النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢٠
باب أحكام المرتدين
ويُجبرُ علی الإِسلام ولا يقتل، وإسلامُه إسلام ولا يرث أبویه إن كانا كافرين، وقال
أبو يوسف بدالله: ارتداده ليس بارتداد وإسلامه إسلام. وقال زفر والشافعي بعمًّا: إسلامه
لیس یاسلام، وارتداده ليس بارتداد. لهما في الإسلام: أنه تَبْع لأبویه فيه، فلا يجعل أصلاً،
ولأنه يلزمه أحكاماً تشوبها المضرةُ، فلا يُؤَهَّلُ لَه. ولنا فيه: أن عليًّا ظِلّه أسلم في صباه،
إسلامه
وإسلامه إسلام: فلا يرث أبويه الكافرين، ويرث أقاربه المسلمين، ولا يصح نكاح المشركة له، وتحل له
المؤمنة، وتبطل مالية الخمر والخنزير ونحو ذلك. (فتح القدير) فلا يجعل أصلاً: للتنافي بين صفة الأصلية
والتبعية؛ لأن الأولى سمة القدرة، والثانية سمة العجز ثم إسلامه يصح تبعاً لأبويه، فلا يجعل أصلاً مستقبلاً
به. [فتح القدير ٣٢٨/٥-٣٢٩] أحكاماً: من حرمان الإرث والفرقة بينه وبين زوجته المشركة. (فتح القدير)
فلا يؤهل له: كالطلاق والعتاق. [فتح القدير ٣٢٩/٥]
ولنا فيه أن علياً إلخ: هذا دليل مشهور لأصحابنا الأصوليين والفقهاء لإثبات صحة إسلام الصبي.
وحاصله: أن علياً كرم الله وجهه أسلم وهو صي، قيل: كان عمره سبع سنين، وقيل: عشر سنين، وقيل:
تسع، وقيل: ثمان، قيل: غير ذلك، كما هو مبسوط في كتب السير، وعد هذا من مفاخره. وذكر جمع من
أصحاب السير أن معاوية ضه كتب إلى علي يا أبا الحسن! إن لي فضائل أنا صهر رسول الله وكاتبه،
فکتب علي «څه في جوابه أشعاراً، وهي هذه:
محمد النبي أخي وصهري
وحمزة سيد الشهداء عمي
يطير مع الملائكة ابن أمي
و جعفر الذي يضحي و يمسي
مشوب لحمها بدمي ولحمي
وبنت محمد سکن و عرشي
فمن منكم له سھم کسهمي
وسبطا أحمد ابناي منها
سبقتكم إلى الإسلام طرا
صغيراً ما بلغت أوان حلمي
قال الزرقاني في "شرح المواهب": طرا بضم الطاء المهملة وتشديد الراء المهملة أي جميعاً، والحُلم بالضم الاحتلام
والبلوغ، انتهى، وقال البيهقي: هذه الأشعار مما يجب على كل متوان في علي، وحفظه ليعلم مفاخره في الإسلام،
انتهى. فإن قلت: ذكره صاحب القاموس ناقلاً عن المازني والزمخشري أن علياً ظه لم يقل غير بيتين، هما:
تلكم قريش تمناني لتقتلني فلا وربك ما بروا وما ظفروا
=
فإن هلکت فرهن ذمتي لهم بذات ووقین لا یعفو له أثر

٣٢١
باب أحكام المرتدین
وصحّح النبي عليَّا إسلامَه، وافتخارُه بذلك مشهور، ولأنه أتى بحقيقة الإسلام، وهي
التصديق والإقرار معه؛ لأن الإقرار عن طَوْعِ دليل على الاعتقاد على ما عرف،
والحقائق لا ترد، وما يتعلق به سعادة أبدية ونجاة عقباوية، وهي من أجل المنافع، وهو
الحكم الأصلي، ثم يبتنى عليه غيرُها، فلا يبالى بشوبه، ولهم في الردة:
= قلت: هذا مردود بما في "صحيح مسلم": في غزوة خيبر من قول علي مجيباً لبعض اليهود على طريق
النظم، وروى الزبير بن بكار أيضاً في عمارة المسجد النبوي بعض أبياته، وبالجملة فحصر أبياته على
البيتين المذكورين ليس بصحيح.
وهي التصديق: هذا يشير إلى أن الإقرار باللسان دال في حقيقة الإيمان، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي
وجماعة، لكنهم قالوا: الإقرار ركن زائد يسقط عند الإكراه عنده، والجمهور على أنه حقيقة التصديق
فقط، وإنما الإقرار شرط لإجراء أحكام الإِيمان عليه، وهو مذهب أبي منصور الماتريدي، والتفصيل في
كتب الكلام. يتعلق به: جواب عن قولهما: لأنه يلزمه أحكام يشوبها المضرة.
يبتنى عليه غيرها: مثل حرمان الميراث، فلا يبالى بشوبه؛ لأن المنظور إليه في التصرفات الموضوع الأصلي.
وقال تاج الشريعة: المراد من الحكم الأصلي: ما وضع ذلك الشيء لأجله. [البناية ٤١٦/٩-٤١٧]
فلا يبالى بشوبه: وأما التنافي الذي ذكر، فإنما يلزم لو قلنا باجتماع كونه تبعاً وأصلاً معاً، ولسنا نقول
به، بل هو تبع ما لم يعقل، فإذا عقل، ويقر مختاراً. [فتح القدير ٣٣٠/٥]
ولهم [أي لأبي يوسف وزفر والشافعي هدفك. (العناية)] في الردة إلخ: تفصيل المقام على ما في كتب الأصول
أن حقوق الله تعالى ثلاثة: نافع محض، وضار محض، ومتوسط بينهما، وكذا حقوق العباد، فالأول: كالإِيمان
لا يسقط حسنه؛ لأنه حسن بذاته، فيتأدى من الصي أيضاً عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف ظر؛ لأنه
مناط سعادة الدارين، والحجر من السعادة لا يليق من الشرع، وأورد عليهم بأنه يورث المضرة كحرمان
الميراث، وفرقة النكاح وغير ذلك، فينبغي أن لا يتأدى منه، وأجيب عنه بوجهين: الأول: وهو أولاهما، =
* اختلفت الرواية في إسلام علي عليه، فأخرج البخاري في "تاريخه" عن عروة، قال: أسلم علي وهو ابن ثماني
سنوات، وأخرج الحاكم في "المستدرك" في الفضائل من طريق ابن إسحاق أن علياً أسلم وهو ابن عشر سنة، وأخرج
من طريق عبدالرزاق ثنا معمر عن قتادة عن الحسن أنه كان عمره خمس عشرة سنة. [نصب الراية ٤٥٩/٣]

