النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢٠
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
وإن كان مسافراً لا يستضر بالصوم: فصومه أفضل، وإن أفطر: جاز؛ لأن السفر لا يَعرى
عن المشقة، فجعل نفسه عذراً، بخلاف المرض، فإنه قد يَخِفُّ بالصوم، فشُرِطَ كونه
مغضيًا إلى الحرج، وقال الشافعي سطه: الفطر أفضل؛ لقوله صل ◌ّ: " ليس من البر الصيام
في السفر" .* ولنا: أن رمضان أفضل الوقتين، فكان الأداء فيه أولى، وما رواه محمول
على حالة الجَهْد. وإذا مات المريض أو المسافر، وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء؛
لأنهمالم يدركا عدة من أيام أخر. ولو صح المريض، وأقام المسافر، ثم ماتا: لزمهما
القضاء بقدر الصحة والإقامة؛ لوجود الإدراك بهذا المقدار، وفائدته: وجوب الوصية
بالإِطعام. وذكر الطحاوي خلافاً فيه بين أبي حنيفة وأبي يوسف بحما وبين محمد بد لته.
أفضل: وبه قال مالك والشافعي مثًا على ما ذكر في كتبهم، وقال النووي: هو المذهب. [البناية ٦٨٨/٣]
المشقة: لأنه مظنة المشقة بكل حال فأدير الحكم على أصل السفر. (البناية) بالصوم: كالهيضة ونحوها. (البناية)
وقال الشافعي له: والحق أن قوله كقولنا، ولم يحك ذلك عنه إنما هو مذهب أحمد محدثه. (فتح القدير)
الفطر أفضل: نقلت هذه المسألة في كتب أصحابنا على خلاف ما وقعت في كتب أصحاب الشافعي. (العناية)
الوقتين: لأن عدة من أيام أخر كالخلف عن رمضان، والخلف لا يساوي الأصل بحال. [العناية ٢٧٣/٢]
الجهد: بفتح الجيم أي المشقة، ونحن نقول به، ولهذا يكره الصوم في السفر لمن أجهده بالاجماع. (البناية)
على حالهما: من المرض والسفر. (العناية) من أيام أخر: لأن شرط وجوب الإدراك عدة الأيام الأخر
بالنص ولم يحصل الإدراك فلم يلزم القضاء. [البناية ٦٨٩/٣] وفائدته: أي وفائدة لزوم القضاء. (البناية)
خلافا فيه: أي في المذكور من هذه المسئلة أو في وجوب الوصية بالإطعام فقال: عندهما إذا صح يوماً يلزمه
قضاء الجميع، فيلزمه الوصية عما لم يصح، وعند محمد بدله: يلزمه قضاء ما صح ولا يلزمه الوصية بالإطعام
عما لم يصح، وما قدر على قضائه تجب الوصية بالإطعام عنه إن لم يصح بالاتفاق. [البناية ٦٩٠/٣]
* أخرجه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﴿ ﴿ّ في سفر فرأى زحاماً
ورجلاً قد ظلِّل عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر. [رقم: ١٩٤٦،
باب قول النبي ◌ّ لمن ظُلُّل عليه واشتد الحر ليس من البر الصيام في السفر]
١٢١
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
وليس بصحيح، وإنما الخلاف في النذر. والفرق لهما: أن النذر سبب، فيظهر الوجوب في
حق الخُلْف، وفي هذه المسألة السبب إدراك العِدّة، فيتقدّر بقدر ما أدرك. وقضاء رمضان إن
شاء فرَّقه، وإن شاء تابعه؛ لإطلاق النص لكن المستحب المتابعة؛ مسارَعة إلى إسقاط
الواجب. وإن أخُّره حتى دخل رمضان آخر: صام الثاني؛ لأنه في وقته، وقضى الأول
بعده؛ لأنه وقت القضاء، ولا فدية عليه؛ لأن وجوب القضاء على التراخي، حتى كان
له أن يتطوَّع. والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما: أفطرتا وقضتا؛
بصحيح: يعني أن الصحيح أن قولهما كقول محمد بدله. (العناية) في النذر: وهو ما إذا قال المريض: لله عليَّ صوم
شهر مثلاً فصح يوماً، فعندهما يلزمه الكل والإيصاء به، وعند محمد سل: قدر ما صح. [فتح القدير ٢٧٤/٢]
سبب: وقد وجد المانع وهو عدم صحة الذمة في التزام أدائه قد زال بالبرء وإذا وجد السبب المقتضى
