النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
باب تفويض الطلاق
لأنه ليس بحكاية عن حالة قائمة، ولا كذلك قولها: أنا أختار نفسي؛ لأنه حكايةً عن
حالة قائمة، وهو اختيارها نفسها. ولو قال لها: اختاري اختاري اختاري، فقالت: اخترت
الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة: طلقت ثلاثاً في قول أبي حنيفة بسطله، ولا يُحْتاج إلى نية
الزوج. وقالا: تطلق واحدة، وإنما لا يُحْتاج إلى نية الزوج؛ لدلالة التكرار عليه؛
إذ الاختيارُ في حق الطلاق هو الذي يتكرر. لهما: أن ذكرَ الأولى وما يجري مجراه، إن كان
(الطلاق)
لا يفيد من حيث الترتيب، يفيد من حيث الإفراد، فيعتبر فيما يفيد. وله: أن هذا وصفٌ
لغو؛ لأن المُجْتَمِعَ في الملك لا ترتيب فيه كالمجتمع في المكان، والكلامُ للترتيب والإفرادُ
من ضروراته، فإذا لغا في حقِّ الأصل لغا في حق البناء. ولو قالت: اخترت اختيارة،
لأنه إلخ: لأن الطلاق يتعلق بالصيغة لا بالقلب، كما ذكرنا، ولهذا لو أراد الطلاق في قلبه لا تطلق. [البناية ١٢/٧]
إلى نية إلخ: ولا إلى ذكر النفس. (البناية) وإنما لا يحتاج: وإن كانت من الكنايات. (العناية)
لدلالة التكرار: فلا يحتاج إلى ذكر النفس. (العناية) إن كان لا يفيد إلخ: فإن الأولى، والوسطى، والأخيرة
كل منها اسم لمفرد مرتب، وليس المحل محل ترتيب، فيلغو الترتيب، ويبقى الإفراد، وكأنها قالت: اخترت
التطليقة الأولى؛ لأن معنى قولها: اخترت التطليقة الأولى: اخترت ما صار لي بالكلمة الأولى، والذي صار
إليها بالكلمة الأولى تطليقة، فكأنها صرحت بذلك، وفي ذلك يقع واحدة، فكذا ههنا. [العناية ٤١٦/٣]
وله أن هذا إلخ: أي لأبي حنيفة أن هذا وصف لغو؛ لأن المجتمع في الملك لا ترتيب فيه كالمجتمع
في المكان، فإن القوم إذا اجتمعوا في مكان لا يقال: هذا أول، وهذا آخر، وإنما الترتيب في فعل الأعيان يقال:
هذا جاء أولاً، وهذا جاء آخراً، وكل ما لا ترتيب فيه يلغو فيه الكلام الذي هو للترتيب، وهو الأولى
وأختاها. وإذا لغا اللفظ من حيث الترتيب يلغو من حيث الإفراد أيضاً؛ لأن الترتيب فيه أصل بدلالة
الاشتقاق، والإفراد من ضروراته، وإذا لغا في حق الأصل، لغا في حق البناء، وإذا لغا في حقهما بقي قولها:
اخترت، وهو يصلح جواباً للكل فيقع الثلاث. [العناية ٤١٦/٣-٤١٧]
لأن المجتمع إلخ: يعني أن الطلقات الثلاث قد اجتمعت في ملكها، حتى يقع الثلاث جملة باختيارها.
ولو قالت إلخ: يعني لو قالت المرأة اخترت اختيارة في جواب: اختاري اختاري اختاري، فهي ثلاث
طلقات في قول أبي حنيفة وصاحبيه ما. [البناية ١٤/٧]

١٨١
باب تفويض الطلاق
فهي ثلاث في قولهم جميعاً؛ لأنها للمرة، فصارت كما إذا صرحت بها، ولأن الاختيارة
للتأكيد، وبدون التأكيد تقع الثلاث، فمع التأكيد أولى. ولو قالت: قد طلّقْتُ نفسي،
أو اخترت نفسي بتطليقة: فهي واحدة يملك الرجعة؛ لأن هذا اللفظ يوجب
الانطلاق بعد انقضاء العدة، فكأنها اختارت نفسها بعد العدة. ولو قال لها: أمرُك بيدك
في تطليقة، أو اختاري تطليقة، فاختارت نفسها، فهي واحدة يملك الرجعة؛ لأنه جَعَلَ
لها الاختيارَ لكن بتطليقة، وهي مُعْقِبة للرجعة بالنص.
فصل في الأمر باليد
وإن قال لها: أمرُك بيدك، ينوي ثلاثاً، فقالت: قد اخترتُ نفسي بواحدة، فهي ثلاث؛
لأن الاختيارَ يصلح جواباً للأمر باليد؛ لكونه تمليكاً كالتخيير، والواحدة صفة الاختيارة،
صرحت بها: أي بالمرة بأن قالت: اخترت نفسي مرة في جواب قوله: اختاري ثلاث مرات، فكذا
إذا ذكرت اللفظ الذي يدل على المرة. [البناية ١٤/٧] وبدون التأكيد: أي إذا اكتفى على قوله: اخترت.
ولو قالت: يعني في جواب من قال: اختاري. (العناية) فهي واحدة يملك إلخ: ومثله في نسخ "الجامع
الصغير"، والصواب أنه لا يملك الرجعة وطَلَقَتْ بائنة، وهكذا ذكر في "الجامع الكبير"؛ لأن الاعتبار
لجانب التفويض، ألا ترى أنه لو أمرها بطلاق يملك الرجعة، وطَلَّقَتْ بائنة، أو أمرها بالبائن وطلقت
رجعية وقع ما أمر به الزوج، كذا في "الكافي".
لأن هذا اللفظ: يعني قولها: قد طلقت نفسي، أو اخترت بتطليقة يوجب الانطلاق أي البينونة بعد
انقضاء العدة؛ لكونه من ألفاظ الصريح، وما يوجب البينونة بعد انقضاء العدة كان عند الوقوع رجعياً،
فهذا اللفظ يوجب الرجعي. [العناية ٤١٨/٣] فكأنها اختارت إلخ: فكان مطابقاً من حيث أن الاختيار
وجد منها. (البناية) الأمر باليد: أخر فصل الأمر باليد عن فصل الاختيار؛ لأن ذلك مؤيد بإجماع
الصحابة ه. (العناية) وإن قال لها: وهذه من مسائل "الجامع الصغير". (البناية) قد اخترت: وفي بعض
النسخ : اخترت بدون لفظ قد. (البناية)

