النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
باب ما يُحْدِثُ السارق في السرقة
ثم وجوبُ الحد لا يشكل على قوله؛ لأنه لم يملكه، وقيل على قولهما: لا يجب؛
لأنه ملكه قبل القطع، وقيل: يجب؛ لأنه صار بالصنعة شيئًا آخر، فلم يملك عينه. فإن
سرق ثوباً، فصبغه أحمرَ: قُطِعَ، ولم يؤخذ منه الثوبُ، ولم يضمن قيمةً الثوب، وهذا عند
أبي حنيفة وأبي يوسف دعمًا. وقال محمد بدله: يؤخذ منه الثوبُ، ويعطى ما زاد الصبغُ
فيه؛ اعتباراً بالغصب، والجامع بينهما كون الثوب أصلاً قائماً، وكونُ الصيغ تابعاً. ولهما:
أن الصبغ قائم صورةً ومعنى، حتى لو أراد أخذه مصبوغاً يضمن ما زاد الصبغُ فيه،
وحقُّ المالك في الثوب قائم صورةً لا معنى، ألا ترى أنه غيرُ مضمون على السارق بالهلاك،
لأنه: أي السارق لا يملك المسروق بجعله دراهم أو دنانير، فيجب القطع لا محالة. لأنه ملكه: أي يجعله دراهم
أو دنانير؛ لأن هذه الصنعة عندهما تبديل. شيئًا آخر: بل إنما ملك المضروب. فلم يملك عينه: أي عين المسروق،
وفي بعض النسخ عينهما أي عين الذهب والفضة، وإنما ملك شيئًا غيرهما، فإن الأعيان تتبدل بتبدل الصفات،
أصله حديث بريرة. (العناية) فصبغه أحمر: قال صاحب "النهاية": صورة المسألة: سرق ثوباً، فقطع فيه، ثم
صبغه أحمر إلخ، فإن لفظ رواية: "الجامع الصغير": محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ك في السارق يسرق
الثوب، فتقطع يده وقد صبغ الثوب أحمر، قال: ليس لصاحبه عليه سبيل، ولا ضمان على السارق، وهذا كما
ترى ليس فيه ما يدل على قوله: ثم صبغه؛ لأن الواو للحال، وهي لا تدل على التعقيب. [العناية ١٧٥/٥]
اعتباراً بالغصب: يعني أن محمداً قاس هذه المسألة على مسألة الغصب، فإنه لو غصب رجل ثوب إنسان،
فصبغه أحمر يؤخذ منه الثوب، ويعطى ما زاد الصبغ فيه، والعلة المشتركة بين المقيس والمقيس عليه أن
الثوب أصل، والصبغ وصف قائم به تابع، فلا يفوت الأصل بالوصف. صورة ومعنى: أما صورة: فظاهر،
فإن الحمرة فيه محسوسة. وأما معنى: فلأن المسروق منه لو أخذ الثوب مصبوغاً ضمن الصبغ. (العناية)
حتى لو أراد: أي المالك أخذ الثوب حال كونه مصبوغاً يضمن ما زاد الصبغ فيه. [البناية ١٩٤/٩]
قائم صورة: لتمكنه من الاسترداد. (العناية) ألا ترى: بيان لقوله: لا معنى.

١٨١
باب ما يُحْدِثُ السارق في السرقة
فرجحنا جانب السارق، بخلاف الغصب؛ لأن حقَّ كلّ واحد منهما قائم صورة
ومعنى فاستويا من هذا الوجه، فرجحنا جانب المالك بما ذكرنا. وإن صبغه أسودَ:
أُخذَ منه في المذهبين يعني عند أبي حنيفة ومحمد مهمًّا وعند أبي يوسف له: هذا
والأول سواء؛ لأن السواد زيادة عنده كالحمرة، وعند محمد عبدالله زيادة أيضاً
كالحمرة، ولكنه لا يقطع حقَّ المالك، وعند أبي حنيفة مدلّه السواد نقصان فلا يوجب
انقطاعَ حقِّ المالك.
جانب السارق: لأن مراعاة ما هو قائم صورة ومعنى أولى من مراعاة ما هو قائم صورة لا معنى،
فرجحنا قول السارق أولاً بالوجود كالموهوب له إذا صبغ الثوب أحمر ينقطع حق الواهب. [البناية ٩٤/٩]
لأن حق إلخ: فإن الصبغ والثوب موجودان صورة ومعنى. (النهاية) حق المالك: فلم يكن حق السارق
فيه قائماً معنى فاستويا، فرجح جانب المالك كما قلنا. [البناية ٩٥/٩]

١٨٢
باب قطع الطريق
باب قطع الطريق
قال: وإذا خرج جماعة ممتنعين، أو واحدٌ يقدر على الامتناع، فقصدوا قطع
القدوري
الطريق، فأخذوا قبل أن يأخذوا مالاً ويقتلوا نفساً: حبسهم الإمامُ، حتى يُحْدثُوا
توبةً، وإن أخذوا مالَ مسلمٍ، أو ذميِّ، والمأخوذُ إذ قُسِّمَ على جماعتهم أصاب كلّ
واحد منهم عشرةَ دراهم فصاعداً، أو ما تبلغ قيمته ذلك: قطع الإمام أيديهم
وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً: قتلهم الإِمامُ حدًّا.
قطع الطريق: قدم السرقة الصغرى على الكبرى؛ لأن الترقي يكون من الأصغر إلى الأكبر، ولأن الصغرى
أكثر نوعاً من الكبرى، وأما كون قطع الطريق سرقة؛ فلأن قاطع الطريق يأخذ المال خفية من عين الإِمام
الذي عليه حفظ الطريق والمارة بشوكته ومنفعته، وأما كونه الكبرى؛ فلأن ضرره يعم عامة المسلمين بحيث
ينقطع عليهم الطريق بزوال الأمن، ولأن موجبه أغلظ من حيث قطع اليد والرجل من خلاف، ومن حيث
القتل والصلب. واعلم أن لقطع الطريق شرائط: الأول: أن يكون لهم شوكة وقوة بحيث لا يمكن للمارة
المقاومة معهم، وقطعوا الطريق سواء كانت بالسلاح، أو بالعصا الكبير، أو الحجر، وغيرها.
والثاني: أن يكون خارج المصر بعيداً عنه، وفي "شرح الطحاوي" أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر.
والثالث: أن يكون في دار الإسلام. والرابع: أن يكون المأخوذ قدر النصاب، وبه قال الشافعي وأحمد بحثًا،
وقال مالك ملكه وأبوثور وابن المنذر : لا يعتبر النصاب لعموم الآية. والخامس: أن يكون القطاع كلهم
أجانب في حق أصحاب الأموال، حتى إذا كان فيهم ذا رحم محرم، أو صباً، أو مجنوناً لا يجب عليهم القطع،
خلافاً لأبي يوسف مدالته. والسادس: إذا أخذوا قبل التوبة، حتى إذا أخذوا بعد التوبة، سقط عنهم الحد
لا خلاف فيه. (البناية) جماعة: أطلق اسم الجماعة ليتناول المسلم والذمي والحر والعبد. [البناية ٩٦/٩]
حبسهم الإِمام: وهو المراد بالنفي المذكور في قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ... الآية﴾. [البناية ٩٦/٩]
قطع الإمام إلخ: جواب قوله: وإن أخذوا مال مسلم. (البناية) من خلاف: يقطع اليمين من الأيدي،
واليسار من الأرجل. [البناية ٩٦/٩] حداً: أي لا يسقط القتل بعفو الأولياء. [العناية ١٧٧/٥]

