النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤٠
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
ولو لم يشترط التتابع لم يُجْزه صوم هذه الأيام؛ لأن الأصل فيما يلتزمه الكمال،.
والمؤدِّي ناقص لمكان النهي، بخلاف ما إذا عيَّها؛ لأنه التزم بوصف النقصان، فيكون
الأداء بالوصف الملتزم. قال: وعليه كفارة يمين إن أراد به يمينا، وقد سبقت وجوهُه،
ومن أصبح يوم النحر صائماً، ثم أفطر: لا شيء عليه، وعن أبي يوسف ومحمد حماًا في
"النوادر": أن عليه القضاء؛ لأن الشروع ملزم كالنذر، وصار كالشروع في الصلاة في
الوقت المكروه. والفرق لأبي حنيفة ملكه، وهو ظاهر الرواية أن بنفس الشروع في
الصوم يُسمَّى صائماً، حتى يَحْنَثَ به الحالف على الصوم، فيصير مرتكباً للنهي،
ولو لم يشترط التتابع: أي لم يشترط التابع ولم يعين السنة أيضاً،ثم في هذه الصورة أيضاً يقضي خمسة و
ثلاثين يوماً، ثلاثون يوماً لرمضان، وخمسة أيام قضاء عن تلك الأيام الخمسة؛ لأن السنة منكراً اسم لأيام
معدودة ويمكن فصل الأيام المعدودة، عن رمضان وعن تلك الأيام، فصوم رمضان لا يكون عن المنذور؛ لعدم
شرط صحة النذر به، فإنه واجب من غير إيجاب. [الكفاية ٣٠٣/٢] النهي: فيه بالحديث المذكور. (البناية)
بخلاف ما إذا عينها: متصل بقوله: لم يجزئه صوم هذه الأيام، يعني بخلاف ما إذا عيّن السنة، بأن قال: لله عليَّ
صوم هذه السنة، حيث يجوز صوم هذه الأيام فيه. [البناية ٧٣٦/٣] يمين: لأن كلامه يحتمله. (البناية)
وجوهه: وهي الأوجه الست. (الكفاية) لا شيء عليه: أي لا قضاء عليه؛ لأن القضاء إنما يبني على
سلامة الموجب عن شائبة الحرمة، والصوم في يوم النحر حرام فلا يجب شيء. [البناية ٧٣٧/٣]
وعن أبي يوسف: المقصود أن الشروع في صوم يوم من الأيام المنهية كيومي العيدين والتشريق ليس موجباً
للقضاء بالإِفساد بخلاف نذرها، فإنه يوجبه في غيرها، وبخلاف الصلاة في الأوقات المكروهة، فإن إفسادها
موجب للقضاء في وقت غير مكروه، هذا ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف ومحمد بحثًا: أن الشروع في صوم
هذه الأيام كالشروع في الصلاة في الأوقات المكروهة. [فتح القدير ٣٠٣/٢-٣٠٤]
المكروه: مثل وقت طلوع الشمس ووقت الزوال ووقت الغروب حيث يجب القضاء فيها إذا
أفسدها. [البناية ٧٣٧/٣] الصوم: فيما إذا حلف أنه لا يصوم، فصام يوم النحر. (البناية)

١٤١
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
فيجب إبطاله؛ فلا تجب صيانته، ووجوب القضاء يُبْتنى عليه، ولا يصير مرتكباً
للنهي بنفس النذر وهو الموجبُ، ولا بنفس الشروع في الصلاة حتى يُثُمَّ ركعةً،
ولهذا لا يحنث به الحالفُ على الصلاة فتجب صيانة المؤدَّى، ويكون مضموناً
بالقضاء، وعن أبي حنيفة بالله أنه لا يجب القضاء في فصل الصلاة أيضاً، والأظهر
هو الأول، والله أعلم بالصواب.
عليه: أي على وجوب صيانة المؤدى. (البناية) ولا بنفس الشروع إلخ: هذا يقتضي أنه لو قطع بعد
السجدة، لا يجب قضاؤها. (فتح القدير) لأن الشروع في الصلاة ليس بصلاة؛ لأن تمامها بالركوع
والسجود. [البناية ٧٣٨/٣] لا يحنث به الحالف إلخ: أي لا يحنث الحالف بالشروع إذا حلف على أن
لا يصلي ما لم يركع ويسجد، فإذا ركع وسجد صارت ركعة فيحنث بها حينئذ. [البناية ٧٣٨/٣]
الأول: وهو وجوب القضاء بالشروع في الصلاة في الأوقات الثلاثة إذا أفسدها. (البناية)

١٤٢
باب الاعتكاف
باب الاعتكاف
قال: الاعتكاف مستحب، والصحيح: أنه سنَّةٌ مؤكّدة؛ لأن النبي عليه* واظب
عليه في العشر الأواخر من رمضان،* والمواظبة دليل السنة.
باب الاعتكاف: أخره عن الصوم؛ لأنه شرط، والشرط مقدم طبعاً فيقدم وضعاً، وفي الشرع: الاعتكاف
هو اللبث في المسجد مع النية. (البناية) الاعتكاف مستحب: اختلفوا في أن الاعتكاف هل هو سنة مؤكدة،
أو مستحب؟ وعلى التقدير الأول: هل هو سنة مؤكدة عيناً، أو كفاية؟ وعلى التقدير الثاني: هل هو على أهل
كل محلة، أو كل بلدة. وأيضاً اختلفوا في أن السنة المؤكدة هل هو الاعتكاف مطلقاً، أو في رمضان؟ وعلى
التقدير الثاني هل هو في العشر الأواخر خاصةً، أو مطلقاً؟ وعلى الأول: هل هو باستيعاب العشرة الأخيرة،
أم في جزء منه؟ والصحيح الذي عليه جمهور الفقهاء هو أنه سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان على
سبيل الاستيعاب كفاية على أهل كل بلدة. وقال بحر العلوم مولانا عبد العلى في "رسائل الأركان": اعلم أنه
لا شك في مواظبة النبي ◌ّ على اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، لكن قد ثبت من الأصحاب ومنهم
الخلفاء الراشدون ترك الاعتكاف، فللاعتكاف نوع اختصاص بحضرة الرسالة، وهو أنه يلقى جبريل فيدارسه
القرآن، فتارك الاعتكاف من الأمة لا يلحقه الإساءة، فهو إما سنة مختصة به غير مؤكدة على الأمة، أو كان
واجباً عليه مختصاً به، وهذا غير بعيد، انتهى كلامه ملخصًّا. أقول: الحق هو ما ذكرت من أنه سنة مؤكدة
على جميع الأمة، لكن على سبيل الكفاية، فلا يقدح ترك الخلفاء الاعتكاف في شيء؛ لأن أزواج النبي ◌ُ %
كن يعتكفْنَ بعد وفاته، كما أخرجه البخاري، فكفى اعتكافهُنَّ مؤدّياً للسنة، فترك الخلفاء لا يدل على كونه
مستحباً، والقول: بأنه كان واجباً على حضرة الرسالة مختصاً به بعيد، كيف؟ فإن الخصائص لا تثبت
بالاحتمال، نص عليه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري شرح صحيح البخاري "، فافهم.
والصحيح: وكذا ذكره في "المحيط" و"البدائع" و"التحفة"، وقوله: والصحيح احتراز عن قول القدوري:
إنه مستحب. [البناية ٧٤٢/٣] أنه سنة مؤكدة: والحق خلاف كل من الطريقين، بل الحق أن يقال:
الاعتكاف ينقسم إلى واجب، وهو المنذورتنجيزاً أو تعليقاً، وإلى سنة مؤكدة، وهو اعتكاف العشر
الأواخر من رمضان، وإلى مستحب، وهو ما سواهما. [فتح القدير ٣٠٤/٢-٣٠٥]
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ٤٨٦/٢] أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة دهما
زوج النبي أن النبي ◌ُّ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف
أزواجه من بعده. [رقم: ٢٠٢٦، باب الاعتكاف في العشر الأواخر]

