النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤٠
كتاب أدب القاضي
لقوله عليًّا: "مَنْ جُعِلَ على القضاء فكأنما ذُبِحَ بغير سِكِين"ٌ والصحيح: أن الدخول
فيه رخصة؛ طمعاً في إقامة العدل، والتركَ عزيمة، فلعله يخطئ ظنُّه، ولا يُوَفِّقُ له،
ترك القضاء
بالصواب
فيما اجتهدٌ
ء
أو لا يعينه عليه غيرُه ولابد، من الإِعانة إلا إذا كان هو أهلا للقضاء دون غيره،
فيحينئذ يُفْترض عليه التقلَّدُ صيانةً لحقوق العباد، وإخلاءً للعالم عن الفساد.
الحدود والقصاص
لقوله عليّلا إلخ: وقيل: قد ازدرأه بعض القضاة، وقال: كيف يكون هكذا، ثم دعی في مجلسه من يسوى
شعره، فجعل الحلاق يحلق بعض أشعار ذقنه فعطس، فأصاب الموسى حلقه وألقى رأسه بین یدیه.
فكأنما ذبح الخ: ذكر الصدر الشهيد: وجه تشبيه القضاء بالذبح بغير سكين فقال: لأن السکین يؤثر في
الظاهر والباطن جميعاً، والذبح بغير سكين ذبح بطريق الخنق والغم ونحو ذلك، فإنه يؤثر في الباطن دون
الظاهر، فكذا القضاء لا يؤثر في الظاهر، فإنه في ظاهره جاه وفي باطنه هلاك. [الكفاية ٣٦٣/٦]
والترك عزيمة: ألا ترى أنه اجتنبه أبو حنيفة بحالته، فإنه دعي إلى القضاء ثلاث مرات، فأبى حتى ضرب في كل
مرة ثلاثين سوطاً، وحبس في السجن حتى مات، وقال في المرة الثالثة: حتى استشير أصحابي، فاستشار
أبا يوسف بحاثه، فقال أبو يوسف بطله: لو تقلدت لنفعت الناس، فنظر إليه أبو حنيفة بدله، نظر المغضب، وقال: أرأيت
أن أمرت أن أعبر البحر العميق سباحة أكنت أقدر عليه؟ فقال أبو يوسف بحلته: البحر عميق والسفينة وثيق،
والملاح عالم، فقال أبو حنيفة بحث: كأني بك قاضياً. وكذا دعا محمد بحلته إلى القضاء، فأبى حتى قيده، وحبس
نیفاً وثلاثين، أو نيفاً وأربعين يوماً، فاضطر، وتقلد، وروى النسائي عن مكحول لو خيرت بين ضرب عنقي
وبين القضاء لاخترت ضرب عنقي، وأبو قلابة دعي للقضاء، فهرب حتى أتى الشام، فوافق موت قاضيها،
فهرب حتى أتى اليمامة، وكذا اجتنبه كثير من السلف. أو لا يعينه: إن كان غير مجتهد. [العناية ٣٦٣/٦]
عليه: أي على إنفاذ القضاء بالحق. يفترض إلخ: إذا كان في البلد قوم يصلحون للقضاء، فامتنع كل
واحد منهم عن الدخول فيه أنموا إن كان السلطان بحيث لا يفصل بينهم، وإلا فلا، ولو امتنع الكل حتى
قلد جاهل اشتركوا في الإثم لأدائه إلى تضييع أحكام الله تعالى. [العناية ٣٦٣/٦]
*روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عباس. [نصب الراية ٦٤/٤] أخرجه أبوداود في "سنته" عن
عثمان بن محمد الأخنس عن المقبري والأعرج عن أبي هريرة عن النبي ◌ُّو: "من جعل قاضياً بين الناس
فقد ذبح بغير سكين". [رقم: ٣٥٥٢، باب في طلب القضاء]

٣٤١
کتاب أدب القاضي
قال: وينبغي أن لا يطلب الولايةَ، ولا يسألها؛ لقوله عليّةٌ: "مَنْ طلب القضاءَ وُكِلَ
إلى نفسه فُيُحْرِمُ، ومن أُحْبِرَ عليه نزل عليه مَلَكٌ يُسَدِّدُه، ولأن من طلبه يَعْتمد
على نفسه ڤيُحْرَمُ، ومن أُخْرَ عليه يتوكل على ربه فِيُلْهَم. ثم يجوز التقلُّدُ من
الرشد والتوفيق
السلطان الجائر كما يجوز من العادل؛ لأن الصحابة هيه، تقلدوا من معاوية رضيته،
والحق كان بيد علي ته في نوبته،
وكل إلى نفسه: بالتخفيف، أي فوض أمره إليها، ومن فوض أمره إلى نفسه لم يهتد إلى الصواب؛
لأن النفس أمارة بالسوء. (العناية) يسدده: لأنه قد اعتصم بحبل الله تعالى. [الكفاية ٣٦٤/٦]
يعتمد على نفسه: في الورع والعلم، والفطنة، فيصير معجباً، فلا يلهم الرشد ويحرم التوفيق. (البناية)
فيحرم: أي التوفيق، وينبغي أن لا يشتغل المرء بمطلب لو نال يحرم به. [العناية ٣٦٤/٦]
ثم يجوز: تفريع على مسألة القدوري. لأن الصحابة عليه إلخ: والمراد في خروجه لا في أقضيته، ثم إنما
يتم إذا ثبت أنه ولي القضاة قبل تسليم الحسن له، وأما بعد تسليمه فلا، ويسمى ذلك العام عام المحاجة،
واستقضى معاوية أبا الدرداء بالشام، وبها مات، وكان معاوية ◌ُه استشاره فيمن يولي بعده، فأشار عليه
بفضالة بن عبيد الأنصاري، فولاه الشام بعده. [فتح القدير ٣٦٤/٦-٣٦٥]
من معاوية: لما انفرد بالأمر، وخالف علياً لتله. (البناية) في نوبته: هي كونه رابعاً بعد عثمان ◌ُلُه، وقيد
بنوبته؛ احترازاً عن قول الروافض أنه كان أحق بها في سائر النوب، حتى من أبي بكر عليه، وإنما كان الحق
معه في تلك النوبة لصحة بيعته، وانعقادها، فكان على الحق في قتال أهل الجمل، وقتال معاوية، بصفين،
وقوله عليًّا لعمار: "ستقتلك الفئة الباغية"، وقد قتله أصحاب معاوية يصرح بأنهم بغاة. ولقد أظهرت
عائشة فيها الندم كما أخرجه ابن عبد البر في "الاستيعاب" قال: قالت عائشة ◌ّما لابن عمر: يا أبا
عبدالرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلاً غلب عليك يعني ابن الزبير، فقالت: أما
والله لو نهيتني ما خرجت. [فتح القدير ٣٦٥/٦]
*أخرجه أبوداود والترمذي وابن ماجه. [نصب الراية ٦٨/٤] أخرجه أبو داود في "سنته" عن بلال عن أنس
بن مالك قال: سمعت رسول الله (5 ** ◌ّ يقول: "من طلب القضاء، واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلبه ولمن
يستعين عليه أنزل الله ملكاً يسدده". [رقم: ٣٥٧٨، باب في طلب القضاء والتسرع إليه]