١٨٣
باب قطع الطريق
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، والمراد منه
- والله أعلم - التوزيع على الأحوال، وهي أربعة: هذه الثلاثة المذكورة، والرابعة
نذكرها إن شاء الله تعالى، ولأن الجنايات تتفاوت على الأحوال فاللائقُ تغلّظُ
الحكم بتغلظها. أما الحبس في الأولى: فلأنه المراد بالنفي المذكور؛ لأنه نفي عن وجه
الأرض بدفع شَرِّهم عن أهلها، ويعزرون أيضاً لمباشرتهم منكراً لإخافة، وشَرَطَ
أي القدوري
القدرة على الامتناع؛ لأن المحاربة لا تتحقق إلا بالمنعة. والحالة الثانية؛ كما بيناها
لما تلوناه. وشَرَطَ أن يكون المأخوذُ مالَ مسلمٍ أو ذمي؛ لتكون العصمةُ مؤبدة،
القدوري
الآية المذكورة.
والأصل فيه: أي في حد قطاع الطريق. (البناية) والمراد منه: فيه إشارة إلى نفي مذهب مالك سلكه: أن
الإمام مخير بين هذه الأشياء؛ نظراً إلى ظاهر كلمة أو. (العناية) هذه الثلاثة: يعني قوله: فأخذوا قبل أن
يأخذوا مالاً ويقتلوا نفساً، وقوله: وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي، وقوله: وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً. (العناية)
والرابعة: من القتل وأخذ المال. [العناية ١٧٨/٥] فاللائق تغلظ إلخ: لا التخيير؛ لأنه مستلزم مقابلة
الجناية الغليظة بجزاء خفيف، أو بالعكس، وهو مقتضى الحكمة. [البناية ٩٩/٩]
المراد إلخ: فعلم أن المراد نفيه عن جميع وجه الأرض لدفع شره ولا يمكن هذا إلا بالحبس؛ لأن المحبوس يسمى
خارجاً من الدنيا. [البناية ١٠٠/٩] منكراً لإخافة: مصدر من أخاف يخيف. (البناية)، التعزير إنما يجب في
جناية ليس فيها حد، وقد جعل الحبس جزاء للإخافة، فلا وجه لإيجاب التعزير معه. وما قال في الحاشية: إن
الحبس جزاء المحاربة، وهو حق الله تعالى، والتعزير جزاء الإخافة، ففيه نظر؛ لأنهم إذا خرجوا ولم يأخذوا مالاً،
ولم يقتلوا نفساً، فليست إلا الإِخافة على ما نص عليه الإمام فخر الإسلام إلا أن يقال: لما وجد ههنا جنايتان:
الخروج مع قصد قطع الطريق، والإِخافة، وشرع الحبس جعلناه لأحدهما، وأوجبنا التعزير للآخر.
إلا بالمنعة: لأنه إذا لم يكن لهم منعة وقوة على قطع الطريق لا يسمون قطاع الطريق، بل لهم لصوص دائرون
يترقبون الغفلة عن الناس ليأخذوا أشياء. (البناية) والحالة الثانية: أي إذا أخذوا المال ولم يقتلوا. (النهاية)
كما بيناها: أي كما بينا حكمها من قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. (البناية) العصمة مؤبدة: وليس تأييد
العصمة إلا في مال المسلم أو الذمي. [البناية ١٠٠/٩]

١٨٤
باب قطع الطريق
ولهذا لو قطع الطريقَ على المستأمن لا يجب القطعُ، وشَرَط كمال النصاب في حق
القدوري
عشرة دراهم"
كل واحد كيلا يُسْتباح طَرَفُه إلا بتناوله ما له خطر، والمراد قطع اليد اليمنى والرجل
اليسرى، كيلا يؤدي إلى تفويت جنس المنفعة، والحالة الثالثة، كما بيناها؛ لما تلوناه.
الآية الكريمة
ويُقْتُلُون حدًّا حتى لو عفا الأولياءُ عنهم لا يُلْتَفَتُ إلى عفوهم؛ لأنه حقُّ الشرع،
والرابعة إذا قتلوا وأخذوا المال، فالإِمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من
خلاف، وقَتَلَهم وصلبهم، وإن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم. وقال محمد واله:
يَقْتُلُ أو يَصْلُبُ، ولا يقطع؛ لأنه جنایة واحدة، فلا توجب حدّین، ولأن ما دون النفس
قطع الطريق
ولهذا: أي لكون الشرط في المال المأخوذ أن يكون من المسلم أو الذمي. (البناية) كمال النصاب إلخ: وقال الحسن
ابن زياد: الشرط أن يكون نصيب كل واحد منهم عشرون درهماً فصاعداً؛ لأن التقدير بالعشرة في
موضع، كان المستحق بأخذها عضواً واحداً، وههنا المستحق عضوان، ولا يقطع عضوان في السرقة إلا في
عشرين درهماً، وقلنا: تغلظ الحد ههنا باعتبار تغلظ فعلهم باعتبار المحاربة، وقطع الطريق. [العناية ١٧٩/٥]
طرفه: أي طرف قاطع الطريق. [البناية ١٠٠/٩]
كيلا يؤدي إلخ: كأنه دليل على القطع من خلاف، لا على تعيين اليد اليمنى والرجل اليسرى، فإنه بدليل آخر.
جنس المنفعة: ولهذا إذا كانت يده اليمنى شلاء، أو مقطوعة لا تقطع يده اليسرى؛ لأن فيه تفويت جنس
المنفعة. [البناية ١٠١/٩] والحالة الثالثة: أي إذا قتلوا ولم يأخذوا المال. (البناية)
إلى عفوهم: وعليه أجمع أهل العلم. (البناية) فالإمام بالخيار: حاصله: أن الإمام بالخيار في جمع العقوبتين
بين قطع الأيدي والأرجل مع القتل أو الصلب، وبين القتل، أو الصلب ابتداء من غير قطع الأيدي
والأرجل، وكذلك للإمام الخيار عند اختيار ترك قطع الأيدي والأرجل بين القتل، أو الصلب، وكان
الخيار للإمام في موضعين وهذا قول أبي حنيفة مثله، وذكر في الكتاب قول أبي يوسف بحثهه معه، وقال
محمد: يقتل أو يصلب ولا يقطع وذكر في عامة الروايات قول أبي يوسف معه. [العناية ١٧٩/٥]
ما دون النفس: فلا حاجة إلى قطع الطرق.