١٤٣
باب الاعتكاف
وهو: اللَّبْثُ في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف. أما البث فركنه؛ لأنه ينِّئ عنه،
فكان وجوده به، والصوم من شرطه عندنا خلافاً للشافعي بداشبه، والنية شرط في سائر
العبادات، هو يقول: إن الصوم عبادة، وهو أصل بنفسه، فلا يكون شرطاً لغيره. ولنا
المقصود
قوله عليها: "لا اعتكاف إلا بالصوم"،" والقياس في مقابلة النص المنقول غير مقبول، ثم
الصوم شرط لصحة الواجب منه رواية واحدة، ولصحة التطوع فيما روى الحسن
عن أبي حنيفة بحلّه؛ لظاهر ما روينا، وعلى هذه الرواية لا يكون أقل من يوم. وفي
رواية "الأصل" - وهو قول محمد سلطه -: أقلّه ساعة فيكون من غير صوم؛ لأن مبنى
المبسوطِ
النفل على المسَاهلة، ألا ترى أنه يَقْعُدُ في صلاة النفل مع القدرة على القيام،
في المسجد: هذا مفهومه عندنا، وفيه معنى اللغة؛ إذ هو لغةً مطلق الإقامة في أي مكان على أيّ غرض كان.
[فتح القدير ٣٠٥/٢-٣٠٦] مع الصوم: وهذا التعريف على رواية اشتراط الصوم له مطلقاً، لا على
اشتراطه للواجب منه فقط، مع أن ظاهر الرواية أنه ليس شرطاً للنفل منه. [فتح القدير ٣٠٦/٢]
عنه: أي لأن الاعتكاف اللبث يختبر عنه. (البناية) والنية: لقوله عليه: "إنما الأعمال بالنيات". (البناية)
لصحة الواجب منه: أي من الاعتكاف، والواجب أن يقول: لله على أن اعتكف يوماً أو شهراً أو يعلقه
بشرط فيقول: إن شفى الله مريضي. والاعتكاف النفل أن يشرع فيه من غير إيجابه بالنذر. [البناية ٧٤٥/٣]
واحدة: أي ليس فيه اختلاف الروايات، فمعناه في جميع الروايات. (البناية) روينا: أي"لا اعتكاف إلا
بالصوم"، فإنه مطلق يَعُمُّ الواجبَ والنفلَ. يوم: لأن الصوم مقدر باليوم. (البناية) أقله ساعة: لأن الاعتكاف
لبث في مكان، فلا يقدر بوقت كالوقوف بعرفة، فإذا لم يقدّر بوقت يكون معتكفاً بقدر ما قام، وله
ثواب المعتكفين ما دام في المسجد بنية الاعتكاف، وعن أبي يوسف بطله أنه قدّر أقل اعتكاف النفل بأكثر
اليوم؛ إقامةً للأكثر مقام الكل. [البناية ٧٤٥/٣] القيام: لأن باب النفل واسع. (البناية)
* أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن عائشة ها أن ني الله ◌ّ قال: "لا اعتكاف إلا بصيام". [٤٤٠/١،
باب الاعتكاف] وسنده صحيح على قاعدة السيوطي المذكورة في خطبة "كنز العمال"، وصحّحه
السيوطي أيضاً بالرمز في "الجامع الصغير". [ إعلاء السنن ١٨٢/٩]

١٤٤
باب الاعتكاف
ولو شرع فيه، ثم قطعه: لا يلزمه القضاء في رواية "الأصل"؛ لأنه غير مقدر باليوم
كالصوم. ثم الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة؛ لقول حذيفة نظراته: لا اعتكاف
إلا في مسجد جماعة* وعن أبي حنيفة بداله: أنه لا يصح إلا في مسجد يُصلَّى فيه
الصلواتُ الخمس؛ لأنه عبادة انتظار الصلاة، فيختص بمكان تؤدَّى فيه. أما المرأة
فتعتكف في مسجد بيتها؛ لأنه هو الموضع لصلاتها، فيتحقّق انتظارها فيه، ولو
لم يكن لها في البيت مسجد، تجعَل موضعا فيه فتعتكف فيه. ولا يخرج من المسجد
إلا لحاجة الإنسان أو الجمعة، أما الحاجة؟
لا يلزمه القضاء: فرق بينه وبين ما إذا صام من غير أن يوجبه على نفسه، ثم قطعه، فعليه القضاء، وجه
الفرق أن كل جزء من اللبث في المسجد غير مفتقر إلى جزء آخر في كونه عبادة؛ لأن اللبث وإن أقل يقع
على خلاف العادة، ولا كذلك الصوم. (النهاية) الأصل: في رواية الحسن عنه. (النهاية)
أبي حنيفة محله: رواية الحسن عن أبي حنيفة مسالك. (البناية) إلا في مسجد إلخ: وفي "الذخيرة": قيل: أراد
أبو حنيفة غير مسجد الجامع، فإنه يجوز الاعتكاف في المسجد الجامع، وإن لم يصلّوا فيه الصلوات كلها
بجماعة. وفي "المنتقى": عن أبي يوسف باله أن الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة،
وأما النفل فيجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة. [الكفاية ٣٠٨/٢-٣٠٩]
في مسجد بيتها: أي الأفضل ذلك، ولو اعتكفت في الجامع، أو في مسجد حيها - وهو أفضل - من الجامع
في حقها جاز وهو مكروه، ذكر الكراهة قاضي خان، ولا يجوز أن تخرج من بيتها، ولا إلى نفس البيت من
مسجد بيتها إذا اعتكفت واجباً أو نفلاً على رواية الحسن ولا تعتكف إلا بإذن زوجها. [فتح القدير ٣٠٩/٢]
لحاجة الإنسان: وهو التغوط وإراقة البول. (البناية)
* قول حذيفة أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" عن إبراهيم قال لابن مسعود: ألا تعجب من قوم بين دارك
ودار أبي موسى يزعمون أنهم معتكفون، قال: فلعلّهم أصابوا وأخطأت أو حفظوا ونسيت، قال: أما أنا فقد
علمتُ أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. [رقم: ٩٥٠٩، ٣٤٩/٩] وفي "تلخيص الزيلعي": بإسناد صحيح
إلى إبراهيم النخعي بهذا الحديث وهو منقطع. قلت: لا ضرر في الانقطاع. [إعلاء السنن ١٨١/٩]