٣٢٢
باب أحكام المرتدین
أنها مضرة محضة، بخلاف الإِسلام على أصل أبي يوسف سل؛ لأنه تعلّق به أعلى
المنافع على ما مر. ولأبي حنيفة ومحمد لحمًا فيها: أنها موجودة حقيقةً، ولا مَرَدَّ
للحقيقة، كما قلنا في الإسلام، إلا أنه يجبر على الإسلام؛ لما فيه من النفع له، ولا يقتل؛
الصبى المرتد
لأنه عقوبة، والعقوباتُ موضوعة عن الصبيان مرحمةً عليهم،
= ذكره المصنف من أن المقصود الأصلي بالإِسلام هو السعادة، والمضرات من قبيل التوابع، وكم من شيء
يثبت تبعاً، ولا يثبت قصداً كقبول الصبي هبة القريب، يجوز مع ترتب العتق عليه. والثاني: أن المضرات لا تثبت
بالإِسلام، بل بأسباب أخر مثلاً حرمان الميراث تضاف إلى كفر القريب، والفرقة تضاف إلى كفر الزوجة،
وقس عليه، ولا يخفي ما فيه، فإن الأحكام تضاف إلى أقرب الأسباب، فإضافة هذه المضرات إلى الأسباب
البعيدة مع كون الإسلام قريباً بعيد والقسم الثاني: كالكفر فإنه ضرر محض في الدنيا وفي الآخرة، فالقياس
أن لا يصح عن الصبي كما ذهب إليه الشافعي ومحمد، وقال أبويوسف وأبو حنيفة: يصح استحساناً؛ لأنه
قد وجد منه حقيقة الكفر، ولا مرد للحقيقة، كذا أورده بعض الأصوليين وتبعه المصنف. ولا يخفى عليك
أنه منتقض بغير الردة من المضرات كالطلاق والعتاق، فإنه لو كان مدار اعتبار الردة مجرد وجود الحقيقة،
لكان يصح طلاقه وعتاقه عند وجودهما منه. فأولى أن يضم معه أن الكفر قبيح محض بنفسه، فلا يسقط
قبحه بعذر غير مسموع؛ لأن الكلام في الصبي العاقل، ثم هذا الخلاف إنما هو في حق أحكام الدنيا.
وأما في الأحكام الآخرة تصح الردة اتفاقاً حتى لو مات الصبي المرتد لا يصلى عليه. والقسم الثالث
كالصلاة وغيرها من العبادات البدنية يصح مباشرة الصبي بها من غير لزوم ووجوب عليه. وأما حقوق
العبد من المعاملات: فما كان منها نفعاً محضاً كقبول الهبة يصح مباشرته به بغير إذن الولي، وما كان
ضرراً محضاً كالطلاق ونحوه لا يصح منه وإن أذن له الولي، وما كان منها متوسطاً كالبيع فإنه رابح وخاسر،
يصح بإذن الولي لا بغير إذنه. مضرة محضة: والمضرة المحضة لا يجوز له، ولهذا لا يقع طلاقه ولا عتاقه.
لما فيه: أي الجبر على الإسلام. ولا يقتل: بخلاف البالغ، فإنه يقتل لوجود الحرب.
مرحمة عليهم [أي لأجل الترحم عليهم]: قال في "النهاية": فيه نظر؛ لأنه أسقط عقوبة القتل عن الصبي
المرتد مرحمة لصباه والله تعالى أرحم الراحمين، وهو لم يرحم عليه حتى عاقبه في النار مخلداً كسائر الكفار،
وذلك منصوص عليه في "الأسرار" و "الجامع الصغير" للإمام التمرتاشي، ومشار إليه في "المبسوط" . =

٣٢٣
باب أحكام المرتدین
وهذا في الصبي الذي يَعْقِل، ومن لا يعقل من الصبيان لا يصح ارتدادُه؛ لأن إقراره
لا يدل على تغيير العقيدة، وكذا المجنونُ والسكران الذي لا يعقل.
هذا الخلاف
لعدم تمييزه
= ثم قال: وأولى ما يعلل في عدم قتل الصبي المرتد ما ذكرناه من تعليل "المبسوط"، وهو قوله: وإنما
لا يقتل لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء ك في صحة إسلامه في الصغر. [العناية ٣٣١/٥]
وكذا: لا يصح ارتداده بالإجماع ولا إسلامه.(فتح القدير) لا يعقل: وهو قول مالك وأحمد لحمًا في
رواية، والشافعي في قول. [فتح القدير ٣٣٢/٥]

٣٢٤
باب البُغَاة
باب البُغَاة
وإذا تغلب قوم من المسلمين على بلد، وخرجوا من طاعة الإِمام: دعاهم إلى العَوْد إلى
استولی تھرا
الجماعة، وكشف عن شُبْهَتهم؛ لأن عليًّا من﴾، فعل ذلك بأهل حَرُورَاءَ قبل قتالهم، * ولأنه
أهونُ الأمرین، ولعل الشرَّ يندفع به، فيبدأ به، ولا يبدأ بقتال حتی یبدءوه، فإن بدءوه
قاتلهم حتى يُفَرِّقَ جمعَهم قال العبد الضعيف: هكذا ذكره القدوري بعدالله في "مختصره".
باب البغاة: أي هذا باب في بيان أحكام البغاة، وهو جمع باغ كقضاة جمع قاض من البغي، وهو الخروج عن
طاعة الإِمام، وقال في أصول الأستروشني: أن المسلمين إذا اجتمعوا على إمامهم، وصاروا آمنين به، فخرج عليه
طائفة من المؤمنين، فإن فعلوا لظلم ظلمهم، فهم ليسوا من أهل البغي، وعليه أن يترك الظلم، وينصفهم، وإن
لم يكن ذلك لظلم ظلمهم، ولكن ادعوا لحق الولاية، فقالوا: الحق منا، فهم أهل البغي. [البناية ٤٢٠/٩-٤٢٦]
عن شبهتهم: هذا ليس بواجب بل مستحب. ولأنه: أي كشف شبههم مع دعوتهم إلى الجماعة. (البناية)
الأمرين: أحدهما الدعوة إلى الجماعة، والآخر القتال. [البناية ٤٢٩/٩] فيبدأ به: فلا يحتاج إلى القتل.
* رواه النسائي في "سننه الكبرى" في خصائص علي، فقال: أخبرنا عمرو بن علي ثنا عبدالرحمن
بن مهدي ثنا عكرمة بن عمار حدثني أبو زميل سماك الحنفي حدثني عبدالله بن عباس قال: لما خرجت
الحرورية، اعتزلوا في دار، وكانوا ستة الآف، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة لَعَلي أكلم هؤلاء
القوم، قال: إني أخافهم عليك، قلت كلا، فلبست ثيابي، ومضيت حتى دخلت عليهم في دار وهم
مجتمعون فيها، فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس ما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند أصحاب النبي ◌َّ
المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي ◌ُّ وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم،
وليس فيكم منهم أحد لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون، فانتحى لي نفر منهم، قلت: هاتوا ما
نقمتم على أصحاب رسول الله مُ﴿ وابن عمه، وختنه، وأول من آمن به، فقالوا: ثلاث، قلت: ما هي
قالوا: إحداهن أنه حكم الرجال في دين الله- إلى أن قال -: فرجع منهم ألفان: وبقي سائرهم، فقتلوا على
ضلالتهم، وقتلهم المهاجرون والأنصار. [١٦٥/٥، ذكر مناظرة عبدالله بن عباس الحرورية]