١٨٥
باب قطع الطريق
يدخل في النفس في باب الحد كحد السرقة والرجم. ولهما: أن هذه عقوبة واحدة
تغلظت لتغلظ سببها، وهو تفويت الأمن على التناهي بالقتل وأخذ المال، ولهذا كان
قطعُ اليد والرجل معاً في الكبرى حدًّاً واحداً، وإن كان في الصغرى حدّيْن، والتداخل
على النهاية
قطع الطريق
في الحدود، لا في حد واحد، ثم ذکر في الکتاب التخییر بین الصلب وتر که، وهو ظاهر
أي القدوري
الرواية. وعن أبي يوسف الله أنه لا يتركه؛ لأنه منصوص عليه، والمقصود التشهيرُ؛
ءُ
ليعتبر به غيره، ونحن نقول: أصل التشهير بالقتل، والمبالغة بالصلب، فيخير فيه. ثم قال:
من جانب الإمام
القدوري
ويُصْلَبُ حياً، ويُيْعَجُ بطنه برمح إلى أن يموت، ومثله عن الكرخي بله. وعن
الطحاوي بسله: أنه يقتل، ثم يصلب؛ توقياً عن المثلة، وجه الأول: وهو الأصح أن
احترازا عنها
الصلب على هذا الوجه أبلغ في الردع، وهو المقصود به. قال: ولا يُصْلَبُ أكثرَ من ثلاثة
أيام؛ لأنه يتغير بعدها، فيتأذى الناسُ به، وعن أبي يوسف اليه: أنه يترك على خشبة
حتى يتقطع ويسقط ليعتبر به غيرُه، قلنا: حصل الاعتبارُ بما ذكرناه، والنهاية غير
مطلوبة. قال: وإذا قُتِلَ القاطعُ، فلا ضمانَ عليه في مال أخذه؛ اعتباراً بالسرقة الصغرى،
وقد بيناه. فإن باشر القتلَ أحدُهم: أُجْرِيَ الحدُّ عليهم بأجمعهم؛ لأنه جزاءُ المحاربة،
كحد السرقة والرجم: فإن السارق إذا زنى وهو محصن فإنه يرجم لا غير؛ لأن القتل يأتي على ذلك
كله. [العناية ١٧٩/٥] واحدة: من حيث إنها قطع الطريق. (البناية) ولهذا: أي لكونها عقوبة واحدة. (البناية)
حد واحد: ألا ترى أن الجلدات في الزنا لا تتداخل. [العناية ١٨٠/٥] تركه: وهو قوله: وإن شاء قتلهم، وإن
شاء صلبهم وهو ظاهر الرواية. (البناية) منصوص عليه: وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَبُوْ﴾. [البناية ١٠٢/٩]
ويبعج: البعج: الشق من حد منع. (العناية) ثلاثة أيام: وبه قال الشافعي بحثه في الأصح.
بما ذكرناه: أي بالصلب ثلاثة أيام. (البناية) غير مطلوبة: بل المطلوب نفس الزجر. وقد بيناه: في السرقة الصغرى.

١٨٦
باب قطع الطريق
وهي تتحقق بأن يكون البعضُ ردءاً للبعض، حتى إذا زلَّت أقدامُهم، انحازوا إليهم، وإنما
الشرط القتلُ من واحد منهم، وقد تحقق. قال: والقتل وإن كان بعضاً، أو بحجر، أو بسيف:
فهو سواء؛ لأنه يقع قطعاً للطريق بقطع المارة، وإن لم يقتل القاطعُ، ولم يأخذ مالاً،
وقد جَرَحَ: اقْتُصَّ منه فيما فيه القصاصُ، وأُخِذَ الأرشُ منه مما فيه الأرشُ، وذلك إلى
الأولياء؛ لأنه لا حَدَّ في هذه الجناية، فظهر حقُّ العبد، وهو ما ذكرناه، فيستوفيه الولي. وإن
أخذ مالاً، ثم جَرَحَ: قُطِعَتْ يدُه ورجلهِ، وبطلت الجراحاتُ؛ لأنه لما وجب الحدُّ حقاً له،
من خلاف
سقطت عصمةُ النفس حقًّا للعبد، كما تسقط عصمةُ المال. وإن أُخِذَ بعد ما تاب، وقد
قَلَ عمداً: فإن شاء الأولياء قتلوه، وإن شاءوا عَفَوداً عنه؛ لأن الحد في هذه الجناية لا يقام
قصاصا
انحازوا: أي انضموا إليهم، والضمير في قوله "انحازوا" يرجع إلى الردء؛ لأن الردء يستوي فيه الواحد
والجمع. (البناية) فهو سواء: يعني بأي شيءٍ قَتل قاطع الطريق قُتل؛ لأنه حد لا قصاص، فلا يقتضي
المساواة، ولهذا يقتل غير المباشر. [البناية ١٠٤/٩] ولم يأخذ مالاً إلخ: جعله الإمام التمرتاشي حالة خامسة
من أحوال قطاع الطريق، والمصنف لم يذكرها في الإجمال، بل قال: هي أربعة؛ لأن مراد المصنف الأحوال
التي تدل عليها الأجزية المذكورة في النص حداً. [العناية ١٨١/٥]
فيما فيه القصاص: فلو قطعوا الذكر، فلا قصاص فيه في الظاهر، فيؤخذ منهم الأرش، خلافاً لأبي حنيفة مره
ما إذا قطع من الأصل، وفي الحشفة قصاص اتفاقاً؛ لأن موضع القطع معلوماً إلا إذا قطع بعض الحشفة،
وكذا إذا ضربوا العين، أو قلعوها، فلا قصاص. وذلك: أي استيفاء القصاص، وأخذ الأرش. (البناية)
ما ذكرناه: أي حق العبد القصاص والأرش. [البناية ١٠٥/٩]
وبطلت الجراحات: لأن الحد والضمان لا يجتمعان عندنا. (البناية) عصمة النفس: بناء على أن ما دون النفس
يجري مجرى الأموال، فكان سقوط العصمة في حق المال سقوط العصمة في حق الجرح. [العناية ١٨١/٥]
لأن الحد: يعني بخلاف سائر الحدود؛ فإنه لا تسقط بالتوبة عندنا. لا يقام إلخ: فلما بطل الحد بالتوبة،
ظهر حق العبد فيه بلا خلاف. [البناية ١٠٥/٩].