١٨٢
باب تفويض الطلاق
فصار كأنها قالت: اخترْتُ نفسي بمرة واحدة، وبذلك يقع الثلاث. ولو قالت: قد
طلقتُ نفسي بواحدة، أو اخترت نفسي بتطليقة: فهي واحدة بائنة؛ لأن الواحدة نعت
و
لمصدر محذوف، وهو في الأولى الاختيارة، وفي الثانية التطليقة، إلا أنها تكون بائنة؛ لأن
٠
التفويض في البائن ضرورةُ مُلْكِها أمْرَها، وكلامُها خرج جواباً له، فتصير الصفةُ
المذكورةُ في التفويض مذكورةً في الإيقاع. وإنما تصح نية الثلاث في قوله: أمُّكِ بيدك؛
لأنه يحتمل العمومَ والخصوصَ، ونيةُ الثلاث نيةُ التعميم، بخلاف قوله: اختاري؛ لأنه
لا يحتمل العمومَ، وقد حققناه من قبل. ولو قال لها: أمرُك بيدك اليوم، وبعد غد، لم يَدْخُل
فيه الليلُ، وإن رَدَّت الأمرَ في يومها: بطل أمرُ ذلك اليوم، وكان الأمر بيدها بعد غد؛
بمرة واحدة: معناه: اخترت جميع ما فوضت إليّ اختيارة واحدة. (العناية) وبذلك: أي بقولها: اخترت
نفسي بمرة واحدة. (العناية) ولو قالت: في جواب قوله لها: أمرك بيدك. (العناية)
وهو في الأولى إلخ: [أي اخترت نفسي بواحدة] لأنها إعادة لبيان قرينة المحذوف، وكأنه قال: وهو
في الأولى الاختيارة؛ بدلالة اخترت عليها، فتكون في الثانية التطليقة؛ لدلالة طلقت عليها. [العناية ٤٢٠/٣]
التطليقة: أي طلقت نفسي بواحدة. (البناية) لأن التفويض إلخ: وتقريره التفويض حصل في البائن
لضرورة أنه ملّكها أمرها، أن تمليكه إياها أمرها يقتضي البينونة؛ لكون الأمر باليد من ألفاظ الكناية،
وكلامها خرج جواباً له، فتصير الصفة المذكورة يعني البينونة في التفويض مذكورة في إيقاع المرأة، فيكون
كلامها مطابقاً لكلامه. [العناية ٤٢٠/٣]
لأنه يحتمل إلخ: قال شيخ الإسلام: الأمر اسم عام يتناول كل شيء، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَِّ﴾
أراد به الأشياء كلها، وإذا كان الأمر اسماً عاماً صلح اسماً لكل فعل، فإذا نوى الطلاق صار كناية عن
قوله: طلاقك بيدك. والطلاق مصدر يحتمل العموم والخصوص، فيكون نية الثلاث نية التعميم، بخلاف
قوله: اختاري؛ لأنه لا يحتمل العموم، وقد حققناه من قبل يعني في فصل الاختيار بقوله: لأن الاختيار
لا يتنوع. [العناية ٤٢١/٣] لم يدخل إلخ: حتى لو اختارت نفسها في الليل لا يقع الطلاق. (العناية)

١٨٣
باب تفويض الطلاق
لأنه صرح بذكر وقتين بينهما وقت من جنسهما لم يتناوله الأمرُ؛ إذ ذكرُ اليوم
یعن الغد
بعبارة الفرد لا يتناول الليل، فكانا أمرين، فبردِ أحدهما لا يَرْتَدُّ الآخر. وقال زفر حدثله:
هما أمر واحد بمنزلة قوله: أنت طالق اليوم وبعد غد، قلنا: الطلاق لا يحتمل التأقيت،
والأمر باليد يحتمله، فُيُوقَّتُ الأمر بالأول، ويُجْعل الثاني أمراً مبتدأ. ولو قال: أمرُك
باليوم مثلا
بيدك اليوم وغدا، يدخل الليل في ذلك، وإن ردَّت الأمرَ في يومها، لا يبقى الأمر
في يدها في الغد؛ لأن هذا أمر واحد؛ لأنه لم يتخلل بين الوقتين المذكورين وقت من
جنسِهما لم يتناوله الكلامُ، وقد يَهْجُمُ الليلُ ومجلسُ المشورة لا ينقطع، فصار كما إذا
قال: أمُرُك بيدك في يومين. وعن أبي حنيفة بدله: أنها إذا ردّت الأمر في اليوم، لها أن
تختار نفسَها غداً؛ لأنها لا تملك ردَّ الأمر كما لا تملك ردَّ الإيقاع. وجه الظاهر: أنها
إذا اختارت نفسَها اليومَ لا يبقى لها الخيارُ في الغد، فكذا إذا اختارت زوجَها بردِّ الأمر؛
لأنه: دليل للمسألة الثانية. بذكر وقتين: يعني اليوم وبعد غد. (البناية) لم يتناوله الأمر: فإنها لو اختارت نفسها
في الغد لا تطلق.(العناية) إذ ذکر الیوم إلخ: [وقع في غيرموقعه، و کان ينبغي أن یذکره عند قوله: لم يدخل
فيه الليل] دليل قوله: لم يدخل فيه الليل، وهو كما ترى الادلاج ملبس، وإن كان ظاهراً. [العناية ٤٢١/٣]
أمرين: أي أمر اليوم، وأمر بعد الغد. الطلاق: فكان الطلاق اليوم طلاقاً غداً وبعد غد وغيره. (البناية)
الوقتين المذكورين: هذا اليوم والغد. (البناية) وقد يهجم إلخ: أي يدخل من قولك: هجمت على القوم إذا
دخلت عليهم، هذا بيان الليل المتخلل بين اليوم والغد لا يكون قاطعاً للمجلس. (البناية) المشورة: بفتح الميم
وضم الشين المعجمة الشورى، وجاء فيها بفتح الميم وسكون الشين. [البناية ١٨/٧]
كما إذا قال إلخ: حيث يدخل الليل فيهما. (البناية) لأنها لا تملك إلخ: معناه: ليس للمرأة أن ترد الأمر
باليد الذي صدر من زوجها بأن تقول: لا أقبل كما أنه ليس لها أن ترد الإيقاع الذي أوقعه زوجها عليها
بقوله: أنت طالق، وإذا كان كذلك كان الأمر باقياً في الغد كما كان، وكان لها أن تختار نفسها
غداً. [العناية ٤٢٢/٣]

١٨٤
باب تفويض الطلاق
لأن المخيّرَ بين الشيئين لا يملك إلا اختيار أحدهما. وعن أبي يوسف بوليه: أنه إذا قال:
أمرُك بيدك اليومَ، وأمرُك بيدك غدا: أنهما أمران؛ لما أنه ذكر لكل وقت خبراً على حدة،
بخلاف ما تقدم. وإن قال: أمُرُك بيدك يومَ يَقْدَمُ فلان، فَقْدمَ فلان، ولم تعلم بقدومه
حتى جَنَّ الليل: فلا خيارَ لها؛ لأن الأمرَ باليد مما يمتدُّ، فَيُحْمَلُ اليومُ المِرِونُ به على
بياض النهار، وقد حققناه من قبل، فيتوقت به، ثم ينقضي بانقضاء وقته. وإذا جعل أمرَها
بيدها، أو خيرَّها، فمكثت يوماً ولم تَقُم: فالأمر في يدها ما لم تأخذ في عمل آخر؛ لأن
هذا تمليكُ التطليق منها؛ لأن المالكَ مَنْ يتصرَّف برأي نفسه، وهي بهذه الصفة،
والتمليكُ يَقْتصر على المجلس، وقد بيناه من قبل. ثم إذا كانت تسمع: يُعْتبر مجلسها
ذلك، وإن كانت لا تسمع: فمجلس علمها، أو بلوغ الخبر إليها؛ لأن هذا تمليك فيه
معنى التعليق، فيتوقف على ما وراء المجلس، ولا يُعْتبر مجلِسُه؛ لأن التعليقَ لازم في حقّه،
ما تقدم: أراد به قوله: أمرك بيدك اليوم وغداً، يعني أن التكرار في الاختيار لم يوجد، فلم يتحدد الأمر. (البناية)
جن الليل: أي أظلم يقال: جن عليه الليل جنوناً، ويقال جنه الليل، وأجنه الليل بمعنىٍّ. (البناية)
من قبل: أي في آخر فصل إضافة الطلاق. (العناية) وهي بهذه الصفة: أي المرأة بهذه الصفة أي تتصرف
برأي نفسها. (البناية) من قبل: يعني في فصل الاختيار من قوله: التمليكات تقتضي جواباً في المجلس، كما
في البيع. (العناية) مجلسها: أي الذي سمعت فيه. (العناية) لا تسمع: أي لغيبة، أو لصمم. (العناية)
فمجلس علمها: أي فيعتبر حينئذ مجلس علمها. (البناية) معنى التعليق: كما لو قال: إن دخلت الدار
فأنت طالق؛ وهذا لأن معنى أمرك بيدك إن أردت طلاقك، فأنت طالق. [العناية ٤٢٤/٣]
ولا يعتبر مجلسه: حتى لوقام وهي جالسة، فالخيار باق؛ لأن التعليق حينئذ لازم في حقه، حتى لا يقدر
على الرجوع؛ لكونه تصرف يمين من جانبه، بخلاف البيع، حتى يعتبر مجلسهما جميعاً، فأيهما قام من
المجلس قبل قبول الآخر بطل البيع؛ لأنه تمليك محض لا يشوبه التعليق، ولهذا لو رجع أحدهما عن كلامه
قبل قبول الآخر جاز. [العناية ٤٢٥/٣]