٣٢٥
باب البُغَاة
وذكر الإمام المعروف بجواهر زاده بحلته أن عندنا يجوز أن يبدأ بقتالهم إذا تعسكروا
واجتمعوا وقال الشافعي بدله: لا يجوز حتى يبدءوا بالقتال حقيقة؛ لأنه لا يجوز قتل المسلم
إلا دفعاً وهم مسلمون، بخلاف الكافر؛ لأن نفس الكفر مبيح عنده. ولنا: أن الحكم
يدار على الدليل، وهو الاجتماع والامتناع؛ وهذا لأنه لو انتظر الإِمامُ حقيقة قتالهم
دليل القتال
ربما لا يمكنه الدفعُ، فيدار على الدليل ضرورة دفع شرهم، وإذا بلغه أنهم يشترون
السلاح، ويتأهبون للقتال، ينبغي أن يأخذهم، ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك،
ويحدثوا توبةً؛ دفعاً للشر بقدر الإمكان. والمروي عن أبي حنيفة بدله من لزوم البيت
محمول على حال عدم الإِمام، أما إعانةُ الإِمام الحق فمن الواجب عند الغَناء والقدرة.
فإن كانت لهم فئة: أجهز على جريحهم، وأتّبِعَ مُؤَلِّيهم؛ دفعاً لشرهم كيلا يلتحقوابهم،
بخواهر زاده: خواهر زاده، معناه: ابن الأخت وكان ابن أخت القاضي الإمام أبي ثابت قاضي سمر قند.(فتح القدير)
وقال الشافعي: وبه قال مالك وأحمد وأكثر أهل العلم. (البناية) وهم مسلمون: أي البغاة مسلمون؛
بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ أي إحدى الطائفتين من المؤمنين. (البناية) مبيح عنده: أي عند
الشافعي ماله يعني أن علة إباحة القتال هو الكفر عنده، وعندنا العلة هو الحراب. [البناية ٤٣٠/٩]
أن الحكم يدار: وإن لم يوجد القتال حقيقة، كما أن القصر دار على علة المشقة أي السفر.
الامتناع: أي عن اتباع الإمام. لا يمكنه الدفع: لتقوّي شوكتهم وتكثر جمعهم خصوصاً والفتنة يسرع
إليها أهل الفساد وهم الأكثر. (فتح القدير) ويتأهبون: أي يستعدون للقتال ويريدونه.
حتى يقلعوا: من الإقلاع وهو الامتناع. [البناية ٤٣١/٩] والمروي عن أبي حنيفة: من قوله: الفتنة إذا
وقعت بين المسلمين، فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة، ويقعد في بيته؛ لقوله عليها: "من فر من
الفتنة أعتق الله رقبته من النار"، وقال لواحد من الصحابة: "كن حلساً من أحلاس بيتك"، محمول على أنه
لم يكن لهم قدرة ولا غناء. [فتح القدير ٣٢٦/٥] أجهز: [خوفاً من أن يبرأ فينقلب] على بناء المفعول،
يقال: أجهزت على الجريح إذا أسرعت قتله وتممت عليه. [العناية ٣٣٧/٥]

٣٢٦
باب البُغَاة
وإن لم يكن لهم فئة: لم يجهز على جريحهم، ولم يتبع موليهم؛ لاندفاع الشر دونه. وقال
لا حاجة إليه
الشافعي بالبه: لا يجوز ذلك في الحالين؛ لأن القتال إذا تركوه لم يبق قتلهم دفعا،
وجوابه ما ذكرناه أن المعتبر دليله لا حقيقته. ولا يُسبى لهم ذرية، ولا يُقَسِّمُ لهم مال؛ لقول
بين المقاتلة
علي بُه يوم الجمل: "ولا يُقْتُل أسير، ولا يكشف ستر، ولا يؤخذ مال"، * وهو القدوة
في هذا الباب. وقوله في الأسير: "تأويله إذا لم يكن لهم فئة"، فإن كانت يَقْتل الإمامُ
الأسيرَ، وإن شاء حبسه؛ لما ذكرنا، ولأنهم مسلمون، والإسلام يعصم النفس والمال.
ولا بأس بأن يقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه. وقال الشافعي بحلته: لا يجوز،
والكراعُ على هذا الخلاف، له: أنه مالُ مسلم، فلا يجوز الانتفاع به إلا برضاه.
ولنا: أن علَّا هُه قَسَمَ السلاحَ فيما بين أصحابه بالبصرة، وكانت قسمته للحاجة،
لا للتمليك، ** ولأن للإمام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى،
لا يجوز ذلك: أي الإجهاز والإتباع. في الحالين: أي حالتي الفئة وعدمها. (فتح القدير) إذا تركوه: بالتولية
والجراحة المعجزة عنه. [فتح القدير ٣٣٧/٥] دفعاً: للشر؛ لأن شرهم قد ارتفع، فلا حاجة إليه؛ وهذا لأنه
قتال على وجه الدفع، فصار كقتال غير الخوارج. [البناية ٤٣٢/٩] دليله: أي دليل القتال وهو الاجتماع.
يوم الجمل: هو اليوم الذي كان فيه وقعة عائشة مع علي ◌ّها. (البناية) هذا الباب: أي باب قتال الخوارج.
لما ذكرنا: إشارة إلى قوله: دفعاً للشر. هذا الخلاف: بيننا وبين الشافعي. (البناية) بالبصرة: ورد في الرواية
والكراع أيضاً. لا للتمليك: ولهذا لما وضعت الحرب أوزارها ردها إليهم. (البناية)
* روى ابن أبي شيبة في آخر "مصنفه" حدثنا يحيى بن آدم حدثنا شريك عن السدي عن عبد خير عن علي
أنه قال يوم الجمل: لا تتبعوا مديراً ولا تجهزوا على جريح من ألقى سلاحه فهو آمن. [٢٦٣/١٥]
** روى ابن أبي شيبة في آخر "مصنفه" في باب وقعة الجمل حدثنا وكيع عن فطر عن منذر عن
ابن الحنفية أن علياً قسم يوم الجمل في العسكر ما أجافوا عليه من كراع وسلاح. [٢٨١/١٦، كتاب الجمل]

٣٢٧
باب البُغَاة
والمعنى فيه إلحاقُ الضرر الأدنى لدفع الأعلى. ويحبس الإِمامُ أموالَهم، ولا يردها عليهم،
ولا يقسمها حتى يتوبوا فيردها عليهم، أما عدم القسمة فلما بيناه. وأما الحبس: فلدفع
بين المقاتلة
شرِّهم بكسر شوكتهم، ولهذا يحبسها عنهم، وإن كان لا يحتاج إليها، إلا أنه يبيع
الكراع؛ لأن حبس الثمن أنظرُ وأيسر، وأما الرد بعد التوبة: فلاندفاع الضرورة،
ولا استغنام فيها. قال: وما جباه أهلُ البغي من البلاد التي غَلَبُوا عليها من الخراج
والعشر: لم يأخذه الإِمام ثانياً؛ لأن ولاية الأخذ له باعتبار الحماية، ولم يَحْمِهم.
فإن كانوا صرفوه في حقه: أجزأ من أُخِذَ منه؛ لوصول الحق إلى مستحقه، وإن
لم يكونوا صرفوه في حقه: فعلى أهله فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعيدوا ذلك؛ لأنه
لم يَصِلْ إلى مستحقه. قال العبد الضعيف: قالوا: لا إعادة عليهم في الخراج؛ لأنهم
المشايخ
مقاتلة، فكانوا مصارفَ وإن كانوا أغنياء، وفي العشر: إن كانوا فقراء فكذلك؛ لأنه حقُّ
٥
الفقراء، وقد بيناه في الزكاة، وفي المستقبل يأخذه الإمام؛ لأنه يحميهم فيه؛ لظهور
في الحول الآتي
في كتاب الزكاة
ولايته. ومن قتل رجلاً، وهما من عسكر أهل البغي، ثم ظُهِرَ عليهم: فليس عليهم
القاتل والمقتول
شيء؛ لأنه لا ولاية لإِمام العدل حين القتل، فلم ينعقد موجبا كالقتل في دار الحرب.
لعدم الولاية
لدفع الأعلى: وهو الضرر العام الواقع على عامة المسلمين. (البناية) فلما بيناه: إشارة إلى قول علي صُه. (البناية)
ولهذا: أي ولأجل كسر شوكتهم. (البناية) أنظر وأيسر: لأن إبقاءه يحتاج إلى النفقة والخدمة. (البناية)
فيها: أي في أموال أهل البغي لعصمتها، فلا تقسم بين أهل العدل. [البناية ٤٣٥/٩]
في حقه: أي في الجهة التي عينها الشارع له، (البناية) فيما بينهم إلخ: لأن سقوط المطالبة قضاء لا يوجب
سقوطها ديانة. (البناية) في الخراج: لأن البغاة محل الخراج. فليس عليهم شيء: أي لا يجب على القاتل
دية ولا قصاص. [البناية ٤٣٦/٩]