١٨٧
باب قطع الطريق
بعد التوبة للاستثناء المذكور في النص، ولأن التوبة تتوقف على ردّ المال، ولا قطعَ في
مثله، فظهر حقُّ العبد في النفس والمال، حتى يستوفي الولي القصاص، أو يعفو، ويجب الضمان
إذا هلك في يده، أو استهلكه. وإن كان من القطاع صيٌّ، أو مجنون، أو ذو رحم محرم
من المقطوع عليه: سقط الحد عن الباقين، فالمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة
وزفر دعمًا. وعن أبي يوسف سلكه: أنه لو باشر العقلاء يحدُّ الباقون، وعلى هذا السرقة
الصغرى. له أن المباشرَ أصل، والردء تابع، ولا خلل في مباشرة العاقل،
٠
آلمعین
للاستثناء المذكور إلخ: تحقيقه: أنه تعالى قال بعد قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَأبُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾،
فالاستثناء راجع إلى قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ﴾، فيكون حاصله أن جزاء من ذكر ما ذكر إلا من أخذ بعد
التوبة، فإنه لا جزاء عليه، واعترض عليه بأن الاستثناء إذا تعقب كلمات معطوفة بعضها على بعض،
ينصرف إلى ما يليه على ما تقرر في الأصول، فالظاهر تعلق هذه الاستثناء بقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾، فلا يفيد إلا المغفرة في الآخرة، لا رفع الخزي في الدنيا. والجواب عنه على ما نقله ملا إله داد
الجونفوري عن شيخه معز الدولة أن الجمل المذكورة في هذا النص في حكم جملة واحدة، فكأنه قال:
المحاربون يعاقبون في الدنيا والآخرة إلا الذين، فلا جرم يصرف إلى الجميع.
في مثله: أي في مثل ما إذا رد المال إلى المالك؛ لأن الخصومة تنقطع برد المال إليه، وهي شرط لوجوب القطع. (العناية)
وإن كان: هذه مسألة القدوري في "مختصره". (البناية) وعن أبي يوسف سلكه: قال الأتراري: والعجب
من صاحب "الهداية" له أنه قال: وعن أبي يوسف بالله بعد أن قال: والمذكور في الصبي والمجنون قول
أبي حنيفة وزفري، وكان القياس أن يقول: وقال أبو يوسف بحثه، ولم يذكر قول محمد بدله، وقوله مع
أبي حنيفة ملكه، وقد صرح الشيخ أبو نصر بذلك، انتهى. قلت: لعجبه عجب؛ لأن القدوري ذكر في
شرحه لمختصر الكرخي وعن أبي يوسف بطه، وذكره البيهقي في "كفايته" بلفظ عن أبي يوسف فهم،
ويحتمل أن يكون قول أبي يوسف بحلته رواية عنه. [البناية ١٠٧/٩] يحد الباقون: غير الصبي والمجنون.
وعلى هذا: وعلى هذا الخلاف حكم السرقة الصغرى إن ولي الصبي أو المجنون إخراج المتاع سقط الحد
عن الكل، وإن ولي غيرهما قطعوا إلا الصبي والمجنون. [البناية ١٠٧/٩]

١٨٨
باب قطع الطريق
ولا اعتبارَ بالخلل في التبع، وفي عكسه ينعكس المعنى والحكم. ولهما: أنه جناية واحدة
قامت بالكل، فإذا لم يقع فعلُ بعضهم موجباً، كان فعلُ الباقين بعضَ العلة، وبه لا يثبت
الحكمُ، فصار كالخاطىء مع العامد. وأما ذو الرحم المحرم، فقد قيل: تأويله إذا كان المالُ
مشتركاً بين المقطوع عليهم، والأصح: أنه مطلق؛ لأن الجناية واحدة على ما ذكرناه،
فالامتناع في حق البعض يوجب الامتناع في حق الباقين، بخلاف ما إذا كان فيهم مستأمن؛
ولا اعتبار بالخلل: وسقوط الحد عن التبع لا يوجب سقوطه عن المتبوع. (البناية) في التبع: وهو الصبي
والمجنون. [البناية ١٠٨/٩] وفي عكسه: يعني إذا باشر غير العقلاء صار الخلل في الأصل، وله الاعتبار،
فلا يجب الحد على الكل. (العناية) فعل بعضهم: وهو الصبي والمجنون. فصار كالخاطىء: يعني إذا رمى بسهم
إلى إنسان عمداً، ورماه آخر خطأ، وأصابه السهمان معاً، ومات منهما فلا يجب القصاص على العامد؛
لأن الفعل واحد، فيكون فعل الخاطئ شبهة في حق العامد. [العناية ١٨٣/٥]
مع العامد: هذا التشبيه يشعر بأن كلاّ من الخطأ والعمد بعض علة، لكن المصنف صرح قبيل باب جناية
البهيمة أن كل جراحة علة للتلف بنفسها، صغرت أو كبرت إلا أن عند المزاحمة أضيف إلى الكل، فهذا
تصريح بأن كل جراحة علة تامة. وأما ذو الرحم إلخ: ذكر الرازي أن المسألة محمولة على ما إذا كان المال
المأخوذ مشتركة بين المقطوع عليهم، وفي انقطاع ذو رحم من أحدهم، فلا يجب الحد على الباقين؛ لأن
الماخوذ شيء واحد، فإذا امتنع عن أحدهم بسبب القرابة امتنع عن الباقين، وأما إذا كان لكل واحد منهم
مال مفرد، فالحد يجري على الباقين؛ لأن الأخذ من كل واحد منهم لا تعلق له بغيره. بخلاف ما إذا سرقوا
من حرز ذي الرحم المحرم ماله ومال غيره، فإن الشبهة باعتبار الحرز، والأصح أن الجواب في الكل واحد؛
لأن مال جميع القافلة في حق قطاع الطريق كشيء واحد، فإنهم قصدوا أخذ كل ذلك، فإذا تمكنت الشبهة
في حق بعض ذلك، فقد تمكنت الشبهة في جميعه. (النهاية) قيل: قائله: أبوبكر الرازي. (البناية)
أنه مطلق: لا يحدون بكل حال. ما ذكرناه: أشار به إلى قوله: ولهما أنه جناية واحدة قامت بالكل. (البناية)
بخلاف ما إذا إلخ: جواب سؤال مقدر بأن يقال: القطع على المستأمن لا يوجب الحد كالقطع على
ذي الرحم المحرم، ثم وجود هذا في العاقلة يسقط الحد، فينبغي أن يسقط الحد وجود المستأمن أيضاً،
فأجاب عنه بقوله: وخلاف مستأمن إلخ. [البناية ١٠٩/٩]

