن كان قائمًا إلخ: وإن كان هالكاً لا يأخذ منه شيئاً؛ لأن الثمن كان أمانة عند المكره؛ لأنه أخذه بإذن
المشتري، والقبض متى كان بإذن المالك، فإنما يجب الضمان إذا قبضه للتملك، وهو لم يقبضه للتملك؛ لأنه
كان مكرهاً على قبضه، فكان أمانة. (الكفاية) فيما يرجع إلخ: أي وإن لم يصلح آلة له من حيث إنه
كلام؛ لأن التكلم بلسان الغير لا يصح. (الكفاية) شاء: حيث يتخير المالك في تضمين أيهما شاء. (البناية)
لقيامه مقام إلخ: أي بأداء الضمان؛ لأن المضمون يصير ملكاً للضامن وقت سبب الضمان. [الكفاية ١٧١/٨]
شرائه: أي شراء هذا المشتري الضامن. (البناية) تناسخته: أي تداولته الأيدي بالبيوع. [البناية ٣١٨/١٣]
لأنه: أي لأن هذا المشتري الضامن. (البناية) ولا ينفذ: أي لا ينفذ شراء قبل شراء المشتري الضامن، أو قبل
الضمان. (البناية) الاستناد: أي استناد ملك المشتري. (البناية) ما إذا أجاز إلخ: وبخلاف ما إذا أجاز المالك في
بيع الفضولي واحداً من الأشربة حیث یجوز ما أجازه خاصةً؛ لأنه باع كل واحد منهم ملك غيره، وقد صار
لواحد منهم ملك بات بالإجازة، فأبطل الملك الموقوف لغيره، وهنا كل واحد باع ملكه؛ إذ بيع المكره مفيد
للملك عند القبض، والمانع من نفوذ الكل حق استرداد المالك، فإذا أسقط نفذ الكل. [الكفاية ١٧٢/٨]
عقداً منها: أي من العقود التي تناسختها الأيدي. [البناية ٣١٨/١٣]

٤٢٤
کتاب الإكراه
فصل
وإن أُكْرِهَ على أن يأكل الميتةَ، أو يشرب الخمرَ، إن أكره على ذلك: بحبس، أو
بضرب، أو قيد: لم يَحِلَّ له إلا أن يُكْرَهَ بما يخاف منه على نفسه، أو على عضو من
أعضائه، فإذا خاف على ذلك: وسعه أن يُقْدِمَ على ما أكره عليه، وكذا على هذا
الدم، ولحم الخنزير؛ لأن تناول هذه المحرمات إنما يباح عند الضرورة كما في حالة
المخمصة؛ لقيام المحرم فيما وراءها، ولا ضرورةً إلا إذا خاف على النفس، أو على
ضرورة
العضو، حتى لو خيف على ذلك بالضرب الشديد، وغلب على ظنه ذلك: يباح له
النفس أو العضو
ذلك. ولا يسعه أن يَصْبِرَ على ما تُوُعِّد به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل: فهو آثم؟
لأنه لما أبيحَ كان بالامتناع معاوناً لغيره على إهلاك نفسه، فيأثم كما في حالة المخمصة،
المكره
١
فصل: إنما فصل بفصل؛ لأن ما تقدم مما يحل فعله قبل الإكراه، ومسائل هذا الفصل ليست كذلك؛ لأنها
محظورة قبل الإكراه في حالة السعة. بضرب: أراد بالضرب: الضرب الخفيف الذي لا يخاف منه تلف نفس أو
تلف عضو. (البناية) لم يحل له: أي الإقدام على ذلك. [البناية ٣١٩/١٣] وكذا: أي على التفصيل المذكور:
وهو أنه إن أكره بحبس، أو ضرب، أو قيد لم يحل له، إلا أن يكره بما يخاف على النفس أو العضو.
المخمصة: أي المجاعة الشديدة: هو خلو البطن عن الغذاء، يقال: رجل خميص البطن إذا كان طاوياً
خالياً كذا في "معالم التنزيل". ذلك: أي تلف النفس، أو العضو. (البناية) يباح له ذلك: أقول: في
قوله: يباح له ذلك إشكال؛ فإن المباح ما استوى طرفا فعله وتركه كما تقرر في علم الأصول، وفيما
نحن فيه إذا خيف على النفس، أو على العضو كان طرف الفعل راجحاً، بل فرضاً، كما صرح به في
كتب الأصول. [نتائج الأفكار ١٧٣/٨] أوقعوا به: أي قتلوه، أو أتلفوا عضوه. [البناية ٣٢٠/١٣]
لأنه لما أبيح إلخ: أي لأنها في هذه الحالة مباحة على ما بينا، وإهلاكه النفس، أو العضو بالامتناع عن
المباح حرام، فيأثم. المخمصة: لو لم يأكل، فمات يأثم.

٤٢٥
كتاب الإكراه
وعن أبي يوسف بحلته: أنه لا يأثم؛ لأنه رخصة؛ إذ الحرمة قائمة، فكان آخذاً
بالعزيمة. قلنا: حالة الاضطرار مستثناة بالنص، وهو تكلمٌ بالحاصل بعد
الإستثناء
الُّنْيَا، فلا محرمَ، فكان إباحةً لا رخصةً، إلا أنه إنما يأثم إذا علم بالإِباحة في هذه
الحالة؛ لأن في انكشاف الحرمة خفاءً، فيعذرُ بالجهل فيه کالجهل بالخطاب في أول
بفروع الدین
الإِسلام، أو في دار الحرب. قال: وإِن أكره على الكفر بالله تعالى - والعياذ بالله -
القدوري
فإنه عذر
أو بسبّ رسول الله ◌َّ بقيدٍ، أو بحبس، أو ضربٍ: لم يكن ذلك إكراهاً، حتى
يُكْرَه بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه؛ لأن الإكراه بهذه
الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر لمامرَّ، ففي الكفر وحرمته أشدُّر أولى وأحرى.
قال: وإذا خاف على ذلكِ وَسِعَه أن يُظْهِرَ ما أمروه به، ويُوريَ، فإن أظهر ذلك،
النفس أو العضو
وقلبه مطمئن بالإِيمان: فلا إثم عليه؛ لحديث عمار بن ياسر ظريته حين ابتلي به،
لأنه رخصة إلخ: يعني أن الإثم ينتفي عن المضطر، ولا تنكشف الحرمة بالضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ
اضْطَرَّ غَيْرَ بَاغْ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. [الكفاية ١٧٣/٨] بالعزيمة: هو الحكم المشروع أولاً من غير عذر.
بالنص: في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾
لا رخصة: فامتناعه من التناول كامتناعه من تناول الطعام الحلال، حتى تلفت نفسه، أو عضوه، فكان آثماً
لكنه إنما يأثم إذا علم إلخ. [العناية ١٧٣/٨-١٧٤] إلا أنه إنما إلخ: هذا جواب إشكال كأنه يقول: إذا
ثبت إباحته ينبغي أن لا يأثم؛ إذ الإنسان لا يأثم بترك المباح، فأجاب بأنه يأثم إذا علم بالإباحة ولم يأكل
حتى تلف؛ لأنه يصير ساعياً في إتلاف نفسه أما إذا لم يعلم ذلك، فلا يأثم. [البناية ٣٢١/١٣]
خفاء: لأنه أمر يختص بمعرفته الفقهاء. (البناية) الأشياء: أي القيد والحبس والضرب. وأحرى: بأن لا يكون
إكراهاً. (البناية) أمروه به: من إجراء كلمة الكفر. (البناية) ويوري إلخ: والتورية: أن يظهر خلاف ما يضمر،
فجاز أن يكون المراد بها ههنا اطمئنان القلب، وجاز أن يكون الإتيان بلفظ يحتمل معنيين. [العناية ١٧٤/٨]

