النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦٠
باب إيقاع الطلاق
أو شِقْصاً منه: وقعت الفُرْقَةُ؛ للمنافاة بين الملكين، أما ملكُها إياه؛ فللاجتماع بين
المالكية والمملوكية، وأما ملكه إياها؛ فلأن ملكَ النكاح ضروريًّ، ولا ضرورة مع
قيام ملك اليمين فينتفي، ولو اشتراها ثم طلَّقها: لم يقع شيء؛ لأن الطلاقَ يَسْتَدْعي
قيامَ النكاح، ولا بقاءً له مع المنافي، لا من وجه ولا من كل وجه، وكذا إذا مَلَكَتْهُ
أو شِقصاً منه: لا يقع الطلاق؛ لما قلنا من المنافاة. وعن محمد رحلته أنه يقع؛ لأن
العدةَ واجبة، بخلاف الفصل الأول؛ لأنه لا عِدَّةَ هنالك حتى حلَّ وطؤها له. وإِن
قال لها وهي أمة لغيره: أنت طالق ثِنْتَيْن مع عتق مولاك إياك، فأعتقها مولاها: ملك
للزوج المالك
الزوجُ الرجعة؛ لأنه علّق التطليقَ بالإِعتاق أو العتق؛ لأن اللفظَ ينتظمهما، والشرطُ
ما يكون معدوماً على خطر الوجود، وللحكم تعلَّقٌ به، والمذكور بهذه الصفة،
أي العتق
بين الملكين: وهما ملك النكاح والملك بالشراء ونحوه. (البناية) أما ملكها: أي أما ملك المرأة
زوجها. (البناية) فللاجتماع إلخ: وهو مستحيل؛ لأن ملك الرقبة يقتضي أن يكون خادماً، وملك النكاح
يقتضي أن يكون مخدوماً فاستحال اجتماعهما. [البناية ٣٨٥/٦] ضروري: بيانه: أن ملك النكاح إثبات
الملك على الحرة؛ وهو على خلاف القياس، وما هو كذلك، فهو ضروري. [العناية ٣٨١/٣]
لا من وجه: يعني من حيث العدة؛ لأنها أثر من آثاره، فلا يجب مع وجود المنافي، وإلا لكان ملك النكاح باقياً
من وجه. [البناية ٣٨٦/٦] الفصل الأول: وهو ما إذا ملك الزوج امرأته. (البناية) لا عدة هنالك: يعني في حق
مولاها الذي كان زوجها أي: لا يظهر أثر عدتها بدليل حل وطئها. وأما العدة في نفسها فواجبة حتى أنه
لو أعتقها ليس لها أن تتزوجها بآخر قبل انقضاء عدتها. [العناية ٣٨٢/٣]
لأن اللفظ إلخ: وهو قوله: مع عتق مولاك ينتظمهما أي ينتظم الإعتاق والعتق على طريق البدل لا الشمول؛
لاستحالة الحقيقة والمجاز مرادين. (البناية) والشرط ما إلخ: أي وقد علم أن الشرط ما يكون معدوماً ويكون
على خطر الوجود، والعتق والإعتاق بهذه المثابة شرط على خطر الوجود. (البناية) بهذه الصفة: يعني معدوم
على خطر الوجود و للحكم تعلق به، فيكون شرطاً؛ لأنه جعل التطليق متصلاً بالعتق. [البناية ٣٨٧/٦]

١٦١
باب إيقاع الطلاق
والمعلَّقُ به التطليقُ؛ لأن في التعليقات يصير التصرف تطليقا عند الشِرط عندنا، وإذا
لا عند التكلم
كان التطليق معلّقاً بالإعتاق أو العتق يوجد بعده، ثم الطلاق يوجد بعد التطليق،
فيكونُ الطلاقُ متأخراً عن العتق، فيصادفها، وهي حرة فلا تُحَرِّمُ حرمةً غليظةً
بالثنتين بقي شيء، وهو: أن كلمة "مع" للقران. قلنا: قد يُذْكَرُ للتأُّر كما في قوله
مجازا
٥
٥
اإِن مَعَ العُسْر یُسْرا﴾ فیحمل عليه بدليل ما ذكرنا من معنى
﴿ فَإِنّ مَعَ الْعُسْ
ـمر يسـ
تعالى:
الشرط. ولو قال: إذا جاء غد، فأنت طالق ثنتين، وقال المولى: إذا جاء غد فأنت
حرة، فجاء الغد لم تحل له حتى تَنْكِحَ زوجاً غَيْرَه، وعدتها ثلاث حيَض، وهذا عند
أبي حنيفة وأبي يوسف دهما. وقال محمد بسطله: زوجها يملك الرجعة؛ لأن الزوجَ قَرَنَ
الإيقاعَ بإعتاق المولى حيث علَّقه بالشرط الذي علَّق به المولى العتقَ، وإنما ينعقد المعَلَّقُ
مجيء الغد
إيقاع الطلاق
سبباً عند الشرط، والعتقُ يقارن الإِعتاق؛ لأنه علته، وأصلهُ الاستطاعة مع الفعل،
التطليق: وذلك لأن تعليق الحكم يقتضي تعليق سببه، فإذا علق الطلاق بأمر يقتضي تعليق التطليق به،
فكان التطليق يتحقق عند تحقق الشرط، بخلاف الشافعي، فإنه يقول: التطليق واقع إلا أن الحكم متأخر.
يوجد بعده: أي يوجد التطليق بعد الاعتاق أو العتق؛ لأن المشروط مع الشرط يتعاقبان. (البناية)
فيصادفها: أي يصادف الطلاق المرأة. (البناية) فيحمل عليه: أي إذا كان الأمر كذلك، فيحمل لفظ
"مع" على التأخر، كما في الآية الكريمة. (البناية) معنى الشرط: لضرورة تصحيح الكلام. (البناية)
ولو قال إلخ: أي ولو قال الرجل لامرأته الأمة: إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين. (البناية)
لأن الزوج إلخ: قال في "الكافي": قال محمد له: التطليق يقارن الإعتاق؛ لأن كلاً منهما معلق بشرط واحد،
والمعلق بالشرط الواحد ينعقد سبباً عنده، والعتق يقارن الإعتاق؛ لأنه معلوله، فيكون الطلاق مقارناً
للإعتاق، فيكون مقارناً للعتق ضرورة، فيكون واقعاً على الحرة، فيملك الرجعة. لأنه علته: لأن الاعتاق
علته أي علة العتق، والعلة مع المعلول يقترنان عند الجمهور. [البناية ٣٩٠/٦] وأصله: أي أصل ما ذكرنا،
وقاعدته: أن الاستطاعة أي القدرة مع جميع ما يتوقف عليه التأثير يقارن الفعل.