١٨٩
باب قطع الطريق
لأن الامتناع في حقه لخلل في العصمة، وهو يخصه، أما هنا الامتناعُ لخلل في الحرز،
والقافلةُ حِرْزٌ واحد. وإذا سقط الحدُّ: صار القتلُ إلى الأولياء؛ لظهور حقِّ العبد على
ما ذكرناه، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا، وإذا قطع بعضُ القافلة الطريقَ على
البعض: لم يجب الحدُّ؛ لأن الحرز واحد، فصارت القافلة كدار واحدة. ومن قطع
الطريقَ ليلاً أو نهاراً في المصر، أو بين الكوفة والحيرة: فليس بقاطع الطريق استحساناً،
وفي القياس: يكون قاطعَ الطريق، وهو قول الشافعي بسطله؛ لوجوده حقيقة.
(القطع)
في العصمة: أي في عصمة ماله. (البناية) وهو يخصه: أي الخلل يخص المستأمن، فلا يصير شبهة؛ لأن الشبهة في
غير الحرز لا تؤثر في الذي لا شبهة فيه.(العناية) حرز واحد: لأن القافلة بمنزلة بيت واحد، فكان هذا كقريب
سرق مال القريب، ومال الأجنبي من بيت القريب، فإنه لا يقطع لشبهة تمكنت في الحرز. [العناية ١٨٤/٥]
ما ذكرناه: أشار به إلى قوله: لأن الجناية واحدة. (البناية) فصارت القافلة إلخ: كما لو سرق من دار
يسكن السارق فيها، فإذا لم يجب الحد وجب القصاص إن قتل عمداً، ورد المال إن أخذه، وهو قائم، والضمان
إن هلك أو استهلك. (البناية) والحيرة: وهي التي كان يسكنها النعمان بن المنذر، وهي أول منازل الكوفة، وقال
تاج الشريعة: الحيرة بكسر الحاء: مدينة على رأس ميل من الكوفة. [البناية ١٠٩/٩]
وفي القياس إلخ: توضيح المقام: أن القياس يقتضي وجوب الحد في صورة القطع بين الكوفة والحيرة، وفي
قطع الطريق في المصر ليلاً كان أو نهاراً لوجوده حقيقة، وعليه مناط وجوب الحد، وهو قول الشافعي بحثه،
وروي عن أبي يوسف بره أنه لو قطع في المصر لا يجب؛ لأن الظاهر لحوق الغوث من الإِمام، أو من
الناس للمقطوع عليه، وعدم ذلك نادر، فلا يوجد قطع الطريق من حيث المعنى. وأما خارج المصر:
فيجب القطع، وإن كان بقرب المصر؛ لأنه لا يلحقه الغوث في الفور لبعده عن المصر؛ وعنه في الرواية
الأخرى أنه لو قاتلوا بالسلاح نهاراً أو ليلاً بالسلاح، أو لغيره في المصر يجب القطع؛ لأن السلاح لا يلبث،
فلا يجد مهلة أن يصوت فيلحقه الغوث، وفي الليالي عدم لحوقه سريعاً ظاهر، فيوجد قطع الطريق، فيجب
الحد. وقال أبو حنيفة: لا يتحقق قطع الطريق في المصر، وكذا إذا كان بقربه سواء كان بالسلاح، أو بغيره،
ليلاً أو نهاراً؛ لقوة احتمال لحوق المد، وهذا استحساناً.

١٩٠
باب قطع الطريق
وعن أبي يوسف رسله: أنه يجب الحدّ إذا كان خارجَ المصر، وإن كان بقربه؛ لأنه
لا يلحقه الغوث، وعنه: إن قاتلوا نهاراً بالسلاح، أو ليلاً به، أو بالخشب، فهم قطاع
و
الطريق؛ لأن السلاح لا يلبث، والغوث يبطئ بالليالي. ونحن نقول: إن قطع الطريق
بقطع المارة، ولا يتحقق ذلك في المصر، وبقرب منه؛ لأن الظاهر لحوقُ الغوث إلا
أنهم يؤخذون برد المال إيصالاً للحق إلى المستحق، ويؤدبون ويحبسون لارتكابهم
المالك
الجناية، ولو قتلوا فالأمرُ فيه إلى الأولياء؛ لما بينا. ومن خنق رجلا حتى قتله: فالدية
على عاقلته عند أبي حنيفة سه، وهي مسألة القتل بالمثقل، وسنبين في باب الديات إن
شاء الله تعالى. وإن خنق في المصر غير مرة: قتل به؛ لأنه صار ساعياً في الأرض
بالفساد، فيُدْفَعُ شَرُّ بالقتل، والله أعلم.
أنه يجب الحد: أي حد قطع الطريق. (البناية) لا يلحقه: أي لا يلحق المقطوع عليه الغوث. الغوث: وهو اسم
من الإغاثة، وهي النصرة. (البناية) لا يلبث: فلا يلحقه الغوث. (الكفاية) لأن الظاهر: والمسافر لا يلحقه الغوث.
فالأمر: قصاصاً، أو صلحاً، أو عفواً. (البناية) لما بينا: أشار إلى قوله قبله: "لأنه لا حد في هذه الجناية"
فظهر حق العبد. (العناية) ومن خنق: بالتخفيف من خنقه إذا عصر حلقه، والخناق فاعله، ومصدره الخنق
بكسر النون، ولا يقال بالسكون، كذا عن الفارابي. [العناية ١٨٥/٥]
خنق في المصر: قال الأتراري: خنق بالتشديد سماعاً وتحقيقاً؛ لأن التفعيل للتكثير، قلت: التكثير استفيد
من قوله: غير مرة، فلا حاجة إلى التشديد. [البناية ١١١/٩]

١٩١
کتاب السِّير
کتاب السِّير
السير جمع سيرة، وهي الطريقة في الأمور، وفي الشرع: تختص بسيرة النبي عليه
في مغازيه. قال: الجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به فريق من الناس، سقط عن
الباقين، أما الفرضيةُ: فلقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾،
ولقوله عليها: "الجهاد ماض إلى يوم القيامة"، *
B
كتاب السير: ذكره مع الحدود؛ لأن كلاً منهما حسن لغيره، وذلك الغير يتأدى بنفس المأمور به، وقدم
الحدود؛ لأن المقصود من الحدود: إخلاء العالم عن الفساد من الفسق، والمقصود من الجهاد: رفع فساد الكفر،
-ولأن في بعض الحدود حق الله تعالى، وفي بعضها حق العبد، والجهاد ليس إلا حق الله تعالى، وحق العبد مقدم.
وهي الطريقة: ويقال: السيرة فعلة من السير، وقد يراد به السير الذي هو قطع المسافة، وقد يراد به السير في
المعاملات، وسميت المغازي سيراً؛ لأن أول أمرها السير إلى العدو. [البناية ١٨٢/٩]
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾: كان رسول الله ﴿ مأموراً في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين، قال
الله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْحَمِيلَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين﴾، ثم أمر بالدعاء بالموعظة،
والمجادلة بالطريق الأحسن قال عزوجل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ﴾ ثم أمر بالقتال، إن كانت البداية منهم، فقال: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، أي أذن لهم
بالدفع: ﴿فَإِنْ قَاتُوكُمْ فَاقْتُوهُمْ﴾ ثم أمر بالبداية بالقتال، قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَحَدْتُمُوهُمْ﴾،
وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [البناية ١١٥/٩]
* أخرجه أبوداود في "سنته" عن يزيد بن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴿/ّ: ثلاث من
أصِل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد
ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإِيمان بالأقدار.
[رقم: ٢٥٣٢، باب في الغزو مع أئمة الجور]