٤٢٦
کتاب الإكراه
وقد قال له النبي ◌ُّ: "كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئنًّا بالإِيمان، فقال عليها: فإن
عادوا فعُدْ")* وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية،
إلى الإكراه
ولأن بهذا الإظهار لا يفوت الإيمانُ حقيقةً؛ لقيام التصديق، وفي الامتناع فوتُ النفس
حقيقةً، فَيَسَعُه الميل إليه. قال: فإن صبر حتى قُتِلَ، ولم يُظْهِرِ الكفرَ: كان مأجوراً؛
لأن خبيباً غُه صبر على ذلك، حتى صُلِبَ، وسماه رسول الله عليها: "سيدَ الشهداء"
وقال في مثله: "هو رفيقي في الجنة"، **
فعد: أي إلى طمأنينة القلب لا إلى الإجراء، والطمأنينة جميعاً؛ لأن أدنى درجات الأمر الإباحة، فيكون إجراء كلمة
الكفر مباحاً، وليس كذلك؛ لأن الكفر مما لا تنكشف حرمته، وموضعه أصول الفقه. [العناية ١٧٤/٨ -١٧٥]
إلا من أكره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِالهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكَفْرِ صَدْراً
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِوَلَّهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وقوله: صدرًا معناه: طابت نفسه.
لا يفوت الإيمان إلخ: لأن الركن الأصلي فيه هو التصديق، وهو قائم حقيقة، والإقرار رکن زائد، وهو قائم
تقديراً؛ لأن التكرار ليس بشرط، وفي الامتناع فوت النفس حقيقة، فكان مما اجتمع فيه فوت حق العبد يقيناً،
وفوت حق الله توهماً، فيسعه الميل إلى إحياء حقه. (العناية) مثله: أي فيه، وكلمة مثل زائد. [العناية ١٧٥/٨]
*"رواه الحاكم في "المستدرك" في تفسير سورة النحل من حديث عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم بن
مالك الجزري عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر،
فلم يتركوه حتى سب النبي ◌ّ، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله وُ﴾، قال له عليها: ما وراءك،
قال: شر يا رسول الله! ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: فكيف تجد قلبك، قال: مطمئناً
بالإيمان، قال: "فإن عادوا، فعد"، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. [٣٥٧/٢]
** غريب، وقتل خبيب في صحيح البخاري في مواضع، وليس فيه أنه صلب، ولا أنه أكره، ولا أن النبي ◌ُ﴾
سمّاه سيد الشهداء، ولا قال فيه: هو رفيقي في الجنة. [نصب الراية ١٥٩/٤] والمعروف في قوله عليها سيد
الشهداء أنه قاله في حمزة، رواه الحاكم في "المستدرك" في الفضائل من حديث جابر عن النبي و 3ّ قال:
"سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره، فقتله"، قال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. [١٩٥/٣]

٤٢٧
کتاب الإكراه
ولأن الحرمة باقيةٌ، والامتناعُ؛ لإعزاز الدين عزيمة، بخلاف ما تقدم للاستثناء. قال:
القدوري
من الحرمة
وإن أكره على إتلافٍ مال مسلم بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه
وسعه أن يفعل ذلك؛ لأن مال الغير يستباح للضرورة، كما في حالة المخمصة، وقد
تحققت، ولصاحب المال أن يُضَمِّن المُكْرِهَ؛ لأن المُكْرَةَ آلَّللمكرِهِ فيما يصلح آلةًّ له،
والإتلافُ من هذا القبيل. وإن أكرهه بقتل على قتل غيره: لم يسعه أن يُقْدِمَ عليه، ويصبر
حتى يقتل، فإن قتله كان آثماً؛ لأن قتلَ المسلم مما لا يستباح لضرورة ما، فكذا بهذه
الضرورة، والقصاصُ على المكرِهِ إن كان القتل عمداً، قال له: وهذا عند أبي حنيفة
الإكراه
ومحمد رحمها، وقال زفر بطلته: يجب على المكْرَه، وقال أبو يوسف معاله: لا يجب عليهما،
"المكرَه والمكرِهِ
وقال الشافعي بحاله: يجب عليهما. لزفر بالله أن الفعل من المكره حقيقة وحساً،
الحرمة: أي حرمة إجراء كلمة الكفر. (البناية) باقية: لتناهي قبح الكفر، وبقاؤها يوجب الامتناع. (العناية)
لإعزاز الدين: فإذا بذل نفسه لإعزاز الدين، ولإقامة حق الله تعالى، وحق غيره من العباد كان شهيداً.
بخلاف ما تقدم: من أكل الميتة وشرب الخمر؛ فإن الحرمة هناك لم تكن باقية للاستثناء. [العناية ١٧٦/٨]
للاستثناء: يعني قوله تعالى: ﴿إِلَّمَا اضْطُرِرْ تُمْ إِلَيْهِ﴾ وأول الآية ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾. [الكفاية ١٧٦/٨]
المخمصة: أي كما يستباح في حالة المخمصة. (البناية) أن يضمن المكره: بكسر الراء؛ إذ في الأفعال
يصير الفاعل آلة للحامل. (شرح الوقاية) فيما يصلح آلة إلخ: قد مر أن في كل موضع يصلح كون المكره
آلة للمكره يكون الضمان على المكره، واحترز بقوله: فيما لا يصلح عن الأكل والتكلم والوطء، فإنه فيها
لا يصلح آلة له؛ إذ الأكل بفم الغير، والتكلم بلسان الغير لا يتصور. [البناية ٣٢٨/١٣]
والإتلاف إلخ: لأن المكره يمكنه أن يأخذ المكره، ويلقيه على المال، فيتلفه، وقوله: فيما يصلح؛ احترازاً
عن الأكل، والتكلم، والوطء، فإنه فيها لا يصلح آلة له. [العناية ١٧٧/٨] حقيقة وحساً: أي من حيث
الحقيقة لصدوره منه بغير واسطة، وحساً أي ومن حيث الحس، فإنه معاين مشاهد. [البناية ٣٣٠/١٣]