٣٤٢
كتاب أدب القاضي
والتابعين تقلدوا من الحجاج، وكان جائراً، إلا إذا كان لا يُمَكِّنُّه من القضاء بحق؛
السلطان
الحجاج
لأن المقصودَ لا يحصل بالتقلد، بخلاف ما إذا كان يمكنه. قال: ومن قُلِّد القضاءَ يسأل
بعد عزل آخر
القدوري
من السلطان الجائر
عن ديوان القاضي الذي كان قبله، وهو الخرائطُ التي فيها السجلاتُ وغيرها؛ لأنها
السجلات وغیرها
و
وضعت فيها لتكون حُجَّة عند الحاجة، فُتُجْعل في يد من له ولاية القضاء، ثم إن كان
البياضُ من بيت المال فظاهر. وكذا إذا كان من مال الخصوم في الصحيح؛
تقلدوا إلخ: في "تاريخ البخاري" بسنده عن ضمرة قال: استقضى الحجاج أبا بردة بن أبي موسى،
وأجلس معه سعيد بن جبير، ثم قتل سعيد بن جبير، ومات الحجاج بعده بستة أشهر. وفي "تاريخ أصبهان"
للحافظ أبي نعيم عبد الله بن أبي مريم الأموي: ولي القضاء بأصبهان للحجاج، ثم عزله الحجاج، وأقام
محبوساً بواسط، فلما هلك الحجاج رجع إلى أصبهان وتوفي بها. قال ابن القطان في كتابه في باب
الاستسقاء: طلحة بن عبدالله بن عوف بن أخي عبدالرحمن بن عوف تقلد القضاء من يزيد بن معاوية على
المدينة، وهو تابعي يروى عن ابن عباس، وأبي هريرة وأبي بكرة صفه. [فتح القدير ٣٦٥/٦]
من الحجاج: عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، ومات رمضان أو شوال سنة خمس
وتسعين، وعمره ثلاث أو أربع وخمسون سنة. (البناية) إلا: استثناء من قوله: يجوز التقلد إلخ. (البناية)
كان قبله: أي أول ما يبدأ به من العمل هذا. [فتح القدير ٣٦٥/٦] وهو [أي الديوان] الخرائط التي إلخ:
والصكوك، ونصب الأوصياء، والقيم في أموال الوقف، وتقدير النفقات؛ وهذا لأن القاضي يكتب
نسختين: إحداهما تكون بيد الخصم، والأخرى تكون في ديوان القاضي؛ لأنه ربما يحتاج إليه لمعنى من
المعاني، وما بيد الخصم لا يؤمن عليه الزيادة والنقصان. [الكفاية ٣٦٥/٦-٣٦٦]
عند الحاجة: محفوظة عند القاضي. (فتح القدير) ولاية القضاء: وهو القاضي المولّى. [البناية ٢٢٤/١١]
البياض إلخ: أي الذي كتب فيه الحادثة، ورقاً كان أو رقاً. (العناية) فظاهر: أي يجبر المعزول على دفعه؛ لأن
ذلك إنما كان في يده لعمله، وقد صار العمل لغيره، فلا يترك في يده. (البناية) وكذا: أي يجعل في يد من له
ولاية القضاء. [البناية ٢٢٥/١١] في الصحيح: في الصورتين، احتراز عما قاله بعض المشايخ أن البياض إذا
كان من مال الخصوم، أو مال القاضي لا يجبر المعزول على دفعه؛ لأنه ملكه أو وهب له. [العناية ٣٦٦/٦]

٣٤٣
کتاب أدب القاضي
لأهم وضعوها في يده لعمله، وقد انتقل إلى المُوَلَّى، وكذا إذا كان من مال القاضي هو
المعزولِ
الخصوم
المعزول
الصحيح؛ لأنه اتخذه تديناً لا تموّلاً، ويبعث أمينين ليقبضاها بحضرة المعزول أو أمينه،
ويسألانه شيئاً فشيئاً، ويجعلان كل نوع منها في خريطة؛ كيلا يشتبه على المولّى، وهذا
السؤال لكشف الحال لا للإلزام. قال: وينظر في حال المحبوسين؛ لأنه نُصِّبَ ناظراً، فمن
القدوري القاضي الجديد
من المعزول
اعترف بحقِّ ألزمه إياه؛ لأن الإقرار ملزم. ومن أنكر: لم يُقْبُلْ قولُ المعزول عليه إلا ببينة؛
لأنه بالعزل التحق بالرعايا، وشهادة الفرد ليست بُحُجَّة لاسيما إذا كانت على فعل نفسه.
الشهادة
المعزول
وكذا: أي يجبر على الدفع. (البناية) لأنه: أي القاضي المعزول وضع عنده بطريق الديانة والأمانة،
وما وضع عنده من حيث أن يتمول به. [البناية ٢٢٥/١١] ويبعث: أي المولى، بيان لكيفية التسليم. (العناية)
أمينين: أي رجلين من ثقاته وهو أحوط والواحد يكفي. (العناية) ويسألانه: المعزول عن أحوال السجلات
وغيرها. [العناية ٣٦٧/٦] شيئاً فشيئاً: يعني واحداً بعد واحد. [البناية ٢٢٥/١١]
ويجعلان إلخ: فما كان فيها من نسخ السجلات يجعلانه في خريطة، وما كان من نصب الأوصياء في
أموال اليتامى يجعلونه في خريطة؛ لأن هذه النسخ كانت تحت تصرف القاضي المعزول، فلا يشتبه عليه
شيء من ذلك متى احتاج إلى نسخة منها، فأما القاضي المقلد فيشتبه عليه لو لم يجمع كل نوع في خريطة،
ولو احتاج إلى نوع منها يحتاج إلى تفتيش جميعها، وإنما يسألان القاضي المعزول وإن لم يكن قوله حجة
لالتحاقه بواحد من الرعايا لينكشف لهما ما أشكل عليهما. [الكفاية ٣٦٦/٦]
منها: أي من السجلات والصكوك وغيرها. لا للإلزام: أي لإلزام العمل بمقتضى الجواب.
في حال المحبوسين: بأن يبعث إلى الحبس من يحصيهم ويأتيه بأسمائهم، ويسأل المحبوسين عن سبب حبسهم؛
لأنه نصب ناظراً لأمور المسلمين، وقول المعزول ليس بحجة لما تقدم، فلابد من التفحص عن أحوالهم،
فيجمع بينهم وبين خصومهم، فمن إلخ. (العناية) ألزمه: وحبسه إذا طلب الخصم ذلك. [العناية ٣٦٧/٦]
ومن أنكر: ما يوجب الحبس. (العناية) إلا ببينة: فإن قامت البينة بالحق، والقاضي يعرف عدالة
الشهود ردهم إلى الحبس لقيام الحجة، وإن لم يعرفهم يسأل عن الشهود، فإن عدلوا فكذلك، وإن
لم تقم إلخ. [العناية ٣٦٧/٦] التحق بالرعايا: أي بواحد من الرعايا.

٣٤٤
کتاب أدب القاضي
فإن لم تقم بيّنة لم يُعَجِّل بتخليته حتى ينادى عليه، وينظر في أمره؛ لأن فعل القاضي
المعزول حق ظاهرا، فلا يعجل؛ كيلا يؤدي إلى إبطال حق الغير. وينظر في الودائع
بإطلاق المحبوس
وارتفاع الوقوف، فيعمل فيه على ما تقوم به البينةُ، أو يعترف به من هو في يده؛
في المذكور
لأن كل ذلك حجة، ولا يَقْبُل قولَ المعزول؛ لما بيناه إلا أن يعترف الذي هي في يده
الودائع
أن المعزول سلّبها إليه، فيقبل قوله فيها؛ لأنه ثبت بإقراره أن اليد كانت للقاضي،
المعزول
الودائع
فإن لم تقم: أي البينة، أو لم يحضر خصم، وادعى المحبوس أن لا خصم له وهو محبوس بغير حق لم يعجل
إلخ. [العناية ٣٦٧/٦] حتى ينادى عليه: أي يأمره منادياً ينادي عليه كل يوم إذا جلس من كان يطلب فلان
بن فلان المحبوس الفلاني بحق فليحضر، حتى يجمع بينه وبينه، فإن حضر وإلا فمن رأى القاضي أن يطلقه ينادي
عليه كذلك أياماً، فإن حضر خصم واحد منهم جمع بينه وبينه، وإن لم يحضر تأني عليه أياماً على حسب
ما يرى القاضي، فإن لم يحضر خصم أخذ منهم كفيلاً بأنفسهم، وأطلقهم، ولو قال: لا كفيل لي، أو لا أعطي
كفيلاً فاحتاط بوجه آخر، بأن ينادي عليه شهراً آخر، ثم خلاه، والفرق لأبي حنيفة رافه في أخذ الکفیل ههنا
وبين مسألة قسمة التركة بين الورثة حيث لا يأخذ هناك كفيلاً على ما سيجيء: أن في مسألة القسمة الحق
للوارث الحاضر ثابت بيقين، وفي ثبوته، لغيره شك، فلا يجوز تأخير المستحق لأمر موهوم، وأما ههنا فالحق
للغائب ثابت بيقين نظراً إلى ظاهر حال المعزول، لكنه مجهول، فلا يكون الكفالة لأمر موهوم.
كيلا يؤدي إلخ: لجواز أن يكون له خصم غائب يدعي عليه إذا حضر. [العناية ٣٦٧/٦]
وارتفاع الوقوف: الأوقاف الكائنة تحت أيدي أمناء القاضي، والذي في ديارنا من هذا أموال الأوقاف تحت
أيدي جماعة جماعة يوليهم القاضي النظر أو المباشرة فيها، وودائع اليتامى تحت يد الذي يسمى أمين الحاكم،
فيعمل فيها على حسب ما تقوم به البينة أنه لفلان، أو غير ذلك، أو يعترف إلخ. [فتح القدير ٣٦٨/٦]
من هو: أي من في يده مال إذا أقر بذلك المال لإِنسان يقبل إقراره. [الكفاية ٣٦٨/٦]
كل ذلك حجة: أي كل واحد من قيام البينة اعتراف من هو في يده. (البناية) قول المعزول: أي على
من هو في يده إذا أنكر، وقال: هي لي بأن المال الذي في يد زيد يكون لعمرو إلا ببينة لما بينا إلخ.
لما بيناه: إشارة إلى قوله: لأنه بالعزل التحق إلخ. [البناية ٢٢٨/١١] في يده: وفي نسخة: يديه.