١٨٥
باب تفويض الطلاق
بخلاف البيع؛ لأنه تمليك مَحْض، ولا يشوبُه التعليقُ. وإذا اعتُبر مجلسها، فالمجلسُ تارةً
يتبدّلُ بالتحول، ومرةً بالأخذ في عمل آخرَ على ما بيناه في الخيار، ويخرج الأمر من
يدها بمجرد القيام؛ لأنه دليل الإعراض؛ إذ القيام يُفرِّقُ الرأي، بخلاف ما إذا مكثت
عن المجلس
يوماً لم تقم، ولم تأخذ في عمل آخر؛ لأن المجلسَ قد يطول وقد يقصر، فيبقى إلى
أن يُوْجَدَ ما يقطعه، أو يدلُّ على الإعراض، وقوله: "مكثَتْ يوماً" ليس للتقدير به،
المجلس
وقوله: "مالم تأخذ في عمل آخر" يراد به عمل يُعْرَفُ أنه قَطَعَ لما كان فيه، لا مطلق
محمد
العمل. ولو كانت قائمةً فجلسَتْ: فهي على خيارها؛ لأنه دليلُ الإقبال، فإن القعود
أجمعُ للرأي، وكذا إذا كانت قاعدةً فَأَّكَأَتْ، أو متكئة فقعدت؛ لأن هذا انتقال من
جلسة إلى جلسة، فلا يكون إعراضاً، كما إذا كانت مُحْتَبيةً فتربَّعَتْ. قال ظله: وهذا
بعد الاختيار
رواية "الجامع الصغير"، وذَكَرَ في غيره: أنها إذا كانت قاعدةً فاتكأت، لا خيارَ لها؛
لأن الاتكاءَ إظهارُ التهاون بالأمر، فكان إعراضاً، والأول هو الأصح، ولو كانت
قاعدةً فاضطجعت، ففيه روايتان عن أبي يوسف بدلته. ولو قالت: ادعُ أبي أستشيره،
يتبدل بالتحول: يعني إلى مجلس آخر. (العناية) بيناه في الخيار: يعني قوله: إذ مجلس الأكل غیر مجلس
المناظرة إلى آخره. (العناية) بخلاف: فإنه لا يخرج الأمر من يدها حينئذ. الإعراض: والإعراض بأخذها
في عمل آخر، سواء كان دينياً أو دنياوياً. (البناية) وقوله: أي محمد في "الجامع الصغير".
ليس للتقدير به: أي ليس لتقدير الخيار باليوم بل المراد منه المكث الدائم، سواء كان قليلاً أو كثيراً،
ما لم يوجد ما يدل على الإعراض. [البناية ٢١/٧] محتبيةً: يقال: احتى الرجل إذا جمع ظهره وساقيه بعمامة،
أو يديه. هو الأصح: [أي رواية "الجامع الصغير"]، لأن من حزبه أمر قد يستند للتفكر؛ لما أن الاستناد
سبب للراحة كالقعود.(العناية) ففيه روايتان إلخ: في رواية الحسن عنه: لا تبطل، وفي رواية الحسن بن
أبي مالك: تبطل، وهو قول زفر، ووجه الروايتين مندرج فيما ذكرناه. [العناية ٤٢٦/٣]

١٨٦
باب تفويض الطلاق
أو شهودًا أُشْهدُهم: فهي على خيارها؛ لأن الاستشارة لتحرِّي الصواب، والإِشهادُ
للتحرُّز عن الإنكار، فلايكون دليل الإعراض. وإن كانت تسير على دابةٍ، أو في مَحْمَل
فوقفت، فهي على خيارها، وإن سارت: بطل خيارها؛ لأن سيرَ الدابة ووقوفَها
مضاف إليها، والسفينة بمنزلة البيت؛ لأن سيرها غيرُ مضاف إلى راكبها، ألا ترى
أنه لا يَقْدِرُ على إيقافها، وراكبُ الدابةِ يَقْدِرُ.
الراكب
فصل في المشيئة
ومن قال لامرأته: طلّقي نفسك، ولا نيةَ له، أو نوى واحدة، فقالت: طلّقْتُ نفسي، فهي
واحدة رجعية، وإن طَلِّقَتْ نفسها ثلاثاً وقد أراد الزوجُ ذلك: وَقَعْنَ عليها؛ وهذا لأن
قوله: "طلّقي" معناه: افعلي فعل الطلاق، وهو اسم جنس، فيقع على الأدنى مع احتمال
الكل كسائر أسماء الأجناس، فلهذا تَعْمَلُ فيه نيةُ الثلاث، وينصرف إلى واحدة عند
عدمها، وتكون الواحدةُ رجعيةً؛ لأن المُفَوَّضَ إليها صريحُ الطلاق. ولو نوى الثنتين:
لا تصح؛ لأنه نيةُ العدد، إلا إذا كانت المنكوحة أمةً؛ لأنه جنس في حقها. وإن قال لها:
طَلِّفي نفسَك، فقالت: أَبَنْتُ نفسي، طُلِقَتْ، ولو قالت: قد اخترتُ نفسي: لم تَطْلُقْ؛
بمنزلة البيت: يعني أنها إذا سارت لا يبطل خيارها، وهو ظاهر. (العناية) في المشيئة: قد تقدم وجه تقديم
الاختيار، وبعده السؤال عن تقدم الأمر باليد والمشيئة دوري فيسقط. (العناية) ومن قال إلخ: ترجم الفصل
بفصل المشيئة، فكان الابتداء فيه بمسألة فيها ذكر المشيئة أولى. (العناية) وقعن عليها: سواء طلقت جملة،
أو متفرقة. (العناية) وهذا: أي وقوع الواحدة في المسألة الأولى والثلاث في المسألة الثانية. (البناية)
فلهذا: أي ولأجل أن التطليق اسم جنس. (البناية) لأنه جنس: أي لأن الثنتين جنس في حقها أي في حق
الأمة؛ لقوله عليها: طلاق الأمة ثنتان. (البناية) قالت: في جواب طلقي نفسك.