١٤٥
باب الاعتكاف
فلحديث عائشة هما: "كان النبي عليه لا يخرج من معتكفه إلالحاجة الإنسان"،"
ولأنه معلوم وقوعها، ولا بد من الخروج في تقضيتها، فيصير الخروج لها مستثنى،
ولا يمكث بعد فراغه من الطهور؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها، وأما الجمعة،
فلأنها من أهم حوائجه، وهي معلومٌ وقوعُها. وقال الشافعي له: الخروج إليها مفسد؛
الجمعة
لأنه يمكنه الاعتكاف في الجامع، ونحن نقول: الاعتكاف في كل مسجد مشروع، وإذا
صح الشروع، فالضرورة مطلقة في الخروج، ويخرج حين تزول الشمس؛ لأن الخطاب
یتوجّه بعده، وإن كان منزله بعيداً عنه، يخرج في وقت يمكنه إدراكها، ويصلي قبلها
أربعاً، وفي رواية ستاً، الأربع سنة، والركعتان تحية المسجد، وبعدها أربعا أو سنًّا على
حسب الاختلاف في سنة الجمعة، وسنتُها توابعٌ لها، فألحقت بها،
من أهم حوائجه: لأنها حاجة دينية، ولا يمكن من إقامتها إلا بالخروج. (البناية) وقوعها: أي الجمعة
معلوم وقوها فيكون الخروج إليها مستثنى. (البناية) في كل مسجد مشروع: هذا على وجه الالزام على
عمومه، فإن الشافعي بالله يجيزه في كل مسجد، وأما على رأينا فلا؛ إذ لا يجوز إلا في مسجد يصلى فيه
الخمس بجماعة أو دونها. [فتح القدير ٣٠٩/٢] مطلقة: أي مجوزة على الإطلاق. (البناية)
ي
والركعتان تحية المسجد: صرّحوا بأنه إذا شرع في الفريضة حين دخل المسجد أجزأه عن تحية المسجد؛ لأن
التحية تحصل بذلك فلا حاجة إلى غيرها في تحققها وكذا السنة، فهذه الرواية وهي رواية الحسن إما ضعيفة،
أو مبنية على أن كون الوقت مما يسع فيه السنة، وأداء الفرض بعد قطع المسافة مما يعرف تخميناً لا قطعاً، فقد
يدخل قبل الزوال لعدم مطابقة ظنه، ولا يمكنه أن يبدأ بالسنة فيبدأ بالتحية. [فتح القدير ٣٠٩/٢-٣١٠]
الجمعة: فإن عند أبي حنيفة ومحمد يصلي أربعاً، وعند أبي يوسف باله يصلي ستا. (البناية)
وسننها توابع لها: يعني فتحقق الحاجة لهاكما تحققت لنفس الجمعة. (فتح القدير)
* هذا الحديث غريب بهذا اللفظ. [البناية ٧٤٨/٣] أخرج مسلم في صحيحه عن عمرة عن عائشة هما
قالت: كان النبي ◌ُّ إذا اعتكف، يدني إليّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
[رقم: ٦٨٤، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها]

١٤٦
باب الاعتكاف
ولو أقام في مسجد الجامع أكثر من ذلك لا يَفْسُدُ اعتكافه؛ لأنه موضع اعتكاف، إلا أنه
لا يُستحب؛ لأنه التزم أداءه في مسجد واحد، فلا يُتمَّه في مسجدين من غير ضرورة.
ولو خرج من المسجد ساعة بغير عذر فسد اعتكافه عند أبي حنيفة معاشه؛ لوجود المنافي،
وهو القیاس. وقالا: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم، وهو الاستحسان؛ لأن
في القليل ضرورةً. قال: وأما الأكل والشرب والنوم يكون في معتكفه؛ لأن النبي عليه
لم يكن له مأوَّى إلا المسجد،* ولأنه يمكن قضاء هذه الحاجة في المسجد، فلا ضرورة
إلى الخروج. ولا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يُحْضِرَ السلعةَ؛
ذلك: أي أكثر من صلاة الجمعة وسننها. (البناية) إلا أنه لا يستحب: استثناء من قوله: لا يفسد
اعتكافه أي لا يفسد اعتكافه بإقامة المعتكف في الجامع أكثر من صلاته وسنتها، إلا أن يلبث فيه بعد
الفراغ لا يستحب بل يكره له ذلك. [البناية ٧٥٠/٣] من غير ضرورة: وإنما قيد بالضرورة؛ لأنه إذا أتمه
في مسجدين لضرورة جاز، كما إذا اعتكف في مسجد فانهدم، فهو عذر ويخرج إلى مسجد آخر؛ لأنه مضطر
إلى الخروج فصار عفواً. [الكفاية ٣١٠/٢] عذر: العذر الخروج لغائط أوبول أوجمعة؛ لأنه لابد منه. (البناية)
لا يفسد: لأن الأقل منه معفو. (البناية) الاستحسان: يقتضي ترجيحه. (فتح القدير)
لم يكن له مأوى إلخ: يعني في حال كونه معتكفاً، وهذا معلوم في الأحاديث والنصوص المتطابقة. (البناية)
فلا ضرورة إلى الخروج: وفي "البدائع": لا يخرج لأكل وشرب ونوم، ولا عيادة مريض ولا صلاة
جنازة، فإن خرج فسد اعتكافه عامداً أو ناسياً، بخلاف ما لو خرج مكرهاً. [البناية ٧٥١-٧٥٢]
ولا بأس إلخ: وفي "التجنيس": هذا إذا باع أو اشترى لحاجته الأصلية لا للتجارة، فإنّ التجارة في المسجد
مكروه؛ لأن المسجد بني للصلاة لا للتجارة. وفي "الذخيرة": له أن يبيع ويشتري في المسجد الطعام وما لابد
منه، وإذا أراد أن يتخذ ذلك متجراً يكره له. وقال الكرخي: قوله: "من غير أن يحضر السلعة" دليل على أنه
لا بأس به مطلقاً، سواء كان له منه بد أو لم يكن. وقال الشافعي بطل: يبيع ويشتري ولا يكثره منه وقطع
الماوردي بكراهة البيع، والشراء، وعمل الصنائع. [البناية ٧٥٢/٣]
* هذا معلوم من الأحاديث، والنصوص المتطابقة. [نصب الراية ٤٩١/٢]

١٤٧
باب الاعتكاف
لأنه قد يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته، إلا أنهم قالوا: يكره إحضار
المعتكف
السلعة للبيع والشراء؛ لأن المسجد مُحرَز عن حقوق العباد، وفيه شغله بها، ويُكرَه
لغير المعتكف البيع والشراء فيه؛ لقوله عليه: "جنّبوا مساجدكم صبيانكم - إلى أن قال -:
وبيعكم وشراءكم" .* قال: ولا يتكلم إلا بخير، ويكره له الصمت؛ لأن صوم
الصمت ليس بقربة في شريعتنا، لكنه يتجانب ما يكون مأثَّماً. ويَحْرُم على المعتكف
الوطء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وكذا اللمس
والقبلة؛ لأنه من دواعيه، فيحرم عليه؛ إذ هو محظوره، كما في الإحرام،
ذلك: أي إلى البيع والشراء. (البناية) محرز: فإنّه أخلص لله سبحانه، وفي إحضار السلعة شغله بها من غير
ضرورة. (فتح القدير) ويكره له الصمت: أي الصمت بالكلية تعبداً به فإنه ليس في شريعتنا. (فتح القدير)
وقال الكاكي: قيل: معنى الصمت نذر بأن لا يتكلم أصلاً، كما كان في شريعة من قبلنا، وقيل: أن
يسكت ولا يتكلم أصلاً قاله الإمام بدر الدين خواهر زاده. [البناية ٧٥٤/٣]
شريعتنا: قالوا: إن صوم الصمت من فعل المجوس. (البناية) الوطء: ولا يقال: كيف يتهيأ له الوطء، وهو في
المسجد! لأنا نقول: جاز للمعتكف الخروج للحاجة الإنسانية، فعند ذلك أيضاً محرّم عليه الوطء حتى يفسد
اعتكافه؛ لما أن اسم المعتكف لا يزول عنه بخروجه ذلك ورتب ذلك الحكم على المعتكف. [الكفاية ٣١٣/٢]
محظوره: أي إذ الوطء محظور الاعتكاف. (البناية)
* روي من حديث واثلة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، ومعاذ بن جبل. [نصب الراية ٤٩١/٢] أخرج الطبراني
في "المعجم الكبير" حديث معاذ بن جبل عن مكحول رفعه إلى معاذ بن جبل، ورفعه معاذ إلى النبي *® قال:
جنّبوا مساجد کم صییانکم وخصوماتکم وحدود کم وشراءکم وبيعکم وجمروها یوم جمعكم، واجعلوا على
أبوابها مطاهركم. [رقم: ٣٦٩، ١٧٣/٢٠] ومكحول لم يسمع من معاذ. [إعلاء السنن ١٦٠/٥] وأخرج
ابن ماجه حديث واثلة عن مكحول عن واثلة بن الأسقع أن النبي ◌ُّ قال: جنّبوا مساجدكم صبيانكم
ومجانینکم وشراء کم وبیعکم وخصوماتکم ورفع أصواتکم، وإقامة حدودکم، وسل سيوفکم، واتخذوا
على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع. [رقم: ٧٥٠، باب ما يكره في المساجد] وضعّفه السيوطي في "الجامع
الصغير" برمزه، ولكن هذا الضعيف تأيد بالأول المنقطع، والانقطاع لا يضر عندنا. [إعلاء السنن ١٦٠/٥]