٣٢٨
باب البُغَاة
وإِن غَلَيَوا على مصر، فقتل رجلٌ من أهل المصر رجلاً من أهل المصر عمداً، ثم ظُهِرَ
البغاة
على المصر: فإنه يُقْتَصُّ منه، وتأويله: إذا لم يَحْرِ على أهله أحكامُهم، وأزعجوا قبل
ذلك، وفي ذلك لم تنقطع ولايةُ الإمام، فيجب القصاصُ. وإذا قتل رجل من أهل العدل
باغياً، فإنه يرثه، فإن قتله الباغي، وقال: قد كنت على حقِّ، وأنا الآن على حق، ورثه،
وإن قال: قتلته وأنا أعلم أني على الباطل، لم يرثه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد بحمظا،
وقال أبويوسف حله: لا يرث الباغي في الوجهين، وهو قول الشافعي بحثهه. وأصله أن
العادل إذا أتلف نفسَ الباغي، أو ماله لا يضمن، ولا يأثم؛ لأنه مأمور بقتالهم دفعاً
البغاة
الشرهم، والباغي إذا قتل العادلَ لا يجب الضمان عندنا ويأثم. وقال الشافعي مدثه
في القديم: إنه يجب، وعلى هذا الخلاف إذا تاب المرتدُّ وقد أتلف نفساً أو مالاً. له:
به قال مالك
أنه أتلف مالاً معصوماً، أو قتل نفساً معصومة، فيجب الضمان؛ اعتباراً بما قبل المنعة.
يقتص منه: كذا ذكره فخر الإسلام. وتأويله: وإنما قال المصنف: وتأويله؛ لأن المسألة التي ذكرها من مسائل
"الجامع الصغير"، ولم يذكر فيه، وإنما ذكر هذا فخر الإسلام البزدوي في شرحه "الجامع الصغير". (البناية)
وأزعجوا: يعني أقلع أهل البغي من المصر. (العناية) وفي ذلك: أي وفيما إذالم يجر أحكامهم. [البناية ٤٣٧/٩]
فإنه يرثه: بالاتفاق؛ لأنه مأمور بقتله، فلا يحرم الميراث به. (فتح القدير) قتله الباغي: أي قتل الباغي العادل.
لا يرث الباغي: أي من العادل المقتول. في الوجهين: أي في الوجه الذي قال: أنا على الحق، وفي
الوجه الذي قال: أنا على الباطل. [العناية ٤٣٩/٥] وأصله: أي وأصل هذا الخلاف. [البناية ٤٣٨/٩]
لا يضمن: لا بالنفس ولا بالمال. إذا قتل العادل: بعد قيام منعتهم وشوكتهم. (فتح القدير) إنه يجب: لأنها نفوس
وأموال معصومة، فتضمن بالإتلاف ظلماً وعدواناً. [فتح القدير ٣٣٩/٥] هذا الخلاف: [بيننا وبين الشافعي]
فلا يجب الضمان عندنا، وعلى قول الشافعي بحلته في القديم يجب. [البناية ٤٣٨/٩] اعتباراً: أي قياساً بما
إذا تلف قبل أن يكون لهم المنعة. [البناية ٤٣٨/٩]

٣٢٩
باب البُغَاة
ولنا: إجماع الصحابة ، رواه الزهري بسلته، ولأنه أتلف عن تأويل فاسد، والفاسد
الباغي
و
منه ملحق بالصحيح، إذا ضُمت إليه المنعة في حق الدفع، كما في منعة أهل الحرب
دفع الضمان
من التأويل
وتأويلهم؛ وهذا لأن الأحكام لابد فيها من الإلزام أو الالتزام، ولا التزامَ لاعتقاد الإباحة
أحكام الشرع
مُ
عن تأويل، ولا إلزامَ لعدم الولاية لوجود المنعة، والولاية باقية قبل المنعة، وعند عدم
على الباغيے
التأويل ثبت الالتزام اعتقاداً بخلاف الإثم؛ لأنه لا منعة في حق الشارع، إذا ثبت هذا
فنقول: قتل العادل الباغي قتل بحق، فلا يمنع الإرث. ولأبي يوسف بحلته في قتل الباغي
٠
العادل: أن التأويل الفاسد إنما يعتبر في حق الدفع، والحاجة ههنا إلى استحقاق الإِرث،
إجماع الصحابة: يعني على أن لا يضمن الباغي، إذا قتل العادل، قلت: روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" في
أواخر القصاص: أخبرنا معمر عن الزهري أن سليمان بن هشام كتب إليه يسأله عن امرأة خرجت من عند
زوجها، وشهدت على قومها بالشرك، ولحقت بالحرورية، فتزوجت ثم رجعت إلى أهلها تائبة فكتب إليه
الزهري: أما بعد: فإن الفتنة الأولى ثارت، وأصحاب رسول الله ◌ُ ◌ّ ممن شهد بدراً كثير، فاجتمع رأيهم
على أن لا يقيموا على أحد حداً في فرج استحلوه بتأويل القرآن، ولا قصاصاً في دم استحلوه بتأويل القرآن
إلا أن يوجد شيء بعينه، فيرد على صاحبه، وإنى أرى أن ترد على زوجها، وأن يحد من افترى عليها.
تأويل فاسد: بيانه: أن الخوارج يستحلون دماء المسلمين بالمعصية، صغيرة كانت أو كبيرة؛ لقوله تعالى:
﴿وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ حَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا﴾ وتأويلهم هذا: وإن كان فاسداً لكن اعتبر في
دفع الضمان؛ لما روي عن الزهري آنفاً. (البناية) أهل الحرب: يعني بعد ما أسلموا. وهذا: أشار به إلى
قوله: والباغي إذا قتل العادل لا يجب الضمان عندنا ويأثم. (البناية) لاعتقاد الإباحة: يعني أن الباغي اعتقد
إباحة أموال العادل بأن العادل عصى الله ورسوله، ولم يعمل بموجب الكتاب. [العناية ٣٤٠/٥]
والولاية إلخ: للإمام جواب عن قولهما: اعتباراً بما قبل المنعة. (البناية) باقية: فيحكم بوجوب الضمان.
بخلاف الإثم: حيث يثبت سواء كانت لهم منعة أو لم تكن. (البناية) فلا يمنع الإرث: لأن حرمان الإرث
جزاء فعل محظور فلا يعطى بمباح. [البناية ٤٣٩/٩] أن التأويل إلخ: حاصل هذا الكلام: أن التأويل الفاسد
يعتبر في حق دفع الضمان لا في حق استحقاق الميراث فيحرم الإرث؛ لأنه قتله بغير حق. [البناية ٤٤٠/٩]