١٦٢
باب إيقاع الطلاق
فيكون التطليقُ مقارناً للعتق ضرورةً، فتطلق بعد العتق، فصار كالمسألة الأولى، ولهذا تُقَدَّرُ
عدتُها بثلاث حيض. ولهما: أنه علق الطلاقَ بما علَّق به المولى العتقَ، ثم العتقُ يصادفها
اتفاقا
وهي أمة، فكذا الطلاق، والطلقتان تُحَرِّمان الأمَّةَ حرمةً غليظة، بخلاف المسألة الأولى؛
لأنه علّق التطليقَ بإعتاق المولى، فيقع الطلاق بعد العتق على ما قررناه، وبخلاف العدة؛ لأنه
يُؤْخَذُ فيها بالاحتياط، وكذا الحرمةُ الغليظة يؤخذ فيها بالاحتياط، ولا وَجْهَ إلى ما قالِ؛
لأن العتقَ لو كان يقارن الإِعتاقَ؛ لأنه علته، فالطلاقُ يقارن التطليقَ؛ لأنه علته فيقترنان.
فصل في تشبيه الطلاق ووصفه
ومن قال لامرأته: أنت طالق هكذا، يشير بالإِبهام، والسبابة، والوسطى: فهي
ثلاث؛ لأن الإِشارة بالأصابع تُفْيْدُ العلمَ بالعدد في مجرى العادة إذا اقترنت بالعدد
(لفظ هكذا)
المُبْهَم. "الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا"* الحديث، وإن أشار بواحدة، فهي واحدة،
فيكون إلخ: لأن التطليق مقارن للإعتاق على ما ذكرنا، والإعتاق مقارن للعتق، والطلاق يقارن العتق؛
لما ذكرنا أنه علته لا يتأخر عنها، فالتطليق يقارن العتق. [العناية ٣٨٤/٣] الأولى: وهي قوله: أنت طالق
ثنتين مع عتق مولاك إياك. (البناية) ولهذا: أي لكون الطلاق بعد العتق. فكذا الطلاق: يصادفها، وهي
أمة. (البناية) الحرمة الغليظة: ولذا حرمت حرمة غليظة بالاثنين. فيقترنان: أي الاعتاق والتطليق، يعني
كما أن الإعتاق يصادفها، وهي أمة فكذلك التطليق يصادفها وهي أمة. [البناية ٣٩٢/٦]
فصل إلخ: ذكر وصف الطلاق بعد ذكر أصله وتنويعه في فصل على حدة؛ لكونها تابعة. [العناية ٣٨٦/٣]
*روي من حديث ابن عمر، ومن حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة. [نصب الراية
٢٢٨/٣] أخرج البخاري في "صحيحه" حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الأسود بن قيس حدثنا سعيد بن
عمرو أنه سمع ابن عمر عنهما عن النبي ◌ُ ◌ّ أنه قال: إنا أمَّةٌ أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا
يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. [رقم: ١٩١٣، باب قول النبي ◌ُّ: لا نكتب ولا نحسب]

١٦٣
باب إيقاع الطلاق
وإن أشار بالثنتين، فهي ثنتان؛ لما قلنا, والإشارة تقع بالمنشورة منها، وقيل: إذا أشار
بِظُهُورها، فبالمضمومة منها. وإذا كان تقع الإشارة بالمنشورة منها، فلو نوى الإشارةَ
الأصابع المنشورة
بالمضمومتين: يُصَدَّقُ ديانةً لا قضاءً، وكذا إذا نوى الإشارةَ بالكفِّ حتى يقع في الأولى:
ثنتان ديانةً. وفي الثانية: واحِدة؛ لأنه يحتمله، لكنه خلاف الظاهر، ولو لم يقل: هكذا يقع
الإشارة بالكف
واحدة؛ لأنه لم يقترن بالعدد المبهم، فبقي الاعتبار بقوله: أنت طالق. وإذا وصف الطلاقَ
بضرب من الزيادة أو الشِّدّةٍ كان بائناً، مثل أن يقول: أنت طالق بائن أو البتةَ، وقال
الشافعي بدله: يقع رجعيًّا إذا كان بعد الدخول؛ لأن الطلاق شُرِعَ مُعَقِباً للرجعة، فكان
وصفه بالبينونة خلافُ المشروع فيلغو، كما إذا قال: أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك.
فيقع رجعية
ولنا: أنه وَصَفَه بما يَحْتَمِلُه لفظُه، ألا ترى أن البينونةَ قبل الدخول وبعد العدة تحصلُ به،
لما قلنا: إشارة إلى قوله: لأن الإشارة بالأصابع تفيد العلم بالعدد في مجرى العادة إذا اقترنت
بالعدد. [العناية ٣٨٧/٣] إذا أشار إلخ: يعني أنه لا فرق بين الإشارة بالأصابع التي اعتاد الناس الإشارة
بها، وبين الأصابع الأخرى، كذا في "الفوائد الظهيرية". إذا أشار: بأن جعل باطنها إليه وظاهرها إلى
المرأة. [فتح القدير ٣٨٧/٣] بظهورها: أي بظهور الأصابع إلى المرأة، فبالمضمومة منها أي فيقع الطلاق حينئذ
بالمضمومة من الأصابع لا بالمنشورة. [البناية ٣٩٥/٦] فإن أشار ببطونها بأن يجعل باطن الكف إليها تعتبر عدد
الأصابع المنشورة، وإن أشار بظهورها بأن يجعل باطن الكف إلى نفسه تعتبر المضمومة. (مجمع الأنهر)
وكذا: أي يصدق ديانة لا قضاء. (البناية) واحدة: يعني يصدق ديانة حتى يقع واحدة لا قضاء حتى يقع ثلاثاً
في القضاء؛ لأنه أشار إليه بأصابعه الثلاثة المنشورة. [البناية ٣٩٥/٦] أنه وصفه: أي وصف الطلاق بما يحتمله
لفظه، وهو البينونة، ولهذا ثبت البينونة به قبل الدخول، وبعد انقضاء العدة بالطلاق. [البناية ٣٩٦/٦]
تحصل به: أي بالتطليق؛ لأنه لا تأثير للأجل في ثبوت البينونة، والفقه: أن الطلاق في الأصل يوجب البينونة
في الحال؛ لأنه شرع لرفع قيد النكاح وقطعه، والأصل: أن السبب إذا انعقد يتعجل حكمه إلا أن النص رد
بالتأجيل إلى انقضاء العدة في صريح الطلاق، إذا لم يتصف بالبائن، فبقي ما عداه على ما اقتضاه القياس.

١٦٤
باب إيقاع الطلاق
فيكون هذا الوصف لتعيين أحد المحتملين، ومسألة الرجعة ممنوعة، فتقع بائنة إذا لم تكن
له نية أو نوى الثنتين، أما إذا نوى الثلاث فثلاث؛ لما مر من قبل، ولو عنى بقوله أنت
طالق: واحدة، وبقوله بائن أو البتة: أخرى: تقع تطليقتان بائنتان؛ لأن هذا الوصف يصلح
لابتداء الإيقاع. وكذا إذا قال: أنت طالق أفحشَ الطلاق؛ لأنه إنما يُوْصَفُ بهذا الوصف
الأفحش
باعتبار أثره، وهو البينونة في الحال، فصار كقوله: بائن، وكذا إذا قال: أخبثَ الطلاق
الأثر
أو أسوأه؛ لما ذكرنا. وكذا إذا قال: طلاقَ الشيطان، أو طلاق البدعة؛ لأن الرجعيَّ
هو السنة، فيكون قوله طلاق البدعة وطلاقُ الشيطان بائناً. وعن أبي يوسف حدثله
في قوله: "أنت طالق للبدعة" أنه لا يكون بائناً إلا بالنية؛ لأن البدعة قد تكون من حيث
الإيقاع في حالة حيض، فلا بد من النية. وعن محمد بدله: أنه إذا قال: أنت طالق للبدعة،
وإن كان رجعيا
المحتملين: وهو البينونة، وقال الأتراري: وبفتح الميم، وأراد بهما الرجعي والبائن. (البناية)
ومسألة الرجعة: هذا جواب عن قول الشافعي له كما إذا قال: أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك،
يعني لا نسلم أنه لا يقع بائناً، بل يقع واحدة بائنة. [البناية ٣٩٧/٦] لما مر من قبل: أي في أوائل باب
إيقاع الثلاث بقوله: ونحن نقول: نية الثلاث إنما صحت لكونها جنساً إلى آخره. [البناية ٣٩٧/٦]
تطليقتان بائنتان: على أن التركيب خبر بعد خبر؛ لأن هذا الوصف يصلح لابتداء الإيقاع ولو أمكن
أن يقال: الإيقاع ببائن وصفاً لها، وطالق قرينته، فاستغنى به عن النية، فلم يحتج إليها كما يحتاج إلى النية
لو أفرد، لم يبعد لكن فيه ما فيه، ثم بينونة الأولى ضرورة بينونة الثانية؛ إذ معنى الرجعي كونه بحيث يملك
رجعتها، وذلك منتف باتصال البائنة الثانية، فلا فائدة في وصفها بالرجعية، وكل كناية قرنت بطالق يجري
فيها ذلك، فيقع ثنتان بائنتان. [فتح القدير ٣٨٨/٣] وكذا: أي وكذا تقع الطلقة البائنة. (البناية)
لما ذكرنا: من قوله: لأنه إنما يوصف بهذا الوصف باعتبار أثره. (البناية) بائنا: هذا على رواية الأصل
المستقيم؛ لأن البائن ليس بسني على رواية، أما على رواية "الزيادات": من أن البائنة الواحدة لا يكره،
فينبغي أن لا يتعين البائن بقوله: طلاق الشيطان أو البدعة.

