النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢٠
باب الجنايات
لما أن المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد، وبتأخير واجب واحد لا يجب إلا
جزاء واحد. وإذا اشترك محرمان في قتل صيد: فعلى كل واحد منهما جزاء كامل؛
لأن كل واحد منهما بالشركة يصير جانيا جناية تفوق الدلالة، فيتعدّد الجزاء بتعدد
الجناية. وإذا اشترك حلالان في قتل صيد الحرم: فعليهما جزاء واحد؛ لأن الضمان
بدل عن المحل لا جزاء عن الجناية، فيتّحِد باتحاد المحل، كرجلين قتلا رجلاً خطأ: يجب
عليهما دية واحدة، وعلى كل واحد منهما كفارة. وإذا باع المحرم الصيد أو ابتاعه،
فالبيع باطل؛ لأن بَيْعه حيًّ تعرُّض للصيد الآمن، وبيعه بعد ما قَله بيع ميتة.
المستحق عليه: هذا وجه المذهب واقتصر عليه ولم يذكر وجه قول زفر لضعف كلامه في هذه
المسئلة.(فتح القدير) إحرام واحد: للحج والعمرة كليهما، ألا ترى أنه لو أحرم للعمرة عند الميقات، ثم
أحرم بالحج بعد ما جاوز الميقات كان جائزًا، ولا شيء عليه مع أنه قارن أيضاً. [العناية ٣٦/٣]
جزاء واحد: بخلاف سائر المحظورات، فإنه صار بجنايته مرتكباً بمحظورة إحرامين. (البناية)
كامل: وقال الشافعي بدله: عليهما جزاء واحد؛ لأن من أصله أن الاعتبار للمحل، وعن هذا قال: الدال
الذي لم يتصل فعله بالمحل لا يلزمه شيء، والمحل ههنا واحد فلا يلزمه إلا جزاء واحد. [العناية ٣٦/٣]
يصير جانياً: فبتعدد الفعل يتعدد جزاؤه، فيجعل في حق كل واحد منهم كأنه ليس معه غيره، كما في
كفارة القتل والقصاص. (النهاية) تفوق الدلالة: فلاتصاله بالمحل دونها، وإذا كان كل واحد منهما جانياً
تلك الجناية كانت الجناية متعددة، وتعددها يوجب تعدد الجزاء لا محالة [العناية ٣٦/٣-٣٧]
فعليهما جزاء واحد: ولو اشترك محرمون ومحلون في قتل صيد الحرم وجب جزاء واحد. يقسم على
عددهم، ويجب علی کل محرم مع ما خصمه من ذلك جزاء کامل، وإن کان معهم لا يجب عليه کصبي
وكافر، يجب على الحلال بقدر ما يخصه من القسمة لو قسمت على الكل. [فتح القدير ٣٦/٣]
دية واحدة: لأنه لا ضمان المحل. (البناية) كفارة: لأنها ضمان الفعل. (البناية) ابتاعه: أي اشتراه. (البناية)
فالبيع باطل: لأن الصيد في حقه محرم العین، فلا یکون مالاً متقوما کالخمر، فلهذا لا يجوز شراؤه أصلاً،
سواء اشتراه من محرم أو حلال. (النهاية) الآمن: وكلاهما باطل فيكون البيع باطلاً. (البناية)

٣٢١
باب الجنايات
ومن أخرج ظَيَةً من الحرم فولدت أولاداً، فماتت هي وأولادها: فعليه جزاؤهنَّ؛
لأن الصيد بعد الإخراج من الحرم بَقِيَ مستحقًا للأمن شرعًا، ولهذا وجب ردُّه إلى
مأمنه، وهذه صفة شرعية، فتسري إلى الولد، فإن أدَّى جزاءها، ثم ولدت: ليس عليه
جزاء الولد؛ لأن بعد أداء الجزاء لم تَبْقَ آمنة؛ لأن وصول الخَلف كوصول الأصل،
والله أعلم بالصواب.
ومن أخرج: وهو حلال أو محرم. (فتح القدير) ولهذا: أي ولأجل استحقاقه الأمن شرعاً. (البناية)
وهذه: أي كونها مستحقة الأمن بالرد إلى المأمن. (فتح القدير) صفة شرعية: والحاصل: أن صفة
استحقاق الأمن صفة شرعية كالرق والحرية، فتسري إلى الولد عند حدوثه كسائر الصفات الشرعية،
فيصير خطاب رد الولد مستمراً، وإذا تعلق خطاب الرد كان الإمساك تعرضاً له ممنوعاً، فإذا اتصل الموت
به ثبت الضمان، بخلاف ولد المغصوب؛ لأن سبب الضمان الغصب، وهو إزالة اليد، ولم توجد في حق
الولد. [فتح القدير ٣٨/٣] الخلف: وهو القيمة إلى الفقراء. (البناية)

٣٢٢
باب مجاوزة الوقت بغير إحرام
باب مجاوزة الوقت بغير إحرام
وإذا أتى الكوفي بستان بني عامر فأحرم بعمرة، فإن رجع إلى ذات عرْق ولىَّ:
بطل عنه دم الوقت، وإن رجع إليه ولم يُلبِّ حتى دخل مكة، وطاف لعمرته: فعليه دم،
وهذا عند أبي حنيفة معه. وقالا: إن رجع إليه مُحْرمًا، فليس عليه شيء لَىَّ أو لم يُلبِّ،
وقال زفر ستله: لا يسقط، لَمَّى أو لم يلب؛ لأن جنايته لم ترتفع بالعَوْد، وصار كما إذا
أفاض من عرفات ثم عاد إليه بعد الغروب. ولنا: أنه تدارك المتروك في أوانه، وذلك قبل
الشروع في الأفعال فيسقط الدم، بخلاف الإفاضة؛ لأنه لم يتدارك المتروك على ما مرَّ.
مجاوزة الوقت إلخ: قال صاحب "النهاية" مليه: لما ذكر باب الجنايات وأنواعها أعقبه ذكر باب مجاوزة
الوقت بغير إحرام؛ لأن هذا من الجنايات أيضاً إلا أن هذا قبل الإحرام. [العناية ٣٩/٣] بني عامر: هو موضع
قريب من مكة داخل الميقات خارج الحرم. (البناية) إلى ذات عرق: التخصيص بذات عرق؛ لظاهر حال
الكوفي، وإلا فالرجوع إليه وإلى غيره من المواقيت سواء في سقوط الدم في ظاهر الرواية. [البناية ٣٦٦/٤]
وهذا عند أبي حنيفة : الحاصل: أن الآفاقي إذا وصل إلى ميقات من مواقيت الآفاقيين، فإما أن يكون
بعد ميقات آخر في طريقه أو لا، فإن كان جاز له مجاوزته إلى الميقات الأخير، وإن لم يكن وجب عليه
الإحرام منه، كالميقات الأخير فإن لم يحرم حتى جاوزه، فإن عاد قبل استلام الحجر إلى الميقات، فلیی عنده،
سقط عنه دم المجاوزة، وإن لم يلب لا يسقط عند أبي حنيفة بالم، وعندهما يسقط وإن لم يلب، وعند زفر:
لا يسقط وإِن لبى فيه. [فتح القدير ٣٩/٣ -٤٠] وقالا: وبه قال الشافعي محله في قول. (البناية)
زفر: وبه قال مالك والشافعي لحمثًا في قول. (البناية) جنايته: هو ترك الإحرام من الميقات. (البناية)
المتروك: قضاء حق الفائت. (البناية) الإفاضة: جواب عن قول زفر وله: كما إذا أفاض. (البناية)
لأنه لم يتدارك المتروك: لأن المتروك هناك استدامة الوقوف إلى غروب الشمس، وهو بعوده لم يتدار كه
في وقته، حتى قال بعضهم: لو عاد قبل غروب الشمس يسقط عنه الدم. [الكفاية ٤٠/٣]