١٤٨
باب الاعتكاف
بخلاف الصوم؛ لأن الكَفَّ ركنه لا محظوره، فلم يتعدَّ إلى دواعيه. فإن جامع ليلاً أو
نهاراً، عامداً أو ناسياً: بطل اعتكافه؛ لأن الليل محل الاعتكاف، بخلاف الصوم،
وحالة العاكفين مُذَكِّرة، فلا يُعْذَرُ بالنسيان. ولو جامع فيما دون الفَرْج فأنزل، أو
قَبَّل، أو لَمَس فأنزل: بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم، ولو
لم يُنْزل: لا يفسد وإن كان محرماً؛ لأنه ليس في معنى الجماع، وهو المفسد، ولهذا
لا يفسد به الصوم. قال: ومن أوجب على نفسه اعتكاف أیام: لزمه اعتكافها بلياليها؛
لأن ذكر الأيام على سبيل الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي، يقال: ما رأيتك منذ أيام،
والمراد بلياليها. وكانت متابعة وإن لم يَشْتَرط التابع؛ لأن مبنى الاعتكاف على التابع؛
لأن الأوقات كلها قابلة له، بخلاف الصوم؛ لأن مبناه على التفرق؛ لأن الليالي غير قابلة
للصوم، فيجب على التفرق حتى ينص على التتابع،
بخلاف الصوم: جواب عن سؤال مقدر بأن يقال الجماع يفسد الصوم كما أنه يفسد الاعتكاف فأجاب
بقوله: بخلاف الصوم. [البناية ٧٥٦/٣] ناسياً: يعني أنزل أو لم ينزل. (العناية) لأن الليل إلخ: أراد بهذا
بيان أن كل ما كان من محظورات الاعتكاف، لا يختلف فيه حكم السهو والعمد، والليل والنهار، وكل ما
هو من محظورات الصوم مختلف فيه حكم السهو والعمد، والليل والنهار. [البناية ٧٥٧/٣] الصوم: والصائم
لم تقترن به حالة تذكره، فيعذر بالنسيان. (البناية)
نفسه: نحو أن يقول: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام. (البناية) أيام: وكذا لو قال: شهراً ولم ينوه بعينه لزمه
متابعاً ليله ونهاره. (فتح القدير) التتابع: لوجوده في اليوم والليلة. (البناية) للصوم: لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِّمُّوا
الصِّيَامَ إِلَى اللّيْلِ﴾. حتى ينص على التتابع: نحو أن يقول: لله عليَّ أن أصوم شهراً متابعاً، يلزمه التتابع،
وإذا قال: لله عليَّ أن أصوم شهراً، يكون له الخيار، إن شاء تابع، وإن شاء فرق؛ لأن التفريق فيه أصل
لوجوده في النهار خاصة. [البناية ٧٥٩/٣]

١٤٩
باب الاعتكاف
وإن نوى الأيام خاصة: صحت نيته، لأنه نوى الحقيقة. ومن أوجب على نفسه
اعتكاف يومين: يلزمه بليلتيهما، وقال أبو يوسف بحلته: لا تدخل الليلة الأولى؛ لأن
المثنّى غير الجمع، وفي المتوسطة ضرورة الاتصال. وجه الظاهر: أن في المثنى معنى
الجمع، فيلحق به؛ احتياطاً لأمر العبادة، والله أعلم.
صحت نيته: وهذا بخلاف ما لو أوجب على نفسه اعتكاف شهر بغیر عينه، فنوی الأيام دون الليالي، أو قلبه
لا يصح؛ لأن الشهر اسم لعدد ثلاثين يوماً وليلةً، وليس باسم عام، كالعشرة على مجموع الآحاد فلا ينطلق
على ما دون ذلك العدد أصلاً، كما لا تنطلق العشرة على خمسة مثلاً حقيقةً ولا مجازاً. [فتح القدير ٣١٥/٢]
وقال أبو يوسف: كان من حقه أن يقول: وعن أبي يوسف بدله، كما هو المذكور بلفظ عن في نسخ
شروح "المبسوط" و "الجامع الكبير" لما أن هذه الرواية غير ظاهرة عنه، والدليل على هذا قوله في تعليل
قولهما: وجه الظاهر، وهو الأوفق لمذهبه أيضاً. [الكفاية ٣١٥/٢] لأن المثنى غير الجمع: فكان لفظه
ولفظ المفرد سواء، ثم في لفظ المفرد بأن قال: يوماً لا تدخل الليلة الأولى بالاتفاق، فكذا التثنية إلا أن
المتوسطة تدخل لضرورة الاتصال، وهذه الضرورة منتفية في الليلة الأولى. [فتح القدير ٣١٥/٢]
الاتصال: يعني اتصال البعض الآخر بالبعض. (البناية) احتياطاً: وفيه إشارة إلى أن أبا حنيفة ومحمد بهمثًا لم يلحقا
المثنى بالجمع في الجمعة؛ لعدم الاحتياط في ذلك؛ لأن الاحتياط في الخروج عن عهدة ما عليه بيقين، وذلك في
الإلحاق غير متيقن؛ لأن الجماعة شرط على حدة بالاتفاق، وفي كون التثنية بمعنى الجمع تردد لتجاذب المفرد
والجمع؛ إذ هي بينهما. وفي اشتراط الجمع لا تردد في الخروج، فكان شرطاً، وأما في الاعتكاف ففي إلحاقه
.بالجمع خروج عنها بيقين؛ لأن إيجاب ليلتين مع يومين أحوط من إيجاب يومين بليلة، فافهم. [البناية ٧٦٠/٣]

١٥٠
کتاب الحج
کتاب الحج
الحج واجب على الأحرار، البالغين، العقلاء، الأصحاء، إذا قَدَرُوا على الزاد
والراحلة، فاضلا عن المسكن، وما لابد منه، وعن نفقة عیاله إلی حین عوده، و کان
الطريق آمناً وَصَفَه بالوجوب، وهو فريضة محكمة ثبتت فرضيته بالكتاب، وهو قوله
، الآية. ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة؟
حِجَ البَيْتِ،
93
تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاس
كتاب الحج: وإنما ذكره آخراً رعية للترتيب بين العبادات الأربعة، أما الصلاة: فلأنها عماد الدين، وهي
عبادة متكررة، فذكرت أولاً، وأمّا الزكاة: فلأنها تالية للصلاة، وأما الصوم: فلأنه عبادة بدنية خاصة
كالصلاة، وأما الحج: فلأنه عبادة مركبة من البدن والمال، وأخر عن الصوم؛ لأن المفرد قبل
المركب. [البناية ١/٤] الحج: ذكر بعض العلماء كتاب المناسك عوض الحج منهم الطحاوي والكرخي
وصاحب "الإيضاح"، والمناسك جمع المنسك بفتح السين بمعنى النسك: وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى،
لكنه اختص في العرف بأفعال الحج والعمرة. [البناية ٣/٤]
على الأحرار: وفي "النهاية": إنما ذكر الأحرار وما بعده بلفظ الجمع مع أنه محلّى باللام، والمحلّى يبطل فيه
معنى الجمعية، ولم يفرد كما أفرد في قوله: الزكاة واجبة على الحر؛ إخراجاً للكلام مخرج العادة في إرادة
الجمعية؛ إذ العادة جرت وقت خروجهم بالجماعة الكثيرة من الرفقاء. [فتح القدير ٣٢١/٢]
إذا قدروا على الزاد: بنفقة وسط لا إسراف فيها، ولا تقتير، والراحلة أي بطريق الملك أو الإجارة دون الإعارة
والإباحة في الوقت الذي قدمنا ذكره، ولو وهب له مال ليحج به، لا يجب عليه قبوله. [فتح القدير ٣٢٢/٢]
فاضلاً: حال من كل واحد من الزاد والراحلة.(فتح القدير) منه: يعني من غيره کفرسه وسلاحه وثيابه وعبد
خدمته وآلات حرفه وقضاء ديونه. (فتح القدير) وصفه بالوجوب إلخ: أي وصف القدوري الحج بلفظ
الوجوب والضمير المرفوع في "وصفه" يرجع إلى القدوري، والمفهوم من كلام الشراح أنه يرجع إلى المصنف،
وليس كذلك. وقال: وصفه بالوجوب، وسكت اكتفاء بما ذكره في أول كتاب الزكاة بقوله:" والمراد
بالواجب الفرض؛ لأنه لا شبهة فيه" على أنه أشار إلى هذا أيضاً بقوله: وهو فريضة محكمة إلخ. [البناية ٤/٣]
محكمة: فيه تلميح إلى أن معنى الوجوب الثبوت بالكتاب. (البناية) فرضيته: وفي نسخة: فرضيتها أي الحج.