١٦٥
باب إيقاع الطلاق
أو طلاق الشيطان: يكون رجعياً؛ لأن هذا الوصفَ قد يتحقق بالطلاق في حالة
الحيض، فلا تثبت البينونة بالشك. وكذا إذا قال: كالجبل؛ لأن التشبيه به يوجب
زيادة لا محالة، وذلك بإثبات زيادة الوصف، وكذا إذا قال: مثلَ الجبل؛ لما قلنا.
ء
وقال أبو يوسف بطله: يكون رجعياً؛ لأن الجبل شيء واحد، فكان تشبيهاً به في توُّده.
بالجبل
ولو قال لها: أنت طالق أشدَّ الطلاق، أو كألف، أو ملءَ البيت: فهي واحدة بائنة
إلا أن ينوي ثلاثاً، أما الأول: فلأنه وَصَفَهُ بالشدة، وهو البائنُ؛ لأنه لا يحتمل الانتقاضَ
والارتفاض. أما الرجعيُّ فيحتمله، وإنما تصح نية الثلاث لذِكْرِهِ المصدرَ. وأما الثاني:
فلأنه قد يراد بهذا التشبيه في القوة تارةً، وفي العدد أخرى، يقال: هو ألف رجل،
ويراد به القوةُ، فتصح نية الأمَرَيْن، وعند فقدانها يثبت أقلَّهما. وعن محمد سليم: أنه
القوة والعدد
يقع الثلاث عند عدم النية؛ لأنه عدد، فيراد به التشبيه في العدد ظاهرا، فصار كما إذا
قال: أنت طالق كعدد ألف. وأما الثالث: فلأن الشيء قد يملأ البيتَ؛ لِعِظمِه في نفسه،
فيقع ثلاثا
93
وقد يملأ لكثرته، فأي ذلك نوى صحَّت نيتُه، وعند انعدام النية يثبت الأقلّ.
وهو الإبانة
ثم الأصل عند أبي حنيفة له: أنه متى شبّه الطلاق بشيء يقع بائنا،
لما قلنا: يريد به قوله: إن التشبيه به يوجب زيادة لا محالة. (البناية) وهو البائن: أي الوصف بالشدة هو
الطلاق البائن؛ لأن شدة الطلاق بالإبانة. (البناية) أما الرجعي إلخ: أي الطلاق الرجعي فيحتمله أي: فيحتمل
الانتقاض بأن يراجعها بقول أو فعل، ولا يحتاج فيه إلى رضاها. (البناية)
المصدر: وهو اسم جنس يحتمل الثلاث بلا وصف الشدة. (البناية) أقلهما: أي أقل الأمرين، وهو الواحد
البائن؛ لأن الأقل متيقن. (البناية) لعظمة: وفي نسخة: لعظمته. ثم الأصل: أراد بهذا بيان الأصل الذي
يبتني عليه أقوال الإمام وصاحبيه وزفر الث. [البناية ٤٠٣/٦]

١٦٦
باب إيقاع الطلاق
أيَّ شيءٍ كان المشبهُ به، ذَكَرَ الِعِظَمَ أو لم يَذْكر؛ لما مر أن التشبيهَ يقتضي زيادةً وصفٍ.
وعند أبي يوسف معاشه: إِن ذِكْرَ الِعِظَمِ يكون بائناً، وإلا فلا، أي شيءٍ كان المشبهُ به؛ لأن
التشبيهَ قد يكون في التوحيد على التجريد، أما ذكرُ العظم فللزيادة لا محالة. وعند زفر بدأته.
إن كان المشبه به مما يوصف بالعظم عند الناس يقع بائناً، وإلا فهو رجعي، وقيل: محمد مدظله
مع أبي حنيفة رسالته، وقيل: مع أبي يوسف ملكه، وبيأتُه في قوله: "مثلَ رأس الإبرة" مثلَ
عِظَمِ رأس الإبرة، و "مثل الجبل" مثلَ عِظَمِ الجبل، ولو قال: أنت طالق تطليقةً شديدةً، أو
عريضة، أو طويلة: فهي واحدة بائنة؛ لأن ما لا یمکن تدار گه یشتُّ علیه، وهو البائن، وما
الزوج
يصعب تداركه، يقال: لهذا الأمر طول، وعَرْضٌ. وعن أبي يوسف بطله: أنه يقع بها
رجعیة؛ لأن هذا الوصف لا يليق به فيلغو، ولو نوى الثلاث في هذه الفصول
بالطلاق
أي شيء كان إلخ: احتراز عن قول زفر، فإن لوقوع البينونة عنده يشترط أن يكون المشبه به عظيماً في نفسه،
وإلا فهو رجعي. وفي قوله ذكر العظم أو لم يذكر، احتراز عن قول أبي يوسف، فإنه يشترط للبينونة عنده
ذكر العظم لا غير على رواية هذا الكتاب. (النهاية) على التجريد: أي من وصف العظم. (البناية)
مثل رأس الإبرة: يقع به واحدة بائنة عند أبي حنيفة بله خاصة على تقدير أن يكون محمد مع أبي يوسف،
وقيل: مثل عظم رأس الإبرة يقع به واحدة بائنة عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ثر، وقوله: مثل
الجبل يقع واحدة عند أبي حنيفة وزفر ومحمد إن كان مع أبي حنيفة، وقوله: مثل عظم الجبل يقع به واحدة
بائنة بالاتفاق، أما عند أبي حنيفة بالكه فلوجود التشبيه، وأما عند أبي يوسف فلذكر العظم، وأما عند زفر
فلكون الجبل مما يوصف بالعظم عند الناس. [العناية ٣٩١/٣]
هذه الفصول إلخ: أراد بالفصول ما ذكره من قوله: طالق بائن، أو البتة، أو أفحش الطلاق، أو أخبثه،
أو أسوأه، وطلاق الشيطان، والبدعة، وأشده كألف، وملء البيت، ومثل رأس إبرة، ومثل الجبل، وطالق تطليقة
شديدة، أو عريضة، أو طويلة؛ لأنها كلها بوائن، والبينونة تتنوع إلى خفيفة وغليظة. [فتح القدير ٣٩١/٣]