٣٣٠
باب البُغَاة
فلا يكون التأويل معتبراً في حق الإرث. ولهما فيه: أن الحاجة إلى دفع الحرمان أيضاً؛
الفاسد
إذ القرابة سبب الإرث، فيعتبر الفاسدُ فيه إلا أن من شرطه بقاءه على ديانته، فإذا قال:
كنت على الباطل، لم يوجد الدافع، فوجب الضمانُ. قال: ويُكْرَهُ بيعُ السلاح من أهل
الفتنة وفي عساكرهم؛ لأنه إعانة على المعصية، وليس ببيعه بالكوفة من أهل الكوفة
ومن لم يعرف من أهل الفتنة: بأس؛ لأن الغلبة في الأمصار لأهل السلاح، وإنما يكره
بيعُ نفس السلاح لا بيعُ ما لا يقاتل به إلا بصنعة، ألا ترى أنه يكره بيعُ المعازف،
ولا يكره بيعُ الخشب، وعلى هذا الخمر مع العنب.
فيه: أي في قتل الباغي العادل. (العناية) دفع الحرمان أيضاً: كما أن تأويله يعتبر في حق دفع الضمان. (البناية)
من شرطه: أي من شرط الإرث أن يكون مصراً على دعواه، فإذا رجع فقد بطلت ديانته قبل استيفاء
حقه فبطل، وإذا قال: كنت على الباطل انتفى الدافع وهو التأويل الفاسد، فيجب الضمان، فيحرم عن
الميراث. [الكفاية ٣٤٠/٥] على المعصية: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأَثْمِ
وَالْعُدْوَانِ﴾. [البناية ٤٤٠/٩] بالكوفة: تقييده بالكوفة باعتبار أن البغاة خرجوا فيها أولاً، وإلا فالحكم في غيرها
كذلك. (العناية) إلا بصنعة: به, يريد الحديد؛ لأنه إنما يصير سلاحاً بفعل غيره فلا ينسب إليه. [العناية ٣٤٠/٥]
بيع المعازف: لأنه إنما يصير معزفاً بفعل غيره. (العناية) جمع معزف بكسر الميم، وهو ضرب من الطنابير يتخذه
أهل اليمن. (البناية) بيع الخشب: أي الذي يتخذ منه المعازف. [البناية ٤٤٠/٩] وعلى هذا: أي لا يجوز بيع
الخمر، ويجوز بيع العنب، ثم الفرق لأبي حنيفة بالته بين هذه المسألة، وهي كراهة بيع السلاح من أهل الفتنة،
وعدم كراهية بيع العصير ممن يتخذ خمراً، أن المعصية هناك لم يقع بعين العصير، وههنا يقع بعين السلاح،
وقيل: الفرق الصحيح أن الضرر هناك يرجع إلى العامة، وههنا إلى الخاصة، كذا في "الفوائد الظهيرية".

٣٣١
کتاب اللقيط
كتاب اللقيط
اللقيط سمي به باعتبار مآله؛ لما أنه يُلْقَطُ، والالتقاطَ مندوب إليه؛ لما فيه من إحيائه،
وإن غلب على ظنه ضياعه فواجب. قال: اللقيط حر؛ لأن الأصل في بني آدم إنما هو
الحرية، وكذا الدار دار الأحرار، ولأن الحكم للغالب. ونفقته في بيت المال هو المروي
عن عمر وعلي ◌ّما،* ولأنه مسلم عاجز عن التكسب، ولا مالَ له ولا قرابةَ، فأشبه
المقعد الذي لا مال له، ولأن ميراثه لبيت المال، والخراج بالضمان،
كتاب اللقيط: أعقب اللقيط واللقطة الجهاد؛ لما فيه من كون النفوس والأموال تصير عرضة للفوات، وقدم
اللقيط على اللقطة لتعلقه بالنفس، والمتعلق به مقدم على المتعلق بالمال، واللقيط لغة ما يلقط أي يرفع من الأرض،
فعيل بمعنى مفعول سمي به الولد المطروح خوفاً من العيلة، أو من تهمة الزنا به باعتبار مآله إليه.(فتح القدير)
من إحيائه: لأنه على شرف الهلاك. (البناية) اللقيط حر: أي في جميع أحكامه حتى يحد قاذفه، والجناية عليه كالجناية
على الأحرار، ولا يحد قاذف أمه؛ لأنا لا نعلم حريتها. ولا يقام الحد مع احتمال السقوط. [فتح القدير ٣٤٢/٥]
هو الحرية: لأنهم من آدم وحواء، وهما حران، والرق إنما هو لعارض الكفر على ما تقدم، والأصل عدم
العارض. [العناية ٣٤٢/٥] دار الأحرار: فمن كان فيها يكون حراً باعتبار الظاهر. [البناية ٤٤٣/٩]
في بيت المال: أي إذا لم يكن معه مال. (البناية) فأشبه المقعد: والجامع بينهما الإسلام، والعجز عن
الاكتساب، وعدم المال، وعدم من يجب عليه نفقته. [البناية ٤٤٤/٩] لا مال له: فإن نفقته أيضاً في بيت المال.
والخراج بالضمان: أي له غنمه، وعليه غرمه. [العناية ٣٤٣/٥]
* أما الرواية عن عمر، فأخرجها مالك في "الموطأ" في كتاب الأقضية عن ابن شهاب الزهري عن سنين
أبي جميلة - رجل من بني سليم- أنه وجد منبوذاً في زمن عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب،
فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة، فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين
إنه رجل صالح، قال: كذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: اذهب به فهو حر، وعلينا نفقته. [رقم: ٣٠٩،
باب القضاء في المنبوذ] [نصب الراية ٧٠٢/٣]

٣٣٢
كتاب اللقيط
ولهذا كانت جنايتُه فيه، والملتقِطُ متبرع في الإنفاق عليه؛ لعدم الولاية، إلا أن يأمره
القاضي به؛ ليكون ديناً عليه؛ لعموم الولاية. قال: فإن التقطه رجل: لم يكن لغيره أن
القدوري
" بالاتفاق عليه
يأخذ منه؛ لأنه ثبت حقُّ الحفظ له لسبق يده. فإِن ادعى مُدّع أنه ابنُه، فالقول قوله معناه:
إذا لم يَدَّع الملتقطُ نسبه، وهذا استحسان، والقياس: أنْ لا يُقْبَلَ قوله؛ لأنه يتضمن إبطالَ
هذا الفظ القدوري
حق الملتقط. وجه الاستحسان: أنه إقرار للصبي بما ينفعه؛ لأنه يَتَشرف بالنسب، ويُعَيَّرُ
بعدمه، ثم قيل: يصح في حقه دون إبطال يد الملتقط، وقيل: يُبْتنى عليه بطلانُ يده،
ولو ادعاه الملتقط، قيل: يصح قياساً واستحساناً، والأصح أنه على القياس والاستحسان،
ولهذا: أي ولأجل كون الخراج بالضمان. (البناية) لعدم الولاية: أي لعدم ولايته في تقصير حقه، فيكون
متبرعاً. (البناية) ديناً عليه: ولم يقل؛ على أن يكون ديناً عليه، ذكر في مختصر العصام أنه يكون ديناً عليه ويرجع
عليه إذا كبر ذكر في "الكافي": أنه لا يكون ديناً عليه ولا يرجع عليه، وهذا أصح؛ لأن الأمر المطلق محتمل قد
يكون للحث في اتمام ما شرع فيه من التبرع وقد يكون للرجوع، وإنما يزول هذا الاحتمال إذا شرط أن يكون
ديناً عليه، وإن كان مع اللقيط مال أو دابة لم ينفق عليه من ماله إلا بأمر القاضي؛ لأن اللقيط حر وما في يده
فهو له، لظاهر ما ذكره في فتاوى الولوالجي. (النباية) حق الحفظ: كما في سائر المباحات. [البناية ٤٤٥/٩]
فالقول قوله: ويثبت نسبه بمجرد دعواه ولو كان ذمياً. [فتح القدير ٣٤٤/٥] إذا لم يدع إلخ: أما إذا ادعى
الملتقط نسبه، فهو أولى؛ لأنهما استويا في الدعوى، ولأحدهما يد، وصاحب اليد أولى. (البناية) وهذا: أي الذي
ذكره القدوري. (البناية) يتشرف بالنسب: أي بثبوته من الخارج المدعي. في حقه: أي في حق ثبوت النسب
منه. (البناية) يد الملتقط: فلا يخرج اللقيط من يده. بطلان يده: أي يد الملتقط؛ لأن الأب أحق بالولد من
الأجنبي. [البناية ٤٤٦/٩] ولو ادعاه الملتقط: أي ولو ادعى الملتقط نسب اللقيط، وقال: هو ابني بعد ما قال:
إنه لقیط. [العناية ٣٤٤/٥] یصح قياساً إلخ: لأنه ادعی شيئًا في يد نفسه، ولا منازع له أحد.
أنه على القياس إلخ: [أي في القياس: لا يصح، وفي الاستحسان: يصح] وجه القياس: أنه متناقض؛ لأنه
زعم أنه لقيط في يده، وابنه لا يكون لقيطاً. ووجه الاستحسان: أنه يلتزم حفظه ونفقته بهذا الإقرار
والتناقض لا يمنع دعوى النسب، كما إذا أكذب الملاعن نفسه.