١٥١
كتاب الحج
لأنه عليَ قيل له: الحج في كل عام أم مرة واحدة ؟ فقال: "لا بل مرة واحدة فما زاد فهو
تطوع"،* ولأن سببه البيت، وإنه لا يتعدَّد، فلا يتكرر الوجوب، ثم هو واجب على الفور
عند أبي يوسف بدله. وعن أبي حنيفة محله ما يدل عليه، وعند محمد، والشافعي بحمًّا
الحج في كل عام: اعلم أنه لا خلاف في أن الأمر المقيد بالتكرار يفيد التكرار، والأمر المقيد بالمرة
لا يفيدها، إنما الخلاف في الأمر المطلق، فذهب قوم منهم: أبو إسحاق الإسفرائني إلى أنه يفيد التكرار؛
لأنه لما نزل الأمر بالحج سأل الأقرع بن حابس عن رسول الله ﴿َّ أ في كل عام يا رسول الله، وهو من
أهل اللسان، فعلم أنه قد فهم من الأمر التكرار، ثم لما أشكل عليه ذلك؛ لما فيه من الحرج سأل عنه،
والصحيح الذي عليه الجمهور هو أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار. البيت: وأما تكرار وجوب الزكاة مع
اتحاد المال، فلأن السبب هو النامي تقديراً، وتقدير النماء دائر مع حولان الحول. [فتح القدير ٣٢٣/٢]
لا يتعدد: وقد علم أن السبب إذا لم يتكرر لا يتكرر المسبب. (البناية) واجب على الفور: وبه قال
أحمد، وفي "البدائع" و"التحفة" عن الكرخي: أنه على الفور، والإمام أبو منصور الماتريدي يحمل الأمر
المطلق على الفور. ومعنى الوجوب على الفور، يعني عند استجماع شرائط الوجوب يتعين العام الأول عند
أبي يوسف ملكه، حتى يأثم بالتأخير عنه. والمراد من الفور: أن يلزم المأمور به في أول أوقات الإمكان
مستعار للسرعة من فارت القدر فورا إذا غلت. [البناية ٦/٤] أبي حنيفة مدل: وفي المحيط " و"المرغيناني"
والكرماني": أن أصح الروايتين عن أبي حنيفة بطله أنه على الفور. [البناية ٧/٤]
ما يدل عليه: وهو ما قاله ابن شجاع کان أبو حنيفة مه یقول: من کان عنده ما يحج به و کان یرید التزوج
فإنه يبدأ بالحج؛ لأنه فريضة، وهذا يدل على أنه على الفور. [البناية ٧/٤-٦] وعند محمد إلخ: زعم بعض
المتأخرين أن هذا الخلاف بينهما مبني على أن الأمر المطلق عند أبي يوسف ملكه للفور، وعند محمد بدله لا،
وهذا غير صحيح؛ لأن الأمر المطلق لا يوجب على الفور باتفاق بينهما، فمسألة الحج مسألة مبتدأة. فقال
أبويوسف باله: وجوبه بالفور؛ احترازاً عن الفوت، حتى إذا أتى به بعد العام الأول كان أداء عنده، وعند
محمد باله وجوبه على التراخي بشرط أن لا يفوت، حتى لو لم يؤدِّ في العام الأول وأدِّى في الثاني أو
الثالث يكون أداء اتفاقاً، ولو لم يؤدّ ومات يكون آثماً اتفاقاً، فثمرة الخلاف أنه إن أداه بعد العام الأول يأثم
بالتأخير عند أبي يوسف بطلته خلافاً لمحمد به. [شرح الوقاية ٣٢٣/١-٣٢٤]
* أخرجه أبوداود في سننه عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي ◌ُّ فقال: يا رسول الله! الحج
في كل سنة أو مرة واحدة ؟ قال: بل مرة واحدة فمن زاد فهو تطوع. [رقم: ١٧٢١، باب فرض الحج]

١٥٢
کتاب الحج
على التراخي؛ لأنه وظيفة العمر، فكان العمر فيه كالوقت في الصلاة. وجه الأول:
أنه يختصُّ بوقت خاص، والموت في سنة واحدة غير نادر، فيتضيق احتياطاً، ولهذا كان
الاحتياط
لا تحقیقا
التعجيل أفضل، بخلاف وقت الصلاة؛ لأن الموت في مثله نادر. وإنما شرط الحرية
القدوري
والبلوغ؛ لقوله عليه: "أيما عبد حج عشر حجج ثم أعتق فعليه حجة الإسلام، وأيما
صبي حجَّ عَشْر حِجَج ثم بلغ فعليه حجة الإِسلام"،* ولأنه عبادة، والعبادات بأَسْرِها
الحج
موضوعة عن الصبيان. والعقل شرط لصحة التكليف،
على التراخي: بين قولهما فرق، وهو أن عند محمد رسله يسعه التأخير بشرط أن لا يفوته، فإن أخره حتى
مات، فهو آثم بالتأخير، وعند الشافعي بحالله لا يأثم بالتأخير وإن مات. [الكفاية ٣٢٤/٢]
كالوقت في الصلاة: لأنه إذا أخّر الصلاة إلى آخر الوقت يجوز، وكذا إذا أخر الحج إلى آخر العمر بشرط
أن لا يفوته. [البناية ٧/٤] الصلاة: جواب عن قوله: كالوقت في الصلاة. (البناية) الحرية: والفرق بين الحج
والصلاة والصوم بوجهين: كونه لا يتأتى إلا بالمال غالباً بخلافهما، ولا ملك للعبد، فلا يقدر على تملك
الزاد والراحلة، فلم يكن أهلاً للوجوب، فلذا لا يجب على عبيد أهل مكة بخلاف اشتراط الزاد والراحلة
في حق الفقير، فإنه للتيسير لا الأهلية، فوجب على فقراء مكة. والثاني: أن حق المولى يفوت في مدة
طويلة، وحق العبد مقدم بإذن الشرع لافتقار العبد وغنى الله تعالى. [فتح القدير ٣٢٥/٢]
عشر حجج: ليس فى رواية الحاكم، عشر حجج، وذكر هذا فيه لبيان الكثرة؛ لأن العشر منتهى الآحاد،
ولا لبيان انحصار الحكم عليها. [البناية ٨/٤] الصبيان: لارتفاع القلم عنهم إلى وقت البلوغ. (البناية)
والعقل: هذا بيان لقوله: العقلاء. (البناية)
* أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ◌ُّ: أيما صي حجّ ثم بلغ الحنث
عليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه أن يحج حجة أخرى. [رقم: ٢٧٥٢، ٣٥٣/٣]
ورجاله رجال الصحيح. [مجمع الزوائد ٤٧٣/٣] وليس في الروايات ذكر العدد على ما أدى إليه نظري.
[إعلاء السنن ٧/١٠]