١٦٧
باب إيقاع الطلاق
صحَّت نيتُه؛ لتنوّعِ البينونة على ما مر، والواقعُ بها بائن.
غليظة وخفيفة
فصل في الطلاق قبل الدخول
وإذا طلّق الرجلُ امرأته ثلاثاً قبل الدخول بها: وَقَعْنَ عليها؛ لأن الواقعَ مصدر
محذوف؛ لأن معناه: طلاقاً ثلاثاً على ما بيناه، فلم يكن قوله: "أنت طالق" إيقاعاً على
حدَة، فيقعن جملةً. فإن فَرَّقَ الطلاق: بانت بالأولى، ولم تقع الثانية والثالثة، وذلك مثل
ء
أن يقول: أنت طالق طالق طالق؛ لأن كلّ واحد إيقاعٌ على حدة؛ إذ لم يَذْكُرْ في آخر
كلامه ما يُغَيِّرُ صَدْرَه حتى يتوقف عليه، فتقع الأولى في الحال، فتصادِفُها الثانية وهي مبانة،
وكذا إذا قال لها: أنت طالق واحدة وواحدة وقعت واحدة؛ لما ذكرنا أنها بانت بالأولى.
آنفا
لغير المدخول بها
ولو قال لها: أنت طالق واحدة، فماتت قبل قوله: "واحدة"، كان باطلاً؛ لأنه قَرَنَ الوصفَ
بالعدد، فكان الواقعُ هو العدد، فإذا ماتت قبل ذكر العدد فات المحلّ قبل الإيقاع فبطل.
ما مر: أشار به إلى قوله قبل صفحة: ويقع واحدة بائنة إذا لم يكن له نية، أو نوى الثنتين، أما إذا نوى
الثلاث فثلاث. [البناية ٤٠٥/٦] والواقع بها: أي بهذه الألفاظ المذكورة. (البناية) فصل في إلخ: لما كان
النكاح للدخول كان الطلاق بعده على الأصل؛ لأن الأصل حصول غرض الشيء بعد وجوده، وقبله
بالعوارض، فقدم ما بالأصل على ما بالعوارض. [فتح القدير ٣٩١/٦]
مصدر محذوف: وهو الطلاق الذي قام صفته، وهو الثلاث مقامه. (البناية) فرق الطلاق: بأن يقوله:
أنت طالق طالق طالق على ما يجيء الآن. (البناية) على حدة: وذلك لأن الأولى حمل الكلام على التأسيس
دون التأكيد. يغير صدره: أي صدر الكلام كالشرط والاستثناء. (البناية)
قال لها: أي للمرأة مدخولة كانت أو غير مدخولة. كان باطلاً: أي لا يقع شيء، بخلاف ما إذا مات
الرجل بعد قوله: أنت طالق قبل قوله: ثلاثاً فهي طالق واحد؛ لأن الزوج وصل لفظ الطلاق بذكر العدد
فيما إذا ماتت المرأة، فكان العامل هو العدد، وذكر العدد حصل بعد موتها، فإذا مات الرجل، فلفظ
الطلاق ههنا لم يتصل بذكر العدد، فبقي قوله: أنت طالق، وهو عامل بنفسه فيقع. (النهاية)

١٦٨
باب إيقاع الطلاق
وكذا إذا قال: أنت طالق ثنتين، أو ثلاثاً؛ لما بينا، وهذه تُجَانِسُ ما قبلها من حيث
المعنى. ولو قال: أنت طالق واحدةً قبلَ واحدةٍ، أو بعدها واحدة: وقعت واحدة،
والأصل: أنه متى ذَكَرَ شيئَيْن، وأَدْخَلَ بينهما حرفَ الظرف، إن قرنها بهاءِ الكناية
كان صفةً للمذكور آخراً، كقوله: جاءني زيد قبله عمرو، وإن لم يَقْرِنْهاَ بهاء الكناية
كان صفةً للمذكور أولاً، كقوله: جاءني زيدٌ قبلَ عمرو، وإيقاعُ الطلاق في الماضي
إيقاع في الحال؛ لأن الإسنادَ ليس في وُسْعِه، فالقَبِيَّةُ في قوله: "أنت طالق واحدة، قبل
واحدة"، صفة للأولى، فَتَبْنُ بالأولى، فلا تقع الثانيةُ، والبعدية في قوله: "بعدها واحدة
صفة للأخيرة، فحصلت الإبانة بالأولى. ولو قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة:
تقع ثنتان؛ لأن القبلية صفةٌ للثانية؛ لاتصالها بحرف الكناية، فاقتضى إيقاعُها في الماضي،
وإيقاع الأولى في الحال، غيرَ أن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال أيضا،
وكذا: أي وكذا يبطل كلامه. (البناية) هذه تجانس: أي هذه المسائل الثلاث، وهي قوله: أنت طالق
واحدة فماتت قبل قوله: واحدة، وكذا لو ماتت قبل قوله: ثنتين، أو ماتت قبل قوله: ثلاثاً، توافق ما
قبلها، وهو قوله: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً قبل الدخول بها وقعن من حيث الدليل، وهو أن الواقع
فيهما جميعاً ذكر العدد، لا ذكر الوصف وحده، إلا أن الحكم اختلف؛ لما أن ذكر العدد الذي هو الواقع
في هذه المسائل الثلاث صادف المرأة وهي ميتة، فلم يقع الطلاق أصلاً، وهناك لما لم يقع الطلاق بذكر
الوصف نفسه بل بالعدد، وصادفها العدد وهي منكوحته حية وقع الثلاث لكون الواقع هو للعدد، فكان
الاعتبار في الصورتين لعدد، لا للوصف الثلاث. [العناية ٣٩٣/٣]
قال: [أي لغير المدخول بها]، هذه المسئلة مذكورة في "الجامع الصغير" و "القدوري" جميعاً. [البناية ٤٠٨/٦]
حرف الظرف: وهو قبل وبعد. (البناية) وإيقاع الطلاق في إلخ: لأن الطلاق وضع لرفع الاستباحة، وما
مضى من الاستباحة لايمكن رفعه، فيقع في الحال؛ لأنه يملكه فيثبت ما أمكن؛ صوناً لكلامه عن
الإلغاء. [البناية ٤٠٩/٦] فلا تقع الثانية: لعدم بقاء المحل لوقوعها. (البناية)