٣٢٣
باب مجاوزة الوقت بغیر إحرام
غيرأن التدارك عندهما بعوده محرمًا؛ لأنه أظهر حقَّ الميقات كما إذا مرَّ به محرمًا ساكنًا،
وعنده: بعوده محرمًا مُلَّيًا؛ لأن العزيمة في الإِحرام من دُوَيْرَة أهلهِ، فإذا ترخَّص بالتأخير
قریب أهله
إلى الميقات: وجب عليه قضاء حقه بإنشاء التلبية، فكان التلافي بعوده ملبِّيًا، وعلى هذا
الخلاف إذا أحرم بحَجَّة بعد المجاوزة مكان العمرة في جميع ما ذكرنا، ولو عاد بعد
إلى الميقات
عن الميقات
ما ابتدأ بالطواف واستلم الحَجَر لا يسقط عنه الدم بالاتفاق. ولو عاد إليه قبل الإِحرام
الميقات
يسقط بالاتفاق، وهذا الذي ذكرنا إذا كان يريد الحج أو العمرة، فإن دخل البستان
لحاجة: فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ووقته البستان، وهو وصاحب المنزل سواء؛
میقاته
لأن البستان غير واجب التعظيم، فلا يلزمه الإحرام بقصده، وإذا دخله التحق بأهله،
غير أن التدارك: أشار به إلى أن التدارك هل يحصل بمجرد العود أو مع التلبية، فقال: إن التدارك عندهما أي
عند أبي يوسف ومحمد رحمًا لعوده خلاف كونه محرماً؛ لأنه أظهر حق الميقات وهو مجاوزته. [البناية ٣٦٧/٤]
كما إذا مر به محرما ساكتاً: فلا يلزمه شيء. [البناية ٣٦٧/٤] يعني أن الواجب عليه هو أن يكون محرما
عند الميقات، لا أن ينشيء الإحرام عنده. ألا ترى أنه لو أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات، ثم مر بالميقات
محرمًا، ولم يلب عند الميقات، لا يلزمه شيء، وعنده بعوده ملبيا محرمًا؛ لما أنه لما انتهى إلى الميقات حلالاً
وجب عليه التلبية عند الميقات والإحرام، فإذا ترك ذلك بالمجاوزة حتى أحرم وراء الميقات، ثم عاد، فإن لبى
أتى بجميع ما هو المستحق عليه، فيسقط عنه، وإن لم يلب لم يأت بما استحق عليه، فلذا لا يسقط عنه الدم
ما لم يلب. (النهاية) بإنشاء التلبية: أي قضاء حق الميقات بالإتيان بالتلبية. (البناية)
الخلاف: بين أبي حنيفة محله وصاحبيه. بالاتفاق: أي باتفاق علمائنا والشافعي في قول ومالك
وأحمد. (البناية) لحاجة: كالتجارة وغيرها. بغير إحرام: كما يجوز للبستاني. (البناية) وهذا هو الحيلة لما
أراد دخول مكة من أهل الآفاق بغير إحرام، كذا في "الكافي"، وهو مشكل؛ لأن من أراد دخول مكة من
أهل الآفاق، لا يحل له التجاوز من الميقات بغير إحرام. بأهله: أي بأهل البستان سواء نوى الإقامة خمسة
عشر يوماً أو لم ينو. (البناية)

٣٢٤
باب مجاوزة الوقت بغير إحرام
وللبستاني أن يدخل مكة بغير إحرام للحاجة، فكذلك له، والمراد بقوله: ووقته البستان
جميع الحل الذي بينه وبين الحرم، وقد مر من قبل، فكذا وقت الداخل الملحَق به. فإن
أحرما من الحِلِّ، ووقفا بعرفة: لم يكن عليهما شيء، يريد به البستاني والداخل فيه؛
لأنهما أحرما من ميقاتهما. ومن دخل مكة بغير إحرام، ثم خرج من عامه ذلك إلى
وهو الحل
الوقت، وأحرم بحجة عليه: أجزأه ذلك من دخوله مكة بغير إحرام. وقال زفر ثلبه:
لا يجزيه، وهو القياس؛ اعتبارًا بما لزمه بسبب النذر، وصار كما إذا تحولت السنَّة.
ولنا: أنه تلافي المتروك في وقته؛ لأن الواجب عليه تعظيم هذه البقعة بالإِحرام،
له: أي الذي دخل البستان لحاجته. (البناية) بقوله: أي بقول محمد بدلته في "الجامع الصغير". (البناية)
أحرما: أي البستاني والملتحق به. (البناية) الحل: الذي بين المواقيت وبين الحرم. (البناية)
بحجة عليه: يعني حجة الإسلام أو حجة منذورة أو عمرة منذورة. (البناية) أجزأه ذلك: يعني يسقط عنه
ما وجب عليه من العمرة أو الحجة بسبب دخول مكة بغير إحرام. [البناية ٣٦٩/٤-٣٧٠]
بغير إحرام: الآفاقي إذا دخل مكة بغير إحرام، ولزمه بسبب دخوله مكة إما حجة أو عمرة عندنا، خلافًا
للشافعي بالته على مامر، ثم حج من عامه ذلك حجة الإسلام، أو حجة أو عمرة نذرها، سقط به عنه ما
لزمه بسبب دخوله مكة بغير إحرام خلافاً لزفر بطلته. وفي "الطحاوي": الآفاقي إذا جاوز الميقات قاصداً مكة
بغير إحرام مراراً، فإنه يجب عليه لكل مرة إما حجة أو عمرة، ثم لو خرج من عامه ذلك إلى الميقات فأحرم
بحجة الإسلام أو غيرها، يسقط عنه ما وجب عليه لأجل المجاوزة الأخيرة، ولا يسقط عنه ما وجب عليه
لأجل مجاوزة قبلها؛ لأن الواجب قبل الأخيرة صار ديناً، فلا يسقط إلا بتعيين النية. [الكفاية ٤١/٣-٤٢]
اعتباراً إلخ: أي فإنه إذا كان عليه حجة وجبت بالنذر، وحج حجة الإسلام، فإنه لا يسقط بها المنذور،
فكذلك ههنا. والجامع أن كل واحد منهما واجبة بسبب غير سبب الأخرى. [البناية ٣٧٠/٤]
السنة: ثم حج حجة الإسلام، فإنه لا يقوم مقام ما لزمه بدخول مكة بلا خلاف. (العناية)
ولنا: وهو وجه الاستحسان. (العناية) وقته: وهو السنة التي دخل فيها مكة. (العناية)