٣٣٣
كتاب اللقيط
وقد عرف في "الأصل". وإن ادعاه اثنان، ووصف أحدُهما علامة في جسده: فهو أولى
به؛ لأن الظاهرَ شاهد له؛ لموافقة العلامة كلامَه، وإن لم يصف أحدُهما علامةَ: فهو
"المبسوط"
ابنهما؛ لاستوائهما في السبب، ولو سبقت دعوةُ أحدهما: فهو ابنه؛ لأنه ثبت حقُّه في
زمان لا منازعَ له فيه، إلا إذا أقام الآخرُ البينةَ؛ لأن البينة أقوى. وإذ وُجد في مصر من
الدعوة
أمصار المسلمين، أو في قرية من قراهم، فادعى ذمي أنه ابنُه: ثبت نسبُه منه، وكان
مسلماً، وهذا استحسان؛ لأن دعواه تضمن النسبَ، وهو نافع للصغير، وإبطال الإسلام
الثابت بالدار، وهو يضره، فصحت دعوتُه فيما ينفعه دون ما يضره. وإن وجد في قرية
إبطال الإسلام
النسب
من قرى أهل الذمة، أو في بيعة، أو كنيسة: كان ذميا، وهذا الجواب فيما إذا كان
الواجدُ ذمياً رواية واحدة، وإن كان الواحدُ مسلماً في هذا المكان، أو ذمياً في مكان
المسلمين: اختلفت الرواية فيه، ففي رواية كتاب اللقيط: اعتبر المكان لسبقه، وفي كتاب
في الفصلین
"المبسوط"
الدعوى في بعض النسخ: اعتبر الواجد، وهو رواية ابن سماعة عن محمد مجلته لقوة اليد،
ادعاه اثنان: أي شخصان من خارج. (البناية) في جسده: أي جسد اللقيط مثل ثيابه ونحو ذلك. (البناية)
لموافقة العلامة إلخ: فيجب على الملتقط أن يدفع اللقيط. [البناية ٤٤٧/٩] وإذا وجد إلخ: وقال في
"النهاية": والمسألة في الحاصل على أربعة أوجه: أحدهما: أن يجده مسلم في مكان المسلمين كالمسجد
ونحوه، فيكون محكوماً له بالإِسلام. والثاني: أن يجده كافر في مكان أهل الكفر كالبيعة والكنيسة، فيكون
محكوماً له بالكفر، لا يصلي عليه إذا مات. والثالث: أن يجده كافر في مكان المسلمين، والرابع: أن يجده
مسلم في مكان الكافرين، ففي هذين الفصلين، اختلفت الرواية. [العناية ٣٤٥/٥]
وهذا استحسان: والقياس أن لا يثبت نسبه منه؛ لأن في ثبوت نسبه منه نفي إسلامه الثابت بالدار. (فتح القدير)
دون ما يضره: وليس من ضرورة ثبوت النسب من الكافر الكفر؛ لجواز مسلم هو ابن كافر بأن أسلمت
أمه. [فتح القدير ٣٤٥/٥] وهذا: أي كونه ذمياً، أي الذي ذكره القدوري. هذا المكان: يعني في البيعة
أو الكنيسة. (البناية) بعض النسخ: أي بعض نسخ الدعوى من "المبسوط". [البناية ٤٥٠/٩]

٣٣٤
كتاب اللقيط
ألا ترى أن تبعية الأبوين فوق تبعية الدار، حتى إذا سُبِيَ مع الصغير أحدُهما يعتبر كافراً،
لإ يصلي عليه
وفي بعض نسخه: اعتبر الإسلام؛ نظراً للصغير. ومن ادعى أن اللقيطَ عبدُه: لم يُقْبَلْ منه؛
بمجرد قوله
لفظ القدوري
لأنه حر ظاهراً إلا أن يقيم البينةَ أنه عبده، فإن ادعى عبد أنه ابنه: ثبت نسبه منه؛ لأنه
لفظ القدوري
ينفعه، وكان حراً؛ لأن المملوك قد تَلدُ له الحرةُ، فلا تبطل الحريةُ الظاهرية بالشك. والحرّ
في دعوته اللقيط أولى من العبد، والمسلمُ أولى من الذمي؛ ترجيحا لما هو الأنظر في حقه.
وإن وُجدَ مع اللقيط مال مشدود عليه: فهو له؛ اعتبارا للظاهر، وكذا إذا كان مشدوداً
على دابة، وهو عليها؛ لما ذكرنا، ثم يصرفه الواجدُ إليه بأمر القاضي؛ لأنه مال ضائع،
وللقاضي ولاية صرف مثله إليه، وقيل: يصرفه بغير أمر القاضي؛ لأنه للقيط ظاهراً.
وبهذا قال أحمد
لمال
الإسلام: لأن الإسلام نافع، والكفر ضار له. إلا أن يقيم البينة: لا يقال: هذه البينة ليست على خصم،
فلا تقبل؛ لأن الملتقط خصم؛ لأنه أحق بثبوت يده عليه، فلا تزول إلا ببينة هنا، وإنما قلنا هنا كيلا ينقض بما إذا
ادعى خارج نسبه، فإن يده تزول بلا بينة على الأوجه. والفرق أن يده اعتبرت لمنفعة الولد، وفي دعوى النسب
منفعة تفوق المنفعة التي أوجبت اعتبار يد الملتقط، فتزال لحصول ما يفوق المقصود من اعتبارها، وهنا ليس
دعوى العبدية كذلك، بل هو مما يضره لتبديل صفة المالكية بالمملوكية، فلا تزال بالبينة. [فتح القدير ٣٤٦/٥]
لأن المملوك إلخ: حاصل الكلام: أن المملوك قد تلد له الحرة، فلا يكون عبداً، وقد تلد له الأمة؛ فيكون
عبداً، والظاهر في بني آدم الحرية، فلا يبطل بالشك. [البناية ٤٥٢/٩] أولى من العبد: أي إذا ادعى اللقيط
الحر والعبد، وهما خارجان. [العناية ٣٤٦/٥] اعتباراً للظاهر: أي لظاهر يده؛ لكونه من أهل الملك
لكونه حراً. [البناية ٤٥٣/٩] لما ذكرنا: إشارة إلى قوله: اعتباراً للظاهر فإن قيل: الظاهر يكفي للدفع،
لا للاستحقاق، فلو ثبت الملك للقيط بهذا الظاهر، كان الظاهر مثبتا للاستحقاق، وليس له ذلك قلنا:
بهذا الظاهر يدفع دعوى الغير، ثم الظاهر أن تكون الأملاك في يد الملاك. [الكفاية ٣٤٧/٥]
بأمر القاضي: لعموم ولاية القاضي؛ لأنه نصب قاضيا لأمور المسلمين هو ظاهر الرواية. (البناية)
لأنه مال ضائع: أي لا حافظ له، ومالكه وإن كان معه، فلا قدرة له على الحفظ، وللقاضي ولاية صرف
مثله إليه. [فتح القدير ٣٤٧/٥]