١٦٩
باب إيقاع الطلاق
فيقترنان فيقعان. وكذا إذا قال: أنت طالق واحدة بعد واحدة: يقع ثنتان؛ لأن البعدية
صفة للأولى، فاقتضى إيقاعَ الواحدة في الحال، وإيقاعَ الأخرى قبل هذه، فتقترنان.
الواحدة الثانية
الأولى
ولو قال: أنت طالق واحدةً مع واحدة، أو معها واحدة: تقع ثنتان؛ لأن كلمة "مع" للقران.
وعن أبي يوسف بحلته في قوله: "معها واحدة" أنه تقع واحدة؛ لأن الكناية تقتضي سبق
المكنيّ عنه لا محالة. وفي المدخول بها تقع ثنتان في الوجوه كلّها؛ لقيام المحلية بعد وقوع
الأولى. ولو قال لها: إن دخلتٍ الدارَ فأنت طالق واحدة وواحدة فدخلت، وقعت عليها
لغير المدخولة
واحدة عند أبي حنيفة بحلته. وقالا: تقع ثنتان، ولو قال لها: أنت طالق واحدة وواحدة،
إن دخلت الدارَ، فدخلت: طَلّقَتْ ثنتين بالاتفاق. لهما: أن حرف الواو للجَمْعِ المُطْلَقِ،
فَتَعَلَقْنَ جملةً، كما إذا نصَّ على الثنتين أو أخَّر الشرط. وله: أن الجمعَ المُطْلَقَ يحتمل
القرآن والترتيبَ، فعلى اعتبار الأول: تقع ثنتان: وعلى اعتبار الثاني: لا تقع إلا واحدةٌ،
كما إذا نَخَّزَ بهذه اللفظة، فلا يقع الزائدُ على الواحدة بالشك، بخلاف ما إذا أخَّر الشرط؛
فتقترنان: أي الإيقاعان يقترنان في الوقوع. (البناية) سبق المكنى :- [المرجع] قلنا: نعم، لكن في الذكر لا في الوجود.
في الوجوه كلها: أي فيما ذكر من قبل وبعد بالكناية وغيرها لقيام المحلية بعد وقوع الأولى. (العناية)
المحلية: لأنها في العدة، وهي محل الإيقاع. (البناية) لهما أن حرف إلخ: يعني أن الواو للجمع المطلق، وقد دخلت
بين الأجزية، فيجمع بينهما، فيتعلقن جميعاً، وينزلن جملة، كما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق ثلاثاً؛ لأن
الجمع بواو الجمع كالجمع بلفظ الجمع، وكما لو أخر الشرط، فإن تأخيره لا يغير موجب الكلام. [العناية ٣٩٥/٣]
للجمع المطلق: أي من غير تعرض للترتيب والقران، فيثبت ما هو موجب كلامه، فتعلقن جملة.
على الثنتين : وفي نسخة: الثلاث. أخر الشرط: أي كما لو أخر الشرط كما في قوله: أنت طالق واحدة
وواحدة إن دخلت الدار حيث يقع ثنتان كما مر. (البناية) كما إذا إلخ: بأن قال: أنت طالق واحدة وواحدة
حيث لا يقع إلا واحدة بالاتفاق؛ لعدم المحلية للثانية. (البناية)

١٧٠
باب إيقاع الطلاق
لأنه مُغَيِّرٌ صَدْرَ الكلام، فيتوقف الأولُ عليه، فيقعن جملةً، ولا مُغَيِّرَ فيما إذا قدَّم
الشرطَ، فلم يتوقف، ولو عطف بحرف الفاء فهو على هذا الخلاف فيما ذكر
الكرخي بحاله، وذكر الفقيه أبو الليث: أنه يقع واحدةً بالاتفاق؛ لأن الفاء للتعقيب،
وهو الأصح. وأما الضَرْبُ الثاني - وهو الكنايات -: لا يقع بها الطلاق إلا بالنية
أو بدلالة الحال؛ لأنها غير موضوعة للطلاق، بل تحتمله وغيرَه، فلا بد من التعيين
بالنية
أو دلالته. قال: وهي على ضربين: منها ثلاثة ألفاظ يقع بها الطلاقُ الرجعي، ولا يقع
القدوري
بها إلا واحدة، وهي قوله: اعتَدِّي، واستبرئِي رَحِمَكِ، وأنت واحدة. أما الأولى: فلأنها
تَحْمل الاعتدادَ عن النكاح، وتحتمل اعتدادَ نِعَمِ الله تعالى، فإن نوى الأوَّل تعَيَّنَ بنيته،
فيتوقف الأول: أي أول الكلام على الشرط. (البناية) ذكر الكرخي: فإنه جعل العطف بالواو والفاء
سواء، وقال: إن حرف العطف يجعلهما كلاماً واحداً فتعلقا، كما في صورة الواو، سواء قدم الشرط أو أخره
عندهما، خلافاً له. [العناية ٣٩٦/٣] وهو الأصح: أي الاتفاق أصح؛ لأن الفاء للعطف على التعقيب لغة
لا لمطلق العطف، فيقتضي التعليق على التعقيب فتنزل كما علقت وبالأولى تبين، فلا تقع الثانية كذا
في "المبسوط". [البناية ٤١٣/٦]
الضرب الثاني إلخ: ذكر في أول إيقاع الطلاق، الطلاق على ضربين: صريح وكناية، وفرغ من بيان
أنواع الصريح، ثم شرع ههنا في بيان أنواع الكناية، وإنما قدم ذكر الصريح؛ لما أن الأصل في الكلام هو
الصريح؛ إذ الكلام وضع للإفهام، والإفهام الكامل في الصريح. وأما الكناية: ففيها ضرب قصور حتىّ
ذهب أثره فيما يدار بالشبهات من الحدود. (النهاية) وهو الكنايات: الكناية: ما استتر المراد به،
وحكمها: أنه لا يجب العمل إلا بالنية، أو ما يقوم مقامها من دلالة الحال. [العناية ٣٩٧/٣]
غير موضوعة: الأنسب أن يقول: إنها غير ظاهرة في الطلاق، إذ ربما يكون اللفظ موضوعاً للطلاق،
ولم يكن ظاهراً مع أنه كناية، وربما يكون اللفظ مجازاً ظاهراً مع أنه صريح. أو دلالته: أي أو دلالة معنى
التعيين. (البناية) أما الأولى: وهي لفظ اعتدي. (البناية)

١٧١
باب إيقاع الطلاق
فيقتضي طلاقاً سابقاً، والطلاقُ يُعْقَبُ الرجعةَ. وأما الثانية: فلأنها تُسْتَعمل بمعنى الاعتداد؛
لأنه تصريح بما هو المقصودُ منهٍ فكان بمنزلته، وتحتمل الاستبراء لُيُطلقها. وأما الثالثة:
فلأنها تَحْمل أن تكون نعتً لمصدر محذوف معناه: تطليقةً واحدةً، فإذا نواه جُعِلَ كأنه
قاله، والطلاق يُعْقِبُ الرجعةَ، وتحتمل غَيْرَه، وهو أن تكون واحدةً عنده، أو عند قومه.
ولما احتملت هذه الألفاظُ الطلاقَ وغَيْرَهُ يحتاج فيه إلى النية، ولا تقع إلا واحدة؛ لأن
قوله: "أنت طالق" فيها مُقْتُضَّى، أو مُضْمَرٌ، ولو كان مُظْهَراً لا يقع بها إلا واحدة، فإذا
كان مُضْمَراً أولى، وفي قوله: "واحدة" إن صار المصدرُ مذكوراً، لكن التنصيصَ على
الواحدة ينافي نية الثلاث، ولا مُعْتَبر بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ،
فيقتضي إلخ: لأن الأمر بالاعتداد بغير طلاق غير صحيح، فلابد من تقدير الطلاق سابقاً. (العناية)
المقصود: لأن المقصود من الاعتداد استبراء رحمه، ليحصل له زوج آخر. وتحتمل الاستبراء: والاستبراء طلب
براءة الرحم من الولد، كذا في "المغرب"، وإنما يحتاج إلى النية؛ لأن قوله: استبرئي رحمك يحتمل أن يكون معناه:
اطلبي براءة رحمك حتى تعلمين أنها فارغة عن الولد أم لا، فلو كانت فارغة أطلقك، وإلا فلا، فلو كانت نيته
هكذا لا يقع الطلاق، ولو كانت نيته الاعتداد عن النكاح يقع الطلاق سابقاً كما في قوله: اعتدي، فلو ذلك
احتاج إلى النية. [البناية ٤١٥/٦] الألفاظ: أراد بها اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة. (البناية)
مقتضى: في قوله: اعتدي واستبرئي رحمك. (البناية) أو مضمر: في قوله: أنت واحدة كأنّ تقديره أنت طالق
طلقة واحدة، وعند الشافعي بعدله: لا يقع شيء بقوله أنت واحدة وإن نوى؛ لأنه نعت المرأة وليس فيه معنى
احتمال الطلاق أصلاً. [البناية ٤١٥/٦] أولى: أن لا يقع إلا واحدة. (البناية) إن صار المصدر: هذا سؤال بيانه
أن يقال لما كان المصدر مذكوراً ينبغي أن يصح نية الثلاث فأجاب بقوله لكن التنصيص إلخ. [البناية ٤١٦/٦]
ولا معتبر إلخ: يعني سواء قال: أنت واحدة بالنصب، أو بالرفع، أو بالسكون، فقوله: وهو الصحيح احتراز عن
قول بعض المشايخ: يقع الطلاق إذا نصب الواحدة وإن لم ينو؛ لكونه صفة للمطلقة، أما إذا رفعها فلا يقع وإن
نوى، لأنها حينئذ تكون صفة شخصها، وإن أسكن فهو محتاج إلى النية، والصحيح أن الكل سواء. [العناية ٣٩٩/٣]