١٨٧
باب تفويض الطلاق
لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه لو قال: "أبنتك" ينوي به الطلاقَ، أو قالت:
أَبْتُ نفسي، فقال الزوج: قد أَجَزْتُ ذلك، بانت، فكانت موافقةً للتفويض في الأصل،
إلا أنها زادَت فيه وصفاً، وهو تعجيلُ الإبانة، فيلغو الوصفُ الزائدُ، ويثبت الأصل، كما
أصل الطلاق
إذا قالت: طلقت نفسي تطليقة بائنة. وينبغي أن تقع تطليقة رجعية، بخلاف الاختيار؛
لأنه ليس من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه لو قال لامرأته: اخترتك أو اختاري، ينوي
الطلاق: لم يَقَعْ، ولو قالت ابتداءً: اخْتَرْتُ نفسي، فقال الزوج: قد أَجَزْتُ، لا يقع شيء
إلا أنه عُرفَ طلاقاً بالإجماع إذا حصل جواباً للتخيير، وقوله: "طلقي نفسَك" ليس
بتخيير فيلغو. وعن أبي حنيفة له: أنه لا يقع شيء بقولها: أَبْتُ نفسي؛ لأنها أَتَتْ بغير
ج
اخترت نفسی
ما فوّض إليها؛ إذ الإِبانةُ تغايرُ الطلاقَ. وإن قال لها: طلقي نفسَكِ، فليس له أن يَرْجِعَ
عنه؛ لأن فيه معنى اليمين؛ لأنه تعليقُ الطلاق بتطليقها، واليمينُ تصرُّف لازم، ولو قامت
عن مجلسها: بطل؛ لأنه تمليك، بخلاف ما إذا قال لها: طلقي ضَرَّتَك؛ لأنه توكيل
وإنابة، فلا يُقْتصر على المجلس، ويَقْبل الرجوعَ. وإن قال لها: طلقي نفسَكِ متى شِئْتِ،
فيه: أي في التفويض، ويجوز أن يقال الجواب. (البناية) وثبت الأصل: وهو وقوع الطلاق الرجعي. (البناية)
إذا قالت: في جواب طلقي نفسك. (البناية) تطليقة بائنة: فإنها زادت وصفاً فيلغو الوصف ويثبت
الأصل. (البناية) وينبغي إلخ: وإنما قال بلفظ ينبغي؛ لأن هذه المسألة من خواص "الجامع الصغير" ومحمد مافيه
لم ينص فيه على الرجعي، بل قال هي طالق، ولفظ محمد في "الجامع الصغير" عن يعقوب عن أبي حنيفة معدله
في رجل يقول لامرأته: طلقي نفسك، فتقول: أبنت نفسي، قال: هي طالق. [البناية ٢٦/٧]
بخلاف الاختيار: متعلق بقوله: لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق. (العناية) تغاير الطلاق: لأنها تحصل بدون
الطلاق، فيكون مغايراً له، فما أتت بما فوض إليها، وكذا في سائر ألفاظ الكنايات. [البناية ٢٦/٧]
على المجلس: أي فلا يبطل بالقيام.

١٨٨
باب تفويض الطلاق
فلها أن تُطَلّقَ نفسها في المجلس وبعده؛ لأن كلمة "متى" عامة في الأوقات كلّها، فصار
كما إذا قال: في أي وقت شئت. وإذا قال لرجل: طَلَّق امرأتي، فله أن يُطَلَّقَها في المجلس
وبعده، وله أن يَرْجِعَ؛ لأنه توكيل، وأنه استعانة فلا يلزم، ولا يُقْتصر على المجلس،
بخلاف قوله لامرأته: طلِّقي نفسَك؛ لأنها عاملة لنفسها، فكان تمليكاً لا توكيلاً. ولو قال
لرجل: طلقها إن شئت، فله أن يطلقها في المجلس خاصة، وليس للزوج أن يرجع. وقال
زفر سه: هذا والأول سواء؛ لأن التصریح بالمشيئة کعدمه؛ لأنه يتصرّفُ عن مشيئته،
فصار كالوكيل بالبيع، إذا قيل له: بعه إن شئت. ولنا: أنه تمليك؛ لأنه علّقه بالمشيئة، والمالك
هو الذي يتصرف عن مشيئته، والطلاقُ يَحْتَمل التعليقَ، بخلاف البيع؛ لأنه لا يحتمله.
ولو قال لها: طَلِّقي نفسك ثلاثاً، فطلقت واحدة، فهي واحدة؛ لأنها ملكت إيقاعَ
الثلاث، فَتَمِلكُ إيقاعَ الواحد ضرورة. ولو قال لها: طلقي نفسَكِ واحدةً، فطلقت نفسَها
ثلاثاً: لم يقع شيء عند أبي حنيفة ملكه. وقالا: تقع واحدة؛ لأنها أتت بما مَلَكَتْه وزيادة،
وأنه استعانة: بالغير في إيقاع الطلاق. فلا يلزم: بل يصح الرجوع عنه. إن شئت: والمراد بالمشيئة في قوله:
طلقها إن شئت هو المشيئة بمعنى رؤية المصلحة في الفعل والترك، أي طلق إن رأيت المصلحة فيه.
والأول: أي القول الأول، وهو قوله لأجنبي: طلق امرأتي بدون ذكر مشيئة. (البناية) سواء: في الحكم،
وبه قال أصحاب الشافعي همثل (البناية) لأنه: أي لأن الرجل الذي قال له طلق امرأتي إن شئت. (البناية)
إن شئت: يكون توكيلاً لا تمليكاً، ولا يخرج كلامه ذكر المشيئة عن التوكيل فكذا هذا. (البناية)
والمالك إلخ: فإن تمليك الطلاق فيه معنى اليمين، وفي قوله: طلقها إن شئت، تمليك فيه تعليق الطلاق
بالمشيئة، والطلاق يحتمل ذلك، والبيع لا يحتمل ذلك التعليق بالشرط، فيلغو ذكر المشيئة فيه.
والطلاق إلخ: جواب عن قياس زفر صورة النزاع على البيع، فإن قيل: هذا توكيل للبيع لا البيع نفسه،
والتوكيل به قابل للتعليق، أجيب بأنه اعتبر التوكيل بالبيع بأصل البيع. [العناية ٤٣١/٣]
فتملك إيقاع إلخ: لأن من يملك الكل يملك أجزاءه. (البناية) لأنها أتت: فيقع ما ملكته.

١٨٩
باب تفويض الطلاق
فصار كما إذا طلّقها الزوجُ ألفاً. ولأبي حنيفة سلكه: أنها أتت بغير ما فَوَّضَ إليها،
فكانت مبتدئةً؛ وهذا لأن الزوجَ ملَّكها الواحدةَ، والثلاثُ غيرُ الواحدة؛ لأن الثلاث
اسم لعدد مركّبٍ مجتمع، والواحد فرد لا تركيب فيه، فكانت بينهما مغايرة على سبيل
المضادة، بخلاف الزوج؛ لأنه يتصرف بحكم الملك، وكذا هي في المسألة الأولى؛ لأنها
ملكت الثلاثَ، أما ههنا لم تملك الثلاثَ، وما أَتَتْ بما فَوَّض إليها، فلغا. وإن أَمَرِها
الواحدةِ
بطلاقٍ يملك الرجعة، فطلّقْتْ بائنةً، أو أمرها بالبائن، فطلقت رجعيةً: وقع ما أَمَرَ به
الزوجُ، فمعنى الأول: أن يقول لها الزوج: طلّقي نفسَكِ واحدةً أملكُ الرجعةَ، فتقول:
طلَّقْتُ نفسي واحدةً بائنةً، فتقع رجعيةً؛ لأنها أَنَّتْ بالأصل وزيادة وصف كما ذكرنا،
فيلغو الوصفُ ويبقى الأصل. ومعنى الثانية: أن يقول لها: طلقي نفسَك واحدةً بائنة،
وهو البينونة
فتقول: طلقتُ نفسي واحدةً رجعية، فتقع بائنةً؛ لأن قولها "واحدة رجعية" لغوٌ منها؟
ألفا: فإن الثلاث الذي يفوض إليها شرعاً يقع، والباقي لغو؛ لأنه لا يملكه شرعاً. [البناية ٢٩/٧]
ولأبي حنيفة ماله إلخ: حاصله: أنه لما اشتغلت بغير ما فوض إليها، أعرضت عنه، فيكون رادة التفويض،
ولما ردته خرج الأمر من يدها، ولم تبق مالكة للطلاق، فلايصح إيقاعها، لا قصداً ولا ضمناً.
فكانت مبتدئة: فلا يقع: كما لو قال لها: طلقي نفسك، فطلقت ضرتها، فيتوقف على إجازته. [العناية ٤٣١/٣]
لأنه يتصرف إلخ: يعني أنه تكلم بالطلاق، وهو من حيث إنه مالك الطلاق يملك ما شاء من العدد
إلا أنه لا ينفذ إلا بقدر المحل، فإن المحل شرط النفاذ، لا شرط الإيجاب، وإذا كان كذلك صح إيجاب الألف،
فيثبت ما في ضمنها من إيجاب الثلاث أيضاً، وينفذ بقدر المحل، كذا في "الكافي".
المسألة الأولى: وهي فيما إذا طلقت نفسها واحدة، وقد قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً. (البناية)
ملكت الثلاث: فكانت مالكة للواحدة؛ لأن الثلاث تدل على الواحدة تضمناً. (البناية)
فمعنى الأول: وهو قوله: بطلاق يملك. (البناية) كما ذكرنا: عند قوله: لأنها أتت بما ملكت وزيادة. (البناية)