١٩٢
کتاب السِّير
وأراد به فرضاً باقياً، وهو فرض على الكفاية؛ لأنه ما فُرِضَ لعينه؛ إذ هو إفساد في نفسه،
وإنما فرض لإعزاز دين الله، ودفع الشر عن العباد، فإذا حصل المقصود بالبعض، سقط عن
الباقين كصلاة الجنازة وردِّ السلام. فإن لم يقم به أحد: أَثِمَ جميعُ الناس بتركه؛ لأن
الوجوب على الكل، ولأن في اشتغال الكل به، قطعُ مادة الجهاد من الكِراع والسلاحِ،
فيجب على الكفاية، إلا أن يكون النفيرُ عاماً، فحينئذ يصير من فروض الأعيان؛
لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَيِقَالاً﴾ الآية. وقال في "الجامع الصغير": الجهاد واجب،
فرضاً باقياً: هذا تفسير من المصنف. [البناية ١١٥/٩] قد يورد ههنا بوجهين: أحدهما: أن الحديث خبر
واحد، فكيف يثبت به الفرضية، وجوابه: أنه مؤيد بالنص والإجماع، فيكون قطعياً. وثانيهما: أنه لا دلالة له
إلا على بقاء الجهاد، لا على فرضيته، وما ذكره المصنف من المراد لا دلالة للفظ عليه، وجوابه: أن قوله:
"ماض" صفة، فلابد له من تقدير موصوف، وقد ثبت بقوله تعالى أنه فرض، فيكون هو المتعين للتقدير،
فكان معناه فرض باق. وهو فرض: مثل غسل الموتى والصلاة عليهم ودفنهم. [البناية ١١٦/٩]
على الكفاية: ويحكى عن ابن شبرمة والثوري: أن الجهاد تطوع وليس بواجب، انتهى، قلت: كذا روي عن
ابن عمر ◌ُّها. (البناية) لأنه ما فرض: وعند ابن المسيب فرض لعينه. إفساد في نفسه: لأنه تعذيب عباده،
وتخريب بلاده. (البناية) وإنما فرض إلخ: وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ كُلَّهُ لِلَه﴾. (البناية) كصلاة الجنازة إلخ: فإن البعض إذا قام بهما، سقط عن الباقين. [البناية ١١٦/٩]
أثم جميع الناس: لأنه إنما سقط الفرض عن الكل لحصول الكفاية بالبعض، فإذا لم يحصل هذا المعنى تعين
الفرض على كل الناس. (الكفاية) من الكراع: المراد بالكراع الخيل. [العناية ١٩٠/٥]
إلا أن يكون إلخ: استثناء من قوله: فيجب على الكفاية أي يجب الجهاد على الكفاية إلا إذا كان النفير
عاماً بأن لا يندفع شر الكفار إذا هجموا ببعض المسلمين، فحينئذ يصير من فروض الأعيان، فيفترض على
كل واحد، فيقاتل العبد بدون إذن سيده، والمرأة بدون إذن الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثْقَالاً﴾ أي
ركباناً ومشاةً، أو شباناً أو شيوخاً، أو مهازيل وسماناً أو صحاحاً، وقيل: أغنياء وفقراء. [البناية ١١٧/٩]

١٩٣
کتاب السّير
إلا أن المسلمين في سعة، حتى يحتاج إليهم، فأولُ هذا الكلام إشارة إلى الوجوب
على الكفاية، وآخره إلى النفير العام؛ وهذا لأن المقصود عند ذلك لا يتحصل إلا
بإقامة الكل، فيفترض على الكل. وقتال الكفار واجب، وإن لم يبدعوا؛ للعمومات،
ولا يجب الجهادُ على صبي؛ لأن الصِّبًا مظنة المرحمة، ولا عبد ولا امرأة؛ لتقدم حقِّ
المولى والزوج، ولا أعمى، ولا مُفْعَدٍ، ولا أقطع؛ لعجزهم. فإن هجم العدو على
بلد: وجب على جميع الناس الدفعُ، تخرج المرأةُ بغير إذن زوجها، والعبدُ بغير إذن
المولى؛ لأنه صار فرضَ عينٍ، وملكُ اليمين، ورقُّ النكاح لا يظهر في حق
فروض الأعيان، كما في الصلاة والصوم، بخلاف ما قبل النفير؛ لأن بغيرهما مقنعاً،
فلا ضرورةً إلى إبطال حق المولى والزوج.
فأول هذا الكلام: فأراد بأول الكلام الجهاد واجب إلا أن المسلمين في سعة؛ إذ الاستثناء تكلم بالباقى بعد
الثنيا، فكان بمجموعه إشارة إلى الوجوب. وآخره: وهو قوله: حتى يحتاج إليهم، إشارة إلى انتهاء حكم
السعة. (الكفاية) على الكل: وذكر في "الذخيرة": فإذا جاء النفير، إنما يصير فرض عين على من يقرب من
العدو وهم يقدرون على الجهاد. وأما من وراءهم يبعد من العدو فهو فرض كفاية، حتى يسعهم تركه إذا
لم يحتج إليهم، أما إذا احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو من المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عن
المقاومة إلا أنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصوم والصلاة ولا يسعهم
تركه، ثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً على هذا التدريج. [الكفاية ١٩٢/٥]
للعمومات: أي للعمومات الواردة في ذلك من الآيات والأخبار. (البناية) مظنة المرحمة: قال ابن الأثير:
المظِنَّة بكسر الظاء موضع الشيء، ومعدنه مفعلة من الظن بمعنى العلم، وكان القياس فتح الظاء وإنما
كسرت لأجل الهاء. (البناية) ولا امرأة: أي ولا يجب عليهما. فإن هجم: من قولهم: هجمت على القوم
إذا دخلت عليهم. (البناية) وملك اليمين: في العبد والجارية. (البناية) فروض الأعيان: فإنها مقدمة على
حقهما. [البناية ١١٨/٩] لأن بغيرهما: أي بغير العبد والمرأة مقنعاً أي كفاية. [البناية ١١٩/٩]

١٩٤
كتاب السِّير
ويُكْرَهُ الجُعْلُ ما دام للمسلمين فَيْء؛ لأنه يشبه الأجرَ، ولا ضرورة إليه؛ لأن مال بيت
المال مُعَدِّ لنوائب المسلمين. قال: فإذا لم يكن: فلا بأس بأن يقوي بعضُهم بعضاً؛ لأن
فيه دفعَ الضرر الأعلى بإلحاق الأدنى، يؤيده: "أن النبي حاليًا أخذ دروعاً من صفوان"،*
یوم حنین
وعمر نظره كان يُغزي الأعزبَ عن ذي الحليلة، ويعطي الشاخصَ فرسَ القاعد" .***
ويكره الجعل: بضم الجيم وسكون العين: وهو ما يجعل من شيء للإنسان على شيء يفعله، والمراد هنا
ما يضربه الإمام للغزاة على الناس فيما يحصل به التقوي للخروج إلى الحرب ما دام للمسلمين فيء، الفيء
اسم المال المصاب من الكفار بغير قتال كالخراج والجزية والغنيمة؛ لأن بيت المال معد لنوائب
المسلمين. ويكره [مع وجود ذلك] الجعل: الذي ذكرناه؛ لأن الجهاد حق الله تعالى، ولا يجوز أخذ الأجرة
عليه، فإذا تمحض أجرة كان حراماً، وإذا أشبه كان مكروهاً إلى الحرام أقرب، والنوائب جمع نائبة، وهي
ما ينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات والحوادث. [البناية ١١٩/٩]
فإذا لم يكن: في بيت المال شيء. (البناية) الضرر الأعلى: وهو شر الكفرة. [البناية ١١٩/٩]
كان يغزي إلخ: [أي يرسل إلى الغزوة] من الإغزاء يقال: أغزى الأمير الجيش: إذا بعثه إلى العدو،
والأعزب: الذي لا امرأة له، ووقع في بعض النسخ: الأعزب بالألف واللام، ووقع في نسخة شيخنا
بدون الألف واللام، وهو الصحيح. وحليلة الرجل: امرأته، والشاخص: اسم فاعل من شخص من مكان
إلى مكان إذا سارى في ارتفاع، والمراد هنا الأول أعني الذي يذهب إلى العدو. [البناية ١٢٠/٩]
* أخرجه أبوداود في البيوع، والنسائي في العارية عن شريك، ورواه أحمد في "مسنده"، والحاكم في
"المستدرك" في البيوع. [نصب الراية ٣٧٧/٣] أخرج أبوداود في "سننه" عن شريك عن عبدالعزيز
بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أن النبي ◌ُ ◌ّ استعار منه أدْرُعاً يوم حنين، فقال: أغصبٌ
يا محمد [*]؟ قال: لا، بل عارية مضمونة. [رقم: ٣٥٦٢، باب في تضمين العارية]
** رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" في كتاب السير حدثنا حفص عن عاصم عن أبي مجلز، قال: كان عمر
يغزي العزب ويأخذ فرس المقيم، فيعطيه المسافر. [٤٧٨/٦، باب ما قالوا في العزب يغزي ويترك الزوج]