١٧٢
باب إيقاع الطلاق
وهو الصحيح؛ لأن العوامَّ لا يُمَّيِّزون بين وجوه الإعراب. قال: وبقيةُ الكنايات إذا
القدوري
نوى بها الطلاق: كانت واحدةً بائنةً، وإن نوى ثلاثاً: كان ثلاثً، وإن نوى ثنتين:
كانت واحدةً بائنةً، وهذا مثل قوله: أنت بائن، وبَتَّة، وَبَتْلَة، وحرام، وحَبْلُكِ على
غاربكِ، والْحِقِي بأهلك، وخَلِيَّة، وَبَرِيَّة، ووهبتكِ لأهلك، وسَرَّحْتُكِ، وَفَارَقْتُك،
وأمرك بيدك، واختاري، وأنت حرة، وتقتَّعي، وتخمري، واستري، واغربي،
واخرجي، واذهبي، وقومي، وابتغي الأزواجَ؛ لأنها تحتمل الطلاقَ وغيرَه، فلابد من
النية. قال: إلا أن يكون في حالةٍ مذاكرة الطلاق، فيقع بها الطلاق في القضاء،
ولا يقع فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن يَنْوِيَه. قال ﴾: سَوَّى بين هذه الألفاظ
وقال: ولا يُصدّق في القضاء إذا كان في حال مذاكرة الطلاق. قالوا: وهذا فيما لا يصلح
ردًّا. والجملة في ذلك: أنَّ الأحوالَ ثلاثة: حالةٌ مطلقة، وهي حالة الرِّضا، وحالة
(بيان ذلك)
مذاكرة الطلاق، وحالة الغَضَب. والكنايات ثلاثة أقسام:
وبقية الكنايات: أراد بها ما سوى الألفاظ الثلاثة المذكورة. (البناية) بتة وبتلة: أي كلاهما بمعنى القطع.
وحرامٍ: وإنما يقع به البائن؛ لأن الرجعي لم يكن محرماً. وحبلك إلخ: وهو استعارة عن التخلية. (البناية)
وخلية: من الخلو، فيحتمل الخلو عن الخيرات، أو عن قيد النكاح. (البناية) وتقتعي: هذا أمر بأخذ القناع
على وجهها. (البناية) وتخمري: هو أمر بأخذ الخمار، فيحتمل ما يحتمله تقنعي. (البناية)
واغربي: أي تباعدي عني؛ لأني طلقتك أو اغربي لزيارة أهلك. (البناية) وابتغي الأزواج: أي أطلبيهم،
فيحتمل لأني طلقتك، أو ابتغي الأزواج من النساء. (البناية) سوى إلخ: يعني القدوري بين ألفاظ الكنايات
في وقوع الطلاق بلا نية حال مذاكرة الطلاق، وليس على إطلاقه، بل إنما ذلك فيما لا يصلح رداً، فلا بد
من بيان، وبيَّن بقوله: والجملة إلخ. [العناية ٤٠٠/٣]

١٧٣
باب إيقاع الطلاق
ما يصلح جواباً وردًّا، وما يصلح جواباً لا رداً، وما يصلح جواباً وسَبًا وشتيمة.
ففي حالة الرضا: لا يكون شيء منها طلاقاً إلا بالنية، والقول قولُه في إنكار النية؛ لما قلنا.
وفي حالة مذاكرة الطلاق: لم يُصَدَّق فيما يصلح جواباً ولا يصلح ردًّا في القضاء، مثل
قوله: خَلَّة، وبرية، بائن، بتة، حرام، اعتدِّي، أمرك بيدك، اختاري؛ لأن الظاهرَ أن مرادَه
الطلاقُ عند سؤال الطلاق، ويُصَدَّقُ فيما يصلح جواباً وردًّا، مثل قوله: اذهبي، اخْرُچي،
قومي، تَقَنَّعي، تخمري، وما يجري هذا المجرى؛ لأنه يحتمل الردَّ، وهو الأدنى، فحمل عليه.
وفي حالة الغضب: يصدق في جميع ذلك؛ لاحتمال الردِّ والسبِّ، إلا فيما يصلح
للطلاق، ولا يصلح للرد والشتم، كقوله: اعتدِّي، واختاري، وأمرك بيدك،
ما يصلح جوابا [لماسألته من الطلاق] ورداً: [لما قالته] وهو سبعة: أُخرجي، اذهبي، اغربي، قومي، تقنعي،
استتري، تخمري، أما صلاحية هذه الألفاظ للرد، فأن يريد الزوج بقوله: اخرجي أتركي سؤال الطلاق،
وكذلك اذهبي وأغربي وقومي. وأما تقنعي فمن القناعة، وقيل: من القناع، وهو الخمار، ومعنى الرد فيه، وهو
أن ينوي اقنعي بما رزقك الله من من أمر المعيشة، واتركي سؤال الطلاق. واشتغلي بالتقنع الذي هو أهم لك
من سؤال الطلاق، وكذا قوله: استتري وتخمري؛ لأنها من الستر والخمار. [العناية ٤٠٠/٣]
جواباً لا ردا: ثمانية ألفاظ: خلية، برية، بائن، بتة، حرام، اعتدي، أمرك بيدك، اختاري، والخمسة الأولى
تصلح للسب والشتيمة أيضاً. (العناية) لما قلنا: إن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره، فلا بد من النية
بتعيين أحد المحتملين. (العناية) لم يصدق: قضاء في قوله: لم أنو الطلاق فيما يصلح جواباً ولا يصلح
رداً. (العناية) جواباً ورداً: لا جواباً وشتماً، وذلك؛ لأن حال مذاكرة الطلاق يقتضي نعم أو لا، والشتم
لا يناسبه، فيصرف إلى الجواب لا الشتم. هذا المجرى: مثل: اغربي واستتري.
فحمل عليه: أي على الأدنى؛ لأن الأدنى متيقن؛ وذلك لأن الرد دافع، والجواب رافع؛ لأن الطلاق رافع
لقيد النكاح، والدفع أسهل من الرفع، فيكون الرد أدنى في الجواب. [البناية ٤٢٣/٦] جميع ذلك: أي فيما
يصلح جواباً ولا يصلح رداً، وفيما يصلح جواباً ورداً. (البناية)