٣٤٥
كتاب أدب القاضي
فيصح إقرارُ القاضي كأنه في يده في الحال، إلا إذا بدأ بالإقرار لغيره، ثم أقر بتسليم
القاضي فيسلم ما في يده إلى المُقَرِّ له الأول لسَبْقِ حقّه، ويضمن قيمته للقاضي
يإقراره الثاني، ويسلم إلى المقر له من جهة القاضي. قال فى ويجلس للحكم جلوساً
ظاهراً في المسجد؛ كيلا يشتبه مكانُه على الغرباء، وبعض المقيمين، والمسجد الجامع
المسافرین
أولى؛ لأنه أشهر. وقال الشافعي سْته: يُكْرَه الجلوسُ في المسجد للقضاء؛ لأنه يحضره
المشركُ وهو نَجس بالنص، والحائضُ وهي ممنوعة عن دخوله. ولنا: قوله عليها: "إنما
بُنَيَت المساجدُ الذِكرِالله تعالى والحُكْم"،*
في الحال: لأن يد المودع كيد المودع. (العناية) إلا: اسثناء من قوله: فيقبل. بدأ بالإقرار إلخ: بأن قال:
هذا المال لفلان بن فلان غير الذي أقر له القاضي المعزول، ثم أقر بتسليم القاضي، وقال: دفعه إلى المعزول.
ثم أقر إلخ: ولو بدأ بالدفَع فقال: دفعه إلى القاضي المعزول وهو لفلان آخر، فالقول قول المعزول، ويؤمر
بالدفع إلى من أقر له القاضي المعزول، ولو قال صاحب اليد: دفعه إلى القاضي المعزول، وقال: هو لفلان
من فلان، أو قال: دفعه إلى، ولا أدري لمن هو فالمولى يقبل قول المعزول. [الكفاية ٣٦٨/٦-٣٦٩]
الأول: وهو الذي أقر له ذو اليد. [البناية ٢٢٩/١١] بإقراره الثاني: أي بإقراره أن اليد كانت للقاضي.
في المسجد: ولا يتعب نفسه في طول الجلوس، ولكن يجلس في طرفي النهار، وكذا المفتي والفقيه. [فتح القدير ٣٦٩/٦]
وبعض المقيمين: الذين ليس لهم اختلاط بالقضاء. (البناية) أولى: ثم الذي يقام فيه الجماعات وإن لم تصل
فيه الجمعة، قال فخر الإسلام: هذا إذا كان الجامع في وسط البلدة، أما إذا كان في طرف منها فلا، لزيادة
المشقة على أهل الشقة القابلة له، فالأولى أن يختار مسجداً في وسط البلدة، وفي السوق.
وهو نجس بالنص: وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. [البناية ٢٣٠/١١]
*غريب بهذا اللفظ، وأخرجه مسلم ليس فيه الحكم. [نصب الراية ٧٠/٤] أخرج مسلم في "صحيحه"
عن أنس بن مالك، قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله (ّ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد،
فقال أصحاب رسول الله څڑ: مه مه، قال: قال رسول الله څڑّ. لا تزرموه دعوه، فتر کوه حتى بال، =

٣٤٦
كتاب أدب القاضي
وكان رسول الله ◌ٌ ﴿مّ يَفْصِلُ الخصومةَ في مُعْتَكَفِه،* وكذا الخلفاء الراشدون كانوا
يجلسون في المساجد لفصل الخصومات، * ولأن القضاء عبادة، فيجوز إقامتها في المسجد
كالصلاة. ونجاسةُ المشرك في اعتقاده لا في ظاهره، فلا يُمْنع من دخوله، والحائضُ تُخْبِرُ
بحالها، فيخرج القاضي إليها أو إلى باب المسجد، أو يبعث من يفصل بينها وبين
خصمها، کما إذا کانت الخصومة في الدابة، ولو چلس في داره لا بأس به، ويأذن للناس
بالدخول فيها، ويجلس معه من كان يجلس قبل ذلك؛ لأن في جلوسه وحده تهمةً.
معه
القضاء
في داره
ونجاسة المشرك: جواب عن دليل الشافعي. (العناية) من دخوله: فإن النبي ®® كان ينزل الوفود في
المسجد. [العناية ٣٧٠/٦] أو يبعث: فإنه يخرج القاضي لسماع الدعوى وشهادة الشهود، والإشارة
إليها. [الكفاية ٣٧١/٦] في الدابة: فيوقف الدابة خارج المسجد. تهمة: وهي تهمة الظلم والرشوة. (الكفاية)
= ثم أن رسول الله وظّ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي
لذكر الله عزوجل والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﴿و. قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو
من ماء، فشنه عليه. [رقم: ٢٨٥، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد]
*فيه أحاديث. [نصب الراية ٧١/٤] أخرج البخارى في "صحيحه" عن ابن شهاب حدثني عبدالله
بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً له عليه في عهد رسول الله و
في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله (38 وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﴾ حتى
کشف سجف حجرته، ونادی کعب بن مالك! قال: یا کعب! قال: لبيك يا رسول الله فأشار بيده أن ضع
الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله وَ لَّه قال رسول الله لتُّ: قم فاقض. [رقم: ٤٧١،
باب دخول المشرك المسجد]
** غريب. [نصب الراية ٧٢/٤] وفي "صحيح البخاري" في الأحكام: ولاعن عمر عند منبر النبي
وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمن عند المنبر.
[باب من قضى ولاعن في المسجد]