١٩٥
باب كيفية القتال
باب كيفية القتال
وإذا دخل المسلمون دار الحرب، فحاصروا مدينةً، أوحصناً: دَعَوْهم إلى
الإِسلام؛ لما روى ابن عباس: "أن النبي عليها ما قاتل قوماً حتى دعاهم إلى الإسلام"
قال: فإن أجابوا: كَفُوا عن قتالهم؛ لحصول المقصود، وقد قال بُ®ّ: "أمرت أن أقاتل
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" ** الحديث. وإن امتنعوا: دَعَوْهم إلى أداء الجزية، به
أمر رسول الله عليها أمراء الجيوش، *** الجزية؛ لأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام،
باب: لما كان الأمر الأول من باب الجهاد القتال، بدأ ببيان كيفيته. (العناية) أوحصنا: بكسر الحاء: كل
مكان محمى محرز لا يتوصل إلى ما في جوفه، فالمدينة أكبر من الحصن. [العناية ١٩٥/٥]
كفوا عن قتالهم: أي امتنعوا عن قتالهم، أو منعوا أنفسهم عنه، فكف لازم ومتعد. (العناية) وقد قال: وجه الاستدلال
أن حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبله. أمراء الجيوش: الجيش: الجند يسيرون لحرب من جاشت القدر إذا
غلت، قاله تاج الشريعة، وأخذه من "المغرب". [البناية ١٢٢/٩]
* رواه عبدالرزاق في "مصنفه" عن الثوري عن صاحب له عن رجل عن ابن عباس قال: ما قاتل النبي ◌ُ ◌ّ
قوماً إلا دعاهم. [٢١٨/٥، باب دعاء العدو] وكذلك رواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه. [نصب الراية ٣٧٨/٣]
**
روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث جابر، ومن حديث عمر، ومن
حديث أنس. [نصب الراية ٣٧٩/٣] أخرج البخاري في "صحيحه" عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره
أن رسول الله وثّ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني
مالَه ونفسَه إلا بحقه، وحسابه على الله. [رقم: ٢٩٤٦، باب دعاء التي تَّ إلى الإسلام والنبوة]
*** أخرجه الجماعة إلا البخاري عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله وُ ◌ّ إذا أمّر أميراً
على جيش أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى الله عزوجل، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا باسم الله
في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلَّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً وإذا لقيت
عدوّك من المشر کین فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم و کف عنهم، =

١٩٦
باب كيفية القتال
ولأنه أحدُ ما ينتهي به القتال على ما نطق به النص، وهذا في حق من يقبل منه الجزية،
ومن لا تقبل منه كالمرتدين، وعبدة الأوثان من العرب، لا فائدةَ في دعائهم إلى قبول قال
. فإِن بذلوها: فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على
أَوْ يُسْلِمُون﴾
﴿وتُقَاتِلُو
الله تعالى:
المسلمين؛ لقول علي ظه: "إنما بذلوا الجزية؛ ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا،*
والمراد بالبذل القبول، وكذا المراد بالإعطاء المذكور فيه في القرآن، والله أعلم.
ثم إعطاؤها
نطق به النص: يريد قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾.
[العناية ١٩٦/٥] وهذا: إشارة إلى الدعاء الذي يدل عليه قولهم: دعوهم إلى أداء الجزية. [البناية ١٢٣/٩]
أو يسلمون: أي إلى أن يسلموا. (البناية) والمراد بالبذل: أي في قول القدوري: فإن بذلوها. (البناية)
المذكور فيه: قال الأتراري: أي في الجزية، وتذكير الضمير على التأويل المذكور. [البناية ١٢٤/٩]
في القرآن: هو قوله عز وجل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾. [البناية ١٢٤/٩]
= ثم ادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى
دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن
يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين
ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم
أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن
تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ** ، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك،
فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل
حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك،
فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا. [رقم: ١٧٣١، باب تأمير الإِمام الأمراء على البعوث]
* غريب. [نصب الراية ٣٨١/٣] أخرج الدار قطني في "سنته" عن الحكم عن حسين بن ميمون عن
أبي الجنوب الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب: من كانت له ذمتنا، فدمه کدمنا، ودیته کدیتنا. انتهى.
قال الدار قطني: خالفه أبان بن تغلب، فرواه عن حسين بن ميمون عن عبدالله بن عبدالله عن أبي الجنوب،
وأبو الجنوب ضعيف الحديث. [٩٤/٣، كتاب الحدود]

١٩٧
باب كيفية القتال
ولا يجوز أن يقاتل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام إلا أن يَدْعُوه؛ لقوله عليه في وصية
أمراء الأجناد: "فَادْعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله"، * ولأنهم بالدعوة يعلمون أنَّا نقاتلهم
بدعوة الإسلام .
على الدين، لا على سَلْبِ الأموال، وسي الذراري، فلعلهم يجيبون، فُكَفَى مؤنة القتال،
جمع الذرية
ولو قاتلهم قبل الدعوة أثِّمَ للنهي، ولا غرامة لعدم العاصم، وهو الدين، أو الإحراز
بالدار، فصار كقتل النِّسْوان والصبيان. ويُستحب أن يدعو من بلغته الدعوة مبالغة في
وُ
علی مذهبنا
الإنذار، ولا يجب ذلك؛ لأنه صح أن النبي عليها أغار على بني المُصْطَلِقِ، وهم غارُّون، **
فنكفى: على صيغة المجهول. (البناية) الدعوة: هو بالفتح إلى الطعام، وبالكسر في النسب قاله الجوهري،
وقيل: بالضم في الحرب. [البناية ١٢٤/٩] ولا غرامة: وقال الشافعي يضمن لحرمة القتل، قلنا: العاصم
عندك هو الدين، ولم يوجد، ومجرد حرمة القتل لا تكفي لوجوب الضمان. [الكفاية ١٩٧/٥ -١٩٨]
والصبيان: فإنه لا قصاص، ولا دية عليهم. (البناية) أن يدعو: أي الإمام أو رأس الجيش أو السرية. (البناية)
بني المصطلق: بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المهملة وكسر اللام، وفي آخره قاف: بطن
من خزاعة. [البناية ١٢٥/٩]
* تقدم في حديث بريدة، ادعوهم إلى الإسلام. [نصب الراية ٣٨٠/٣] أخرج مسلم في "صحيحه" عن
سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله (5* إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته
بتقوى الله عزوجل، ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله
اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث
حصال - أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعوهم إلى الإسلام. الحديث.
[رقم: ١٧٣١، باب تأمير الإِمام الأمراء على البعوث]
** حديث بني المصطلق أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عون. [نصب الراية ٣٨١/٣] أخرج مسلم في
"صحيحه" عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إليّ: إنما كان ذلك في
أول الإسلام قد أغار رسول الله 33 على بني المصطلق وهم غارون، وانعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلهم
وسبى سبيهم وأصاب يومئذ. [رقم: ١٧٣٠، باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام]