٤٢٨
كتاب الإكراه
وقرر الشرع حكمه عليه وهو الإِثم، بخلاف الإكراه على إتلاف مال الغير؛ لأنه سقِط
عن المكره
حكم القتل
القتل
حكمه وهو الإثم، فأضيف إلى غيره، وبهذا يتمسك الشافعي بدالله في جانب المكره،
المكره
الإتلاف عن المكره
ويوجبه على المكره أيضاً لوجود التسبيب إلى القتل منه، وللتسبيب في هذا حكم
المباشرة عنده كما في شهود القصاص. ولأبي يوسف اليه: أن القتل بقي مقصورا على
الشافعي محدثهـ
المكرَهِ من وجه نظراً إلى التأثيم، وأضيف إلى المكرِه من وجه نظراً إلى الحَمْل، فدخلت
الشبهة في كل جانب. ولهما: أنه محمولٌ على القتل بطبعه؛ إيثارًا لحياته، فيصير آلةً
للمكره فيما يصلح آلة له، وهو القتل بأن يلقيه عليه، ولا يصلح آلة له في الجناية على
دينه، فبقي الفعلُ مقصوراً عليه في حق الإِثم، كما نقول في الإكراه على الإعتاق،
وبهذا: أي بما ذكره زفر ملكه من الدليل. (البناية) ويوجبه: الشافعي بدلته القصاص. حكم المباشرة: فإن السبب
التام ينزل منزلة المباشرة في حق وجوب القصاص عنده. كما في شهود القصاص: يعني إذا شهدا
على رجل بالقتل العمد فاقتص المشهود عليه، فجاء المشهود بقتله حياً، فإنه يقتل الشاهدان عنده
للتسبيب؛ لأنهما قتلاه حكماً. (البناية) التأثيم: أي تأثيم الشارع إياه، فإنه يدل على تقرير الحكم وقصره
عليه. (البناية) الحمل: أي حمل المكره عليه، تقريره: أن كونه محمولاً على الفعل يدل على أنه كالآلة،
والفعل ينتقل عنه، وكل ما كان كذلك كان شبهة. [البناية ٣٣١/١٣]
الشبهة: والقصاص يندفع بها. (العناية) فيصير آلة إلخ: وذلك لأن الآلة تعمل بطبعها كالسيف، فإن طبعه
القطع عند الاستعمال في محله، وكالنار، فإن طبعها الإحراق، وكالماء، فإن طبعه الغرق، وإذا كان كذلك،
ففي الجري على موجب القطع مشابهة بالآلة، ولو استعمل القاتل آلته التي هي السيف في شخص ظلماً، فقتله
يجب القصاص على القاتل، فكذا يجب القصاص على المكره ههنا؛ لكون المكره آلة له. [الكفاية ١٧٨/٨]
ولا يصلح آلة إلخ: لأنه أكرهه على أنه يجني على دينه، ولو انتقل ذلك إلى المكره؛ لتحقق خلاف المكره،
وبطلان الإكراه، وعود الفعل إلى المحل الأول. [الكفاية ١٧٨/٨] على العتاق: يعني الإعتاق مقصور على
المكره من حيث التلفظ به، وحصول العتق في المحل حتى كان الولاء له؛ لأنه لم يصلح آلة للمكره بهذا
الاعتبار، ومن حيث إتلاف المالية يضاف إلى المكره حتى يكون ضامناً للمالية. [الكفاية ١٧٩/٨]

٤٢٩
کتاب الإكراه
وفي إكراه المجوسي على ذبح شاةٍ الغير ينتقل الفعلُ إلى المكره في الإِتلاف دون
الذكاة حتى يحرم، كذا هذا. قال: وإن أكرهه على طلاقِ امرأتِه، أو عتقِ عبدِه،
القدوري
ففعل: وقع ما أُكْرِهَ عليه عندنا خلافاً للشافعي بطعم، وقد مر في الطلاق. قال:
ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد؛ لأنه صلح آلةً له فيه من حيث الإتلاف،
فانضاف إليه، فله أن يضمنه موسراً كان أو معسراً، ولا سعايةَ على العبد؛ لأن
السعايةَ إنما تجب للتخريج إلى الحرية، أو لتعلق حقِّ الغير، ولم يوجد واحدٌ منهما،
وقد خرج
ولا يرجع المكرَهُ على العبد بالضمان؛ لأنه مؤاخَذٌ بإتلافه. قال: ويرجع بنصف
القدوري
مهر المرأة إن كان قبل الدخول، وإن لم يكن في العقد مسمَّى،
الطلاق والخلوة الصحيحة
إكراه المجوسي [أي إكراه المسلم المجوسي] إلخ: أي وكذا في إكراه المجوسي على ذبح شاة الغير ينتقل
الفعل إلى المكره من حيث الإتلاف حتى يكون ضامناً، ولا يقتصر على المجوسي في حق الذكاة حتى يحرم
الذبيحة؛ لأنه صلح آلة للمشير في حق الإتلاف دون الذكاة؛ لأن الحرمة يحتاط فيها. [الكفاية ١٧٩/٨]
الطلاق: أي في فصل طلاق المكره والسكران. (البناية) موسرًا كان إلخ: لأن وجوب الضمان باعتبار
مباشرة الإتلاف، فيكون ضمان عدوان، فلا يختلف باليسار والإعسار. [البناية ٣٣٤/١٣]
لأن السعاية إلخ: كما هو مذهب أبي حنيفة بله، فإن المستسعى كالمكاتب عنده، أو لتعلق حق الغير
كما هو مذهبهما؛ لأن عندهما إنما يجب السعاية لتعلق حق غير المعتق بالعبد، وههنا لو وجبت لوجبت
لتعلق حق المعتق؛ لأنه لا حق ههنا لغير المعتق، ولا نظير له في الشرع، ولا يلزم على قولهما إعتاق السفيه
المحجور حيث يعتق، ويجب السعاية على العبد؛ لأنه تعلق به حق المحجور نظراً له، ولا يستوفي حقه من
محل آخر، بخلاف المكره؛ فإنه غير محجور. وقيل: قوله: لتعلق حق الغير؛ للاحتراز عن المريض إذا أعتق
عبده وعليه دين، فهناك يجب السعاية لحق الغرماء، وكذلك الراهن إذا أعتق المرهون، وهو معسر؛ فإنه
يجب السعاية على العبد لحق المرتهن. لأنه مؤاخذ إلخ: يعني أن المكره إنما يضمن من حيث إنه جعل متلفاً
حكماً، فكأنه قتله، والمقتول لا يضمن شيئاً. [العناية ١٨٠/٨]