وزال المانع. [البناية ٦٩٠/٣] فيظهر: لا محالة وصار كصحيح نذر، فمات قبل الأداء. (البناية)
شاء تابعه: أي يصومه متوالياً هذا قول ابن عباس وأنس وأبي هريرة وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل
وعمرو بن العاص ورافع بن خديج ◌ُه، وسعيد بن جبير وابن محيريز وأبي قلابة ومجاهد والحسن وابن
سيرين وابن المسيب وعبد الله بن عبد الله بن عتبة وطاؤوس وعطاء وعبيد بن عمير والأوزاعي وابن جني
والثوري ومالك والشافعي وأحمد واسحاق. وقال أبو عمر: كلهم يستحبون التتابع ولا يوجبونه، وحكي
وجوبه عن علي وابن عمر والنخعي والشعبي وعروة بن الزبير. [البناية ٦٩١/٣-٦٩٢]
النص: وهو قوله تعالى: ﴿فَعِدّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. (البناية) عليه: قال الشافعي بحثه: عليه الفدية إن أخَّرَه بغير
عذر. (فتح القدير) التراخي: وفي "المحيط": من أفطر بعذرٍ وقدر على القضاء، فعليه القضاء على التراخي،
وفي "البدائع": أيضاً على التراخي عند عامة مشايخنا ويضيق عليه عند أخر عمره، وعند الكرخي على
الفور وحكاه عن أصحابنا، والصحيح الأول. [البناية٦٩٣/٣]
والمرضع: قال في " الذخيرة": المراد بالمرضع ههنا الظفر؛ لأن الأم لا تفطر إذا كان للولد أب؛ لأن
الصوم فرض عليها، دون الإرضاع، وقال شيخ شيخي عبد العزيز: ينبغي أن يشترط يسار الأب أو عدم
أخذ الولد ضرع غير الأم. [العناية ٢٧٦/٢]
١٢٢
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
دفعاً للحرج، ولا كفارة عليهما؛ لأنه إفطار بعذر، ولا فدية عليهما، خلافاً للشافعي مسافته
فيما إذا خافت على الولد، هو يعتبره بالشيخ الفاني. ولنا: أن الفدية بخلاف القياس في
الشيخ الفاني، والفطر بسبب الولد ليس في معناه؛ لأنه عاجز بعد الوجوب، والولد
لا وجوب عليه أصلا. والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام: يفطر، ويطعم لكل
يوم مسكيناً كما يُطعم في الكفارات. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قيل: معناه لا يطيقونه، ولو قدرَ على الصوم، يبطل حكم
الفداء؛ لأن شرط الخليفة استمرارُ العجز. ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به:
أطعم عنه وليُّه لكل يوم مسكيناً نصف صاع من بر، أو صاعاً من تمر أو شعير؛ لأنه
عجَز عن الأداء في آخر عمره، فصار كالشيخ الفاني ثم لا بد من الإيصاء عندنا،
إفطار بعذر: قيل: نعم، هو عذر، لكن لا في نفس الصائم، بل لأجل غيره، ومثله لا يعتد به، ألا ترى أنه
لو أكره على شرب الخمر بقتل أبيه أو ابنه، لم يحل له الشرب. وأجيب بأن الحامل والمرضع مأمورة
بصيانة الولد مقصودة، وهي لا تتأتى بدون الإفطار عند الخوف، فكانت مأمورة بالافطار. (العناية)
الشيخ الفاني: أن الفدية فيه ثبتت بالنص على خلاف القياس فلا يصح القياس. [العناية ٢٧٦/٢]
بعد الوجوب: والطفل لا يجب عليه، بل على أمه، ولم ينتقل عنها شرعاً إلى خلف غير الصوم، بل أجيز لها
التأخير فقط - رحمةً على الولد - إلى خلف هو الصوم، بخلاف الشيخ؛ فإنه لا قضاء عليه بل أقيمت الفدية
مقام الصيام في حقه. [فتح القدير ٢٧٦/٢] الفاني: سمي لقربه إلى الفناء، أو لأنه فنيت قوته. (الكفاية)
ويطعم: وعند مالك والشافعي بحمًا في قول وأبي ثور: لا تجب عليه الفدية. وعن مالك أنها مستحبة، وفي
وجوبها عنه روايتان. [البناية ٦٩٥/٣] الصوم: يعني بعد ما فدى. (العناية) ومن مات: أي قرب منه؛ لأن
الإيصاء بعد الموت غير متصور. (العناية) الفاني: في جواز الفدية عنه بسبب العجز الكامل. (البناية)