٣٢٥
باب مجاوزة الوقت بغیر إحرام
كما إذا أتاه محرمًا بحجة الإسلام في الابتداء، بخلاف ما إذا تحولت السنة؛ لأنه صار
دینًا في ذمته، فلا يتأدّی إلا ياحرام مقصود، كما في الاعتكاف المنذور، فإنه يتأدّى
بصوم رمضان من هذه السنة دون العام الثاني. ومن جاوز الوقت، فأحرم بعمرة
وأفسدها: مضى فيها وقضاها؛ لأن الإحرام يقع لازماً، فصار كما إذا أفسد الحَجَّ،
وليس عليه دم لترك الوقت، وعلى قياس قول زفر بحلته: لا يسقط عنه، وهو نظير
الاختلاف في فائت الحج إذا جاوز الوقت بغير إحرام، وفيمن جاوز الوقت بغير إحرام،
في الابتداء: يعني من أول الأمر، فإنه يجزئه عن حجة الإسلام التي نوى وعما لزمه بدخول مكة. (البناية)
بخلاف إلخ: جواب عن قياس زفر. كما في الاعتكاف المنذور إلخ: أي كما إذا نذر أن يعتكف شهر
رمضان هذا، فإنه يتأدى بصوم رمضان من هذه السنة دون العام الثاني يعني إذا لم يعتكف شهر رمضان الذي
نذر فيه الاعتكاف، حتى جاء رمضان العام الثاني، فصامه فاعتكف فيه قضاء عما عليه لم يعتكف؛ لأنه لما
لم يعتكف في الرمضان الأول صار الصوم مقصوداً، فلا يتأدى إلا بصوم مقصود، كذا هذا. [البناية ٣٧٠/٤]
لازماً: أي لا يمكن الخروج عنه إلا بأداء ما التزمه من الأفعال وإن أفسد. (الكفاية)
وليس عليه دم: قيد به؛ لأنه لا يسقط عنه دم الإفساد بالقضاء. (الكفاية) لترك الوقت: لأنه إذا فصلها
بإحرام الميقات ينجبر به ما نقص من حق الوقت بالمجاوزة بغير إجرام، فيسقط عنه الدم، كمن سها في
الصلاة، ثم أفسدها، ثم قضاها سقط عنه سجود السهو. [البناية ٣٧١/٤]
وعلى قياس قول زفر: أي قوله: فيما إذا جاوز الميقات ثم أحرم وعاد إلى الميقات، لا يسقط عنه دم
المجاوزة، وإن عاد ملبياً. [الكفاية ٤٢/٣] وهو نظير الاختلاف: أي هذا الاختلاف بيننا وبين زفر بحثه أن
الدم الواجب بالمجاوزة عن الميقات يسقط بالقضاء عندنا ولا يسقط عنده، نظير الاختلاف الواقع في فائت
الحج إذا جاوز الميقات بغير إحرام، ثم أحرم بالحج، وفاته الحج بفوات الوقوف بعرفات، ويحل بأفعال العمرة،
ووجب عليه القضاء من قابل يسقط الدم الواجب بالمجاوزة بغير إحرام لوجوب القضاء عندنا، خلافاً
له. [البناية ٣٧١/٤-٣٧٢] وفيمن: عطفاً على قوله: في فائت الحج. جاوز الوقت إلخ: أي ونظير
الاختلاف أيضاً بيننا وبينه فيمن جاوز الميقات بغير إحرام، وأحرم بالحج، ثم أفسد حجه بالجماع قبل
الوقوف بعرفات، فوجب عليه المضي والقضاء، ويسقط عنه دم المجاوزة عندنا، خلافاً له. [البناية ٣٧٢/٤]

٣٢٦
باب مجاوزة الوقت بغیر إحرام
وأحرم بالحج، ثم أفسد حجَّته، هو يعتبر المجاوزة هذه بغيرها من المحظورات. ولنا:
أنه يصير قاضياً حقَّ الميقات بالإِحرام منه في القضاء، وهو يحكي الفائت، ولا ينعدم
به غيره من المحظورات، فوضح الفرق. وإذا خرج المكي يريد الحجَّ، فأحرم ولم يعد
إلى الحرم، ووقف بعرفة: فعليه شاة؛ لأن وقته الحرم، وقد جاوزه بغير إحرام، فإن عاد
إلى الحرم، ولَّى أو لم يُلَبِّ، فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في الآفاقي. والمتمتع إذا
فرغ من عمرته، ثم خرج من الحرم فأحرم ووقف بعرفة: فعليه دم؛ لأنه لما دخل
مكة وأتى بأفعال العمرة صار بمنزلة المكي، وإحرام المكي من الحرم؛ لما ذكرنا،
فيلزمه الدم بتأخيره عنه، فإن رجع إلى الحرم، فأهل فيه قبل أن يقف بعرفة، فلا شيء
عليه، وهو على الخلاف الذي تقدم في الآفاقي.
المحظورات: كالتطيب واللبس والحلق، فإن الدم الواجب فيها لا يسقط بقضاء الحج أو العمرة، فكذا
هذا. [البناية ٣٧٢/٤] وهو يحكي الفائت: وهذا؛ لأن النقص حصل بترك الإحرام من الميقات، ويصير
قاضياً حقه بالقضاء، بخلاف ما ذكر؛ لأن الكف عن محظور إحرام فيه لا ينعدم به فعل محظور في
آخر.(فتح القدير) الفرق: أي بين ما نحن فيه، وبين ما قاس عليه زفر. (البناية) خرج: يعني إلى الحل. (فتح القدير)
يريد الحج: لأنه لو خرج إلى الحل لحاجة، فأحرم منه، ووقف بعرفة، فلا شيء عليه كالآفاقي إذا جاوز
الميقات قاصداً البستان، ثم أحرم منه. [فتح القدير ٤٣/٣] الآفاقي: عند أبي حنيفة مالك: يسقط عنه الدم بالعود
والتلبية عند الحرم، وعندهما يسقط بمجرد العود، وعند زفر محله: لا يسقط وإن ثَّى. [البناية ٣٧٣/٤]
والمتمتع إلخ: هذه المسألة من مسائل "الجامع الصغير"، وقيد فيه بالمتمتع؛ لأن إحرام القارن بحجة وعمرة
ميقاتي فلا يرد هذا الحكم فيه. [البناية ٣٧٣/٤] ثم خرج من الحرم: ولم أر تقييد مسئلة المتمتع بما إذا
خرج على قصد الحج، وينبغي أن يقيد به وأنه لو خرج لحاجة إلى الحل ثم أحرم بالحج منه لا يجب عليه
شيء كالمكي هذا. [فتح القدير ٤٣/٣] لما ذكرنا: أي في فصل المواقيت. (الكفاية) فأهل: أي أحرم ولى
في الحرم. (البناية) الخلاف: فعند أبي حنيفة بدلته: يسقط عنه الدم إذا لبى، وعندهما لا تشترط التلبية، وعند
زفر له: لا يسقط الدم في الحالين في الآفاقي. [البناية ٣٧٣/٤]

٣٢٧
باب إضافة الإحرام
باب إضافة الإحرام
قال أبو حنيفة باله: إذا أحرم المكي بعمرة وطاف لها شوطاً، ثم أحرم بالحج: فإنه
ینقضه
يرفض الحج، وعليه لرفضه دم، وعليه حجة وعمرة. وقال أبو يوسف ومحمد بحثًا:
رفض العمرة أحب إلينا وقضاؤها وعليه دم؛ لأنه لابد من رفض أحدهما؛ لأن الجمع
بينهما في حق المكي غير مشروع، والعمرة أولى بالرفض؛ لأنها أدنى حالاً، وأقل
أعمالاً، وأيسر قضاء؛ لكونها غير مؤقتة. وكذا إذا أحرم بالعمرة، ثم بالحج: ولم يأت
بشيء من أفعال العمرة؛ لما قلنا. فإن طاف للعمرة أربعة أشواط، ثم أحرم بالحج:
رفض الحج بلا خلاف؛ لأن للأكثر حكم الكل فتعذر رفضها،
باب إضافة الإحرام: لما كانت هذه من أهل مكة، وممن منزله داخل الميقات جناية، وكذا إضافة إحرام
العمرة إلى الحجة في الآفاقي عقب باب الجنايات بهذا الباب؛ لكونه نوعاً من الجنايات. [البناية ٣٧٤/٤]
قال أبو حنيفة مدل إلخ: حاصل وجوه ما إذا أحرم المكي بعمرة، فأدخل عليها إحرام حج ثلاثة: إما أن
يدخله قبل أن يطوف، فترتفض عمرته اتفاقاً، ولو فعل هذا آفاقي، كان قارناً على ما أسلفناه، أو يدخله
بعد أن يطوف أكثر الأشواط، فترتفض حجته اتفاقاً. ولو فعل هذا آفاقي متمتعاً، إن كان الطواف في
أشهر الحج على ما قدمناه أو بعد أن طاف الأقل، فهي الخلافية، عنده يرفض الحج؛ لما يلزم رفض العمرة
من إبطال العمل، وعندهما العمرة؛ لأنها أدنى حالاً. [فتح القدير ٤٣/٣-٤٤]
إذا أحرم المكي إلخ: إنما قيد المكي؛ لأن الآفاقي لو أحرم بعمرة، فطاف لها شوطاً، ثم أحرم بحجة يمضي في
الحج فيها ولا يرفض الحج؛ لأن بناء أفعال الحج على أعمال العمرة صحيح في حقه عندنا. [البناية ٣٧٤/٤]
أحب إلينا: لأنها أيسر قضاء وأداء. (البناية) غير مشروع: أي عندنا خلافاً للشافعي ومالك. (البناية)
لكونها: بخلاف الحج، فإنه مؤقت بذي الحجة. مؤقتة: لأن أداءها يمكن في جميع السنة إلا خمسة أيام يكره
فيها. (البناية) وكذا إذا أحرم إلخ: وفي عبارته تسامح؛ لأنه عطف بقوله: وكذا المتفق عليه على المختلف
فيه. [البناية ٣٧٥/٤] لما قلنا: أي قوله: لأنها أدنى حالاً إلخ. (البناية) أشواط: مراده أكثر من نصف.