١٩٠
باب تفويض الطلاق
لأن الزوجَ لمّ عَّنَ صِفةَ المُفَوَّضِ إليها، فحاجتها بعد ذلك إلى إيقاع الأصل دون تعيين
الوصف، فصار كأنها اقتصرَتْ على الأصل، فيقع بالصفة التي عيّنها الزوج بائناً أو رجعيًّا.
وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثا إن شئت، فطلقت واحدة: لم يقع شيء؛ لأن معناه،
إن شئت الثلاثَ، وهي بإيقاع الواحدة ما شاءت الثلاث، فلم يوجد الشرط. ولو قال
لها: طلّقي نفسَك واحدةً إن شئت، فطلقت ثلاثاً، فكذلك عند أبي حنيفة محافظته؛ لأن
مشيئة الثلاث ليست بمشيئة الواحدة، كإيقاعها، وقالا: تقع واحدة؛ لأن مشيئة الثلاث
مشيئة الواحدة، كما أن إيقاعَها إيقاع للواحدة، فوجد الشرط. ولو قال لها: أنت طالق
إن شِئْتِ، فقالت: شِئْتُ إِنْ شِئْتَ، فقال: شئتُ ينوي الطلاقَ: بطل الأمرُ؛ لأنه علّق
طلاقها بالمشيئة المرسلة، وهي أَنَّتْ بالمعلقة، فلم يوجد الشرطُ، وهو اشتغالٍ بما لا يعينها،
فخرج الأمرُ من يدها. ولا يقع الطلاق بقوله: "شئتُ" وإن نوى الطلاق؛ لأنه ليس
في كلام المرأة ذكرُ الطلاق؛ ليصير الزوج شائياً طلاقها، والنيةُ لا تعمل في غير المذكور،
حتى لو قال: شئتُ طلاقَك، يقع إذا نوى؛ لأنه إيقاع مبتدأ؛ إذ المشيئةُ تُنْبئ عن الوجود،
لأن معناه إلخ: إذ الشرط لابد له من جزاء، فإما أن يكون متقدماً عليه، أو يقدر مثله متأخراً، وعلى
كلا التقديرين يتعلق بمشيئة الثلاث، ولم توجد بمشيئة الواحدة. [العناية ٤٣٢/٣] كإيقاعها: كما أن إيقاع
الثلاث ليس بإيقاع للواحدة فيما إذا قالت: طلقت نفسي ثلاثاً. (العناية) بطل الأمر: يعني لا يقع الطلاق. (البناية)
المرسلة: يعني غير المعلقة بشيء. (البناية) بالمعلقة: يعني المرأة أتت بالمشيئة المعلقة بمشيئة الزوج. (البناية)
إذ المشيئة إلخ: قيل: لأن المشيئة في الأصل مأخوذة من الشيء، وهو اسم للموجود، فكان قوله: شئت
بمنزلة أوجدت، وإيجاد الطلاق بإيقاعه، بخلاف الإرادة، فإنها في اللغة عبارة عن الطلب، قال عليها:
"الحمى رائد الموت" أي طالبه. [العناية ٤٣٣/٣]

١٩١
باب تفويض الطلاق
بخلاف قوله: أُرَدْتُ طلاقَك؛ لأنه لا ينبئ عن الوجود. وكذا إذا قالت: شئتُ إن شاء
لا يقعَّ الطلاق
فإنه لا یقع
أبي، أو شئتُ إن كان كذا لأمر لم يجئ بعد؛ لما ذكرنا أن المأتيَّ به مشيئة معلقة، فلا يقع
الطلاق، وبطل الأمرُ. وإن قالت: قد شئتُ إن كان كذا لأمر قد مضى: طلِقت؛
لأن التعليقَ بشرطِ كائنٍ تنجيزٌ، ولو قال لها: أنت طالق إذا شئت، أو إذا ما شئت، أو متى
شئت، أو متى ما شئت، فردَّت الأمرَ: لم يكن ردًّا، ولا يقتصر على المجلس. أما كلمة
"منى"، و"متى ما"، فلأنها للوقت، وهي عامة في الأوقات كلّها؛ كأنه قال: في أي وقت
شئت، فلا يقتصر على المجلس بالإجماع، ولو ردَّتِ الأمرَ لم يكن رداً؛ لأنه ملَّكها الطلاق
في الوقت الذي شاءت، فلم يكن تمليكاً قبل المشيئة حتى يَرْتَدَّ بالرد، ولا تُطَلِّقُ نفسَها
إلا واحدةً؛ لأنها تَعُمُّ الأزمانَ دون الأفعال، فتملك التطليق في كل زمان، ولا تملك تطليقاً
بعد تطليق. وأما كلمة "إذا"، و"إذا ما" فهي و"متى" سواء عندهما، وعند أبي حنيفة بدليه
وإنو كان يُسْتعمل للشرط، كما يستعمل للوقت، لكن الأمر صار بيدها، فلا يَخْرج
بالشك، وقد مرَّ من قبل. ولو قال لها: أنت طالق كلّما شئت، فلها أن تُطلق نفسها
واحدة بعد واحدة، حتى تطلق نفسَها ثلاثاً؛ لأن كلمة "كلما" توجب تكرارَ الأفعال،
لأنه: أي وكذا لأن الإرادة. إذا قالت: أي في جواب أنت طالق إن شئت. معلقة: والزوج فوض إليها بمشيئة
مرسلة، فبطل الأمر من يدها. (البناية) وإن قالت: في جواب أنت طالق إن شئت. للشرط: فيقتصر في المجلس،
كما في إن. فلا يخرج بالشك: يعني لو نظرنا إلى كونه للشرط يخرج الأمر من يدها بالقيام كما في قوله:
إن شئت، ولو نظرنا إلى كونه للوقت لا يخرج، فلا يخرج بالشك. [العناية ٤٣٥/٣]
مر من قبل: يعني في فصل إضافة الطلاق إلى الزمان. (العناية)