١٥٣
کتاب الحج
وكذا صحة الجوارح؛ لأن العجز دونها لازم. والأعمى إذا وجد من يكفيه مؤنة سفره،
ووجد زاداً وراحلةً لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة بطْكه خلافاً لهما، وقد مر في كتاب
الصلاة. وأما المُفْعَد فعن أبي حنيفة بطله أنه يجب؛ لأنه يستطيع بغيره، فأشبه المستطيع.
بالراحلة، وعن محمد بطله أنه لا يجب؛ لأنه غير قادر على الأداء بنفسه، بخلاف الأعمى؛
لأنه لو هُدِي يؤدي بنفسه، فأشبه الضالّ عنه. ولابد من القدرة على الزاد والراحلة،
وكذا صحة الجوارح: معطوف على قوله: والعقل، حتى إن المقعد، والزمن، والمفلوج، ومقطوع الرجلين،
لا يجب عليهم الإحجاج إذا ملكوا الزاد والراحلة، ولا الإيصاء به في المرض. وكذا الشيخ الذي لا يثبت على
الراحلة يعني إذا لم يسبق الوجوب حالة الشيخوخة بأن لم يملك ما يوصله إلا بعدها، وكذا المريض؛ لأنه بدل
الحج بالبدن وإذا لم يجب المبدل لا يجب البدل وظاهر الرواية عنهما يجب الحج على هؤلاء إذا ملكوا الزاد
والراحلة، ومؤنة من يرفعهم ويضعهم ويقودهم إلى المناسك، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة بدله، وهي
الرواية التي أشار إليها المصنف بقوله: وأما المقعد إلا أنه خص المقعد، ويقابل ظاهر الرواية عنهما ما نسبه
المصنف إلى محمد بدله بقوله فرق محمد في هذه الرواية بين المقعد والأعمي. [فتح القدير ٣٢٦/٢]
مؤنة سفره: وأراد مؤنة سفره: من يقوده إلى الحج. (البناية) لهما: أي لأبي يوسف ومحمد لحمًا فإنه يجب
عليه عندهما، وذكر شيخ الإسلام يلزمه قياساً على الجمعة، ويقولهما قال الشافعي وأحمد. [البناية ٩/٤-١٠]
الصلاة: في باب الجمعة. (البناية) أنه يجب: وبه قال الشافعي وأحمد، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة معمثًا،
والمشهور عنه خلاف ذلك، وفي "المفيد": لا يجب على الصبي والعبد والمجنون والكفار والمقعد والزمن
والأعمى والمريض والمحبوس ومن لا يملك الزاد والراحلة، فإن وجد الأعمى قائداً أو المقعد والزمن من
يحمله إما يملك أو إعارة أو إجارة لا يجب عليه عند أبي حنيفة، وعندهما يجب على الأعمى دون المقعد
والزمن. [البناية ١٠/٤] هدي: على صيغة المجهول أي لو أرشد. (البناية)
فأشبه الضال عنه: أي فأشبه الأعمى الضال، أي الثانية عن الطريق والتهدى إلى المشارع والمواقيت والمطاف،
فإنه يجب الحج عليه؛ لأنه قادر لسلامته لكنه يحتاج إلى مرشد، وكذلك الأعمى، وحاصله: لا يسقط عنه،
كما لا يسقط عن الضال. ولابد: هذا شرح قوله في أول الكتاب: إذا قدر على الزاد والراحلة. (البناية)

١٥٤
کتاب الحج
وهو قدر ما يكتري به شقَّ مَحْمِل، أو رأس زاملة، وقدر النفقة ذاهباً وجائياً؛
لأنه عليَّ سئل عن السبيل إليه، فقال: "الزاد والراحلة"،* وإن أمكنه أن يكتري عقبة،
فلا شيء عليه؛ لأنهما إذا كانا يتعاقبان لم توجد الراحلة في جميع السفر. ويُشترط أن
یکون فاضلاً عن المسكن، وعما لابد منه کاخادم، وأثاث البيت وثيابه؛ لأن هذه الأشياء
مشغولة بالحاجة الأصلية. ويُشترط أن يكون فاضلاً عن نفقة عياله إلى حين عوده؛
شق محمل: بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية أي جانبيه؛ لأن له جانبين، ويكفي للراكب أحد جانبيه. (البناية)
أو رأس زاملة: والزاملة البعير الذي يحمل عليه المسافر متاعه وطعامه، من زمل الشيء إذا حمله. [البناية ١١/٤]
النفقة: أي ولا بد من قدر النفقة. (البناية) وجائياً: يعني ذاهباً إلى مكة وحائياً إلى وطنه. (البناية)
وإن أمكنه أن يكتري إلخ: أي إن أمكن من يريد الحج أن يكتري عقبة، أي ركوبة، وأكثر العقبة أن
یکتري رجلان بعيراً واحداً يتعاقبان عليه في الركوب، يركب كل واحد مرحلة ويمشي مرحلة. قوله:
فلا شيء عليه أي فلا حج عليه. [البناية ١٢/٤] السفر: والشرط أن تكون الراحلة في جميع السفر. (البناية)
ويشترط: هذا بيّن لقوله في أول الكتاب: إذا قدر على الزاد والراحلة فاضلاً عن المسكن. [البناية ١٢/٤-١٣]
وأثاث البيت: قال الجوهري: الأثاث متاع البيت كالفرش، والبسط، وآلات الطبخ، ونحو ذلك. (البناية)
عن نفقة عياله: العيال جمع عيل كجياد وجيد كذا في "المُغْرب"، وذكره في باب الواو، فيدل على أنه أجوف
واوي، يقال: عال عياله عانهم أنفق عليهم، وعيال الرجل من عليه نفقته، ولكن قول المصنف رسالته: فاضلاً، وعن
نفقة عياله، ثم تعليله بقوله: لأن النفقة حق مستحق للمرأة يدل على أن المراد من عياله هو امرأته، ولكن ليس
المراد من العيال المرأة وحدها، وقد قال قاضي خان مثله: فاضلاً عن نفقة عياله وأولاده الصغار. [البناية ١٤/٤]
إلى حين عوده: قال الكاكي: ثم قدر النفقة مرة شهراً، ومرة سنة عن حسب اختلاف المساحة، وعن أبي
يوسف بحث: ونفقة شهر بعد عوده. قال المرغيناني ليستريح شهراً على التكسب. وفي "المحيط": عن أبي
عبد الله: ونفقة يوم بعد رجوعه إلى وطنه؛ لأنه يتعذر عليه التكسب في يوم قدومه. [البناية ١٤/٤]
* روي من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أنس، ومن حديث عائشة، ومن حديث
جابر، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن حديث ابن مسعود ﴿. [نصب الراية ٨٠٧/٣]
أخرج الحاكم حديث أنس في "المستدرك" عن قتادة عن أنس ﴾ عن النبي ◌ُ في قوله تبارك وتعالى : =