٣٢٨
باب إضافة الإحرام
كما إذا فرغ منها، ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة لحظته.
وله: أن إحرام العمرة قد تأكد بأداء شيء من أعمالها، وإحرام الحج لم يتأكد،
ورفض غير المتأكّد أيسر، ولأن في رفض العمرة - والحالة هذه - إبطال العمل،
وفي رفض الحج امتناع عنه، وعليه دم بالرفض أيهما رفضه؛ لأنه تحلّل قبل أوانه
لتعذر المُضِيِّ فيه، فكان في معنى المُحْصَر، إلا أن في رفض العمرة قضاءها لا غير،
وفي رفض الحج قضاؤه وعمرة؛ لأنه في معنى فائت الحج. وإن مضى عليهما: أجزأه؛
"العمرة والحج
لأنه أدَّى أفعالهما كما التزمهما غير أنه منهي عنهما،
منها: أي من العمرة لعدم إمكان الرفض. (البناية) ولا كذلك إلخ: هكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها:
ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة له، وذكر الإمام حسام الدين الأخسبكتي مثله
والصواب: وكذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة بدله، فقال: وهو المثبت في نسخة المصنف بعدله.
[الكفاية ٤٤/٣] وقال الأتراري: في نسخته: ولا كذلك لا، هذا جواب سؤال مقدر بأن يقال: لما قال
المصنف: فإن طاف للعمرة أربعة أشواط رفض الحج؛ لأن للأكثر حكم الكل. [البناية ٣٧٥/٤]
أعمالها: وإن كان قليلاً. والحالة: يعني والحال أنه أتى بشيء من أفعال العمرة. (البناية) عنه: والامتناع أهون
في الإبطال. (البناية) وعليه دم: لكنه دم جبر على ما يأتي حتى لا يباح له أن يتناول منه بمنزلة دماء
الكفارات. (النهاية) أيهما: يعني الحج عنده، والعمرة عندهما. (البناية)
إلا أن في رفض العمرة إلخ: أي غير أن في رفض العمرة قضاء العمرة لا غير؛ لأنه خرج عنها بعد
الشروع، وفي رفض الحج قضاؤه أي قضاء الحج الذي رفضه في سنة أخرى، وعمرة أي مع قضاء عمرة
: أخرى غير العمرة التي شرع فيها؛ لأنه في معنى فائت الحج، وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة لكن يؤدي
أولاً العمرة التي شرع فيها، ويفرغ عنها، ثم يأتي بعمرة أخرى. [البناية ٣٧٦/٤-٣٧٧]
مضى: يعني كان الواجب على المكي الرفض، ومع ذلك فلو مضى جاز. منهي عنهما: أي عن إحرام الحج
والعمرة، وقال صاحب "النهاية": وفي نسخة شيخي بخط: عنها أي عن العمرة؛ إذ هي المستبعة للرفض إجماعاً فيما
إذا لم يشتغل بطواف الحج، والكلام فيه؛ لأنها هي الداخلة في وقت الحج، ويسببها وقع العصيان. [البناية ٣٧٧/٤]

٣٢٩
باب إضافة الإحرام
والنهي لا يمنع تحقق الفعل على ما عرف من أصلنا، وعليه دم؛ لجمعه بينهما؛ لأنه
الحج والعمرة
جبر
13
تمکن النقصان في عمله؛ لارتكابه المنهيّ عنه، وهذا في حق المكي دم جَبْر، وفي حق
الآفاقي دم شُكْر. ومن أحرم بالحج، ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى، فإن حَلَق في
الأولى: لزمته الأخرى، ولا شيء عليه، وإن لم يَحْلق في الأولى: لزمته الأخرى، وعليه
دم قَصَّر أو لم يُقَصِّر عند أبي حنيفة مسافه. وقالا: إن لم يُقَصِّر، فلا شيء عليه؛ لأن
الجمع بين إحرامي الحج، أو إحرامي العمرة بدعة، فإذا حلق فهو - وإن كان نسكا في
الإِحرام الأول- فهو جناية على الثاني؛ لأنه في غير أوانه، فلزمه الدم بالإجماع، وإن لم
يحلق حتى حجَّ في العام القابل، فقد أخَّر الحلق عن وقته في الإحرام الأول،
من أصلنا: وهو أن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي المشروعية عندنا. [الكفاية ٤٥/٣]
عمله: وهو الجمع بينهما. (البناية) جبر: فلا يجوز أكل لحمه له. شكر: فيجوز أكل لحمه.
ومن أحرم بالحج إلخ: إعلم أن الجمع بين الإحرامين لحجتين أو العمرتين حرام؛ لأنه بدعة، ويأتي هذا على
أربعة أقسام بالقسمة العقلية: إدخال إحرام الحج على إحرام الحج، وإدخال إحرام الحج على إحرام العمرة،
وإدخال إحرام العمرة على إحرام الحج، وإدخال إحرام العمرة على إحرام العمرة. وأشار إلى بعضها، وسيأتي
كل ذلك. وأشار إلى ذلك الأول بقوله: ومن أحرم بالحج ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى، ففيه تفصيل،
أشار إليه بقوله: فإن حلق في الأول أي في الحجة الأولى لزمته الأخرى أي الحجة الأخرى؛ لأنه لم يجمع بين
الإحرامين؛ لأنه تحلل من الأولى بالحلق، ويؤدي الحجة الأخرى في العام القابل. [البناية ٣٧٨/٤]
عليه: لأنه لم يجمع بين الإحرامين. (البناية) قَصَّر أو لم يُقَصِّر: قال الكاكي: قوله: قصر أي حلق بعد إحرام أو
لم يحلق، وعبّر بالقصر عن الحلق؛ لأنه وضع المسألة بلفظ من يقول ومن أحرم، وهو يتناول الذكر والأنثى،
فذكر أولاً لفظ الحلق، ولا ينافي لفظ التقصير ليشملهما أن الخلق مختص بالرجال. وفي بعض الروايات:
حلق مكان قصر. [البناية ٤ / ٣٧٨] لأن الجمع: هذا دليل لقوله: وعليه دم قصر أو لم يقصر. (البناية)
أوانه: لأنه حلق قبل أداء الأعمال في الإحرام. (البناية) بالإجماع: بين أبي حنيفة به وصاحبیه.