١٩٢
باب تفويض الطلاق
إلا أن التعليق ينصرف إلى الملك القائم، حتى لو عادت إليه بعد زوج آخر، فطلقت
نفسَها: لم يقع شيء؛ لأنه ملك مستحدث، وليس لها أن تطلّق نفسَها ثلاثاً في كلمة
واحدة؛ لأنها تُوْجِبُ عمومَ الإنفراد لا عمومَ الاجتماع، فلا تملك الإيقاعَ جملةً وجمعاً.
ولو قال لها: أنت طالق حيث شِئْتٍ، أو أين شئت: لم تَطْلُقْ حتى تشاء، وإن قامت من
مجلسها: فلا مشيئةً لها؛ لأن كلمة "حيث" و "أين" من أسماء المكان، والطلاق لا تعلُّقَ
له بالمكان، فيلغو، ويبقى ذكر مُطْلَقِ المشيئة، فَقْتَصَرُ على المجلس، بخلاف الزمان؛ لأن
له تعلُّقاً به، حتى يقع في زمان دون زمان، فوجب اعتباره، خصوصاً وعموماً. وإن
قال لها: أنت طالق كيف شِئْتِ، طُلِّقَتْ تطليقةً يملك الرجعةَ، ومعناه: قبل المشيئة،
فإِن قالت: قد شئتُ واحدةً بائنةً، أو ثلاثاً، وقال الزوج: ذلك نَوَيْتُ، فهو كما قال؛
لأن ذلك تُثْبِتُ المطابقةَ بين مشيئتها وإرادته. أما إذا أرادت ثلاثاً، والزوج أراد
واحدةً بائنةً أو على القلب: تقع واحدة رجعية؛ لأنه لغا تصرّفُها؛ لعدم الموافقة، فبقي
إيقاع الزوج، وإن لم تحضره النيةُ تُعتبر مشيئتها فيما قالوا؛ جرياً على موجب التخيير.
كلمة واحدة: أي فيما إذا قال لها: أنت طالق كلما شئت. جملة وجمعاً: قيل: معناهما واحد، وقيل:
الجملة هو أن تقول: طلقت نفسي ثلاثاً، والجمع أن تقول: طلقت واحدة وواحدة وواحدة، هذا هو
الظاهر. [العناية ٤٣٦/٣] لأن له إلخ: لأن للطلاق تعلقاً به لوقوعه في زمان دون زمان، وأما إذا كان
واقعاً في مكان، كان واقعاً في جميع الأمكنة، فوجب اعتباره أي اعتبار الزمان خصوصاً، كما لو قال:
أنت طالق غداً، أو عموماً كما لو قال: أنت طالق في أي وقت شئت. [العناية ٤٣٦/٣-٤٣٧]
على القلب: بأن أراد المرأة واحدة بائنة، وأراد الزوج ثلاثاً. (البناية) مشيئتها: في الكم والكيف. (العناية)
موجب التخيير: لأن الزوج خيَّرها في وصف الطلاق بقوله: كيف شئت، فيجري على موجب تخييره. (البناية)

١٩٣
باب تفويض الطلاق
قال نظرُه: قال في "الأصل": هذا قول أبي حنيفة ملكه، وعندهما: لا يقع ما لم تُوْقِعِ
محمد المبسوط
المصنف
المرأةُ، فتشاء رجعيةً، أو بائنةً، أو ثلاثاً. وعلى هذا الخلاف العتاق. لهما: أنه فوَّضَ
التطليقَ إليها على أي صفةٍ شاءت، فلأُبدَّ من تعليق أصل الطلاق بمشيئتها؛ لتكون لها
المشيئةُ في جميع الأحوال، أعني: قبل الدخول وبعده. ولأبي حنيفة رسوله أن كلمة
"كيف" للاستيصاف، يقال: كيف أصبحت، والتفويض في وصفه يستدعي وجودَ
أصله، ووجودَ الطلاق بوقوعه. وإن قال لها: أنت طالق كم شئتٍ، أو ما شئتِ:
طلقت نفسها ما شاءت؛ لأنهماٍ يُسْتعملان للعدد، فقد فوَّض إليها أيّ عدد شاءت، فإن
قامت من المجلس: بطل، وإن ردَّت الأمرَ: كان ردًّا؛ لأن هذا أمر واحد، وهو خطاب
في الحال، فيقتضي الجواب في الحال. وإن قال لها: طلقي نفسك مِنْثَلاثٍ ما شئت،
قال إلخ: إنما قال في الكتاب: قال في "الأصل": هذا قول أبي حنيفة بحثه؛ لأن ما أورده في الأصل من مسائل
"الجامع الصغير"، وليس فيه ذكر قولهما، وإنما ذكر الرواية فيه على قول أبي حنيفة مدلشكه لا غير، فذكره ليتبين
ما أن ذكره في "الجامع الصغير"، إنما هو قوله، لا قولهما بدليل ما ذكر في الأصل. [العناية ٤٣٨/٣-٤٣٩]
لا يقع إلخ: يعني لا يقع شيء مالم تشأ المرأة. (البناية) وعلى هذا إلخ: يعني إذا قال لعبده: أنت حركيف
شئت، عتق عند أبي حنيفة محله، ولا حال للعتق يفوض إليه، وعندهما: لا يعتق حتى يشاء. [العناية ٤٣٨/٣]
فوّض التطليق إليها: لأن كلمة كيف للسؤال عن الحال مطلقاً. (العناية) ولأبي حنيفة بالت إلخ: وههنا سؤال
مشهور، وهو أن المعقول أن لا يحتاج إلى نية الزوج؛ لأنه لما فوض الأمر إليها وجب أن تستقل بإثبات
ما فوض إليها اعتباراً بعامة التفويضات. وجوابه: أنه فوض إليها حال الطلاق، وهو مشتركة بين الكم والكيف
يعني العدد والبينونة، فيحتاج إلى النية لتعيين أحدهما. [العناية ٤٣٧/٣] للاستيصاف: أي لطلب الوصف،
لا لطلب الأصل. (العناية) كيف أصبحت: أي على أي وصف من الصحة والسقم وغير ذلك. (العناية)
بطل: لما ذكرنا أنه تمليك، والتمليك يقتصر على المجلس. (العناية) أمر واحد: قيل: هو احتراز عن كلما،
وقيل: عن إذا ومتى. (العناية) الجواب في الحال: لما قلنا: فإذا ردت الأمر فقد حصل الجواب في الحال
ولا جواب بعده لعدم التكرار. (العناية)

١٩٤
باب تفويض الطلاق
فلها أن تُطَلِّق نفسَها واحدةً، أو ثنتين، ولا تطلق ثلاثاً عند أبي حنيفة بحظه. وقالا:
تطلق ثلاثاً إن شاءت؛ لأن كلمة "ما" مُحْكَمَةٌ في التعميم، وكلمة "من" قد تستعمل
للتمييز، فُحْمل على تميز الجنس، كما إذا قال: كُلْ من طعامي ما شئت، أو طُلِّقْ من
نسائي مَنْ شاءت. ولأبي حنيفة حاله: أن كلمة "من" حقيقة للتبعيض، و"ما" للتعميم،
فيعمل بهما، وفيما استشهدا به تُرِكَ التبعيضُ؛ لدلالة إظهار السماحة، أو لعموم
الصفة، وهي المشيئة حتى لو قال: مَنْ شِئْتَ، كان على الخلاف.
للتمييز: يعني للبيان كما في قوله تعالى: ﴿فَاحْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، وقد تكون للتبعيض، وقد تكون
لغيرهما، كما عرف ذلك، فاجتمع في كلامه المحكم والمحتمل، فيحمل المحتمل على المحكم، ويجعل
بياناً. [العناية ٤٣٩/٣-٤٤٠] فيعمل بهما: لأن الأصل أن يعمل بحقيقة الكلام مالم يدل دليل
المجاز. (البناية) وفيما استشهدا: هذا جواب عن قول أبي يوسف ومحمد حماًا. (البناية)
ترك التبعيض: بدليل خارجي وهو قوله: لدلالة إظهار السماحة. (البناية) لدلالة: لأن في العرف يراد بمثل هذا
الكلام إظهار السماحة والكرم، وذلك بالعموم. (البناية) أو لعموم الصفة: وهي المشيئة، فإن النكرة إذا اتصف
بصفة عامة تعم، كما عرف، وههنا كذلك حتى لو قال: من شئت كان على الخلاف. [العناية ٤٤٠/٣]