١٧٤
باب إيقاع الطلاق
فإنه لا يصدق فيها؛ لأن الغضبَ يَدُلُّ على إرادة الطلاق. وعن أبي يوسف محظته
في قوله: لا مِلْكَ لي عليك، ولا سبيلَ لي عليك، وخَلَيْتُ سبيلَك، وفَارَقْتُكِ أنه يُصَدَّقُ
في حالة الغضب؛ لما فيها من احتمال معنى السبِّ. ثم وقوع البائن بما سوى الثلاثة
اعتدي وأشباهه
الأَوَلِ مذهبنا. وقال الشافعي بعثته: يقع بها رجعي؛ لأن الواقعَ بها طلاق؛ لأنها
كنايات عن الطلاق، ولهذا تُشْترط النيةَ، ويَنْتقص بها العددُ، والطلاق مُعْقِبٌ
للرجعة كالصريح. ولنا: أن تصرُّف الإِبانةِ صَدَرَ من أهله مضافاً إلى محلّه عن ولايةٍ
شرعية، ولا خفاءَ في الأهلية والمحلية، والدلالة على الولاية أن الحاجة ماسة إلى إثباتها؛
کیلا ینسدَّ عليه بابُ التدارك، ولا يَقَعَ في عهدتها بالمراجعة من غير قصد،
فيها: أي في هذه الثلاثة. (البناية) لما فيها من إلخ: فإن قوله: "لا ملك لي عليك" يحتمل أن يكون معناه؛
لأنك أقل من أن تنسي إلى ملكي، أو أنسب إليك بالملك، ولا سبيل لي عليك لسوء خلقك، واجتماع
أنواع الشر فيك، وخليت سبيلك لقذارتك، وفارقتك في المضجع لذفرك وعدم نظافتك. [العناية ٤٠٢/٣]
عن الطلاق: بمعنى أنها مستعملة في مفهوم الطلاق، لكن لا بطريق الصريح. ولهذا: أي ولكونها كناية
عن الطلاق. (البناية) وينتقص: أي ينتقص عدد الطلاق بوقوع واحدة منها. (البناية)
من أهله: وهو الزوج؛ لأنه يملك تصرف البينونة. (البناية) شرعية: لأن الشارع جعل ولاية الطلاق إليه. (البناية)
في الأهلية إلخ: أما الأهلية فلأن الزوج عاقل بالغ، وأما المحلية فلأن المرأة مملوكة بملك النكاح، والدلالة
على الولاية أن الحاجة ماسة إليه، وإذا صارت الحاجة ماسة إليه، كان له فيه؛ لأن الله تعالى جوز التصرفات
فيما يحتاج. كيلا ينسدّ إلخ: بأن الرجل قد يكون نافراً عن المرأة جداً بسبب من الأسباب، فيريد فراقها
على وجه لا يحل له الرجوع، ثم يبدو له، فلو لم يوجد الواحد البائن لطلّقها ثلاثا، ولا يرضى بالاستحلال،
فينسد عليه باب التدارك، وأما إذا وجد ذلك، فيتدارك بتحديد النكاح. [العناية ٤٠٥/٣]
ولا يقع إلخ: لأنه لو لم يقع البينونة عند نيته عسى تُوقع المرأة عليه نفسها، وقبلته بشهوة، فتثبت الرجعة،
والزوج يريد فراقها. كذا في النهاية. [العناية ٤٠٤/٣]

١٧٥
باب إيقاع الطلاق
وليست بكنايات على التحقيق؛ لأنها عواملُ في حقائقها، والشرط تعيين أحد نوعي
البينونة دون الطلاق، وانتقاصُ العدد لثبوت الطلاق؛ بناءً على زوال الوَصْلَة، وإنما
يَصِحُّ فية الثلاث فيها لتنوُّع البينونة إلى غليظةٍ وخفيفةٍ، وعند انعدام النية يثبت الأدنى.
ولا تصح نيةُ الثنتين عندنا، خلافاً لزفر بدلفيه؛ لأنه عدد، وقد بيَّه من قبل، وإن قال لها:
اعتدِّي اعتدِّي اعتدِّي، وقال: نويتُ بالأولى طلاقاً، وبالباقي حيضاً دَيِّنَ في القضاء؛ لأنه
صدق
نوى حقيقة كلامه، ولأنه يأمر امرأته في العادة بالاعتداد بعد الطلاق، فكان الظاهر
شاهداً له. وإن قال: لم أنو بالباقي شيئًا، فهي ثلاث؛ لأنه لما نوى بالأولى الطلاقَ، صار
الحالُ حالَ مذاكرة الطلاق، فتعين الباقيان للطلاق بهذه الدلالة، فلا يصدق في نفي النية،
بكنايات: هذا جواب عن قول الشافعي بطلب: إنها كنايات. (البناية) لأنها عوامل: أي لأن الكنايات
عوامل في حقائقها؛ لانعدام معنى التردد بنية الطلاق، فاللفظ وهو عامل في حقيقة موجبة حتى تحصل به
الحرمة والبينونة. [البناية ٤٢٥/٦] والشرط تعيين إلخ: جواب عن قوله: ولهذا يشترط النية، وتقريره:
أن اشتراط النية لو كان لأجل الطلاق، كان دليلاً على ما ذكرتم، وليس كذلك بل هو لتعيين أحد نوعي
البينونة الغليظة والخفيفة لا للطلاق. [العناية ٤٠٥/٣ -٤٠٦]
وانتقاص العدد إلخ: جواب عن قوله: وينتقص به العدد، وتقريره: أن الطلاق البائن يزيل الوصلة، وكل
ما هو كذلك ينتقص به العدد، وتحقيقه: أنه لا منافاة بين نقص العدد، والطلاق البائن، فكان النقص من
حيث كونه طلاقاً بائناً. [العناية ٤٠٦/٣] وإنما يصح نية إلخ: جواب عما يقال: لو كانت عوامل
في حقائقها لما صح نية الثلاث في قوله: أنت بائن مثلاً كما لا تصح في قوله: أنت طالق؛ لأنه عامل بنفسه،
وتقريره: صحة نية الثلاث لم تكن من حيث إنه عامل في حقيقته بل من حيث تنوع البينونة إلى غليظة
وخفيفة، وعند انعدام النية يثبت الأدنى، وهو الواحد البائن. [العناية ٤٠٦/٣]
الأدنى: وهي الواحدة البائنة؛ لأنها متيقنة. (البناية) وقد بيناه إلخ: يعني في أوائل باب إيقاع الطلاق، وهو
قوله: ونحن نقول: نية الثلاث إنما صحت لكونها جنساً إلى آخره. [البناية ٤٢٦/٦]

١٧٦
باب إيقاع الطلاق
بخلاف ما إذا قال: لم أَنْوِ بالكلِّ الطلاقَ، حيث لا يقع شيء؛ لأنه لا ظاهرَ يُكَذِبه.
وبخلاف ما إذا قال: نويت بالثالثة الطلاقَ دون الأُولَيْنِ، حيث لا يقع إلا واحدةٌ؛
لأن الحال عند الأُوْلَيْن لم تكن حال مذاكرة الطلاق. وفي كل موضع يُصَدَّقُ الزوجُ
على نفي النية إنما يُصَدَّق مع اليمين؛ لأنه أمين في الإخبار عما في ضميره، والقولُ
قولُ الأمين مع اليمين.
مع اليمين: لما فيه من الإلزام على الغير بعد ثبوت احتمال نفيه بالكناية، فيضعف مجرد نفيه، فيقوى
باليمين. والأقرب أنه لنفي التمة. [فتح القدير ٤٠٨/٣]