٣٣٠
باب إضافة الإحرام
وذلك يُوجب الدم عند أبي حنيفة بحالته، وعندهما: لا يَلْزَمُه شيء على ما ذكرنا،
فلهذا سوَّى بين التقصير وعدمه عنده، وشَرَطَ التَّقْصير عندهما. ومن فرغ من عمرته
إلا التقصير، فأحرم بأخرى: فعليه دم؛ لإحرامه قبل الوقت؛ لأنه جَمَع بين إحرامي
العمرة، وهذا مكروه فيلزمه الدم، وهو دم جبر وكفارة. ومن أَهَلَّ بالحج، ثم أحرم
بعمرة أُخرى
بعمرة: لزماه؛ لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي، والمسألة فيه فيصير بذلك
قارناً، لكنه أخطأ السنة فيصير مسيئاً. فلو وقف بعرفات ولم يأت بأفعال العمرة:
فهو رافض لعمرته؛ لأنه تعذر عليه أداؤها؛ إذ هي مبنية على الحج غير مشروعة، فإن
توجّه إليها لم يكن رافضاً حتى يقف، وقد ذكرناه من قبل. فإن طاف للحج،
ما ذكرنا: وهو أن التأخير لا يوجب شيئا عندهما. (البناية) فلهذا: أي فلأجل أن التأخير جناية
عنده. (البناية) لإحرامه قبل الوقت: يعني أن وقت إحرام العمرة الثانية بعد الحلق أو التقصير للأولى،
فلما أحرم للثانية قبل ذلك يكون محرماً قبل الوقت، فيصير جامعاً بين إحرامي العمرتين. (البناية)
والمسألة فيه: أي في الآفاقي، ومعنى المسألة: أن الآفاقي إذا أحرم بحجة، ثم بعمرة قبل أداء شيء من أفعال
الحج لزماه لصدوره من أهله؛ لأنه أمكن إتيان أفعال العمرة قبل أفعال الحج. [البناية ٣٨٠/٤]
لكنه أخطأ السنة: لأن السنة إدخال الحج على العمرة، لا إدخال العمرة على الحج، قال الله تعالى:
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. [العناية ٤٨/٣] ولم يأت بأفعال العمرة إلخ: وفي "الفوائد": وكذلك
إذا طاف لعمرته شوطا، أو شوطين، أو ثلاثة أشواط؛ لأن المأتي به أقل أعمالها. [الكفاية ٤٨/٣]
غير مشروعة: بل المشروع هو أن تكون أفعال الحج مبنية على أفعال العمرة. (العناية)
لم يكن رافضاً: حتى لو بدا له فرجع من الطريق إلى مكة، فطاف لعمرته وسعى، ثم وقف بعرفات كان
قارناً. (العناية) ذكرناه: أي في آخر باب القران. (الكفاية) فإن طاف للحج: طواف القدوم. (البناية) يعني
طواف التحية، ثم أحرم بالعمرة، فمضى عليهما، وتفسير المضي: أن يقدم أفعال العمرة على أفعال الحج،
كما هو المسنون في القران لزماه، وعليه دم؛ لجمعه بينهما. [العناية ٤٨/٣]

٣٣١
باب إضافة الإحرام
ثم أحرم بعمرة، فمضى عليهما: لزماه، وعليه دم؛ لِجَمْعِه بينهما؛ لأن الجمع بينهما
مشروع على ما مرَّ، فصح الإحرام بهما. والمراد بهذا الطواف: طواف التحية، وأنه سنة
وليس بركن، حتى لا يلزمه بتركه شيء، وإذا لم يأت بما هو ركن يمكنه أن يأتي بأفعال
العمرة، ثم بأفعال الحج، فلهذا لو مضى عليهما: جاز، وعليه دم؛ لِجَمْعِه بينهما، وهو دم
كفارة وجبر، هو الصحيح؛ لأنه بانٍ أفعالَ العمرة على أفعال الحج من وجه. ويُستحب
أن يرفض عمرته؛ لأن إحرام الحج قد تأكّد بشيء من أعماله، بخلاف ما إذا لم يَطُف
للحج، وإذا رفض عمرته: يقضيها؛ لصحة الشروع فيها، وعليه دم؛ لرفضها.
ما مر: وهو قوله: لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي. (الكفاية) الطواف: يعني في قوله: فإن طاف
للحج.(فتح القدير) هو الصحيح: احتراز عما اختاره شمس الأئمة وقاضي خان والإمام المحبوبي أن ذلك
دم القران، فيكون دم شكر، وذكر الإمام فخر الإسلام مثل ما ذكر في الكتاب. [العناية ٤٩/٣]
من وجه: وذلك؛ لأن طواف التحية وإن كان سنة لكنه من جملة أفعال الحج من هذا الوجه، وذلك
مكروه. [البناية ٣٨٢/٤] بشيء من أعماله: وهو طواف القدوم، هكذا ذكره غير واحد من الفقهاء،
والنظر الدقيق يتأمل في كون طواف القدوم من أعمال الحج، فإن طواف القدوم ليس من أفعال الحج أصلا،
ولا من سنن نفس عبادة الحج، بل هو سنة قدوم المسجد الحرام كركعتي التحية لغيره من المساجد، ولذا
يسقط بطواف آخر من مشروعات الوقت، حتى لو لم يدخل المحرم مكة إلى يوم النحر سقط استنانه يفعل
طواف الإفاضة، إلا أن يعتقد ما اعتقده صاحب "فتح القدير" من أن استنانه لإيقاع سعي الحج، فإن السعي
لم يشرع إلا مرتباً على الطواف. ومعلوم أنه رخص في تقديم السعي على يوم النحر، فكان الثابت في
"الآثار" بيان طريق تقديم سعي الحج على يوم النحر للقارن، فصار من هذا الوجه من أفعال الحج، فافهم.
للحج: لأنه لا يرفض العمرة؛ لأنه لا يكون بانيا أفعال العمرة على أفعال الحج. (البناية)
لرفضها: لأنه بالرفض يصير جانياً فيلزمه الدم. (البناية)

٣٣٢
باب إضافة الإحرام
ومن أهل بعمرة في يوم النحر، أو في أيام التشريق: لزمته؛ لما قلنا. ويرفضها أي: يلزمه
الرفض؛ لأنه قد أدَّى ركن الحج، فيصير بانيًا أفعالَ العمرة على أفعال الحج من كل
وجه، وقد كُرِهَتْ العمرة في هذه الأيام أيضا على ما نذكر، فلهذا يلزمه رفضُها. فإِن
رفضها، فعليه دم؛ لرفضها، وعمرة مكانها؛ لما بينًا، فإن مضى عليها أجزأه؛ لأن
الكراهة لمعنى في غيرها، وهو كونه مشغولاً في هذه الأيام بأداء بقية أعمال الحج،
فيجب تخليص الوقت له؛ تعظيماً، وعليه دم؛ لجمعه بينهما، إما في الإحرام، أو في
الأعمال الباقية. قالوا: وهذا دم كفارة أيضًا، وقيل: إذا حلق للحج، ثم أحرم: لا يرفضها
المشايخ
على ظاهر ما ذكر في "الأصل"، وقيل: يرفضها؛ احترازاً عن النهي.
ومن أهل بعمرة إلخ: قال السغناقي: أي المحرم بالحج إذا وقف بعرفات يوم عرفة، ثم أحرم بالعمرة يوم
النحر قبل الحلق، أو قبل طواف الزيارة؛ لأن حكم من أهل بها من بعد ما أحل مرة من الحج بالحلق يأتي
ذكره، وقال الأكمل: والظاهر الإطلاق. [البناية ٣٨٢/٤-٣٨٣] لما قلنا: أي لصحة الشروع فيها. (الكفاية)
الرفض: هكذا قاله شراح "الجامع الصغير". (البناية) العمرة: وجه آخر في لزوم الرفض. (العناية)
ما نذكر: أي في باب الفوات. (الكفاية) وعمرة مكانها: أي قضاء للمرفوضة. (العناية) ثم فرق بين هذا،
وبين ما إذا شرع في الصوم في يوم النحر ثم أفسد؛ لأن ثمة بنفس الشروع لا يصير معتمراً؛ مرتكباً للمنهي
عنه، فصح شروعه بمنزلة الشروع في الصلاة في الأوقات المكروهة. [الكفاية ٤٩/٣] لما بينا: أشار إلى
قوله: لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفافي. (البناية) إما في الإحرام: أي باعتبار أنه أحرم بالعمرة قبل
الحلق، أو في الأفعال الباقية أي الجمع في الأفعال الباقية من رمي الجمار وغيره على تقدير الإحرام بعد
الحلق قبل طواف الزيارة، أو بعده. [البناية ٣٨٤/٤] كفارة: لا دم شكر. (البناية)
في الأصل: أي " المبسوط " قال: فيها لا يرفض مطلقاً. (البناية) النهي: يعني النهي عن العمرة في هذه
الأيام كما ذكرنا. (العناية)