٣٤٧
کتاب أدب القاضي
قال: ولا يقبل هديةً إلا من ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أو ممن جرت عادتُّه قبل القضاء بمهاداته؟
القدوري القاضي
لأن الأول صلة الرحم. والثاني ليس للقضاء، بل جرى على العادة، وفيما وراء
ذلك يصير آكلا بقضائه حتى لو كانت للقريب خصومة، لا يقبل هديته،
"القاضى
وكذا إذا زاد المهْدي على المعتاد، أو كانت له خصومة؛ لأنه لأجل القضاء،
ـو
لا يقبل
فيتحاماه، ولا يحضر دعوةً إلا أن تكون عامة؛ لأن الخاصة لأجل القضاء،
القاضي
فيتهم بالإجابة، بخلاف العامة، ويدخل في هذا الجواب قريبُه وهو قولهما.
القاضي
ولا يقبل هدية إلخ: والأصل في ذلك ما في البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي ◌ُّ رجلاً
من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، قال عليها: "هلا جلس في بيت
أبيه، أو بيت أمه، فينظر أيهدى له أم لا". وفي "شرح الأقطع": الفرق بين الرشوة والهدية: أن الرشوة يعطيه
بشرط أن يعينه، والهدية لا شرط معها، انتهى. [فتح القدير ٣٧١/٦]
ذى رحم محرم: ليس له خصومة على أحد، وعادته المهاداة قبل القضاء. وفيما وراء ذلك إلخ: ثم إن
أخذ القاضي ما ليس له أخذه فماذا يصنع به؛ اختلفوا فيه، بعضهم قالوا: يضع في بيت المال، وعامتهم
قالوا: يردها على أربابها إن عرفهم، وإليه أشار في "السير الكبير"، وإن لم يعرفهم، أو يعرفهم إلا أن الرد
يتعذر لبعدهم يضعها في بيت المال، وحكمه حكم اللقطة، وإنما يضعها في بيت المال؛ لأنه أهدى إليه
لعمله، وهو في هذا العمل نائب عن المسلمين، فكانت الهدايا من حيث المعنى لهم. [العناية ٣٧١/٦]
في هذا الجواب [أي ولا يحضر دعوة [البناية ٢٣٤/١١] إلخ: فإنه لم يفصل في الدعوة الخاصة بين أن يكون
الداعي أجنبياً أو ذا رحم محرم منه، وقال في فصل الهدية: لا يقبل إلا من ذي رحم محرم منه، فلا بد من التأويل
بين المسألتين، قالوا: ما ذكر في الضيافة محمول على ما إذا كان ذا رحم محرم لم تجر بينهما الدعوة، والمهاداة لصلة
القرابة، وإنما أحدث بعد القضاء، فإذا كانت الحالة هذه فهو والأجنبي سواء في هذا، وما ذكر في الهدية أنه يقبل
من ذي رحم محرم، فهو محمول على أنه كان جرى المهاداة قبل القضاء صلة للقرابة، فإذا أهدى إليه هدية بعد
القضاء فلا بأس بالقبول، هكذا ذكر شيخ الإسلام المعروف "بخواهرزاده ظه"، وفي "مبسوط شيخ الإسلام"
إلا أن يكون المضيف خصماً، فينبغي أن لا يجيب دعوته، وإن كانت عامة. [الكفاية ٣٧٢/٦]

٣٤٨
کتاب أدب القاضي
وعن محمد واله: أنه يجيبه وإن كانت خاصة كالهدية، والخاصة ما لو علم المضيف
٠
أن القاضى لا يحضرها لا يتخذها. قال: ويَشْهد الجنازة، ويعود المريضَ؛ لأن ذلك
القدوري
الدعوة
من حقوق المسلمين، قال علي: "للمسلم على المسلم ستة حقوق"، * وعد منها
هذين. ولا يُضيف أحدَ الخصمين دون خصمه؛ لأن النبي عليّ نهى عن ذلك؛ **
آلقاضي
لأن فيه تهمة. قال: وإذا حضرا سوّى بينهما في الجلوس والإقبال؛ لقوله عليه:
التوجهُ والنظر
تهمة الميل القدوري المتخاصمان القاضي
أنه يجيبه: أي القاضي يجيب قريبه في الدعوة الخاصة. (البناية) كالهدية: حيث يجوز له أخذها من قريبه. (البناية)
والخاصة ما إلخ: العامة ما تكون فوق العشرة، وما دونه خاصة، وقيل: دعوة العرس والختان عامة
وما سوى ذلك خاصة. [العناية ٣٧٢/٦] لو علم المضيف: والعامة هي التي يتخذها حضرها القاضي
أولا. [فتح القدير ٣٧٢/٦] ويعود: هذا إذا لم يكن المريض من المتخاصمين، أما إذا كان منهم فلا ينبغي
أن يعود؛ لأن ذلك يؤدي إلى إيذاء الخصم الآخر، وإلى التهمة. [الكفاية ٣٧٢/٦-٣٧٣]
وعد منها هذين: وهما شهادة الجنازة وعيادة المريض. [البناية ٢٣٦/١١] دون خصمه: فيه إشارة إلى أنه لو
أضافهما جميعاً فليس به بأس به. [الكفاية ٣٧٣/٦] سوّى بينهما: والمستحب باتفاق أهل العلم أن يجلسهما
بين يديه، ولا يجلس واحداً عن يمينه والآخر عن يساره؛ لأن لليمين فضلاً. وفي "النوازل" و"الفتاوى الكبرى":
خاصم السلطان مع رجل، فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه، ويجلس
خصم السلطان فيه، ويقعد هو على الأرض، ثم يقضي بينهما. [فتح القدير ٣٧٣/٦-٣٧٤]
أخرج مسلم في كتاب الأدب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "حق المسلم
على المسلم خمس: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض واتباع الجنازة"، وإذا
استنصحك فانصح له. [رقم: ٢١٦٢، باب من حق المسلم للمسلم رد السلام]
** زواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" ورواه عبدالرزاق في "مصنفه". [نصب الراية ٧٣/٤] أخرجه
عبدالرزاق في "مصنفه" عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: نزل على علي بن أبي طالب ضيف فكان
عنده أياماً فأتي في خصومة، فقال له علي: أخصم أنت قال: نعم، قال: فارتحل منا؛ فإنا نهينا أن ننزل
خصماً إلا مع خصمه. [٣٠٠/٨، باب عدل القاضي في مجلسه]

٣٤٩
کتاب أدب القاضي
"إذا ابتلى أحدُكم بالقضاء فليُسَوِّ بينهم في المجلس والإشارة والنظر" . * ولا يُسَارُّ
أحدَهما، ولا يشير إليه، ولا يُلَقَّنُّه حُجَّةً؛ لِلتهمة، ولأن فيه مَكْسَرَةً لقلب الآخر،
همة الميل
فيترك حقه، ولا يضحك في وجه أحدهما؛ لأنه يجترئ على خصمه، ولا يمازجهم،
القاضي
ولا واحداً منهم؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء. قال: ويكره تلقينُ الشاهد، ومعناه: أن
يقول له: أتشهد بكذا وكذا؛ وهذا لأنه إعانة لأحد الخصمين، فيكره كتلقين
الكراهة
القاضي
الخصم، واستحسنه أبو يوسف حوله في غير موضع التهمة؛ لأن الشاهد قد يُحْصَرُ؛
حیث یکره
لمهابة المجلس، فكان تلقينه إحياءً للحق بمنزلة الإشخاص والتكفيل.
ولا يسار: يعني لا يتكلم مع أحدهما سراً وينبغي أن يقيم بين يديه رجلا يمنع الناس عن التقدم بين يديه
في غير وقته، ويمنعهم عن إساءة الأدب، ويقال له: صاحب المجلس، ويمنع من رفع الصوت في المجلس،
ويجلس الخصمين بمقدار ذراعين من القاضي. (البناية) ولا يشير: لا بالرأس ولا بالعين، ولا بالحاجب. (البناية)
لأنه يجترئ: بسبب ضحك القاضي في وجهه. (البناية) قال: أي محمد ساه في "الجامع الصغير". [البناية ٢٣٨/١١]
تلقين الشاهد: وهو أن يقول القاضي: ما يستفيد به الشاهد علما بما يتعلق بالشهادة، مثل أن إلخ. (العناية)
واستحسنه: تأخير دليل أبي يوسف سلفه، وتسميته بالاستحسان كل ذلك دليل على أن المختار عند
المصنف باله قول أبي يوسف بنه. (النهاية) موضع التهمة: أما في موضع التهمة مثل أن ادعى المدعي ألفاً
وخمس مائة، والمدعى عليه ينكر خمس مائة، وشهد الشاهدان بالألف فالقاضي إن قال يحتمل أنه أبرأه من
الخمس مائة واستفاد الشاهد علماً بذلك ووفق في شهادته كما وفق القاضي فهذا لا يجوز بالاتفاق. (العناية)
بمنزلة الإشخاص: إرسال رجل لإحضار الخصم. [العناية ٣٧٤/٦] والتكفيل: وهو أخذ الكفيل لأحد
الخصمين. [البناية ٢٣٩/١١]
"رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" أخبرنا بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش حدثني أبوبكر التميمي عن
عطاء بن يسار عن أم سلمة قال: قال رسول الله (383: من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليساو بينهم في المجلس
والإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر. [نصب الراية ٧٤/٤]