لابد من الإيصاء: يعني إذا أوصى يلزم الإطعام عنه على الولي من ثلث ماله، وبه قال مالك، فيجزئه
إن شاء الله، وإن لم يوص لا يلزم على الولي الإطعام، ومع هذا لو أطعم جاز إن شاء الله. [البناية ٦٩٧/٣]
١٢٣
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
خلافاً للشافعي له، وعلى هذا الزكاة. هو يعتبره بديون العباد؛ إذ كل ذلك حقٌّ
مالِيٌّ يجري فيه النِيابة. ولنا: أنه عبادة، ولابد فيه من الاختيار، وذلك في الإيصاء دون
الوراثة؛ لأنها جبرية، ثم هو تبرُّع ابتداء، حتى يُعتبر من الثلث. والصلاةُ كالصوم
الإيصاء
باستحسان المشايخ، وكل صلاة تعتبر بصوم يوم، هو الصحيح. ولا يصوم عنه الولي
ولا يصلي؛ لقوله {®: "لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد"،* ومن
دخل في صلاة التطوع، أو في صوم التطوع، ثم أفسده: قضاه،
الزكاة: يعني أن الميت إذا أوصى بذلك يلزم على إخراجها عن التركة، وإلا فلا. (البناية) العباد: وكما أن
ديون العباد تخرج من جميع المال وإن لم يوص فكذلك هذا. (البناية) الاختيار: ولم يبق الاختيار بعد
الموت. (البناية) ابتداء: وإنما قال: ابتداء؛ لأنها في الآخرة تنوب عن الواجب على الميت. (العناية)
الثلث: وعند الشافعي وأحمد مثا من جميع المال بدون الإيصاء، وقول مالك كقولنا. (البناية)
باستحسان المشايخ: لأن القياس عدم الجواز؛ لأن الصلاة لا تؤدى بالمال حال الحياة، فكذا بعد الممات،
إلا أن المشايخ استحسنوا في التجويز؛ لما أنها تشبه الصوم من حيث كونها عبادة بدنية. [البناية ٦٩٨/٣]
هو الصحيح: احتراز من قول ابن مقاتل: إنه يطعم لكل صلاة يوم مسكيناً؛ لأنها كصيام يوم، ثم رجع
إلى ما في الكتاب؛ لأن كل صلاة فرض على حدة، فكانت كصوم يوم. [فتح القدير ٢٨٠/٢]
قضاه: لا خلاف بين أصحابنا في وجوب القضاء إذا أفسد عن قصد أو غير قصد بأن عرض الحيض
للصائمة المتطوعة، خلافاً للشافعي شه، وإنما اختلاف الرواية في نفس الإفساد، هل يباح أو لا؟ ظاهر
الرواية لا إلا بعذر، ورواية "المنتقى" يباح بلا عذر، ثم اختلف المشايخ ش على ظاهر الرواية هل الضيافة
عذر أم لا؟ قيل: نعم وقيل: لا. [فتح القدير ٢٨٠/٢]
* هذا غریب مرفوعاً، وروي موقوفاً عن ابن عباس وابن عمر څ. [البنایة٦٩٨/٣] حديث ابن عباس
حما:
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس هما قال: لا يصلي أحد عن أحد،
ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة. [رقم: ٢٩١٨، باب صوم الحي عن الميت]
وحديث ابن عمر ھما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن نافع عن ابن عمر ما قال: لا يصلين أحد عن أحد،
ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن إن كنت فاعلاً تصدقت عنه، أو أهديت. [رقم: ١٦٣٤٦، باب الصدقة عن الميت]
١٢٤
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
خلافاً للشافعي بدله. له: أنه تبرَّعَ بالمؤدَّى، فلا يلزمه ما لم يتبرع به. ولنا: أن المؤدَّى
قربةٌ وعملٌ، فتحب صيانته بالمضي عن الإبطال، وإذا وجب المضي وجب القضاء
بتر که. ثم عندنا لا يباح الإفطار فيه بغير عذر؛ في إحدى الروايتين؛ لما بينا، ويباح
بعذر، والضيافة عذر؛ لقوله *ُ: "أفطرْ واقضِ يوماً مكانَه" .* وإذا بلغ الصبي، أو
أسلم الكافر في رمضان، أمسكا بقية يومهما؛ قضاء لحق الوقت بالتشبه، ولو أفطرا فيه:
لا قضاء عليهما؛ لأن الصوم غير واجب فيه، وصاما مابعده؛ لتحقق السبب والأهلية.
ولم يقضيا يومهما، ولا ما مضى؛ لعدم الخطاب.