٣٣٣
باب إضافة الإحرام
قال الفقيه أبو جعفر حاله: ومشايخنا على هذا. فإن فاته الحج، ثم أحرم بعمرة أو بحجة:
فإنه يرفضها؛ لأن فائت الحج يتحلّل بأفعال العمرة من غير أن ينقلب إحرامه إحرام
الثانية
العمرة على ما يأتيك في باب الفوات إن شاء الله، فيصير جامعاً بين العمرتين من
حيث الأفعال، فعليه أن يرفضها، كما لو أحرم بعمرتين. وإن أحرم بحجة يصير
جامعاً بين الحجتين إحراماً، فعليه أن يرفضها كما لو أحرم بحجَتين، وعليه قضاؤها؛
لصحة الشروع فيها، ودم؛ لرفضها بالتحلَّل قبل أوانه، والله أعلم.
أبو جعفر: هو محمد بن عبد الله الهندواني من كبار العلماء. (البناية) على هذا: أي على وجوب الرفض
وإن كان بعد الحلق، وصححه بعض المتأخرين؛ لأنه بقي عليه واجبات من الحج كالرمي وطواف الصدر،
وسنة المبيت، وقد كرهت العمرة في هذه الأيام أيضاً فيصير بانياً أفعال العمرة على أفعال الحج
بلا ريب. [فتح القدير ٥٠/٣-٥١] ينقلب: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد دعمًا، وقال أبو يوسف بحظه:
ينقلب إحرامه إحرام العمرة. [البناية ٣٨٤/٤]
إحرامه إحرام العمرة: بيانه: أن الركن الأصلي في الحج هو الوقوف، فإذا فاته فعليه أن يتحلل بأفعال
العمرة؛ للحديث الذي يأتي، فيقول: فائت الحج محرم بإحرام الحج مباشر لأفعال العمرة بمنزلة المسبوق
إذا قام إلى قضاء ما سبق، فإنه مقتد في أصل التحريمة حتى لا يصح الاقتداء به منفردًا في الأعمال، فيلزمه
القراءة، فإذا أحرم بعمرة، كان جامعاً بين العمرتين، وإذا أحرم بحجة صار جامعاً بين الحجتين. (النهاية)
يرفضها: وعند أبي يوسف له: لا يرفضها، بل يمضي فيها. (البناية)

٣٣٤
باب الإحصار
باب الإحصار
وإذا أُخْصر المحرم بعدوٍّ، أو أصابه مرض، فمنعه من المضي: جاز له التخلُّل، وقال
الشافعي باه: لا يكون الإِحصار إلا بالعدوّ؛ لأن التحلل بالهدي شُرع في حق
المُحْصَر؛ لتحصيل النجاة، وبالإِحلال ينجو من العدوّ لا من المرض. ولنا: أن آية
الإِحصار وردت في الإحصار بالمرض بإجماع أهل اللغة فإنهم قالوا: الإحصار بالمرض،
باب الإحصار: الاحصار في اللغة: المنع. (البناية) هو من العوارض النادرة، وكذا الفوات فأخرهما، ثم إن
الإحصار وقع له عليّا فقدّم بيانه على الفوات، والإحصار يتحقق عندنا بالعدوّ وغيره كالمرض، وهلاك
النفقة وموت محرم المرأة أو زوجها في الطريق، وفي "التجنيس" في سرقة النفقة: إن قدر على المشي فليس
بمحصَر، وإلا فمحصَر؛ لأنه عاجز ولو أحرمت ولا زوج لها ولا محرم فهي محصرة لا تحل إلا بالدم؛ لأنها
منعت شرعاً [وهو] أكد من المنع بسبب العدو. [فتح القدير ٥١/٣] المحرم: قوله: المحرم يتناول المحرم
بالحج والمحرم بالعمرة. (البناية) المضي: أي الوصول إلى البيت. (البناية)
لأن التحلل إلخ: ولا يخفى أنه يرد على هذا يبادئ النظر أن يقال: إن قلت: إنه لم يشرع إلا للنجاة من
السبب منعنا الحصر، وإن أردت أنه من أسباب شرعيته لم يفد نفي شرعتيه في محل النزاع، فلذا جعل
بعضهم هذا الوجه مبنياً على الاستدلال بالآية هكذا: الآية وردت لبيان حكم إحصاره ظّ وأصحابه، وكان
بالعدو، وقال في سياق الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ إلى آخرها، فعلم أن شرعية الإحلال في العدوّ كان لتحصيل
الأمن منه، وبالإِحلال لا ينجو من المرض، ولا يكون الإحصار بالمرض في معناه. [فتح القدير ٥١/٣]
فإنهم قالوا إلخ: أفاد هذا أن مراده بقوله: وردت في الإِحصار بالمرض بإجماع أهل اللغة، أن إجماعهم
على أن مدلول لفظ الإحصار المنع الكائن بالمرض، والآية وردت بذلك اللفظ. [فتح القدير ٥١/٣]
الإحصار بالمرض إلخ: يعني أن باب الإفعال مختص بما حصل بالعدوّ، والآية وردت بالأول، لا يقال: نزول الآية
كان في شأن النبي عليّا وأصحابه، وحصرهم كان بالعدوّ اتفاقا. فعلى هذا يلزم أن لا يكون في الآية بيان ما أنزلت
فيه؛ لأنا نقول: النص قد يشتمل الحادثة التي نزل فيها لفظا، وقد يشتمل غيرها لفظاً، ويشتملها عرفاً، ومعنى بطريق
الدلالة، والآية ههنا من القبيل الثاني؛ لأنه لما ثبت جواز التحلل بالإحصار ثبت بالحصر بالطريق الأولى.