١٥٥
کتاب الحج
لأن النفقة حقٌّ مستحقٌّ للمرأة، وحق العبد مقدّمٌ على حق الشرع بأمره. وليس من
شرط الوجوب على أهل مكة ومن حولهم الراحلة؛ لأنه لا تلحقهم مشقة زائدة في
الأداء، فأشبه السَعْيَ إلى الجمعة. ولابد من أمن الطريق؛ لأن الاستطاعة لا تَثْبُتُ
دونه، ثم قيل: هو شرط الوجوب حتى لا يجب عليه الإيصاء،
ولابد من أمن الطريق: أي وقت خروج أهل بلده، وإن كان مخيفاً في غيره، وهو أن يكون الغالب فيه
السلامة، وما أفتى به أبو بكر الرازي من سقوط الحج عن أهل بغداد، وقول أبي بكر الإسكاف: لا أقول: الحج
. فريضة في زماننا، قاله: سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وقول الثلجي: ليس على أهل خراسان حج منذ كذا وكذا
سنة كان وقت غلبة النهب والخوف في الطريق. والذي يظهر أن يعتبر مع غلبة السلامة عدم غلبة الخوف أيضاً،
حتى إذا غلب الخوف على القلوب من المحاربين لوقوع النهب والغلبة منهم مراراً، أو سمعوا أن طائفة تعرضت
للطريق، ولها شوكة والناس يستضعفون أنفسهم عنهم لا یجب، اختلف في سقوطه إذا لم يكن بد من ركوب
البحر، فقيل: البحر يمنع الوجوب. وقال الكرماني: إن كان الغالب في البحر السلامة من موضع جرت العادة
بركوبه يجب، وإلا فلا، وهو الأصح وسيحون وجيحون والفرات والنيل أنهار لا بحار. [فتح القدير ٣٢٨/٢]
ثم قيل: والقائل بأنه شرط الوجوب حتى لا يجب الإيصاء ابن شجاع، وقد روي عن أبي حنيفة بدل؛ لأن
الوصول بدونه لا يكون إلا بمشقة عظيمة فصار من الاستطاعة، وهي شرط الوجوب. [فتح القدير ٣٢٩/٢]
هو شرط الوجوب: تكلموا في أن أمن الطريق وسلامة البدن على قول أبي حنيفة ، ووجود المحرم
للمرأة شرط لوجوب الحج أم لا ؟ فبعضهم جعلوها شرطاً للوجوب، وبعضهم للأداء، وهو الصحيح.
وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا مات قبل الحج، فعلى قول الأولين: لا يلزمه الوصية، وعلى قول الأخرين:
يلزمه، كذا في "الجامع الصغير" لقاضي خان. وفرق في "الإيضاح" على قول البعض بين الزاد والراحلة،
وبين أمن الطريق حيث إن الزاد والراحلة شرط للوجوب اتفاقاً، بخلاف أمن الطريق، فقال: هو أن التمكن
بالزاد والراحلة يتحقق، فإذا عدما لم يثبت الاستطاعة، فأما خوف الطريق فيعجزه عن الأداء بعارض
ومانع، واعتبر هذا بالمحبوس، فإن العبد الممنوع عن الشر لا يكون نظيراً للمريض الذي لا يقدر. (النهاية)
= ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْتَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَّهِ سَبِيلاً﴾ قال: قيل يا رسول الله! ما السبيل قال: الزاد
والراحلة. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد تابع حماد بن سلمة سعيداً
على روايته عن قتادة. [٤٤١/١-٤٤٢، باب السبيل الزاد والراحلة] رواته موثّقون. [الدراية ٤/٢]

١٥٦
کتاب الحج
وهو مروي عن أبي حنيفة مدالله. وقيل: هو شرط الأداء دون الوجوب؛ لأن النبي عليتها
فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، لا غير . * قال: ويُعتبر في المرأة أن يكون لها مَحْرَم
تَحُجُّ به، أو زوج، ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة
أيام. وقال الشافعي مالك: يجوز لها الحج، إذا خرجت في رُفَقَة ومعها نساءٌ ثقات؛
لحصول الأمن بالمرافقة. ولنا قوله عليها: لا تَحُجَّنَّ امرأة إلا ومعها مَحْرَمٌ"،
وقيل: قائله أبو خازم. (فتح القدير) الوجوب: وبه قال أحمد، وهو الصحيح. (البناية) لا غير: فلو كان
أمن الطريق منها لذكره، وإلا كان تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة. (فتح القدير) المرأة: أي شابة كانت أو
عجوزة. (الكفاية) أن يكون لها محرم: المحرم من لا يحل له نكاحها على التأييد برحم، أو رضاع، أو
مصاهرة؛ لأن التحريم المؤبد يُزيل التهمة في الخلوة بها، ويكون مأموناً عاقلاً بالغاً، حراً كان أو عبداً، كافراً
كان أو مسلماً. ولو كان فاسقاً أو مجوسياً أو صبياً أو مجنوناً لا يعتبر؛ لأن الغرض لا يحصل بالفاسق،
بالمجوسي؛ لأنه يعتقد إباحة نكاحها، ولا يتأتى من الصبي والمجنون الحفظ، والصبية التي لا تشتهي يسافر بها
بلا محرم؛ لأن الأمن حاصل، فإن بلغت حد الشهوة، صارت كالبالغة. [الكفاية ٣٣٠/٢-٣٣١-٣٣٢]
زوج: لا يجب عليها التزوج للحج. (العناية) وقال الشافعي بعدله: له العمومات مثل: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، وقوله ◌ُّ: "حجوا"، والقياس على المهاجرة والمأسورة إذا خلصت بجامع أنه
سفر واجب. قلنا: أما العمومات، فقد تقيدت ببعض الشروط إجماعاً كأمن الطريق، فتقيد أيضاً بما في
الأحاديث الصحيحة، كما في الصحيحين: لا تسافر امرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم. [فتح القدير ٣٣٠/٢]
* يشير إلى حديث الذي قبله، وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن أنس ، عن النبي ◌ُّ في قوله تبارك
وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَإِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال: قيل: يا رسول الله! ما السبيل قال: الزاد والراحلة.
وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. [٤٤١/١-٤٤٢، باب السبيل الزاد والراحلة]
** روي من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي أمامة. [نصب الراية ١٠/٣] أخرج الدارقطني حديث ابن عباس
عن أبي سعيد مولى ابن عباس أو عكرمة عن ابن عباس أنه قال: جاء رجل إلى المدينة فقال النبي ®: أين نزلت؟
قال: على فلانة، قال: أغلقت عليك بابها؟ لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم. [٢٢٢/٢-٢٢٣، كتاب الحج]
وإسناده صحيح. [الدراية ٤/٢]

١٥٧
کتاب الحج
ولأنها بدون المحرم يُخَاف عليها الفتنة، وتزداد بانضمام غيرها إليها، ولهذا تَحْرُم الخلوة
بالأجنبية وإن كان معها غيرها، بخلاف ما إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام؛ لأنه
يباح لها الخروج إلى ما دون السفر بغير محرم. وإذا وجدت محرماً: لم يكن للزوج منعُها،
وقال الشافعي حاله: له أن يمنعها؛ لأن في الخروج تفويت حقه. ولنا: أن حق الزوج
لا يظهر في حق الفرائض، والحجُّ منها، حتى لو كان الحج نفلا له أن يمنعها، ولو كان المحرم
ء
فاسقاً قالوا: لا يجب عليها؛ لأن المقصود لا يحصل به. ولها أن تخرج مع كل محرم إلا أن
يكون مجوسياً؛ لأنه يعتقد إباحة مناكحتها، ولا عبرة بالصبي والمجنون؛ لأنه لا تتأتّى منهما
الصيانة، والصَّبيَّة التي بلغت حد الشهوة بمنزلة البالغة، حتى لا يسافر بها من غير محرم،
ونفقة المحرم عليها؛ لأنها تتوسَّل به إلى أداء الحج، واختلفوا في أن المحرم شرط الوجوب،
أو شرط الأداء على حسب اختلافهم في أمن الطريق. وإذا بلغ الصبي بعد ما أحرم،
ولهذا: أي ولأجل زيادة الفتنة بانضمام المرأة إليها. (البناية) بخلاف: هذا متصل بقوله: ولا يجوز لها أن
تخرج بغيرهما. (البناية) لأنه يباح لها الخروج: فليس للزوج منعها إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة
أيام إذا لم تجد محرماً. [فتح القدير ٣٣١/٢] منعها: وبه قال أحمد بن حنبل، وقال مالك محله: لا يمنعها
على القول بالفور، وفي القول بالتراخي قولان. [البناية ٢٢/٤]
حقه: وصار كالحج الذي نذرته له منعها منه. (فتح القدير) يمنعها: ولهذا كان له أن يحللها من ساعته ولكن
لا يؤخر تحليلها إلى ذبح الهدي ويحللها من ساعته، وعليها هدي لتعجيل الإهلال. (البناية) محرم: يعني سواء
كان حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً؛ لأن الذمي أيضاً يحفظ محارمه وإن كن مسلمات. [البناية ٢٣/٤]
عليها: وبه قال أحمد.(البناية) لأنها تتوسل به إلخ: فصار كشراء الراحلة، وفي "فتاوى أبي حفص": لا يلزمها
الحج، حتى تجد محرما يحملها من ماله، وهي من مالها. [الكفاية ٣٣٢/٢] واختلفوا: ثمرته تظهر في
وجوب الوصية بالحج إذا مات مثلاً قبل أمن الطريق الطريق أو الموت قبل الوجوب ومن قال بأنها شرط
الأداء قال يجب؛ لأن الموت بعد الوجوب وإنما عذرت في التأخير. [فتح القدير ٣٣٢/٢]