١٩٨
باب كيفية القتال
وعَهِدَ إلى أسامة محظله أن يُغيْرَ على أُبْنَى صباحاً، ثم يحرق،* والغارة لا تكون بدعوة.
قال: فإن أبوا ذلك. استعانوا بالله عليهم، وحاربوهم؛ لقوله عليها في حديث سليمان
بن بريدة: "فإن أَبَوْا ذلك فادْعُهم إلى إعطاء الجزيرة" إلى أن قال: "فإن أبوها فاستعن
بالله عليهم وقاتلهم"، ** ولأنه تعالى هو الناصر لأوليائه، والمدمّر على أعداءه، فيستعان
به في كل الأمور. ونصبوا عليهم المجانيقَ كما نصب رسول الله عليّة على الطائف*
***
أبنى: [على وزن دبلى] بضم الهمزة وسكون الباء الموحدة بعدها نون وألف مقصورة: موضع من فلسطين
بني عسقلان والرملة. لا تكون بدعوة: لأن فيها ستر الأمر والإسراع. (البناية) فإن أبوا: أي فإن امتنعوا
عن الجزية. (البناية) والمدمّر: وهو اسم فاعل من التدمير أي المهلك. [البناية ١٢٦/٩]
* وحديث أسامة أخرجه أبوداود وابن ماجه عن صالح بن أبي الأخضر. [نصب الراية ٣٨٢/٣] أخرج
أبوداد في "سنته" عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد أن رسول الله وثّ
كان عهد إليه فقال: أغار على أبنى صباحاً وحرق. [رقم: ٢٦١٦، باب في الحرق في بلاد العدو]
** تقدم ذلك في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه. [نصب الراية ٣٨٢/٣]
أخرجه مسلم في "صحيحه" عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله و﴿ّ إذا أمّر أميراً على
جيش أو سريةٍ أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى، ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا باسم الله في
سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلّوا، ولا تغدورا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً - إلى أن قال -:
فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم. وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
الحديث. [رقم: ١٧٣١، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث]
*** ذكره الترمذي في الاستئذان معضلاً ولم يصل سنده به، ورواه أبوداود في المراسيل، ورواه ابن سعد
في الطبقات. [نصب الراية ٣٨٢/٣ و٣٨٣] أخرج الترمذي في "جامعه" قال سمعت قتيبة يقول: عمر
ابن هارون وكان صاحب حديث وكان يقول: الإيمان قول وعمل، قال: سمعت قتيبة حدثنا وكيع بن الجراح
عن رجل عن ثور بن يزيد أن النبي ◌ُّ نصب المنجنيق على أهل الطائف، قال قتبية: قلت لوكيع: من هذا
قال: صاحبكم عمر بن هارون. [رقم: ٢٧٦٢، باب ما جاء في الأخذ من اللحية]

١٩٩
باب كيفية القتال
وحرقوهم؛ لأنه عليا أحرق البويرة . * قال: وأرسلوا عليهم الماء، وقطعوا أشجارَهم،
وأفسدوا زروعهم؛ لأن في جميع ذلك إلحاقَ الكبتِ والغيظ بهم، وكسر شوكتهم، وتفريق
جمعهم، فيكون مشروعاً. ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير، أو تاجر؛ لأن في
الرمي دفع الضرر العام بالذيبِّ عن بيضة الإسلام وقتلُ الأسير والتاجر ضرر خاص، ولأنه
قلما يخلو حصن عن مسلم، فلو امتنع باعتباره لانْسَدَّ بابه، وإن تَتَرَّسُوا بصبيان المسلمين،
باب الجهاد
أو بالأسارى: لم يَكفّوا عن رميهم؛ لما بينا. ويقصدون بالرمي الكفار؛ لأنه إن تعذر
التمييزُ فعلاً، فلقد أمكن قصداً، والطاعة بحسب الطاقة، وما أصابوا منهم لا ديةً عليهم،
ولا كفارةَ؛ لأن الجهادَ فرض، والغرامات لا تُقْرَنُ بالفروض، بخلاف حالة المَخْمَصَةِ؛
البويرة: على وزن الدويرة مصغر الدار. (العناية) الكبت: وهو الذل والهوان، وقال الأتراري: يقال:
كبته الله أي أهلكه، والمعنى الملائم ما ذكرنا. [البناية ١٢٨/٩] فيهم مسلم: رد لما قال الحسن بن زياد:
إنه إذا علم أن فيهم مسلماً، وأنه يتلف بهذا الصنع لم يحل له ذلك؛ لأن الإقدام على قتل المسلم حرام
وترك قتل الكافر جائز. [العناية ١٩٨/٥] عن بيضة الإسلام: أي مجتمعه للشبه المعنوى بينها وبين بيضة
النعامة وغيرها وهو أنها مجتمعة كما أن تلك مجتمع الولد، كذا في "المغرب". [الكفاية ١٩٨/٥]
لما بينا: إشارة إلى قوله: لأن في الرمي دفع الضرر العام. (الكفاية) وما أصابوا منهم: أي ما أصاب المسلمون
من صبيان المسلمين، وأساراهم الذين تترس المشركون بهم. (البناية) لا تقرن بالفروض: لأن الفرض مأمور به،
وسبب الغرامة عدوان محض منهي عنه، وبين الأمرين منافاة. (البناية) حالة المخمصة: هذا جواب عما قاس
عليه الحسن. (البناية) وقال: إطلاق الرمي لضرورة إقامة الجهاد لا ينفي الضمان كتناول مال الغير حالة المخمصة
لمكان الضرورة، ويجب الضمان. وتقرير الجواب: أن حالة المخمصة بخلاف هذا. [البناية ١٣١/٩]
* أجرجه الأئمة الستة في كبتهم. [نصب الراية ٣٨٣/٣] أخرجه البخاري في "صحيحه" عن الليث بن سعد
عن نافع عن ابن عمر ◌ُما قال: حرق رسول الله وَ ◌ّ نخل بني النضير وقطع البويرة، فنزلت ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ
لِينَةٍ أَوْ تَرَ كْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ [رقم: ٤٠٣١، باب حديث بني النضير]