٣٥٠
کتاب أدب القاضي
فصل في الحبس
قال في وإذا ثبت الحقُّ عند القاضي، وطلب صاحبُ الحق حبسَ غريمه لم يُعَجِّلْ
بحبسه، وأمره بدفع ما عليه؛ لأن الحبس جزاء المماطلة، فلابد من ظهورها، وهذا إذا
ثبت الحقُّ بإقراره؛ لأنه لم يُعْرف كونه مماطلاً في أول الوهلة، فلعله طمع في الإِمهال،
فلم يَسْتِصِحِب المالَ، فإذا امتنع بعد ذلك حبسه لظهور مَطْله، أما إذا ثبت بالبينة حبسه
كما ثبت لظهور المطل بإنكاره. قال: فإن امتنع حبسه في كلِّ دَيْنٍ لزمه بدلاً عن مال
الحق
حصل في يده كثمن المبيع، أو التزمه بعقد كلَهْر والكفالة؛ لأنه إذا حصل المالُ في يده
ثبت غناؤه به، وإقدامُه على التزامه باختياره دليل يساره؛ إذ هو لا يلتزم إلا ما يقدر
على أدائه، والمراد بالمهر مُعَجَّلُه دون مؤخَلِه. قال: ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا
قال: إني فقير، إلا أن يُثْبتَ غِرِمُه أن له مالاً، فيحبسه؛ لأنه لم توجد دلالةٌ اليسار،
في الحبس: لما كان الحبس من أحكام القضاء، وتتعلق به أحكام أفرده في فصل على حدة، وهو مشروع
بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فإن المراد به الحبس، ولم يكن في زمان النبى تُ﴾، وأبي بكر وعمر،
وعثمان ، سجن، وكان يحبس في المسجد أوالدهليز حيث أمكن، ولما كان زمن علي ضله أحدث
السجن، وبناه من قصب وسماه نافعاً فنقبه اللصوص، فبنى سجناً من مدر فسماه مخيساً. [العناية ٣٧٥/٦-٣٧٦]
غريمه: سواء كان الحق درهماً، أو أقل منه، أو أكثر منه.
وهذا: أي ترك القاضي عجلته بجس الغريم. (البناية) فلعله طمع: أي يقول: إني ظننت أنك تمهلني فلم
أستصحب المال. فإن امتنع: الغريم بعد أمر القاضي بالدفع. حبسه: إذا طلب المدعي ذلك. (البناية)
ثبت غناؤه به: وزواله عن الملك محتمل، والثابت لا يترك بالمحتمل. [البناية ٢٤٢/١١]
إذ هو لا يلتزم: فبعد ذلك لا يسمع دعواه بأنه لا يقدر على تسليمه. (النهاية) معجله: لأن العادة
جرت على تسليم المعجل، فكان إقدامه على النكاح دليلاً على قدرته على تسليم المعجل. (النهاية)
فيما سوى ذلك: يعني ضمان الغصب وأرش الجنايات. [العناية ٣٧٧/٦]

٣٥١
كتاب أدب القاضي
فيكون القولُ قولَ من عليه الدينُ، وعلى المدعي إثباتُ غناه، ويروى: أن القول لمن عليه
ءِ
الدين في جميع ذلك؛ لأن الأصل هو العسرة. ويروى: أن القول له إلا فيما بدلَه مال.
عن الشیخین
وفي النفقة القول قول الزوج إنه معسر، وفي إعتاق العبد المشترك القولُ للمُعْتق،
والمسألتان تؤیدان القولین الآخرین، والتخريج علی ما قال في الكتاب: أنه ليس بدین
و
مطلق، بل هو صلة حتى تسقط النفقة بالموت على الاتفاق،
بموت الزوج
ويروى: وهو اختيار الخصاف بدله. (الكفاية) في جميع ذلك: أي فيما كان بدلاً عن مال وما
لم يكن. (العناية) هو العسرة: إذ الآدمي يولد ولا مال له، والمدعي يدعي عارضاً، والقول قول من
تمسك بالأصل حتى يظهر خلافه، فكان القول قول المديون مع يمينه. [العناية ٣٧٧/٦]
أن القول له: وهو اختيار أبي عبدالله البلخي.(الكفاية) بدله مال[ کئمن متاع]: لأنه عرف دخول شيء
في ملكه وزواله محتمل، فكان القول للمدعي، وما لم يكن بدله مالاً كالمهر، وبدل الخلع، وما أشبه ذلك
فالقول فيه قول المدعى عليه؛ لأنه لم يدخل في ملكه شيء، ولم يعرف قدرته على القضاء، فبقي متمسكاً
بالأصل، وهو العسرة. (العناية) وفي النفقة: بيان لما هو المحفوظ من الرواية. [العناية ٣٧٧/٦]
وفي النفقة: المرأة إذا ادعت على زوجها أنه موسر، وادعت نفقة الموسرين، وادعى الزوج أنه معسر، وعليه
نفقة المعسرين، فالقول للزوج إنه معسر لتمسكه بالأصل. (الكفاية) وفي إعتاق: أي أحد الشريكين إذا أعتق
نصيبه من العبد، وزعم أنه معسر كان القول قوله. (العناية) تؤيدان: وتخالفان القول الأول، لأنه فيهما التزاما؛
إذ إقدامه على النكاح، والإعتاق أمارة قدرته على النفقة والضمان، كما في المهر الكفالة. [الكفاية ٣٧٧/٦]
القولين الآخرين: فإن فيهما القول قول من عليه وليس بدل النفقة، وبدل ضمان الإِعتاق مالاً.
والتخريج إلخ: يعني تخريج هاتين المسألتين على وجه لا تردان نقضاً على ما قال في الكتاب في ظاهر
الرواية حبسه في كل دين لزمه بدلاً عن مال، أو التزمه بعقد أن الحبس فيما يكون ديناً على المدعى عليه
مطلقاً، وفي هاتين المسألتين النفقة ليست بدين مطلقاً، حتى يسقط بالموت بالاتفاق، وكذا ضمان الإعتاق
عند أبي حنيفة سلكه (الكفاية) بدين مطلق: وقد تقدم أن الدين الصحيح هو ما لا يسقط إلا بإبراء من له،
أو بإيفاء من عليه. [العناية ٣٧٨/٦] تسقط النفقة: أي نفقة الأيام الماضية.

٣٥٢
كتاب أدب القاضي
وكذا عند أبي حنيفة بذلته ضمان الإِعتاق. ثم فيما كان القول قول المدعى أن له
مالاً، أو ثبت ذلك بالبينة فيما كان القول قولَ مَنْ عليه يحبسه شهرين، أو ثلاثةً، ثم
يسأل عنه، فالحبس؛ لظهور ظُلْمِهِ في الحال، وإنما يحبسه مدةً ليُظْهِرَ مالَه لو كان
الحاكم
يُخْفيه، فلابد من أن تمتد المدةَ ليفيد هذه الفائدة، فقدّر بما ذكره، ویروی غير ذلك
محمد
من التقدير بشهر، أو أربعة إلى ستة أشهر، والصحيح: أن التقدير مفوَّضٍ إلى رأي
القاضي؛ لاختلاف أحوال الأشخاص فيه. فإن لم يَظْهَرْ له مال: خَلَّى سبيله، يعني
الحاكم
احتمال الحبس
بعد مُضِي المدة؛ لأنه استحق النظرةَ إلى المَيْسَرة، فيكون حبسُه بعد ذلك ظلماً، ولو
0 وُ
قامت البينة على إفلاسه قبل المدة تُقبل في رواية،
أو ثبت ذلك: أي كون المدعى عليه ذا مال. أو ثلاثة: هو رواية محمد عن أبي حنيفة دعمًا في كتاب
الحوالة. [الكفاية ٣٧٨/٦] ثم يسأل عنه: جيرانه وأهل الخبرة عنه أي عن يسره وعسره. (البناية)
لظهور ظلمه: وأراد بهذه في بعض النسخ: لظهور مظلمه. (البناية) هذه الفائدة: أي ظهور أن ماله لو
كان. [البناية ٢٤٥/١١] بما ذكره: أي شهرين أو ثلاثة. بشهر [ذكره الطحاوي]: لأن ما دونه عاجل،
والشهر آجل، قال شمس الأئمة الحلواني: وهو أرفق الأقاويل في هذا الباب. [العناية ٣٧٩/٦]
أربعة إلى ستة إلخ: هو رواية الحسن عن أبي حنيفة داثه. مفوض إلخ: فإن مضى أربعة أشهر، ووقع
للقاضي أنه متعنت یستدم حبسه، وإن کان دون ذلك بأن کان شهرین أو دونه، ووقع أنه عاجز لا مال
له أطلقه من السجن. فإن لم يظهر إلخ: أي فإن لم يظهر للمحبوس مال بعد مضي المدة التي رآها القاضي
برأيه، وبعد مضي المدة التي اختارها بعض المشايخ كشهر، أو شهرين، أو أربعة أشهر على ما تقدم خلى
سبيله. [العناية ٣٧٩/٦] يعني بعد: متعلق بقوله: لم يظهر.
ولو قامت [بأن أخبر واحد ثقة، أو اثنان] البينة إلخ: وكيفية الشهادة على الإفلاس، حكي عن أبي القاسم
أنه قال: ينبغي أن يقول: أشهد أنه مفلس معدم، لا نعلم له مالاً سوی کسوته التي علیه، وثیاب ليلته، وقد
اختبرنا أمره في السر والعلانية. [الكفاية ٣٧٩/٦]