٤٣٠
کتاب الإكراه
يرجع على المكرَه بما لزمه من المتعة؛ لأن ما عليه كان على شَرَف السقوط، بأن
جاءت الفرْقة من قبلها، وإنما يتأكد بالطلاق، فكان إتلافاً للمال من هذا الوجه،
الإكراه
فيضاف إلى المكره من حيث إنه إتلافٌ، بخلاف ما إذا دخل بها؛ لأن المهر قد تقرَّر
بالدخول لا بالطلاق. ولو أكره على التوكيل بالطلاق والعتاق، ففعل الوكيلُ: جاز
استحساناً؛ لأن الإكراه مؤثر في فساد العقد، والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة،
طلق أو عتق
ويرجع على المكرِهِ استحساناً؛
من المتعة: لا تنقص المتعة عن خمسة دراهم، ولا تزاد على نصف مهر المثل، وهي درع، أي: قميص
المرأة، وخمار أي: ما تخمر به الرأس، أي: تغطي، وملحفة ما يلحف به من قرنها إلى قدمها. (مجمع الأنهر)
ما عليه: أي على الزوج أي نصف المهر أو المتعة. قبلها: بتمكين ابن الزوج منها بغير إكراه أو
بالإرتداد. (البناية) دخل بها: حيث لا يضمن المكره الآمر شيئاً. [البناية ٣٣٥/١٣]
لا بالطلاق: فبقي مجرد إتلاف ملك النكاح، وأنه ليس بمال، فلا يضمن بالمال؛ لأنه لا مماثلة بين ما هو
مال، وما ليس بمال متقوم، وتقومه عند التملك بالنكاح لإظهار خطر الممهور، وهذا الخطر للمملوك لا
للملك الوارد عليه، ألا ترى أن إزالة الملك بغير شهود، وبغير ولي صحيح، فلاحاجة إلى إظهار الخطر عند
إتلاف الملك، فلهذا لا يضمن المتلف شيئاً، ولهذا لا يجب على شاهدي الطلاق بعد الدخول ضماناً عند
الرجوع، ولا على المرأة إذا ارتدت بعد الدخول، ولا على القاتل لمنكوحة الغير. [الكفاية ١٨١/٨]
جاز استحساناً: ونفذت تصرف الوكيل، والقياس أن لا تصح الوكالة مع الإكراه؛ لأن الأصل أن كل عقد
يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الإكراه، وما لا يؤثر فيه الهزل لا يؤثر فيه الإكراه؛ لأنهما ينفيان الرضا، والوكالة
تبطل بالهزل، فكذا مع الإكراه. (الكفاية) العقد: ألا ترى أن الإكراه لا يمنع انعقاد البيع، ولكن يوجب
فساده، لا تبطل [أي لا تفسد] إلخ: لأنها من الإسقاطات؛ إذ الموكل يسقط حقه بالتفويض إليه، فإذا
لم يبطل نفذ تصرف الوكيل. (الكفاية) ويرجع: أي المكره بنصف المهر وقيمة العبد. [الكفاية ١٨١/٨]
استحساناً: والقياس أن لا يرجع؛ لأن الإكراه وقع على الوكالة وزوال الملك لم يقع بها، فإن الوكيل قد
يفعل وقد لا يفعل، فيضاف التلف إليه كما في الشاهدين شهدا أن فلاناً وكل فلاناً بعتق عبده فأعتق
الوكيل ثم رجعا لم يضمنا. [العناية ١٨١/٨]

٤٣١
كتاب الإكراه
لأن مقصودَ المكره زوالُ ملكه إذا باشر الوكيلُ، والنذرُ لا يعمل فيه الإكراهُ؛ لأنه لا
يَحْتمل الفسخَ، ولا رجوعَ على المكره بما لزمه؛ لأنه لا مطالب له في الدنيا، فلا
يطالب به فيها، وكذا اليمين والظّهارُ لا يَعمل فيهما الإكراهُ؛ لعدم احتمالهما الفسخ،
وكذا الرجعةُ وَالإِيلاءُ، والفَيْءُ فيه باللسان؛ لأنها تصح مع الهزل،
زوال ملكه: فكان الزوال مقصوده، فيضمن، ولا ضمان على الوكيل؛ لأنه لم يوجد منه إكراه. (البناية)
لا يعمل فيه الإكراه: [أي يصح النذر مع الإكراه ]: أي من حيث منع الصحة؛ لأن الإكراه يفوت
الرضا وفوات الرضا يؤثر في عدم اللزوم، وعدم اللزوم يمكن المكره من الفسخ، فالإكراه يمكن المکره من
الفسخ بعد التحقق، فما لا يحتمل الفسخ لا يعمل فيه الإكراه، فيصح النذر مع الإكراه. [البناية ٣٣٧/١٣]
حتى لو أكره بوعيد تلف على أن يوجب على نفسه صدقة أو صوماً، أو حجاً ماشياً يتقرب به إلى الله
تعالى ففعل لزمه ذلك، وكذا إن أكرهه على اليمين بشيء من ذلك أو بغيره؛ لأن النذر مما لا يلحقه
الفسخ؛ لأنه يمين؛ لقوله عليها: "النذر يمين"، وهي مما لا يحتمل الفسخ. [الكفاية ١٨١/٨]
لأنه لا مطالب إلخ: وذلك؛ لأنه أوجب عليه حكماً يطالب به في الآخرة، ولا يظهر أثره في الدنيا من حيث
الإلزام، فلو أوجبنا الضمان لأخذه الحاكم وحبسه، فيكون زائداً على ما أوجبه، وهذا لا يجوز. [الكفاية ١٨١/٨]
وكذا اليمين إلخ: أي وكذا إذا أكره على يمين، فحلف انعقدت، والظهار أي وكذا إذا أكره على أن
يظاهر امرأته فظاهر صح لايعمل فيهما الإكراه؛ لعدم احتمالهما الفسخ. [البناية ٣٣٨/١٣]
والظهار: سواء كان اليمين على الطاعة، أو على المعصية. لعدم احتمالهما إلخ: فإن أكره على إعتاق
عبد عن كفارة اليمين، أو الظهار، ففعله أجزأه عنها. [العناية ١٨١/٨]
وكذا الرجعة: ففعل صح، أو على إيلاء فآلى، أو على فيء إليها باللسان، ففعل صح؛ لأنها أي الرجعة
والإِيلاء والفيء تصح مع الهزل وما صح مع الهزل لا يحتمل الفسخ ..... وإن ترك التي آلى منها أربعة
أشهر حتى بانت، ولم يكن دخل بها وجب عليه نصف المهر، ولا يرجع به على المكره؛ لأنه كان متمكناً
من القربان في المدة، فإذا لم يفعل كان ذلك رضًا عنه بما لزمه من الصداق، وإن قربها، وكفر لم يرجع على
المكره بشيء؛ لأنه أتى بضد ما أكرهه عليه. [العناية ١٨١/٨] والإيلاء: الإيلاء حلف يمنع وطيء الزوجة
مدة الإِيلاء، وهي للحرة أربعة أشهر، وللأمة شهران، والفيء هو الرجوع عن الإيلاء الذي هو اليمين،
والفيء القولي: هو أن يقول مثلاً: فئت إليها كذا في "الوقاية" وغيرها.