٣٣٥
كتاب اللقيط
وله ولاية الإنفاق وشراء ما لأبدَّ له منه كالطعام والكسوة؛ لأنه من الإنفاق، ولا يجوز
تزويجُ الملتقط؛ لانعدام سبب الولاية من القرابة والملك والسلطنة. قال: ولا تصرَّفه في مال
بالبيع والشراء
الملتقَط؛ اعتباراً بالأم؛ وهذا لأن ولاية التصرف لتثمير المال، وذلك يتحقق بالرأي الكامل،
والشفقة الوافرة، والموجودُ في كل واحد منهما أحدهما. قال: ويجوز أن يَقْض له الهبةَ؟
الملتقط والأم
لأنه نفع محض، ولهذا يملكه الصغير بنفسه إذا كان عاقلاً، وتملكه الأمُّ ووصُّها. قالٍ:
بغير إذن المولى
ويُسْلمه في صناعة؛ لأنه من باب تثقيفه وحفظ حاله، قال: ويؤاجره، قال العبد الضعيف:
القدوري
وهذا رواية القدوري في "مختصره"، وفي "الجامع الصغير": لا يجوز أن يؤاجره، ذكره في
الكراهية، وهو الأصح. وجه الأول: أنه يرجع إلى تثقيفه، ووجه الثاني: أنه لا يملك إتلافَ
منافعه، فأشبه العمَّ، بخلاف الأم؛ لأنها تملكه على ما نذكره في الكراهية إن شاء الله تعالى.
اعتباراً بالأم: فإنها لا يجوز لها ذلك مع أنها تملك من التصرفات ما لا يملكه الملتقط كالتزويج عند عدم العصبة فعدم
ملكه لذلك أولى.(فتح القدير) وهذا: أي عدم تصرف كل من الأم والملتقط بالبيع ونحوه. [فتح القدير ٣٤٧/٥]
أحدهما: لأن للملتقط رأياً كاملاً، ولا شفقة له، وللأم شفقة كاملة، ولا رأي لها. (العناية) باب تثقيفه: التثقيف تقويم
المعوج بالثقاف، وهو ما يسوى به الرماح، ويستعار للتأديب والتهذيب. [العناية ٣٤٨/٥]
يؤاجره: هذا اللفظ ليس على قانون اللغة، وإنما هو على اصطلاح الفقهاء. فأشبه العم: أي كما لا يجوز
للعم إتلاف منافع. الصغير، فكذلك لا يجوز للملتقط. (البناية) في الكراهية: أي في آخر كتاب الكراهية في
مسائل متفرقة. [البناية ٤٥٥/٩]

٣٣٦
كتاب اللُّقطة
كتاب اللقطة
قال: اللقطة أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها؛ ليحفظها، ويردها على صاحبها؛
القدوري
لأن الأخذ على هذا الوجه مأذون فيه شرعاً، بل هو الأفضل عند عامة العلماء)،
وهو الواجب إذا خاف الضياعَ على ما قالوا، وإذا كان كذلك لا تكون مضمونة
عليه، وكذلك إذا تصادقا أنه أخذها للمالك؛ لأن تصادقهما حُجَّة في حقهما،
المشايخ
فصار كالبينة. ولو أقر أنه أخذه لنفسه: يضمن بالإجماع؛ لأنه أخذ مال غيره بغير
إذنه، وبغير إذن الشرع، وإن لم يشهد الشهود عليه، وقال الآخذ: أخذته للمالك،
عند الالتقاط
وكذبه المالك: يضمن عند أبي حنيفة ومحمد بحمًّا.
كتاب اللقطة: هي فعلة بفتح العين. وصف مبالغة للفاعل كهمزة ولمزة وضحكة لكثير الهمز وغيره،
وبسكونها للمفعول كضحكة وهزأة للذي يضحك منه، ويهزأبه وإنما قيل للمال: لقطة بالفتح؛ لأن طباع
النفوس في الغالب تبادر إلى التقاطه؛ لأنه مال، فصار المال باعتبار أنه داع إلى أخذه، بمعنى فيه نفسه كأنه
الكثير الالتقاط مجازاً، وإلا فحقيقيته الملتقط الكثير الالتقاط، وما عن الأصمعي وابن الأعرابي: أنه بفتح
القاف اسم للمال، فمحمول على هذا يعني يطلق على المال أيضاً. [فتح القدير ٣٤٨/٥-٣٤٩]
هذا الوجه: أي وجه الإشهاد عند الأخذ. (البناية) شرعاً: لقوله ◌ُّ: من أصاب لقطة فليشهد ذا عدل،
رواه اسحاق بن راهويه في "مسنده". [البناية ٤٥٨/٩] هو الأفضل: احتراز عن قول من يقول: إنه أخذ
مال الغير إذن صاحبه، وذلك حرام شرعاً، وعن قول من يقول: أخذه جائز، وتركه أفضل. (العناية)
الضياع: أي ضياع اللقطة بتركها. مضمومنة عليه: لأنه لم يأخذ لنفسه. [العناية ٣٤٩/٥]
إذا تصادقا: أي المالك والملتقط. (البناية) فصار كالبينة: يعني أن البينة إذا وجدت عند الأخذ لا يجب
الضمان، فكذا إذا وجد التصادق. (البناية) ولو أقر: ذكر هذا تفريعاً لمسألة القدوري. (البناية)
بالإجماع: إنما قيد بالإجماع احترازاً عن الضمان الذي يلزم عند عدم الإشهاد عند أبي حنيفة محله؛ لأن فيه
خلاف أبي يوسف بحثه. [البناية ٤٥٩/٩] وكذبه المالك: أي قال: إنك أخذته لنفسه. [البناية ٤٦٠/٩]

٣٣٧
كتاب اللُّقطة
وقال أبويوسف بحثه: لا يضمن، والقول قوله؛ لأن الظاهر شاهد له لاختياره الحسبة
دون المعصية. وهما: أنه أقر بسبب الضمان، وهو أخذُ مال الغير، وادعى ما يبرئه، وهو
بغير إذنه
الأخذ لمالكه، وفيه وقع الشك، فلا يبرأ، وما ذكر من الظاهر يعارضه مثله؛ لأن الظاهر
أن يكون المتصرفُ عاملاً لنفسه، ويكفيه في الإشهاد أن يقول: من سمعتموه ينشد لقطة،
ء
ینادي
الملتقط
فدلُّوه عليَّ واحدةً كانت اللقطةُ، أو أكثر؛ لأنه اسم جنس. قال: فإن كانت أقلّ من
عشرة دراهمَ: عَرَّفها أياماً، وإن كانت عشرةً فصاعداً: عرفها حَوْلاً. قال العبد الضعيف:
وهذه رواية عن أبي حنيفة سله، وقوله: "أياماً" معناه: على حسب ما يرى،
لا يضمن: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد هلك. (البناية) والقول قوله: فلأن صاحبها يدعي عليه سبب الضمان،
ووجوب القيمة في ذمته، وهو ينكره، والقول قول المنكر مع يمينه، كما لو ادعى عليه الغصب. [العناية ٣٥٠/٥]
لاختياره الحسبة: [والحسبة من الاحتساب كالعدة من الاعتداد] لأن فعل المسلم محمول على ما يحل له
شرعاً، الذي يحل له شرعاً الأخذ للرد، لا لنفسه. [العناية ٣٥٠/٥] ولهما إلخ: وذكر في "فتاوى قاضي
خان حوله": هذا الاختلاف في الإشهاد فيما إذا أمكنه أن يشهد، أما إذا لم يجد أحدا يشهد عند الرفع،
أو خاف أنه لو أشهد عند الرفع يأخذ منه الظالم، فبترك الإشهاد لا يكون ضامناً. [الكفاية ٣٤٩/٥ -٣٥٠]
وفيه وقع الشك: وهو أنه يحتمل أنه أخذه لنفسه فيضمن، ويحتمل أنه أخذ لمالك، فلا يضمن، فلا يبرأ
عن الضمان. (البناية) يعارضه مثله: وهو قوله: لأن الظاهر شاهد له. [البناية ٤٦١/٩]
واحدة كانت إلخ: يعني سواء كانت اللقطة من جنسٍ واحد، أو من أجناس مختلفة كالذهب والفضة
والثوب؛ لأن اللقطة اسم جنس فيتناول الكل. [الكفاية ٣٥٠/٥] عن أبي حنيفة بحثه: يشير إلى أنها ليست
ظاهر الرواية، فإن الطحاوي بدله قال: وإذا التقط لقطة، يعرفها سنة سواء كان الشيء نفيساً أو خسيساً
في ظاهر الرواية. [العناية ٣٥١/٥] معناه إلخ: وعن أبي حنيفة بدله في رواية أخرى: وإن كانت مائتي
درهم فصاعداً يعرفها حولاً، وإن كانت عشرة فصاعداً يعرفها شهراً، وإن كانت ثلاثة فصاعداً يعرفها
عشرة أيام، وإن كانت درهماً فصاعداً يعرفها ثلاثة أيام، وإن كانت دانقاً فصاعداً يعرفها يوماً، وإن كانت
دون دائق ينظر يمنة ويسرة، ثم يضعه في كف فقير. وقال شمس الأئمة السرخسي: وشيء من هذا ليس
بتقدير لازم، بل يعرف القليل بقدر ما يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك. [البناية ٤٦٢/٩]