٣٥٣
كتاب أدب القاضي
وفي رواية لا تقبل، وعلى الثانية عامة المشايخ ه. قال في الكتاب: خَلِّي سبيلَه،
ولا يَحُولُ بينه وبين غرماته، وهذا كلام في الملازمة، وسنذكره في كتاب الحجر إن
شاء الله تعالى، وفي "الجامع الصغير": رجل أقرَّ عند القاضي بدين، فإنه يحبسه، ثم يسأل
عنه، فإن كان موسراً أَبَّدَ حَبْسَه، وإن كان معسراً خلِّى سبيلَه، ومرادُه: إذا أقر عند غير
القاضي، أو عنده مرةً، فظهرت مماطلته، والحبس أولا، ومدته قد بيناه، فلا نعيده.
لا تقبل: وفي "الذخيرة": فإن أخبر عن إعساره قبل الحبس واحد عدل، أو اثنان، أو شهد بذلك
شاهدان، فعن محمد بحثه فيه روايتان، في رواية قال: لا يحبسه، وبه كان يفتي الشيخ الإمام الجليل أبوبكر
محمد بن الفضل بحظه. وقال أبوبكر الإسكاف، وعامة مشايخ ماوراء النهر: أن القاضي يحبسه، ولا يلتفت
إلى هذه البينة؛ وهذا لأن البينة على الإعسار بينة على النفي، فلا تقبل إلا إذا تأيدت مؤيد، وقبل الحبس
ما تأيدت بمؤيد، وبعد ما حبس، ومضت عليه مدة فقد تأيدت مؤيد؛ لأن الظاهر أنه لو كان قادراً على
قضاء الدين لما تحمل مرارة الحبس. [الكفاية ٣٨٠/٦] ولا يحول: بعد خروجه عن الحبس.
وبين غرمائه: بل يلازمونه ولا يمنعونه من التصرف. وهذا كلام: يعني المنع عن ملازمة المديون بعد
إخراجه عن الحبس. (العناية) في كتاب الحجر: في باب الحجر بسبب الدين. [العناية ٣٨٠/٦]
وفي الجامع الصغير إلخ: وإنما ذكر لفظ "الجامع الصغير" هنا؛ لأن رواية "الجامع الصغير" من حيث الظاهر
تخالف ما ذكر في أول هذا الفصل أنه إذا ثبت الدين على المديون بالإقرار لا يحبسه في أول الوهلة، بخلاف ما
إذا ثبت الدين بالبينة، وما ذكر في "الجامع الصغير" يقتضي بجواز الحبس متصلاً بإقراره حيث قال: يحبسه، ثم
يسأل عنه، فثبت التناقض بين الروايتين، فذكر لفظ "الجامع الصغير" كما هو، ثم ذكر تأويله بقوله: ومراده إذا
أقر عند غير القاضي إلى آخره، إزالة للتناقض الثابت من حيث الظاهر. [الكفاية ٣٨٠/٦]
يسأل عنه: أي جيرانه عن يساره وعساره. ومراده: يعني مراد محمد طه فيما إذا ثبت الحق بالإقرار، ثم ثبتت
المماطلة فترافعا إلى القاضي، فحينئذ يحبسه لا بمجرد الإقرار. [البناية ٢٤٧/١١] والحبس أولا [أي بيّنا الحبس
أولاً قبل السؤال عن الجيران] إلخ: يعني أن المذكور في"الجامع الصغير" من الحبس أولاً، ومدته على ما بينا
ليس فيه مخالفة لما بيناه، فنحتاج إلى ذكره هنا، فلا نعيده. [العناية ٣٨٠/٦] قد بيناه: من أنه شهر أو غيره.
فلا نعيده: أي بينا الحبس أولاً ومدته فلا نعيده. [الكفاية ٣٨٠/٦]

٣٥٤
كتاب أدب القاضي
﴿ قَالوني ويُحْبَسُ الرجلُ في نفقة زوجته؛ لأنه ظالم بالامتناع، ولا يحبس الوالدُ فِي دَيْنٍ
لأنه نوعُ عقوبة، فلا يستحقه الولدُ على الوالد كالحدود والقصاص، إلا إذا
ولده الجنه
امتنع عن الإنفاق وعليه؛ لأن فيه إحياء لولده، ولأنه لا يُتدارك لسقوطها بعضِّي
الزمان، والله أعلم.
في نفقة زوجته: إذا فرض القاضي على رجل نفقة زوجته، أو اصطلحا على مقدار، ولم ينفق عليها،
ورفعت إلى الحاكم حبسه. (العناية) ولا يحبس الوالد: وكذا الأم، والجد، والجدة. [الكفاية ٣٨١/٦]
كالحدود والقصاص: فإن الوالد لا يؤاخذ بهما لأجل ولده. [البناية ٢٤٨/١١] إحياء لولده: وفي تركه
سعي في هلاكه. [العناية ٣٨١/٦] لسقوطها: أي لسقوط نفقة الولد بمضي الزمان، أما الدين لا يسقط
بمضي الزمان، فافترقا في حق هذا الحكم، فيفترقان في حق الحبس أيضاً. [الكفاية ٣٨١/٦]