١٩٥
باب الأيمان في الطلاق
باب الأيمان في الطلاق
وإذا أضاف الطلاقَ إلى النكاح: وقع عقيب النكاح، مثل أن يقول لامرأة:
إن تزوجتُك فأنت طالق، أو كلُّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالق، وقال الشافعي بحثه:
لا يقع؛ لقوله عليًا: "لا طلاق قبل النكاح" . * ولنا: أن هذا تصرُّفُ يمين؛ لوجود
الشرط والجزاء، فلا يُشترط لصحته قيامُ الملك في الحال؛ لأن الوقوع عند الشرط،
والملكُ متيقّن به عنده، وقبل ذلك أثرُه المنع، وهو قائم بالمتصرف، والحديث
وقوع الطلاق
محمول على نفي التنجيز، والحمل مأثورٌ عن السلف كالشعبي والزهري وغيرهما.
مروي
باب الأيمان إلخ: لما فرغ من بيان تنجيز الطلاق - صريحاً وكناية - أعقبه بذكر بيان تعليقه، لكونه مركباً
من ذكر الطلاق والشرط، والمركب مؤخر عن المفرد، واليمين في الطلاق عبارة عن تعليقه بأمر بما يدل على
معنى الشرط، فهو في الحقيقة شرط وجزاء سمي يميناً مجازاً؛ لما فيه من معنى السبية. [العناية ٤٤٢/٣]
متيقن به عنده: أي عند الشرط، ويصح مع احتمال الملك عند الشرط، فمع المتيقن بالملك أولى، وبيانه:
أن من قال لامرأته: إن دخلت الدار، وإن احتمل عند وجود الشرط بأن تصير مطلقة فلأن يصح هنا هو
التيقن أولى. (البناية) وقبل ذلك: أي وقبل وجود الشرط أثره المنع، وهو قائم بالمتصرف؛ لأنه يمين، ومحله
ذمة الحالف، فلا يكون شرطاً في ذلك الوقت. [العناية ٤٤٣/٣] أثره المنع: أي قبل وجود الشرط أثر
الشرط أن يمنع السبب من أن يتصل بالمحل. [البناية ٤٨/٧] قائم بالمتصرف: أي تصرف اليمين الحلف
قائم بالمتصرف، ولا حاجة إلى اشتراط المحل، بل ذمة الحالف كافية. [البناية ٤٨/٧]
نفي التنجيز: أي لا طلاق قبل النكاح منجزاً، والمنجز هو الطلاق حقيقة لا المعلق. (البناية) والحمل: أي حمل
الحديث على التنجيز. (البناية) عن السلف: أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن هؤلاء. كالشعبي: هو عامر
بن شراحيل من كبار التابعين. (البناية) والزهري: أي محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب،
ونسبته إلى زهرة بن كلاب بن مرة. (البناية) وغيرهما: أي كمكحول وسالم بن عبد الله. (العناية)
* أخرجه الزيلعي من عشرة طرق. [نصب الراية ٢٣٠،٢٣١،٢٣٢/٣] أخرجه ابن ماجه في "سننه" عن المسور
بن مخرمة عن النبي ◌ُّ قال: "لا طلاق قبل النكاح ولا عتق قبل ملك". [رقم: ٢٠٤٨، باب لا طلاق قبل النكاح]

١٩٦
باب الأيمان في الطلاق
وإذا أضافه إلى شرط: وقع عقيب الشرط، مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدارَ
فأنت طالق، وهذا بالاتفاق؛ لأن الملك قائم في الحال، والظاهر بقاؤه إلى وقت وجود
الشرط، فيصح يميناً أو إيقاعاً. ولا تصح إضافة الطلاق إلا أن يكون الحالف مالكاً،
ملك النكاح
أو يُضِيفُه إلى ملك؛ لأن الجزاء لابد أن يكون ظاهراً ليكون مُخيْفاً، فيتحقق معنى
اليمين، وهو القوة والظهورُ بأحد هذين، والإضافة إلى سبب الملك بمنزلة الإضافة
(غالب الوجود)
إليه؛ لأنه ظاهر عند سببه. فإن قال الأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم تزوجها،
فدخلت الدار: لم تطلق؛ لأن الحالف ليس بمالكٍ، وما أضافه إلى الملك أو سببه، ولا بد
للطلاق
من واحد منهما. وألفاظ الشرط: إن، وإذا، وإذا ما، وكل، وكلما، ومتى، ومتى ما؛
بالاتفاق: احترز به عن المسألة المتقدمة أعني قوله: إن تزوجتك فأنت طالق؛ لأن فيها خلاف الشافعي رحلته،
كما مرّ، قال الإِتراري: يجوز أن يكون احترازاً عن المسألة التي بعد هذه، أعني قوله الأجنبية: إن دخلت الدار
فأنت طالق، ثم تزوجها، فدخلت الدار لم تطلق؛ لأن فيها خلاف ابن أبي ليلى، فعنده تطلق. [البناية ٤٩/٧-٥٠]
في الحال: أي وقت هذا التعليق. فيصح يميناً: يعني عندنا على ما مر، أو إيقاعاً يعني عند الشافعي محافظته،
فإن عنده كونه طلاقاً معلق، لا التطليق، فكان إيقاعاً في الحال، ولكن لم يثبت فيه حكمه.
مالكاً: يعني إلا إذا حلف في الملك. (البناية) ليكون مخيفاً: أي الجزاء مخيفاً أي بوقوع الجزاء فيما إذا كان
المقصود منه المنع بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فعلى تقدير الإقدام على دخول الدار يقع الطلاق؛
لأنه دار نفقتها وكفايتها، فكان وقوعه مطلقاً لها. [البناية ٥١/٧] بأحد هذين: هو كون الحالف مالكاً،
أو مضيفاً إلى الملك. (البناية) والإضافة إلخ: كقوله: إذا اشتريتك فأنت حر، بمنزلة الإضافة إلى الملك
كقوله: إن ملكتك فأنت حر. [العناية ٤٤٧/٣]
فإن قال لأجنبية: هذا تفريع على ما مهد من الأصل، يعني إذا قال الرجل لامرأة أجنبية. (البناية)
منهما: أي الملك، أو الإضافة إلى الملك. وألفاظ الشرط: إنما لم يقل: حروف الشرط؛ لأن كلمة إن هو
الحرف وحده، والباقي أسماء. [البناية ٥٢/٧]

١٩٧
باب الأيمان في الطلاق
لأن الشرط مشتق من العلامة، وهذه الألفاظ مما يليها أفعال، فتكون علاماتٍ على
الحنْث، ثم كلمة "إن" حرف للشرط؛ لأنه ليس فيها معنى الوقت، وما وراءها مُلْحَقٌ
بها، وكلمة "كل" ليس شرطاً حقيقة؛ لأن ما يليها اسم، والشرط ما يتعلق به الجزاء،
والأجزيةُ تتعلق بالأفعال، إلا أنه أُلْحِقَتْ بالشرط؛ لتعلّقِ الفعل بالاسم الذي يليها، مثل
قولك: كلُّ عَبِّد اشتريتُه فهو حر وقال: ففي هذه الألفاظ إذا وُجِدَ الشرطُ، انحلت
وانتهت اليمين؛ لأنها غيرُ مقتضيةٍ للعموم والتكرار لغة، فبوجود الفعل مرة يتم الشرط،
ولا بقاء لليمين بدونه، إلا في كلمة "كلما"، فإنها تقتضي تعميمَ الأفعال، قال الله تعالى:
وَكُلَّمَا نَضِحَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآية، ومن ضرورة التعميم التكرار.
الشرط
مشتق من العلامة: [أي منقول من الشرط الذي بمعنى العلامة]، قال في "الصحاح": الشرط بالتحريك
العلامة، وأشراط الساعة علاماتها، فعلى هذا يكون معنى ما ذكر في الكتاب أن الشرط مشتق من الشرط
الذي هو بمعنى العلامة؛ لأن المراد بالاشتقاق هو الاشتقاق الكبير، وهو أن تجد بين اللفظين تناسباً في اللفظ
والمعنى، وليس بين الشرط والعلامة تناسب لفظي، فيقدر ذلك ليستقيم. [العناية ٤٤٨/٣]
وهذه الألفاظ إلخ: يعني غير كلمة كل، فإنه يذكر فيما يليها اسم، وفي كلامه نظر؛ لأنه استدلال على
الموضوعات اللغوية، وليس ذلك طريق معرفتها، وإنما طريق ذلك السماع، وهذه الألفاظ سمعت مستعملة
في مواضع الشرط، فلا حاجة إلى الاستدلال، ولئن صح الاستدلال، فدليله ههنا لا يفيد مطلوبه؛ لأن مطلوبه أن
هذه ألفاظ الشرط، ودليله: لأن الشرط مشتق من العلامة، وهو مسلم على الوجه الذي قررناه. وهذا أيضاً
مسلم، لكن قوله: فتكون علامات على الحنث ليس بلازم للمقدمتين المذكورتين، وهو ظاهر. [العناية ٤٤٨/٣]
فتكون إلخ: أي يكون وجود الأفعال علامات على الحنث، والحنث هو وقوع الجزاء.
كلما إلخ: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: قوله تعالى: ﴿كُلّمَا نَصِحَتْ حُلُودُهُمْ﴾ يقول: كلما
احترقت جلودهم بالنار بدلناهم جلودً بيضاء. ومن ضرورة إلخ: المراد بقوله: ومن ضرورة التعميم تعميم
الأفعال؛ لأن الكلام فيه، والتعميم في الأفعال إنما يكون بتجدد الأفعال، وهو المراد بالتكرار. [العناية ٤٤٩/٣]