٤٣٢
کتاب الإكراه
والخلعُ من جانبِهِ طلاقٌ أو يمين لا يعمل فيه الإِكراهُ، فلو كان هو مكرهاً على الخلع
ءُ
في الحال
زوج في المال
دونها لزمها البدلُ؛ لرضاها بالالتزام. قال: وإن أكرهه على الزنا: وجب عليه الحد
على الزاني
عند أبي حنيفة ماله، إلا أن يُكْرِهَه السلطان، وقال أبويوسف ومحمد وعمّا:
ءُ
لا يلزمه الحدّ، وقد ذكرناه في الحدود. قال: وإذا أكرهه على الردة لم تَنِ امرأته منه؛
لأن الردة تتعلق بالاعتقاد،
والخلع إلخ: أي وإن أكره على أن يخالع امرأته، ففعل صح الخلع؛ لأنه من جانب الزوج طلاق، وهو
ظاهر، والإكراه لا يمنع وقوع الطلاق بلا بدل، فكذا يبدل، أو يمين لوجود الشرط والجزاء، واليمين لا يعمل
فيه الإكراه، فلو كان مكرهاً على الخلع دونها لزمها البدل لرضاها بالالتزام بإزاء ما سلم لها من البينونة،
ولا شيء على المكره للزوج؛ لأنه أتلف عليه ما ليس بمال، وهو النكاح، فلا يضمن به. [العناية ١٨١/٨]
وجب عليه الحد: لأن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بانتشار آلته، وذلك لا يكون إلا بلذة، وذلك دلیل
الطواعية، بخلاف المرأة؛ فإنها محل الفعل، ومع الخوف يتحقق التمكين منها، فلا يكون التمكين دليل
الطواعية. [العناية ١٨٢/٨] إلا أن يكرهه إلخ: فإن المكره يعجز عن دفع السلطان عن نفسه؛ إذ ليس
فوقه من يلتجيء إليه، ويقدر على دفع اللص بالإلتجاء إلى السلطان، فإن اتفق في موضع لا يتمكن من
ذلك، فهو نادر لا حكم له.(العناية)
لا يلزمه الحد: لأن الحد للزجر، ولا حاجة مع الإكراه؛ لأن الإنزجار كان حاصلاً إلى أن حصل خوف.
التلف على نفسه، فكان قصده بهذا الفعل دفع الهلاك عن نفسه لا قضاء الشهوة، فيصير ذلك شبهة في
إسقاط الحد عنه، وإنتشار الآلة لا يدل على عدم الخوف؛ لأنه أمر طبعي ينتشر من النائم من غير اختيار،
وهذا وجه قول أبي يوسف ومحمد حما أنه لا يلزمه الحدود. وأما تقييد الإكراه بالسلطان، فقد قيل: إنه
من قبيل اختلاف العصر كما تقدم في أول هذا الكتاب، وقيل: من قبيل اختلاف الحكم، ووجه قولهما:
أن المعتبر في الإكراه كونه ملجأ، وذلك بقدرة المكره على الإيقاع، وخوف المكره الوقوع كما مر،
وذلك قد يكون من غير السلطان أكثر تحقيقاً. [العناية ١٨٢/٨]
لأن الردة إلخ: ويجوز أن يجعل كلامه دليلين: أحدهما: أن يقال: إن الردة بتبدل الاعتقاد، وتبدل الاعتقاد
ليس بثابت لقيام الدليل، وهو الإكراه، والثاني: أن يقال: الردة باعتقاد الكفر، وفي اعتقاده الكفر شك؛ =

٤٣٣
کتاب الإكراه
ألا ترى أنه لو كان قلبه مطمئناً بالإِيمان لا يكفر، وفي اعتقاده الكفرَ شكٌّ، فلا تثبت
البيئونةُ بالشك، فإن قالت المرأة: قد ◌ِنْتُ منك، وقال هو: قد أظهرْتُ ذلك، وقلبي
مطمئنٌ بالإيمان، فالقول قوله استحساناً؛ لأن اللفظِ غيرُ موضوع الفُرْقة، وهي بتبدل
الاعتقاد، ومع الإكراه لا يدل على التبدل، فكان القول قوله، بخلاف الإكراه على
تبدل الاعتقاد
الإِسلام حيث يصير به مسلماً؛ لأنه لما احْتَمَلَ واحْتَمَلَ رجَّحنا الإِسلامَ في الحالين؛ لأنه
الإسلام
يعلو ولا يُعْلِى. وهذا بيانُ الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يعتقده، فليس
بمسلم. ولو أكره على الإسلام حتى حُكِمَ بإسلامه، ثم رجع: لم يُقْتَلْ؛ لتمكُّنِ الشبهة،
كونه مسلمًا
عن الإسلام
وهي دارئة للقتل، ولو قال الذي أكره على إجراء كلمة الكفر: أَخْبَرْتُ عن أمرٍ ماضٍ،
= لأنه أمر مغيب لا يطلع عليه إلا بترجمة اللسان، وقيام الإكراه يصرف عن صحة الترجمة، فلا تثبت
البينونة المترتبة على الكفر بالشك. [العناية ١٨٣/٨] استحساناً: وقيد بقوله: لأن في القياس القول قولها
حتى يفرق بينهما؛ لأن كلمة الكفر سبب لحصول البينونة كلفظ الطلاق، فيستوي فيه الطائع والمكره،
وأشار إلى وجه الاستحسان بقوله: لأن اللفظ إلخ. [البناية ٣٤٠/١٣]
لما احتمل إلخ: أي لأن الشك لما احتمل الإسلام الوجود، واحتمل اللفظ، وتردد بين قصد الوجود،
وعدمه رجحنا الإسلام في الحالين، وهذا أولى من أن يقال: معناه: يحتمل أن يوافق اللفظ الاعتقاد، ويحتمل
أن لا يوافق، فرجحنا الإسلام في الحالين. ومن أن يقال: معناه: رجحنا الإسلام في حال الإكراه على
الردة، وفي حال الإكراه على الإسلام؛ لبعدهما عن الظاهر.
لأنه يعلو إلخ: فيجب ترجيحه على ما يقابله من المحتمل الآخر. فليس بمسلم: وكأن هذا إشارة إلى ما
قاله الإمام أبو منصور الماتريدي، وهو المنقول عن أبي حنيفة مدل: أن الإيمان هو التصديق، والإقرار
باللسان شرط إجراء الأحكام، وليس ذلك مذهب أهل أصول الفقه؛ فإنهم يجعلون الإقرار ركناً. (العناية)
لتمكن الشبهة: أي شبهة عدم الارتداد. (العناية): لاحتمال عدم الإِسلام من الابتداء، فيكون كفره
أصيلاً؛ لعدم صحة إسلامه. قال: أي في جواب قولها: قد بنت منك. [العناية ١٨٤/٨]