١٧٧
باب تفويض الطلاق
باب تفويض الطلاق
فصل في الاختيار
وإذ قال لامرأته: اختاري، ينوي بذلك الطلاقَ، أو قال لها: طَلَّقي نفسَكِ، فلها
أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، فإن قامت منه، أو أخذتْ في عمل آخر،
مجلسها
خرج الأمرُ من يدها؛ لأن المُخَّرَةَ لها المجلسُ بإجماع الصحابة ◌َّ، ولأنه تمليكُ
الفعل منها، والتمليكاتُ تقتضي جواباً في المجلس، كما في البيع؛ لأن ساعات المجلس
اعْتُبرت ساعةً واحدةً، إلا أن المجلسَ تارةً يتبدل بالذهاب عنه، ومرة بالاشتغال بعمل
آخر؛ إذ مجلسُ الأكل غيرُ مجلس المناظرة، ومجلس القتال غيرهما. ويَبْطل خيارُها
بمجرد القيام؛ لأنه دليلُ الإعراض بخلاف الصَّرْف والسَّلَمَ؛ لأن المفسدَ هناك الافتراقُ
عن المجلس
من غير قَبْضٍ. ثم لابد من النية في قوله: "اختاري"؛ لأنه يَحْتمل تخييرَها في نفسها،
باب تفويض [في هذا الباب ثلاثة فصول بالاستقراء] إلخ: لما فرغ من تصرف نفس الرجل في الطلاق،
شرع في بيان التصرف الحاصل فيه من غيره في باب على حدة وأخره؛ لأن الأصل تصرف المرء
لنفسه. [العناية ٤١٠/٣] ولأنه تمليك إلخ: أي ولأن قوله: اختاري وطلقي نفسك تمليك الفعل منها يعني
لا توكيل لها؛ لأن الوكيل عامل لغيره. (البناية) كما في البيع: أي كما يقتضي الخطاب جواباً في البيع؛
لأن الأصل فيه خيار القبول في المجلس. (البناية)
ساعة واحدة: لرفع الضرورة، قال الحاكم الشهيد في "الكافي": إذا خير الرجل امرأته فلها الخيار في ذلك
المجلس وإن تطاول يوماً أو أكثر. [البناية ٥/٧] بمجرد القيام: لأنها لو اختارت لَمَا قامت، وكذا إذا اشتغلت
بعمل آخر. (البناية) بخلاف الصرف إلخ: أي بيع الأثمان بالأثمان فإن في الصرف يشترط تقابض البدلين
قبل أن يتفرقا، وفي السلم يشترط قبض رأس المال قبل التفرق، وإن تحقق القبض بعد القيام عن المجلس قبل
التفرق أيضاً يجوز. والسلم: أي بيع آجل بعاجل.

١٧٨
باب تفويض الطلاق
ويحتمل تخييرها في تصرُّف آخرَ غَيْره، فإن اختارت نفسَها في قوله: "اختاري"، كانت
واحدةً بائنة، والقياس: أن لا يَقَعَ بهذا شيءٍ وإن نوى الزوجُ الطلاق؛ لأنه لا يَمْلِكُ
الإِيقاعَ بهذا اللفظ، فلا يملك التفويضَ إلى غيره، إلا أنا استحسناه لإجماع الصحابة مصريها،
(اختاري)
ولأنه بسبيل منْ أن يستديَم نكاحَها، أو يفارقها، فيملك إقامتها مقامَ نفسه في حقِّ هذا
الحکم، ثم الواقعُ بها بائن؛ لأن اختيارها نفسها ثبوت اختصاصها بها، وذلك في البائن.
ولا يكون ثلاثاً، وإن نوى الزوجُ ذلك؛ لأن الاختيارَ لا يتنوع، بخلاف الإبانة؛ لأن
البينونة قد تتنوع. قال: ولابد من ذكر النفس في كلامه، أو في كلامها، حتى لوقال لها:
اختاري، فقالت: قد اخترت، فهو باطلٍ؛ لأنه عُرِفَ بالإجماع، وهو في المُفَسَّرة من أحد
القدوري
غليظة وخفيفة
لا يقع شيء
الجانبين، ولأن الُبْهَمَ لا يصلح تفسيراً للمبهم، ولا تعيين مع الإبهام. ولو قال: اختاري
نَفْسَك، فقالت: اخترت: تقع واحدةً بائنة؛ لأن كلامه مُفَسَّر، وكلامها خرج جواباً له،
فيتضمن إعادته. وكذا لو قال: اختاري اختيارةً، فقالت: اخترت؛ لأن الهاء في الاختيارة
نفسی
تنبىء عن الاتحاد والانفراد، واختيارها نفسها هو الذي يتحد مرة ويتعدد أخرى، فصار
مفسراً من جانبه. ولو قال: اختاري، فقالت: اخترت نفسي: يقع الطلاق إذا نوى
الزوجُ؛ لأن كلامها مفسر، وما نواه الزوج من محتملات كلامه: ولو قال: اختاري،
هذا الحكم: أراد به حكم استدامة النكاح وحكم مفارقتها. (البناية) بها: أي بثبوت اختصاص المرأة
نفسها. (البناية) لأن الاختيار: فيه نظر؛ لأنه الأدنى والأعلى، كما قال زيد بن ثابت، وقد مر عن قريب. (البناية)
من ذكر النفس: أو ما يقوم مقام النفس، كما سيجيء. فيتضمن إعادته: أي إعادة كلامه، فكأنها
قالت: اخترت ما أمرتني باختياره، وهو النفس. (العناية) وكذا لو قال إلخ: أي وكذا تقع واحدة
بائنة. (البناية) لأن الهاء: أي التاء سماها هاء؛ لتصورها بصورة الهاء، ولكونها عند الوقف. (البناية)

١٧٩
باب تفويض الطلاق
فقالت: أنا أختارُ نفسي: فهي طالق. والقياس أن لا تُطلقُ؛ لأن هذا مجردُ وعدٍ أو يحتمله،
فصار كما إذا قال لها: طلّقي نفسَك، فقالت أنا: أطلق نفسي. وجه الاستحسان:
حديث عائشة ها فإنها قالت: "لا، بل أختار الله ورسوله"،* واعتبره النبي عليه
جواباً منها، ولأن هذه الصيغة حقيقة في الحال، وتجوز في الاستقبال، كما في كلمة
الشهادة، وأداء الشاهد الشهادة، بخلاف قولها: أطلق نفسي؛ لأنه تعذّر حَمْلُه على الحال؛
مجرد وعد: أي قول المرأة: أختار نفسي مجرد وعد إن كان مرادها بهذا الاستقبال. [البناية ١١/٧]
يحتمله: أي أو يحتمل الوعد؛ لأن الصيغة مشتركة بين الحال والاستقبال ولا يقع الطلاق بالوعد
والاحتمال. [البناية ١١/٧] كما إذا قال لها إلخ: أي فلا يقع الطلاق قياساً واستحساناً، وبه قال الشافعي سحفته
إلا إذا قال: أردت إنشاء الطلاق، فحينئذٍ يقع. [البناية ١١/٧]
حقيقة في الحال: والحقيقة يمكن أن تكون مراده، كما في كلمة الشهادة، فإن الرجل إذا قال: أشهد أن
لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يعتبر ذلك منه إيماناً، لا وعداً بالإِيمان، وكذا الشاهد إذا
قال: أشهد بكذا، فلا يصار إلى المجاز. [العناية ٤١٥/٣] وتجوز إلخ: كتب النحو مشحونة بأن فيه ثلاث
أقوال: قيل: هو مشترك، وقيل: هو حقيقة في الحال، مجاز في الاستقبال، وقيل: بالعكس، والأصح هو
القول الثاني، ولذا اختاره المصنف.
* أخرجه البخاري ومسلم عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن عائشة، وروى الأئمة الستة في كتبهم عن
مسروق عن عائشة. [نصب الراية ٢٣٠/٣] أخرج مسلم في صحيحه عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن
عائشة أنها قالت: لما أمر رسول الله تُ﴿يّ بتخيير أزواجه فقال: إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي
حتى تستأمري أبويك، قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه قالت ثم قال: إن الله عزوجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ◌ِأَزْوَاحِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمْتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّ حْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتٍ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ قالت: قلت في أ في هذا
أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ◌ُّ مثل ما فعلت.
[رقم: ١٤٧٥، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلا بالنية]