٣٥٥
باب كتاب القاضي إلى القاضي
باب كتاب القاضي إلى القاضي
قال: ويُقْبُلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شُهدَ به عنده؛ للحاجة على
عند القاضي الأول
ما نبين، فإن شهدوا على خَصْمِ حاضرٍ: حَكَمَ بالشهادة؛
القدوري
باب كتاب إلخ: أورد هذا الباب بعد فصل الحبس؛ لأن هذا من عمل القضاء أيضاً، إلا أن السجن يتم
بقاض واحد، وهذا باثنين، والواحد قبل الاثنين. [العناية ٣٨١/٦-٣٨٢] باب كتاب إلخ: هذا أيضاً من
أحكام القضاء غير أنه لا يتحقق في الوجود إلا بقاضيين، فهو كالمركب بالنسبة إلى ما قبله، كذا في
"الفتح"، وهذا أولى من قول الزيلعي: إنه ليس من كتاب القضاء؛ لأنه إما نقل شهادة، أو نقل حكم، نعم
هو من عمل القضاة، فكان ذكره فيه أنسب، انتهى، وحيث كان من عملهم، فكيف ينفيه؛ وأجاب عنه
في "النهر": بأن المنفي كونه قضاء، والمثبت كونه من أحكامه. (رد المحتار)
في الحقوق: أي في الحقوق التي تثبت مع الشبهة، وقيد بالحقوق؛ لما في الأعيان المنقولة اختلاف. (الكفاية)
شهد به: المكتوب إليه أي بالكتاب. (النهاية) على ما نبين: وهو ما ذكر بعده، وجوازه لمساس الحاجة
إلخ. [الكفاية ٣٨٢/٦] فإن شهدوا إلخ: هذا بيان أن كتاب القاضي إلى القاضي نوعان: المسمى سجلاً،
والمسمى الكتاب الحكمي، والفرق بينهما: أن الأول إذا وصل إلى المكتوب إليه ليس له إلا التنفيذ وافق رأيه
أو خالفه لاتصال الحكم به، وأما الثاني فإن وافقه نفذه وإلا فلا؛ لعدم اتصال الحكم به. [العناية ٣٨٢/٦]
قيل: المراد بالخصم هنا الوكيل عن الغائب، أو المسخر الذي جعل وكيلاً لإثبات الحق عليه، وإن لم يكن وكيلاً
عنه في الحقيقة؛ إذ لو كان المراد بالخصم هو المدعى عليه نفسه لما احتيج إلى كتاب القاضي إلى قاض آخر؛ لأن
حكم القاضي قد تم، ويحتمل أن يكون الخصم هو المدعى عليه، وأن يكون مراده بيان أن هذا الكتاب هو
المدعو سجلاً لا أنه يكتب إلى قاض آخر، أو كان المدعي به مبيعاً، فأراد المدعي عليه الرجوع على بائعه، وهو
في بلدة أخرى، فطلب من القاضي أن يكتب بحكمه إلى قاضي تلك البلدة. [الكفاية ٣٨٢/٦]
على خصم حاضر: قال في "النهاية": المراد بالخصم هو الوكيل عن الغائب، أو المسخر الذي جعله
القاضي وكيلاً لإثبات الحق، ولو كان المراد بالخصم هو المدعى عليه لما احتيج إلى قاض آخر. أقول: لا يخفي
ما فيه من التكلف، والأحسن أن يقال: إن قوله: فإن شهدوا على خصم حاضر ليس بمقصود بالذات
في هذا الباب بل توطئة لقوله: وإن شهدوا بغير خصم لم يحكم فيه، ونظائره كثيرة، كذا في "الدرر" . =

٣٥٦
باب كتاب القاضي إلى القاضي
لوجود الحجة، وكُتَبَ بحكمه وهو المدعو سجلاً. وإن شهدوا بغير حضرة الخصم:
لم يَحْكم؛ لأن القضاء على الغائب لا يجوز. وكَتَب بالشهادة ليحكم المكتوبُ إليه بها،
وهذا هو الكتاب الحكمي، وهو نقل الشهادة في الحقيقة، ويختص بشرائط نذكرها إن
شاء الله، وجوازه لمساس الحاجة؛ لأن المدعي قد يتعذر عليه الجمعُ بین شهوده وخصمه،
= قلت: وحاصله: أنه ليس المراد في هذه المسألة من كتاب القاضي حكمه إلى قاضٍ آخر، حتى يراد
بالخصم فيها الوكيل أو المسخر، بل المراد أن الشهادة عند القاضي تارةً تكون على خصم حاضر، فيحكم
بها عليه، ويكتب بحكمه كتاباً ليحفظ الواقعة لا لبعثه إلى قاضٍ آخر؛ لأن الحكم قد تم، وتارة تكون على
خصم غائب، وهي الآتية، فهذه ذكرت توطئة لتلك. وذكر في "النهر" عن الزيلعي: أنه إذا قدر أن الخصم
غاب بعد الحكم عليه، وجحد الحكم فحينئذ يكتب له ليسلم إليه حقه، أو لينفذ حكمه، انتهى. وحاصله:
أنه قد يحتاج في المسألة الأولى إلى أن يبعث بكتاب حكمه على الخصم الحاضر إلى قاضٍ آخر، فيكون
ذكرها مقصوداً في الباب. وأفاد القهستاني أن الكتاب يكون إلى القاضي، ولو كان الخصم حاضراً، وذلك
الإمضاء قاضٍ آخر كما إذا ادعى على آخر ألفاً، وبرهن، وحكم به، ثم اصطلحا أن يأخذه منه في بلد
آخر، وخاف أن ينكر فكتب به لإمضاء قاضي البلد. (رد المحتار) وهو: أي المكتوب فيه الحكم.
وهو المدعو سجلاً: هو - بكسر السين والجيم وتشديد اللام- والضمتان مع التشديد، والفتح مع سكون
الجيم، والكسر لغات قهستاني عن "الكشاف". (رد المحتار) وكتب: القاضي إلى المكتوب إليه.
بالشهادة: أي بما يسمعه من الشهادة إلى القاضي. (البناية) الكتاب الحكمي: لأنه يكتب ليحكم به
القاضي المكتوب إليه. [البناية ٢٥٠/١١] بشرائط: منها العلوم الخمسة، وهي أن تكون من معلوم إلى
معلوم في معلوم لمعلوم على معلوم. (العناية) نذكرها: هو الموعود بقوله: على ما نبين. [العناية ٣٨٣/٦]
وجوازه إلخ: أي جواز كتاب القاضي إلى القاضي والقياس يأبى جوازه؛ إذ فيه شبهة التزوير إذ الخط
يشبه الخط والخاتم لخاتم، إلا أنه جوز لحاجة الناس، ولما روي أن علياً مه ﴿ه جوزه لذلك.
المساس الحاجة: ولا تندفع الحاجة بالشهادة على الشهادة؛ لما أن أكثر الناس يعجزون عن أداء الشهادة
على الشهادة على وجهها، ثم يحتاج بعد ذلك إلى معرفة عدالة الأصول، ويتعذر معرفة ذلك في تلك
البلدة، فتقع الحاجة إلى نقل شهادتهم بالكتاب. [الكفاية ٣٨٣/٦]

٣٥٧
باب كتاب القاضي إلى القاضي
فأشبه الشهادةَ على الشهادة، وقوله في الحقوق: يندرج تحته الدينُ، والنكاح،
قول القدوري
والنسب، والمغصوب، والأمانة المجحودة، والمضاربة المجحودة؛ لأن كلّ ذلك
بمنزلة الدين، وهو يُعْرف بالوصف لا يُحْتاج فيه إلى الإِشارة، ويُقْبُلُ في العقار
أيضاً؛ لأن التعريفَ فيه بالتحديد، ولا يقبل في الأعيان المنقولة؛ للحاجة إلى
الإشارة، وعن أبي يوسف بدله: أنه يقبل في العبد دون الأمة؛ لغلبة الإباق فيه دونها،
فأشبه الشهادة: فكما جوز الشهادة على الشهادة لإِحياء حقوق العباد، فكذا جوز الكتاب لذلك،
ولا يراد بالمشابهة القياس؛ لما تقدم أنه مخالف للقياس، فيراد به الاتحاد في مناط الاستحسان. [العناية ٣٨٣/٦]
يندرج تحته الدين إلخ: بأن ادعى رجل نكاحاً على امرأة، أو بالعكس، وكذلك الطلاق إذا ادعت امرأة على
زوجها، فإن قيل: الإشارة في باب النكاح شرط، وكتاب القاضي إلى القاضي فيما يحتاج إلى الإشارة لا يجوز،
قيل: الإشارة إلى الخصم شرط، وهو الرجل أو المرأة وهو ليس بمدعى به، إنما المدعي به شيء آخر، وهو نفس
النكاح لا نفس المرأة، ولا نفس الرجل، فصار النكاح نظير الدين في الذمة، والإشارة إلى الغريم شرط، ومع هذا
جاز كتاب القاضي فيه، كذا ههنا، والنسب بأن ادعى نسباً مثلاً من الميت، والغصب بأن ادعى غصباً على
رجل، والأمانة المجحودة من المودع، والمضاربة المجحودة من المضارب، وإنما قيد الأمانة والمضاربة المجحودة؛
ليكونا بمنزلة الدين؛ إذ لو لم تكن مجحودة لكان من جملة الأعيان المنقولة، ولا يقبل كتاب القاضي فيها.
قوله: يندرج تحته إلخ هو المروي عن محمد، وبه يفتى للضرورة، وفي ظاهر الرواية: لا يجوز في المنقول
للحاجة إلى الإشارة إليه عند الدعوى، وعن الثاني تجويزه في العبد دون الأمة، وعنه تجويزه في الكل. قال
الإِسبيجابي: وعليه الفتوى، والقياس: أن لا يجوز؛ لأن كتابته لا تكون أقوى من عبارته، ولو أخبر القاضي
في محله لم يعمل بإخباره، فكتابته أولى، وإنما جوزناه لأثر على ضُهه، وللحاجة. بحر. (رد المحتار)
بمنزلة الدين: والدين يجوز فيه الكتاب، فكذا فيما كان في منزلته. (العناية) ويقبل: أي كتاب القاضي إلى
القاضي. (البناية) في العقار: أي في دعوى العقار. [البناية ٢٥٣/١١] بالتحديد: أي بيان الحدود الأربعة ذلك
لا يحتاج إلى الإشارة. (العناية) في الأعيان: كالدابة والثوب والعبد. لغلبة الإباق: فإن العبد يخدم خارج البيت
غالباً، فيقدر على الإِباق، فتمس الحاجة إلى الكتاب، بخلاف الأمة؛ فإنها تخدم داخل البيت غالباً. [العناية ٣٨٣/٦]