٤٣٤
كتاب الإكراه
ولم أكن فعلت: بانت منه حكماً لا ديانةً؛ لأنه أقر أنه طائعٌ بإتيان ما لم يُكَّرَهْ
عليه، وحكمُ هذا الطائع ما ذكرناه، ولو قال: أردت ما طلب من، وقد خطر
الإنشاء
ببالي الخبرُ عما مضى: بانت ديانة وقضاءً؛ لأنه أقر أنه مبتديء بالكفر هازل به،
حيث علم لنفسه مخلصاً غيره. وعلى هذا إذا أكره على الصلاة للصليب، وسبّ
ابتداء الكفر
محمد النبي عليَّ، ففعل، وقال: نويَّتُ به الصلاةَ لله تعالى، ومحمدً آخرَ غير النبي عليّ،
بانت منه قضاءً لا ديانةً، ولو صلى للصليب، وسبّ محمداً النبي عليًّا، وقد خطر
بباله الصلاةُ لله تعالى، وسبُّ غيرِ النبي عليًا: بانت منه ديانةً وقضاءً لما مر، وقد
قررناه زيادة على هذا في "كفاية المنتهي"، والله أعلم.
فعلت: أي لم أكن فعلت الكفر في الزمان الماضي، وإنما أخبرت كاذباً. لأنه أقر إلخ: لأنه أكره على
إنشاء الكفر، والإخبار غير الإنشاء، وهو طائع فيه، ومن أقر بالكفر فيما مضى طائعاً، ثم قال: عنيت به كذبًا
لا يصدقه القاضي؛ لأنه خلاف الظاهر، ويصدق فيما بينه وبين ربه؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه. (الكفاية)
ذكرناه: إشارة إلى قوله: بانت منه حكماً لا ديانه: [الكفاية ١٨٥/٨]
حيث علم إلخ: لأنه لما خطر هذا بباله أمكنه الخروج عما ابتلي به بأن ينوي ذلك، والضرورة قد
اندفعت بهذا الإمكان، فإذا لم يفعل، وأنشأ الكفر كمن أجرى كلمة الكفر طائعاً على وجه الاستخفاف
مع علمه أنه كفر، فتبين امرأته قضاء وديانة. [العناية ١٨٥/٨] الصلاة: أي على السجدة للصليب. (الكفاية)
للصليب: وفي "المغرب": الصليب شيء مثلث كالتمثال تعبده النصارى.
بانت منه إلخ: لأنه يمكنه دفع ما أكره عن نفسه؛ لأنه لما خطر بباله شتم محمد غير النبي، فقد وجد مخرجاً عما
ابتلي به، ثم لما ترك ما خطر على باله، وشتم محمد النبي عليّا كان كافراً، وإن وافق المكره فيما أكرهه؛ لأنه
وافقه بعد ما وجد المخرج عما ابتلي به، فكان غير مضطر في موافقته، ومن شتم محمداً التي من غير اضطرار
كان كافراً. قال في "المبسوط": وهذه المسألة تدل على أن السجود لغير الله على وجه التعظيم كفر، وإن
لم يخطر بباله شيء، وصلى للصليب، أو سب محمدًا، وقلبه مطمئن بالإيمان لم تبن منكوحته لا قضاء ولا ديانة؟
لأنه فعل مكرهاً؛ لأنه تعين ما أكره عليه، ولم يمكنه دفعه عن نفسه؛ إذ لم يخطر بباله غيره. [الكفاية ١٨٥/٨]
لما مر: إشارة إلى قوله: لأنه مبتديء بالكفر هازل به حيث علم لنفسه مخلصاً غيره. [العناية ١٨٥/٨]

٤٣٥
کتاب الحجر
كتاب الحجْر
قال: الأسباب الموجبة للحَجْر ثلاثة: الصِّغَرُ، والرِّقُ، والجنون، فلا يجوز
لا ینفذ
القدوري
تصرُّفُ الصغير إلا بإذن وليِّه، ولا تصرَّفُ العبد إلا بإذن سيده، ولا يجوز تصرفُ
العبد
للصغير
المجنونِ المغلوب بحال، أما الصغر؛ فلنقصان عقله، غيرَ أن إذنَ الولي آيةُ أهليته، والرقُّ؛
لرعاية حقِّ المولى؛ كيلا يتعطل منافعُ عبده، ولا يملك رقبتَه بتعلق الدين به، غيرَ أن
المولى بالإِذن رضي بفوات حقِّه، والجنونُ لا تجامعه الأهليةُ، فلا يجوز تصرفهُ بحال،
أصلاً
أما العبدُ، فأهل في نفسه، والصبيُّ يُرْنقب أهليته، فلهذا وقع الفرق.
العاقل البالغ
كتاب الحجر: أورد الحجر عقيب الإكراه؛ لأن في كل منهما سلب ولاية المختار عن الجري على
موجب الاختبار، إلا أن الإكراه لما كان أقوى تأثيراً؛ لأن فيه سلبها عمن له اختيار صحيح، وولاية
كاملة، بخلاف الحجر كان أحق بالتقديم كذا في الشروح. [نتائج الأفكار ١٨٥/٨-١٨٦] والحجر لغة:
المنع من حجر عليه، وشرعاً: منع مخصوص، وهو المنع من التصرف قولاً لشخص مخصوص، وهو المستحق
للحجر بأي سبب كان. [البناية ٣٤٥/١٣-٣٤٦] الصغر والرق والجنون: [والعته داخل في الجنون]:
هذه الثلاثة بالاتفاق، وألحق بما اشتق منها ثلاثة أخرى بالاتفاق أيضًا، وهي المفتي الماجن، والمتطيب
الجاهل، والمكاري المفلس، وأما حجر المديون والسفيه بعد ما بلغ رشيداً، فعلى قول أبي يوسف ومحمد نحميها
كذا في الشروح. [نتائج الأفكار ١٨٦/٨-١٨٨]
المجنون إلخ: وأما الذي لا يكون مغلوباً، وهو الذي يعقل البيع ويقصده، فإن تصرفه كتصرف الصبي
العاقل. (العناية) المغلوب بحال: أي الذي لا يفيق أصلاً بحال أي في جميع الأحوال. [الكفاية ١٨٦/٨]
كيلا يتعطل إلخ: فإنه لو لم يثبت الحجر لنفذ البيع الذي باشره وشراؤه، فيلحقه ديون، فيأخذ أربابها
أكسابه التي هي منفعة المولى، وذلك تعطيلها عنه. [العناية ١٨٦/٨] الفرق: أي بين المجنون وبين الصبي
والرقيق. [البناية ٣٤٨/١٣]