٣٣٨
كتاب اللُّقطة
وقَدَّره محمد بطلبه في "الأصل" بالحَوْل عن غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو قول
"المبسوط"
مالك والشافعي بحثًا؛ لقوله عليها: "من التقط شيئًا فليُعَرِّفْه سنةً"* من غير فصل. وجه
الأول: أن التقدير بالحول ورد في لُقْطَةٍ كانت مائة دينار تساوي ألف درهم، والعشرة
وما فوقها في معنى الألف في تعلَّقِ القطع به في السرقة، وتعلق استحلال الفرج به،
وليست في معناها في حق تعلق الزكاة، فأوجبنا التعريفَ بالحول احتياطاً، وما دون
العشرة ليس في معنى الألف بوجه ما، ففوضنا إلى رأي المبتلى به. وقيل: الصحيح أن
شيئًا من هذه المقادير ليس بلازم، ويُفَوَّضُ إلى رأي الملتقط يُعَرِّفُها إلى أن يغلب على
ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، ثم يتصدق به، وإن كانت اللقطة شيئًا لا يبقى،
عرّفه حتى إذا خاف أن يفسد تصدق به، وينبغي أن يعرفها في الموضع الذي أصابها
وفي الجامع؛ فإن ذلك أقربُ إلى الوصول إلى صاحبها،
فليعرفه: واعلم أن ظاهر الأمر بتعريفها سنة يقتضي تكرار التعريف عرفاً وعادة، وإن كان ظرفية السنة
للتعريف يصدق بوقوعه مرة واحدة، لكن يجب حمله على المعتاد من أنه يفعله وقتاً بعد وقت، ويكرر ذلك
كلما وجد مظنة، وما قدمنا من قول الولوالجي مما يفيد الاكتفاء بالمرة الواحدة هو في دفع الضمان
عنه، أما الواجب فأن يذكرها مرة بعد أخرى. [فتح القدير ٣٥٢/٥] في السرقة: لأن اليد تقطع بالعشرة
كما تقطع بما فوقها. [البناية ٤٦٤/٩] استحلال الفرج به: فإن تقدير المهر بالعشرة فصاعداً.
تعلق الزكاة: فإن الزكاة لا تجب في العشرة. بوجه ما: لا في السرقة، ولا في النكاح، ولا في غيرهما.
ليس بلازم: وهذا ذكره شمس الأئمة واختاره. (فتح القدير) وفي الجامع: يعني الأسواق وأبواب
المساجد. [فتح القدير ٣٥١/٥]
* فيه أحاديث. [نصب الراية ٤٦٦/٣] منها: ما أخرجه الدار قطني في "سنته" عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ◌ّ وسئل عن اللقطة، فقال: لا تحل اللقطة، من التقط شيئًا فليعرفه سنة، فإن جاءه صاحبها فليردها
إليه، وإن لم يأت صاحبها فليتصدق بها، وإن جاءه فليخيره بين الآخر وبين الذي له. [٩٠/٤، كتاب الرضاع]

٣٣٩
كتاب اللُّقْطة
وإن كانت شيئًا يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان: يكون إلقاؤه
إباحة، حتى جاز الانتفاعُ به من غير تعريف، ولكنه مبقي على ملك مالكه؛ لأن
التمليك من المجهول لا يصح. قال: فإن جاء صاحبُها، وإلا تصدق بها؛ إيصالاً للحق
إلى المستحق، وهو واجب بقدر الإمكان، وذلك بإيصال عَيْنها عند الظفر بصاحبها،
- عين اللقطة
٠٥
وإيصال العوض، وهو الثواب على اعتبار إجازته التصدقَ بها، وإن شاء أمسكها رجاءَ
الظفر بصاحبها. قال: فإن جاء صاحبُها يعني: بعد ما تصدق بها، فهو بالخيار: إن شاء
أمضى الصدقة، وله ثوابُها؛ لأن التصدق - وإن حصل بإذن الشرع - لم يحصل بإذنه،
فيتوقف على إجازته، والملك يثبت للفقير قبل الإجازة، فلا يتوقف على قيام المحل،
بخلاف بيع الفضولي لثبوته بعد الإجازة فيه، وإن شاء ضمّن الملتقط؛
بيع الفضولي
كالنواة إلخ: يعني إذا كان في مواضع مختلفة، فجمعها وصار بحكم الكثرة، لها قيمة، فإنه يجوز له الانتفاع بها؛
لأن القيمة ظهرت بالاجتماع، والاجتماع حصل بصنعه، ولكنه لا يملكها حتى إن صاحبها إذا وجدها في يده
بعد ما جمعها جاز أن يأخذها؛ لأن الإلقاء متفرقاً دليل على الإذن، لا على التمليك. [العناية ٣٥٢/٥]
فإن جاء إلخ: يعني إن جاء صاحب اللقطة بعد التعريف، جزاؤه محذوف تقديره: دفعها إليه. [البناية ٤٦٦/٩]
وإلا تصدق بها: [أي إن لم يجئ مالكها] أو أكلها إن كان فقيراً، أو استقرضها بإذن الإمام، ويتملكها
إن شاء، وإن شاء أمسكها أبداً، حتى يجيء صاحبها، وإذا خشي الموت يوصي بها كيلا تدخل في
المواريث. [فتح القدير ٣٥٢/٥] وهو واجب: للخروج عن العهدة. إجازته: [أي إجازة صاحب اللقطة]
إنما قيد بإجازة صاحب اللقطة؛ لأنه إذا لم يجز التصدق لا يكون الثواب له. [البناية ٤٦٦/٩]
والملك يثبت إلخ: هذا جواب عن سؤال تقديره، مقدّر: أن يقال: لما توقف التصدق على إجازته، فينبغي
أن يشترط وجود المحل عند الإِجازة، لكن لا يشترط حتى إذا هلك المال في يد الفقير، ثم أجاز المالك،
جاز. وتقدير الجواب: أن الملك ثبت للفقير قبل الإجازة؛ لأن الملتقط لما أذن له الشرع في التصدق ملكه
الفقير؛ لأن الصدقة من أسباب الملك، فلا يتوقف أي ثبوت الملك على قيام المحل. [البناية ٤٦٧/٩]
بخلاف بيع الفضولي إلخ: أي الملك يثبت فيه بعد ثبوت الإجازة، فلابد من قيام المحل وقت الإجازة.