١٩٨
باب الأيمان في الطلاق
قال: فإن تزوَّجها بعد ذلك، أي بعد زوج آخر، وتكرَّرَ الشرط، لم يقع شيء؛ لأن
القدوري
ء
باستيفاء الطلقات الثلاث المملوكات في هذا النكاح لم يَبْقَ الجزاء، وبقاء اليمين
به وبالشرط، وفيه خلاف زفر بالله، وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى. ولو دخلَتْ على
لفظة "كلما"
نفس التزوُّج بأن قال: كلما تزوَّجْتُ امرأةً فهي طالق: يحنث بكل مرة وإن كان بعد
زوج آخر؛ لأن انعقادَها باعتبار ما يَّمْلِكُ عليها من الطلاق بالتزوُّج، وذلك غير محصور.
الزوج
قال: وزوالُ الملك بعد اليمين لا يبطلها؛ لأنه لم يوجد الشرطُ فبقي، والجزاء باق لبقاء
القدوري
محلّه، فبقي اليمين، ثم إن وُجدَ الشرط في ملكه، انحلت اليمين، ووقع الطلاق؛ لأنه وُجِدَ
الشرطُ والمحلُّ قابلٌ للجزاء، فينزل الجزاءُ، ولا يبقى اليمين؛ لما قلنا. وإن وجد في غير
الملك: انحلت اليمينُ؛ لوجود الشرط، ولم يقع شيء لانعدام المحلية، وإن اختلفا في وجود
الشرط: فالقول قول الزوج إلا أن تُقِيْمَ المرأةُ البينةَ؛ لأنه متمسك بالأصل، وهو عدم
الشرط، ولأنه منكر وقوع الطلاق وزوال الملك، والمرأة تدعيه. فإن كان الشرطُ لا يُعْلَمُ
إلا من جهتها: فالقول قولها في حقّ نفسها مثل أن يقول: إن حضْت فأنت طالق وفلانة،
فإن تزوجها إلخ: أي فإذا قال: كلما دخلت الدار، فأنت طالق، طلقت حتى ينتهي إلى الثلاث، فإن
تزوجها بعد زوج آخر وتكرر الشرط لم يقع شيء. [العناية ٤٤٩/٣] بكل مرة: لوجود الشرط أبداً. (البناية)
لا يبطلها: أي إذا قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم أبانها لم يبطل اليمين. (العناية)
لبقاء محله: لأن الثلاث لم توجد. (البناية) وجد الشرط: وهو دخول الدار في ملكه يعني بعد أن تزوجها
ثانياً. (البناية) لما قلنا: إشارة إلى قوله: فبوجود الفعل مرة يتم الشرط. (البناية) انحلت اليمين: كما إذا وجد
قبل التزوج. (العناية) حق نفسها: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ك في ظاهر مذهبه، ثم أوضع
الذي لايعلم إلا من جهتها. [البناية ٥٨/٧]

١٩٩
باب الأيمان في الطلاق
فقالت: قد حِضْتُ، طُلِّقَتْ هي، ولم تطلق فلانة، ووقوع الطلاق استحسان، والقياس:
أن لا يقع؛ لأنه شرط، فلا تُصَدَّقُ كما في الدخول. وجه الاستحسان: أنها أمينة في حق
نفسها؛ إذ لا يُعْلَمُ ذلك إلا من جهتها، فيُقْبَلُ قولها كما قُبل في حق العدة والغِشْيَان،
الشرط
ولكنها شاهدة في حق ضَرّتها، بل هي متهمة، فلا يقبل قولها في حقها. وكذلك
الضرة
الوقال: إن كُنْتِ تُحِبِين أن يُعَذِّبكِ الله في نار جهنم، فأنت طالق، وعبدي حر، فقالت:
أُحِبُهُ، أو قال: إن كنت تحبني، فأنت طالق، وهذه معكِ، فقالت: أُحِبُّكَ، طُلِقَتْ هي،
ولم يَعْتَقِ العبدُ، ولا تُطَلَّقُ صاحِبْتُها؛ لما بينًّا، ولا يَتَقَّنُ بكذبها؛ لأنها لشدة بُغْضِها إِياه
في الثانى
في الأول
قد تحب التخليصَ منه بالعذاب، وفي حقها أن تَعَلَّقَ الحكمُ بإخبارها، وإن كانت
كاذبة، ففي حقِّ غيرِها بقي الحكمُ على الأصل، وهي المحبة. وإذا قال لها: إِذا
في الإخبار
حِضْتِ فأنت طالق، فرأت الدمَ: لم يقع الطلاقُ حتى يستمر ثلاثة أيام؛
ولم تطلق فلانة: ليس على ظاهره، بل فيما إذا كذبها الزوج في قولها: حضت، وأما إذا صدقها، فإنه
يقع. [العناية ٤٥١/٣] كما في الدخول: أي في دخول الدار، فكان ينبغي أن يكون القول قول الزوج،
ولا يقع الطلاق؛ لأنه ينكر وقوعه متسمكاً بالأصل. [البناية ٥٨/٧] في العدة والغشيان: [هو كناية عن
الوطء] أما قبولها في العدة، فبأن تقول: قد انقضت، أو لم تنقض، وأما في الغشيان، فيحتمل معنيين:
أحدهما: أن تقول المطلقة الثلاث: انقضت عدتي، وتزوجت بزوج آخر، ودخل بي الزوج الثاني. والثاني:
أن يقبل قولها في حق حل الجماع وحرمته بقولها: أنا طاهر أو حائض. [العناية ٤٥١/٣]
شاهدة: بوقوع الطلاق عليها. (البناية) وكذلك إلخ: أي وكذلك الحكم في أن القول قول المرأة في حقها
دون حق غيرها. (البناية) لما بينا: إشارة إلى قوله: أمينة في حق نفسها شاهدة في حق ضرتها. (البناية)
ولا يتيقن إلخ: جواب عما يقال: إخبارها عن محبتها تعذيب الله إياها بنار جهنم مقطوع بكذبه، فوجب
أن لا يقبل قولها أصلاً. [العناية ٤٥٣/٣] المحبة: أي لا الإخبار عن المحبة، وهي غير معلومة، فلهذا لا يعتق
العبد، ولا تطلق صاحبتها.