٤٣٦
کتاب الحجر
قال: ومن باع من هؤلاء شيئا، أو اشترى، وهو يعقل البيعَ، ويقصده: فالولي
بالخيار إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة، وإن شاء فسخه؛ لأن التوقفَ في العبد
لحقِّ المولى، فيتخير فيه، وفي الصبي والمجنون نظراً لهما، فيتحرى مصلحتهما فيه،
المولى
ولابد أن يعقلا البيعَ ليوجد ركنُ العقد، فينعقد موقوفًا على الإجازة، والمجنون قد
إجازة الولي
يعقل البيعَ ويقصده، وإن كان لا يُرَجِّح المصلحةَ على المفسدة، وهو المعتوهُ الذي
يصلح وكيلاً عن غيره، كما بينا في الوكالة، فإن قيل: التوقفُ عندكم في البيع أما
الشراءُ، فالأصل فيه النفاذُ على المباشر؟ قلنا: نعم، إذا وجد نفاذاً عليه كما في شراء
لا التوقف
الفضولي، وههنا لم يجد نفاذً؛ لعدم الأهلية، أو لضرر المولى، فوقفناه. قال: وهذه
في العبد
المعاني الثلاثة توجب الحجرَ في الأقوال دون الأفعال؛
باع: وكذا كل تصرف فيه تردد بين النفع والضرر. من هؤلاء: المراد بهؤلاء: الصبي والعبد والمجنون الذي
يجن ويفيق، وهو المعتوه الذي يصلح وكيلاً عن غيره، وهو قد يعقل البيع، ويقصده، وإن كان لا يرجح
المصلحة على المفسدة لا الذي ذهب عقله؛ فإن تصرفه لا يصح، وإن لحقه الإجازة؛ لعدم الانعقاد. (الكفاية)
وهو يعقل إلخ: المراد بقوله يعقل البيع: أن يعرف أن البيع جالب للثمن سالب للمبيع، والشراء بعكسه، وبقوله:
ويقصده أن يقصد إثبات الحكم، وفيه احتراز عن الهازل؛ فإنه لا يقصد حكمه. [الكفاية ١٨٧/٨]
وهو المعتوه: وهو ناقص العقل، وأحسن ما قيل فيه: ما هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد
التدبير، إلا أنه لا يشتم، ولا يضرب، كما يفعل المجنون. الفضولي: أي الفضولي إذا اشترى مال إنسان
لآخر، فإنه ينفذ عليه، ولا يتوقف. [الكفاية ١٨٧/٨] الثلاثة: يعني الصغر والجنون والرق. (البناية)
في الأقوال: والمراد بها: الأقوال التي تتردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء، فإن هذه الأقوال تتوقف على
الإجازة، والأقوال التي يتمحض ضررًا كالطلاق والعتاق في حق الصغير، والمجنون دون العبد؛ فإنه يمكنه
الطلاق، فهذه الأقوال باطلة من الأصل، فالحجر في الأولى يوجب التوقف على الإجازة، وفي الثانية يوجب
الإعدام من الأصل، وأما الأقوال التي يتمحض نفعًا كقبول الهبة والصدقة والهدية؛ فإنه لا حجر فيها على العموم.
الأفعال: يعني أن المعاني الثلاثة لا توجب الحجر عن الأفعال. [العناية ١٨٧/٨]

٤٣٧
کتاب الحجر
لأنه لا مردّ لها؛ لوجودها حسًا ومشاهدةً، بخلاف الأقوال؛ لأن اعتبارَها موجودةً
بالشرع، والقصد من شرطه. إلا إذا كان فعلاً يتعلق به حكمٌ يندرئ بالشبهات
٦
كالحدود والقصاص، فيُجْعل عدمُ القصد في ذلك شبهةً في حق الصبي والمجنون.
لأنه لا مرد إلخ: فإنه إذا قتل إنساناً، أو قطع يده، أو أراق شيئاً لا يمكن أن يجعل القتل، والقطع والإراقة
كالعدم؛ لأنه يؤدي إلى أن لا تكون المقتول والمقطوع والمراق مقتولاً ومقطوعاً ومراقً، وهو دخول في
السوفسطائية، وإنكار الحقائق. [الكفاية ١٨٧/٨-١٨٨] لوجودها حساً إلخ: ويحصل بها الإتلاف،
والإتلاف بعد الحصول لا يمكن أن يجعل كلا إتلاف. [العناية ١٨٧/٨]
لأن: أي لأن اعتبارها حال كونها موجودة حاصل بالشرع [العناية ١٨٨/٨]: اعتبارها إلخ: أما الإنشآت،
فظاهر؛ إذ التطليق والإعتاق والبيع والهبة ونحوها لا تؤثر في المحل حساً، وإنما صار المحل محرمًا ومحرراً
ومملوكاً بالشرع، وأما الإخبارات كالأقارير والشهادات، فموجبها عرف شرعاً؛ لأنها دلالات على المخبر
عنه، فيجوز أن لا تقع دلالة؛ لأنها تحتمل الصدق والكذب بذاتها. [الكفاية ١٨٨/٨]
بالشرع: فلها مساغ الرد بعدم اعتبار الشرع وجودها، فيصح توقفها. والقصد إلخ: أي القصد شرط
اعتبارها موجودة؛ إذ الكلام المعتبر ما يكون موجوداً بصورته ومعناه، ومعنى الكلام لا يوجد إلا بالقصد،
وهو يكون بالعقل، ولا عقل للصبي والمجنون، فلا يكون لهما قصد، واعتبار الفعل لا يتوقف على القصد،
فالنائم إذا انقلب على مال إنسان، وأتلفه يضمن وإن عدم القصد. [الكفاية ١٨٨/٨]
من شرطه: أي من شرط ذلك الاعتبار، وليس للصبي والمجنون قصد؛ لقصور العقل، فينتفي المشروط به،
وأما في العبد، فالقصد وإن وجد منه، لكنه غير معتبر للزوم الضرر على المولى بغير اختياره. [العناية ١٨٨/٨]
إلا إذا كان إلخ: استثناء من قوله: لا مرد لها، يعني أن الأفعال إذا وجدت لا مرد لها، لكن إذا كان فعل
إلخ. (العناية) يتعلق به: قد يؤثر الحجر في فعل يتعلق به حكم كالبيع بالتعاطي، فإنه غير معتبر من الصبي
والمجنون مع أن ما يتعلق به حكم لا يندرئ بالشبهات. عدم القصد: أي دليل عدم القصد في ذلك الفعل
شبهة في حق الصبي والمجنون كما جعل دليل عدم القصد بحسب الآلة في الضرب بالمثقل شبهة في حق العاقل
البالغ، فلا يجب القصاص. شبهة: دارئة لما يترتب عليه من الحدود والقصاص. [العناية ١٨٩/٨]