٣٣٥
باب الإحصار
والحَصْرُ بالعدوّ. والتحلَّل قبل أوانه؛ لدفع الحرج الآتي من قِبَل امتداد الإحرام، والخرج
في الاصطبار عليه مع المرض أعظم. وإذا جاز له التحلَّل يقال له: ابْعَثْ شاة تُذْبُح في
الحرم، وواعِدْ من تَبْعَثُه بيوم بعينه يذبح فيه، ثم تحلّل، وإنما يبعث إلى الحرم؛ لأن دم
الإِحصار قربة، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان على ما مر، فلا يقع قربة
دونه، فلا يقع به التحلل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى ◌َتْلُغَ
الْهَدْيُ مَحِلّهُ﴾، فإن الهدي اسم لما يُهْدى إلى الحرم. وقال الشافعي بثه: لا يتوقّت به؛
أوانه: كأنه قال: سلمنا أن آية الإحصار وردت في الحصر بالعدو، ولا فرق بين الإحصار والحصر،
لكن المرض ملحق به بالدلالة. (البناية) أعظم: لا محالة؛ لكثرة احتياجه إلى المداواة ويمتد ذلك. (البناية)
وواعد: أمر من المواعدة، وإنما يحتاج به إلى المواعدة عند أبي حنيفة بح الته؛ لأن دم الإحصار عنده غير
موقت بزمان، أما عندهما موقت بيوم النحر، فلا يحتاج إلى المواعدة، كذا في و"المحيط" "المبسوط"، وأما في
العمرة فمستقيم على قولهم جميعاً. [البناية ٣٩٨/٤] ثم تحلل: يفيد أنه لا يتحلل قبله حتى لو ظن المحصر أن
الهدي قد ذبح في يوم المواعدة، ففعل من محظورات الإحرام، ثم ظهر عدم الذبح إذ ذاك كان عليه موجب
الجناية، وكذا لو ذبح في الحل على ظن أنه ذبح في الحرم. [فتح القدير ٥٣/٣]
والإراقة لم تعرف إلخ: لأن دم الإحصار قام مقام الحلق في أوانه، وهو في أوانه منسك، فكذا ما قام
مقامه وأوانه بعد أداء ركن الحج، وهو الوقوف بعرفات. (البناية) ما مر: إشارة إلى قوله: في فصل الصيد:
الهدي قربة غير معقولة، فيختص بزمان أو مكان. [البناية ٣٩٩/٤] وإليه: أي وإلى كون دم الإحصار
قربة. (البناية)، الإشارة: أي إلى المعنى الفقهي الذي ذكرناه، وهو أن الإراقة لم تعرف قربة إلا في مكان
مخصوص، وإلا فالآية صريحه في حكم المسألة. [الكفاية ٥٣/٣] محله: بالكسر عبارة عن المكان كالمسجد،
والمجلس نهى عن الحلق حتى يبلغ الهدي محله موضع حله، ثم فسر المحل بقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلَّهَا إِلَى الْبَيْتِ
الْعَتِيقِ﴾، وليس المراد عين البيت؛ لأنه لا يراق فيه الدماء فكان المراد به الحرم. [البناية ٣٩٩/٤]
لا يتوقّت به: وقال الشافعي معالفته: إن النبي ◌ُّ لما أحصر مع أصحابه في الحديبية نحروا بها، وهي خارج
الحرم. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ﴾، المراد بالمحل: الحرم كما ذكرنا، وأما
ما يستدل به فقد اختلفت الروايات في نحره عليًّ حين أحصر، روي أنه أرسلها على يد ناجية الأسلمي =

٣٣٦
باب الإحصار
لأنه شرع رخصة والتوقيت يبطل التخفيف قلنا: المراعَى أصل التخفيف؛ لا نهايته، وتجوز
الشاة؛ لأن المنصوص عليه الهدي، والشاة أدناه، وتجزيه البقرة والبدنة أو سُبْعُهما كما في
سَ
الضحايا، وليس المراد بما ذكرنا بعث الشاة بعينها؛ لأن ذلك قد يتعذر، بل له أن يَبْعَثَ
بالقيمة، حتى تُشترى الشاة هنالك وتُذبح عنه. وقوله: ثم تحلّل، إشارة إلى أنه ليس عليه الحلق
القدوري
أو التقصير، وهو قول أبي حنيفة ومحمد دهما. وقال أبو يوسف حدثله: عليه ذلك. ولو لم يفعل
لا شيء عليه؛ لأنه عليّلا حلق عام الحديبية، وكان مُحصَرًا بها، وأَمَر أصحابه ◌ُه بذلك. "
= لينحرها في الحرم حتى قال ناجية: ما ذا أصنع بما تبعث؟ فقال: انحرها واصبغ نعلها بدمها واضرب
صفحة سنامها وخلّ بينها وبين الناس ولا تأكل أنت ولا رفقتك منها شيئاً، وهذه الرواية أقرب إلى موافقة
الآية، وهو قوله تعالى: ﴿هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ﴾. وأما
الرواية الثانية فإن صحت فنقول. الحديبية من الحرم؛ لأن نصفها من الحل ونصفها من الحرم. [البناية ٤٠٠/٤]
المراعى أصل التخفيف: وحاصل الجواب أن يقال: إن قلت: إن المراعى نهاية التخفيف منعناه، أو أصله
فبالتوقيت لا ينتفي أصل التخفيف بالكلية؟. [فتح القدير ٥٤/٣] الشاة: يعني في الهدي. (البناية)
الهدي: أي في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾. (البناية) الضحايا: أي يجزئه سبع البقرة أو سبع
البدنة، كما في الأضحية. (البناية) ذلك: أي بعث الشاة بعينها. (البناية) هنالك: أي في الحرم. (البناية)
ليس عليه الحلق: وفي "الكافي": إنما لا يحلق إذا أحصر في الحل، وأما إذا أحصر في الحرم، فيحلق؛ لأن الحلق
موقت بالحرم عندهما، فعلى هذا كان حلقه ® لكونه في الحرم؛ لأن بعض الحديبية من الحرم. [فتح القدير ٥٤/٣]
عليه ذلك: أي الحلق استحباباً لا وجوباً بدليل قوله: ولو لم يفعل أي الحلق لا شيء عليه. (البناية)
عليه: وفي "مبسوط شيخ الإسلام": على هذه الرواية لا يتحقق الخلاف، إنما يتحقق على ما روي في
"النوادر" أن عليه الحلق، وإن لم يحلق فعليه دم. [البناية ٤٠٢/٤]
* أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر ◌ّها أن رسول الله ◌ُّ خرج معتمراً فحال كفار قريش
بينه وبين البيت فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل
سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، =

٣٣٧
باب الإحصار
ولهما: أن الحلق إنما عُرف قربة مرتّبًا على أفعال الحج، فلا يكون نُسُكًا قبلها، وفعل
البي عليَا وأصحابه؛ ليُعْرَف استحكام عزيمتهم على الانصراف. قال: وإن كان قارناً
القدوري
بعث بِدَّمَين؛ لاحتياجه إلى التحلل عن إحرامين فإن بعث بهدي واحد؛ ليتحلل عن
الحج ويبقى في إحرام العمرة: لم يتخلّل عن واحد منهما؛ لأن التحلّل منهما شرع في
حالة واحدة. ولا يجوز ذبح دم الإِحصار إلا في الحرم، ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند
أبي حنيفة بالله. وقالا: لا يجوز الذبح للمُحْصَر بالحج إلا في يوم النحر، ويجوز
للمحصر بالعمرة متى شاء؛ اعتبارًا بهدي المتعة والقران، وربما يعتبر أنه بالحلق؛ إذ كل
بالإجماع
واحد منهما مُحَلِّل. ولأبي حنيفة مثل: أنه دم كفارة، حتى لا يجوز الأكل منه،
بالاتفاق
فيختص بالمکان دون الزمان کسائر دماء الكفارات،
وأصحابه: هذا جواب عما تمسك به أبو يوسف. (البناية) بعث بدمين: ثم لا يحتاج إلى أن يتعين الذي
للعمرة منهما، والذي للحج؛ لأن هذا تعيين غير مفيد. (الكفاية) حالة واحدة: فلم يصح تقديم التحلّل عن
أحدهما كما في المدرك. (البناية) إلا في الحرم: إنما أعاد هذه المسألة مع أنه ذكرها عن قريب في هذا الباب
توطئة لقوله: ويجوز ذبحه قبل يوم النحر. (البناية) بهدي المتعة والقران: فإنهما موقتان بالزمان والمكان بلا خلاف،
وهذا متصل بقوله: إلا في يوم النحر بالعمرة متى شاء ففرقنا بينهما؛ احترازًا. [البناية ٤٠٤/٤]
منهما: أي الحلق وذبح المحصر. أنه دم كفارة: لأن هذا دم واجب لأجل الخروج عن الإحرام قبل أداء
الأفعال، والخروج عن الإحرام قبل أداء الأفعال جناية، فيكون ما وجب لأجله كفارة كما في سائر
الجنايات، ولهذا لا يباح له التناول بالاتفاق. والكفارات تختص بالمكان دون الزمان بالاتفاق. [البناية ٤٠٤/٤]
= فلما أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج. [ رقم: ٢٧٠١، باب الصلح مع المشركين] وأخرج البخاري في
صحيحه أيضاً عن المسور بن مخرمة ومروان، وفيه: فلما فرغ من الكتاب قال رسول الله ﴿ّ لأصحابه:
قوموا فانحروا ثم احلقوا. [رقم: ٢٧٣١، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط]