١٥٨
کتاب الحج
أوعَتَق العبد، فَمَضَيا: لم يَجْزهما عن حجة الإسلام؛ لأن إحرامهما انعقد لأداء
النفل، فلا ينقلب لأداء الفرض، ولو جدَّد الصبي الإحرام قبل الوقوف، ونوى حجة
الإِسلام: جاز، والعبد لو فعل ذلك: لم يجز؛ لأن إحرام الصبي غير لازم؛ لعدم
الأهلية، أما إحرام العبد لازم، فلا يمكنه الخروج عنه بالشروع في غيره، والله أعلم.
فصل
والمواقيت التي لا يجوز أن يجاوزها الإنسان إلا مُحرماً خمسة: لأهل المدينة: ذو الحليفة،
ولو جدد الصبي: يعني لو جدد إحرامه بعد البلوغ قبل الوقوف ونوى حجة الإسلام جاز عن حجة
الإسلام. [البناية ٢٥/٤] والكافر والمجنون كالصبي، فلو حج كافر أو مجنون، فأفاق أو أسلم، فجدّد الإحرام
أجزأهما، وقيل: هذا دليل أن الكافر إذا حج لا يحكم بإسلامه، بخلاف الصلاة بجماعة. (فتح القدير) الأهلية: ولذا
لو أحصر الصي وتحلّل لا دم عليه ولا قضاء، ولا جزاء عليه لارتكاب المحظورات. [فتح القدير ٣٣٢-٣٣٣]
العبد: لكونه مخاطباً. (العناية) لازم: ولهذا لو أصاب صيداً كان عليه الصيام ؛ لأنه صار جانياً على
إحرامه بقتل الصيد وهو ليس من أهل التكفير بالمال. [العناية ٣٣٢/٢] فصل: لما فرغ من ذكر من يجب
عليه الحج، وذكر شروط الوجوب وما يتبعها، شرع في بيان أول أمكنة يبدأ فيها بأفعال الحج فيها، وهي
المواقيت التي لا يجوز أن يجاوزها الإنسان إلا محرماً. [العناية ٣٣٣/٢]
ذو الحليفة: قال البكري: ذو الحليفة تصغير حلفة، وهي ماء بين بني حبشم بن بكر بن هوازن وبين بني
خفاجة القبلتين بينه وبين المدينة ستة أميال، وقيل: سبعة وهو كان منزل رسول الله 58 إذا خرج من
المدينة لحج أو عمرة، وكان ينزل تحت شجرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة اليوم، وقال ابن
حزم: على أميال من المدينة، وقال عياض "في الإكمال": على سبعة، وقال النووي: نحو ستة أميال، وقال
ابن الصباغ: ميل، وقال محب الدين الطبري : هذا خطأ ظاهر. قلت وكذا قال الرافعي بينها وبين
المدينة ميل، وهو أيضاً خطأ،؛ لأن الحس يرد ذلك. وقال شيخنا في "شرح الترمذي": بينه وبين مكة
عشرة مراحل، وقيل: اثنا عشر مراحل وبينه وبين المدينة فرسخان ستة أميال، هذا هو الصواب والميل ثلث
فرسخ والفرسخ اثنى عشر ألف خطوة، وقال السروجي: الميل أربعة آلاف ذراع بذراع محمد بن فرح
الشاشي، قلت العوام يسمون ذا الحليفة آبار علي له. [البناية ٢٦/٤]

١٥٩
کتاب الحج
ولأهل العراق: ذات عرق، ولأهل الشام: الجُحفة، ولأهل نجد: قرن، ولأهل اليمن:
يَلَمْلَم، هكذا وقَّت رسول الله عليها هذه المواقيت لهؤلاء .* وفائدة التأقيت: المنع عن
تأخير الإِحرام عنها؛ لأنه يجوز التقديم عليها بالاتفاق.
ذات عرق: قال الكرماني: هي ميقات جميع أهل المشرق، بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلاً، وقال غيره:
· بينهما مرحلتان. (البناية) بالكسر موضع سُمي به؛ لأن هناك عرقاً، وهو الجبل الصغير. الجحفة: وهي ميقات
أهل مصر والمغرب والشام من طريق تبوك، وهي قرية بين المغرب والشمال من مكة بينها وبين مكة اثنان
وثمانون ميلاً. [البناية ٢٨/٤] ولأهل نجد قرن: في "المغرب": القرن ميقات أهل نجد جبل مشرف على
عرفات، والعرب تسميه قرن المنازل، وفي الصحاح ": بالتحريك، وفيه نظر، والقرن بفتحتين حي من
اليمن، إليهم ينسب أويس القرني. [الكفاية ٣٣٣/٢]
ولأهل اليمن يلملم: بفتح المثناة التحنيَّة، واللامين وإسكان الميم، ويقال لها: أَلَمْلَم بالهمزة، وهو الأصل، والياء
تسهيل لها، وهو جبل من جبال تهامة مشهور في زماننا بالسعديَّة، قاله بعض شرَّاح المناسك. [رد المحتار٥٢٠/٦]
هكذا وقت إلخ: قال في "البحر": هذه المواقيت ما عدا ذات عرق ثابتة في "الصحيحين"، وذات عرق في
"(صحيح مسلم" و"سنن أبي داود". [رد المحتار ٥٢٠/٦] التأقيت: بسكون الهمزة لغة في التوقيت. (البناية)
المنع عن تأخير إلخ: وقد يلزم عليه أن من أتى ميقاتاً منها لقصد مكة، وجب عليه الإحرام سواء كان يمر
بعده على ميقات آخر أم لا، لكن المسطور خلافه في غير موضع. وفي "الكافي" للحاكم الصدر الشهيد
الذي هو عبارة عن جمع كلام محمد سلفه: ومن جاوز وقته غير محرم ثم أتى وقتاً آخر وأحرم منه أجزأه،
ولو كان أحرم من وقته كان أحب إلي انتهى. ومن الفروع: المدني إذا جاوز إلى الجحفة، فأحرم عندها
فلا بأس به، والأفضل أن يحرم من ذي الحليفة، ومقتضى كون فائدة التوقيت المنع من التأخير أن لا يجوز
التأخير عن ذي الحليفة؛ فإن مروره به سابق على مروره بالميقات الآخر، ولذا روي عن أبي حنيفة بحكم أن
عليه دماً، لكن الظاهر عنه هو الأول. [فتح القدير ٣٣٤/٢]
* أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: وقّت رسول الله ﴿ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل
الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهم ولمن أتى عليهن، من غيرهن ممن أراد
الحج والعمرة، ومن کان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة. [رقم: ١٥٢٤، باب مهل
أهل مكة للحج والعمرة] وأخرج أبوداود في سننه عن عائشة أن رسول الله ◌ّ وقّت لأهل العراق ذات
عرق. [رقم: ١٧٣٩، باب في المواقيت] سنده صحيح صالح للاحتجاج به. [إعلاء السنن ١٧/١٠]