٣٥٨
باب كتاب القاضي إلى القاضي
وعنه: أنه يقبل فيهما بشرائطَ تُعْرَف في موضعه. وعن محمد ساليه: أنه يقبل في جميع
ما يُنْقَلِ ويُحَوَّل، وعليه المتأخرون بذلك. قال: ولا يقبل الكتابُ إلا بشهادة رجلين،
أو رجلٍ وامرأتين؛ لأن الكتاب يُشْبُهُ الكتاب، فلا يثبت إلا بُجُجَّة تامة؛ وهذا لأنه مُلْزِم،
بشرائط: وصفة ذلك بخاريّ أبق عبد له إلى سمرقند مثلاً، فأخذه سمرقندي، وشهود المولى ببخاری،
فطلب من قاضي بخاری أن یکتب بشهادة شهوده عنده يجيب إلى ذلك، یکتب شهد عندي فلان وفلان،
بأن العبد الذي من صفته كيت وكيت ملك فلان المدعي وهو اليوم بسمر قند بيد فلان بغير حق
ليرسلها، ويشهد على كتابة شاهدين، ويعلمهما ما فيه، ويرسلهما إلى سمر قند فإذا انتهى إلى المكتوب إليه
يحضر العبد مع من هو بيده، يشهدان عنده عليه بالكتاب، وبما فيه، فتقبل شهادتهما، ويفتح الكتاب،
ويدفع العبد إلى المدعي، ولا يقضي له به؛ لأن شهادة شهادي الملك لم تكن بحضرة العبد، ويأخذ كفيلاً
من المدعي بنفس العبد، ويجعل في عنق العبد خاتماً من رصاص كي لا يتهم المدعي بالسرقة، ويكتب كتاباً
إلى قاضي بخاری، ویشهد شاهدین علی کتابه وختمه، وعلى ما في الكتاب، فإذا وصل إلى قاضي بخاری،
وشهدا بالكتاب، وختمه أمر المدعي بإعادة شهوده ليشهدوا بالإشارة إلى العبد أنه حقه وملكه، فإذا
شهدوا بذلك قضى له بالعبد، وكتب إلى ذلك القاضي بما ثبت عنده ليبرأ كفيله.
وفي رواية عن أبويوسف بل أن قاضي بخارى لا يقضي للمدعى بالعبد؛ لأن الخصم غائب، ولكن
یکتب كتاباً آخر إلى قاضي سمرقند فيه ما جری عنده، ویشهد شاهدین علی کتابه، وختمه وما فيه،
ويبعث بالعبد إلى سمر قند حتى يقضي له به بحضرة المدعى عليه، فإذا وصل الكتاب إليه يفعل ذلك، ويبرأ
الكفيل، وصفة الكتاب في الجواري صفته في العبد غير أن القاضي لا يدفع الجارية إلى المدعي، ولكنه
يبعث بها معه على يد أمين لئلا يطأها قبل القضاء بالملك زاعماً أنها ملكه. [العناية ٣٨٣/٦-٣٨٤]
في موضعه: وموضعه كتاب الإِباق من "المبسوط"، وباب كتاب القاضي إلى القاضي من شرح أدب
القاضي للصدر الشهيد، وهو الباب التاسع والخمسون منه، وكتاب أدب القاضي من "الذخيرة". (النهاية)
ولا يقبل الكتاب: أي كتاب القاضي إلى القاضي. [العناية ٣٨٦/٦] وهذا: أي اشتراط الحجة
التامة في كتاب القاضي بأن هذا الكتاب كتاب فلان القاضي؛ لأنه، أي لأن كتاب القاضي ملزم،
فلابد للملزم من الحجة حتى يثبت بها كونه ملزماً، والحجة هي البينة. (النهاية)

٣٥٩
باب كتاب القاضي إلى القاضي
فلابد من الحجة، بخلاف كتاب الاستئمان من أهل الحرب؛ لأنه ليس بملزم،
على الإمام
وبخلاف رسول القاضي إلى المزكّي ورسوله إلى القاضي؛ لأن الإلزام بالشهادة
لا بالتزكية. قال: ويجب أن يقرأ الكتابَ عليهم؛ ليعرفوا ما فيه، أو يُعَلِّمهم به؛ لأنه
الشهود ابما فيه
القدوري
لا شهادة بدون العلم، ثم يختمه بحضرتهم، ويُسَلِّمه إليهم؛ كيلا يُتَوهم التغييرُ، وهذا
عند أبي حنيفة ومحمد بحمًّا، لأن علمَ ما في الكتاب، والخَتْمَ بحضرتهم شرط، وكذا
حفظُ ما في الكتاب عندهما، ولهذا يَدْفع إليهم كتاباً آخر غيرَ مختوم؛ ليكون معهم
الشهود
القاضي الكتاب
معاونة على حفظهم. وقال أبو يوسف سله آخراً: وليس شيء من ذلك بشرط،
كتاب الاستئمان: يعني إذا جاء من أمير أهل الحرب في طلب الأمان فإنه مقبول بغير بينة حتى لو
أمنه الإمام صح. (النهاية) لأنه ليس بملزم: لأن كتاب ملك أهل الحرب ليس بملزم؛ لأن الإِمام
بالخيار إن شاء أعطاه الأمان، وإن شاء لم يعطه، فلا يشترط البينة. [الكفاية ٣٨٦/٦-٣٨٧]
رسول القاضي: حيث يقبل بغير بينة. إلى المزكي: إنما قيد بقوله: إلى المزكي؛ لأن رسول القاضي إلى
القاضي غير معتبر أصلاً في حق لزوم القضاء عليه بالبينة، ولا بغير البينة، وفي جواز كتاب القاضي إلى
القاضي ورد الأثر وإجماع التابعين عليه، ولم يرد مثل ذلك في الرسول فعمل فيه بالقياس. (النهاية)
لأن الإلزام: على المدعى عليه. لا بالتزكية: حتى لو قضى القاضي بالشهادة بدون التزكية صح
قضائه، وإنما التزكية لنوع رجحان الصدق. (النهاية) ويجب: أي على القاضي الكاتب أن يقرأ
كتابه الذي كتب إلى قاضٍ آخر على الشهود الذين يشهدهم كتابة الكتاب. (النهاية)
ويسلمه إليهم: أي إلى الشهود، وعمل القضاة اليوم أن يسلمون المكتوب إلى المدعي، وهو قول
أبي يوسف ملكه، وهو اختيار الفتوى على قول شمس الأئمة، وعلى قول أبي حنيفة مدلشه يسلم المكتوب إلى
الشهود، كذا وجدت بخط شيخى بحثه. (النهاية) حفظ: أي من وقت التحمل إلى وقت الأداء، كما في
جميع الشهادات. آخراً: أي في قوله الأخير، إنما قال ذلك؛ لأن قوله الأول مثل قول أبي حنيفة
ومحمد رحمًا (البناية) شيء من ذلك: أي علم ما في الكتاب وحفظه والختم بحضرتهم. [البناية ٢٥٧/١١]