٣٣٨
باب الإحصار
بخلاف دم المتعة والقران؛ لأنه دم نُسُكِ، وبخلاف الحلق؛ لأنه في أوانه؛ لأنّ معظم
لا دم كفارة
أفعال الحج - وهو الوقوف - ينتهي به. قال: والمحصَر بالحج إذا تحلل: فعليه حجة
االقدوری
وعمرة، هكذا روي عن ابن عباس وابن عمر هم،* ولأن الحجة يجب قضاؤها؛
لصحة الشروع فيها، والعمرة؛ لما أنه في معنى فائت الحج، وعلى المحصَر بالعمرة
القضاء، والإِحصار عنها يتحقق عندنا، وقال مالك اليه: لا يتحقق؛ لأنها لا تتوقت.
ولنا: أن النبي عليًّا وأصحابه له أُخْصِرُوا بالحديبية،
والقران: هذا جواب عن اعتبارهما. (البناية) الحلق: هذا جواب عن اعتبارهما الآخر. (البناية)
فائت الحج: من حيث أنه خرج منه بعد صحة الشروع قبل أداء الأعمال، وعلى فائت الحج التحلل
بأفعال العمرة. [الكفاية ٥٥/٣-٥٦] لا يتحقق: أي الإحصار عن العمرة. (البناية)
لا تتوقت: فلا يتحقق خوف الفوات قلنا: خوف الفوات ليس هو المبيح للتحلل، وإلا لم يجز التحلّل؛
لأنه إذا فاته الحج يتحلّل بأفعال العمرة، وذلك لا يفوت، فعلم أن التحلل أنما أبيح لما قدمناه من ضرر
امتداد الإحرام مع ظهور عجزه عن الأداء. [فتح القدير ٥٧/٣]
* ذكره أبو بكر الرازي عن ابن عباس، وابن مسعود ﴿ه،. [نصب الراية ٣/ ١٤٤] فقال أبو بكر الرازي في
"أحكام القرآن": اختلف السلف وفقهاء الأمصار في الحصر بالحج إذا حلّ بالهدي، فروی سعید بن جبير عن ابن
عباس، ومجاهد عن عبد الله بن مسعود ◌ّهه قالا: عليه عمرة وحجة فإن جمع بينهما في أشهر الحج فعليه دم وهو
متمتع، وإن لم يجمعهما في أشهر الحج فلا دم عليه، وكذلك قال علقمة والحسن وإبراهيم وسالم والقاسم ومحمد
بن سيرين وهو قول أصحابنا.[٣٤٥/١، باب ما يجب على المحصر بعد إحلاله من الحج بالهدي] وأما ابن عمر فقد
روى عنه البخاري والنسائي ما يدل على وجوب حجة وعمرة على المحصر عن الحج. [إعلاء السنن ٤٣٣/١٠]
أخرج البخاري في صحيحه عن سالم قال: كان ابن عمر هما يقول: أليس حسبكم سنة رسول الله ◌ُ ◌ّ؟ إن
حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلاً فيهدي أو
يصوم إن لم يجد هدياً. [رقم: ١٨١٠، باب الإحصار في الحج] فقوله: "طاف بالبيت وبالصفا والمروة" ظاهر
في وجوب العمرة وقوله: "حتى يحج عاماً قابلاً" صريح في وجوب الحج عليه. [إعلاء السنن ١٠/ ٤٣٣]

٣٣٩
باب الإحصار
وكانوا عُمَّارًا،* ولأن شَرْعَ التحلل لدفع الحرج، وهذا موجود في إحرام العمرة،
وإذا تحقق الإِحصار: فعليه القضاء إذا تحلّل كما في الحج، وعلى القارن حجة
وعمرتان، أما الحج وإحداهما: فلما بينا، وأمّا الثانية: فلأنه خرج منها بعد صحة
الشروع فيها. فإن بعث القارن هدياً، وواعدهم أن يذبحوه في يوم بعينه، ثم زال
الإِحصار، فإن كان لا يُدْرِكُ الحج والهدي: لا يلزمه أن يتوجَّه، بل يَصْبر حتى يتحلل
بنحر الهدي؛ لفوات المقصود من التوجُّه، وهو أداء الأفعال. وإن توجه ليتحلَّل بأفعال
العمرة: له ذلك؛ لأنه فائت الحج. وإن كان يُدْرك الحج والهدي: لزمه التوجه؛
فلما بينا: يعني في المفرد من كونه يعني فائت الحج. (البناية) الشروع: لأنه كان قارناً، ولم يأت بها تماماً.
فإِن بعث القارن: قال السغناقي بحلّه: ذكر القارن هنا وقع غلط ظاهر من النساخ، فالصواب أن يقال:
فإن بعث المحصر، بيان الغلط من وجهين: أحدهما: أنه ذكر وإن بعث القارن هدياً، ويجب على القارن
بعث الهدي فلأنه يتحلل بالواحد؛ لأنه ذكر قبل هذا في الباب، فإن كان قارناً بعث بدمين. والثاني: أن
المصنف جمع بين روايتي "القدوري" و"الجامع الصغير"، وهذه المسألة مذكورة في هذين الكتابين في حق
المحصر بالهدي بالحج، ودفع الكاكي هذا عن المصنف فقال: يمكن أن يكون، وهذا المراد من قوله: هدي
أي لكل واحد من الحج والعمرة، أو يكون أراد بالهدي الجنس كما في قول الراوي قضى رسول الله مُص ◌َّ
بشاهد ويمين، أي بجنس الشاهد عند إقامة البينة. [البناية ٤٠٦/٤-٤٠٧]
لا يدرك الحج إلخ: هنا أربعة وجوه القسمة العقلية؛ لأنه إما أنه لا يدرك الهدي، أو يدركهما، أو يدرك
الهدي دون الحج، أو بالعكس، فذكر المصنف باله جميع ذلك. [البناية ٤٠٨/٤] له ذلك: وله في هذا
فائدة، هي أنه لا يلزمه عمرة في القضاء. (فتح القدير) لزمه التوجه: وليس له أن يتحلّل بالهدي؛ لأن ذلك
كان لعجزه عن إدراك الحج، وقد قدر عليه.(فتح القدير)
* أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر هما أن رسول الله ◌ّ خرج معتمرًا فحال كفار قريش بينه
وبين البيت فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، الحديث. [رقم: ٢٧٠١،
باب الصلح مع المشركين]