٤٣٨
کتاب الحجر
قال: والصبي والمجنون لا يصح عقودُهما ولا إقرارُهما؛ لما بينا، ولا يقع طلاقهما
القدوري
ولا إعتاقهما؛ لقوله عليه: "كلّ طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه"، * والإِعتاقُ
يتمخِّض مضرةً، ولا وقوف للصبي على المصلحة في الطلاق بحال؛ لعدم الشهوة، ولا
وقوف للولي على عدم التوافق على اعتبار بلوغه حد الشهوة، فلهذا لا يتوقفان على
طلاق وعتاق
إجازته، ولا ينفذان بمباشرته، بخلاف سائر العقود. وإن أتلفا شيئاً: لزمهما ضمانُه؛
إحياء لحقٌّ المتلَفِ عليه؛ وهذا لأن كونَ الإتلاف موجباً لا يتوقف على القصد،
والصبي إلخ: وإنما أعاد هذه المسألة تفريعاً على الأصل المذكور، وهو أن هذه المعاني الثلاثة توجب الحجر عن
الأقوال، لتنساق القوليات في موضع واحد. (العناية) لما بينا: إشارة إلى قوله: والقصد من شرطه. [العناية ١٨٩/٨]
ولا وقوف للصبي إلخ: أي الصبي لا وقوف له على المصلحة في الطلاق بحال أما في الحال؛ فلعدم
الشهوة، وأما في المآل؛ فلأن علم المصلحة فيه يتوقف على العلم بتباين الأخلاق، وتنافر الطباع عند بلوغه
حد الشهوة، ولا علم له بذلك، والولي وإن أمكن أن يقف على مصلحته في الحال، لكن لا وقوف له
على عدم التوافق على اعتبار بلوغه حد الشهوة، فلهذا إلخ. [العناية ١٩٠/٨]
العقود: مثل البيع والشراء وقبول الهبة والصدقة والهدية، فإن للصبي ما فيه المصلحة وما فيه المضرة،
وكذلك الولي. [البناية ٣٥٥/١٣] وإن أتلفا: بيان لتفريع الأفعال على الأصل المذكور. [العناية ١٩٠/٨]
لزمهما ضمانه: لما ذكرنا أنهم غير محجورين عليهم في حق الأفعال؛ إذ لا يمكن أن يجعل القتل غير القتل،
والقطع غير القطع، فيترتب عليه موجبه.
*غريب بهذا اللفظ. [نصب الراية ١٦١/٤] وأخرج الترمذي في "جامعه" عن أبي هريرة له قال: قال
رسول الله (3: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله. [رقم: ١١٩١، باب ما جاء في
طلاق المعتوه] حديث رفع القلم عن ثلاث، روي من حديث عائشة ◌ّها، ومن حديث علي، ومن حديث
أبي قتادة، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث ثوبان، وشداد بن أوس حه. [نصب الراية ١٦١/٤]
أخرجه أبوداود في "سننه" عن عائشة فيها أن رسول الله ◌ُّ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى
يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر". [رقم: ٤٣٩٨، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا]

٤٣٩
کتاب الحجر
كالذي يتلف انقلاب النائم عليه، والحائطِ المائل بعد الإشهاد، بخلاف القول على
ما بيناه. قال: فأما العبدُ، فإقرارُه نافذ في حقِّ نفسه؛ لقيام أهليته غیرُ نافذ في حق مولاه؛
رعايةً لجانبه؛ لأن نفاذه لا يَعْرِى عن تعلَّق الدين برقبته، أو كسبه، وكلُّ ذلك إتلافُ
ماله. قال: فإن أقر بمال: لزمه بعد الحرية؛ لوجود الأهلية، وزوال المانع، ولا يلزمُه في
القدوري
الحال؛ لقيام المانع، وإن أقر بحدٍّ أو قصاص: لزمه في الحال؛ لأنه مبقى على أصل الحرية
وهو حق المولى
في حق الدم، حتى لا يصح إقرارُ المولى عليه بذلك، وينفذ طلاقه؛ لما روينا، ولقوله عليها:
العبد بحد أو قصاص
"لا يملك العبدُ والمكاتبُ شيئا إلا الطلاق"، * ولأنه عارف بوجه المصلحة فيهِ،
لعبد
فكان أهلاً، وليس فيه إبطال ملكِ المولى، ولا تفويتُ منافعِه، فينفذ، والله أعلم.
النائم: أي النائم إذا انقلب على رجل، فقتله، فالنائم ليس من أهل القصد أصلاً، وإنما وجبت الكفارة عليه؛
لترك التحرز عن نومه في موضع يتوهم أن يصير قاتلاً. والحائط [الحائط إذا تلف به شيء يضمن صاحب
الحائط، وإن عدم القصد من صاحبه في سقوطه. (الكفاية)] المائل: مال حائط إلى طريق العامة ضمن ربه ما
تلف من حيوان، أو مال إن طالب ربه بنقضه مكلف مسلم، أو ذمي حر أو مكاتب، وإن لم يشهد، ولم ينقضه
كذا في "الدر المختار". وقال الشامي بدله: قوله: وإن لم يشهد، أي على طلب النقض، قال الزيلعي: وإنما ذكر
الإشهاد ليتمكن من إثباته عند جحوده، أو جحود عاقلته، فكان من باب الاحتياط لا على سبيل الشرط.
ما بيناه: أي من أن القصد من شرطه. (الكفاية) فأما العبد إلخ: معطوف على قوله: والصبي والمجنون لا يصح
عقودهما، ولا إقرارهما. [العناية ١٩٠/٨] في حق الدم: لأن الحدود والقصاص من خواص الآدمية، وهو ليس
بمملوك من حيث أنه آدمي، وإن كان مملوكاً من حيث أنه مال، ولهذا لا يصح إقرار المولى عليه بهما، فإذا بقي
على أصل الحرية فيهما ينفذ إقراره فيهما؛ لأنه أقربما هو حقه، وبطلان حق المولى ضمني. [الكفاية ١٩٠/٨]
لما روينا: أراد به ما ذكر قبيل هذا، وهو كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه. [الكفاية ١٩١/٨]
* غريب. [نصب الراية ١٦٥/٤] وأخرج ابن ماجه في "سنته" عن ابن عباس قال: أتى النبي ◌ُ﴾ّ رجل،
فقال يا رسول الله! إن سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها، قال: فصعد رسول الله وُ ◌ّ
المنبر، فقال رسول الله: "يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما
الطلاق لمن أخذ بالساق". [رقم: ٢٠٨١، باب طلاق العبد]