للشافعي بدله: وبقوله قال أحمد، وقال مالك : يلزمه الإتمام لكن لو أفسدها لعذر كالسفر لا يلزمه
القضاء في إحدى الروايتين عنه وبه قال الثوري. (البناية) فلا يلزمه: لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾
وهو محسن فيما فعل، فلو وجب عليه القضاء يكون عليه سبيل، وهذا كمن أخرج درهمين؛ ليتصدق
بهما، فتصدق بأحدهما، لا يلزمه التصدق بالآخر. [البناية٧٠٠/٣] الإبطال: لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا
أَعْمَالَكُمْ﴾. (فتح القدير) بتركه: لأنه لو لم يلزم القضاء، يلزم ابطال العمل، واللازم منتف بقوله تعالى:
﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، فينتفي الملزوم وهو عدم لزوم القضاء. [البناية٧٠٢/٣]
والضيافة عذر: أي على الأظهر. (البناية) ومن المشايخ من قال: إن كان صاحب الدعوة يرضى بمجرد
حضوره، ولا يتأذى بترك الأكل لا يفطر، وإن كان يتأذى يفطر، ويقضي. وقال في "الذخيرة": هذا كله
إذا كان الإفطار قبل الزوال، وأما إذا كان بعد الزوال، فلا ينبغي له أن يفطر، إلا إذا كان في ترك الإفطار
عقوق الوالدين، أو أحدهما. [العناية ٢٨٠/٢- ٢٨١] الصبي: وهكذا كل معذور زال عذره بعد طلوع
الفجر، أما لو زال قبل طلوع الفجر لزمه الصوم. [البناية ٧٠٣/٣]
يومهما: اختلفوا في إمساك البقية أنه على طريق الاستحباب أو على طريق الوجوب. [الكفاية ٢٨٢/٢]
فيه: بل الإمساك هو الواجب، ولا قضاء إلا للصوم. (العناية)
* أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن أبي سعيد قال: صنع رجل طعاماً ودعا رسول الله ﴿ وأصحابه،
فقال رجل: إني صائم، فقال رسول الله ﴿ّ: "أخوك صنع طعاماً ودعاك أفطر واقض مكانه". [ص: ٢٩٣]
١٢٥
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
وهذا بخلاف الصلاة؛ لأن السبب فيها الجزء المتصل بالأداء، فوجدت الأهلية عنده،
وفي صوم الجزء الأول، والأهلية منعدمة عنده. وعن أبي يوسف بسطله أنه إذا زال الكفر
أو الصبا قبل الزوال، فعليه القضاء؛ لأنه أدرك وقت النية. وجه الظاهر أن الصوم
لا يتجزأ وجوباً، وأهلية الوجوب منعدمةٌ في أوله، إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في
هذه الصورة، دون الكافر على ما قالوا؛ لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضاً،
والصبي أهل له. وإذا نوى المسافر الإفطار، ثم قدِمَ المصر قبل الزوال، فنوى الصومَ:
أجزأه؛ لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب، ولا صحةً الشروع، وإن كان في رمضان،
الصلاة: حيث يجب قضاؤها إذا بلغ أو أسلم؛ لما ذكره في الكتاب وهو واضح. (العناية) عنده: بسبب الكفر
والصبا. قبل الزوال: أقول: بل قبل الضحوة الكبرى، فإن الظاهر أنه لو أسلم، أو بلغ بعدها، وإن كان
قبل الزوال لا يعتبر ذلك؛ لفوات النية على ما مر. لأنه أدرك وقت النية: لما أدرك وقت النية أمكنه تحصيله
فصار كمن أصبح ناوياً للفطر والمعنى فيه: أن الكفر مناف حكماً لا حقيقةً كما إذا أصبح بنية الفطر فعدم النية
مناف حكماً لا حقيقة، ومع هذا المنافي إذا نوى قبل الزوال يصح فكذا إذا زال المنافي قبل الزوال ينبغي أن
يصح. [الكفاية ٢٨٣/٢] منعدمة في أوله: بيانه: أن الصوم لما لم يجب عليه في أول اليوم؛ لعدم أهلية الوجوب
في البقية؛ لأن صوم اليوم الواجب في الوجوب لا يتجزأ، فلا يجب القضاء. [البناية ٧٠٥/٣-٧٠٦]
للصبي: أشار بهذا الاستثناء إلى الفرق بين حكم الصبي وحكم الكافر في هذه الصورة. (البناية)
الصورة: وهي ما إذا بلغ الصبي قبل الزوال. (البناية) الكافر: إذا أسلم الكافرقبل الزوال. (البناية)
على ما قالوا: إشارة إلى الخلاف، وأكثر المشايخ على هذا الفرق، وهو أن الصي كان أهلاً، فتتوقف
إمساكاته في حق الصوم في أول النهار على وجود النية في وقتها، والكافر ليس أهلاً أصلاً، فلا تتوقف،
فيقع فطراً. [فتح القدير ٢٨٣/٢ -٢٨٤] الإفطار: أي في غير رمضان بدليل قوله: "وإن كان في رمضان".
(فتح القدير) الوجوب: أي وجوب الصوم، ولهذا يصح أداؤه في السفر. (البناية) رمضان: أي وإن كان
المسافر الذي ينوي الإفطار، وقَدِم مصره قبل الزوال في رمضان. (البناية)
١٢٦
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
فعليه أن يصوم؛ لزوال المرخِّص في وقت النية. ألا ترى أنه لو كان مقيماً في أول اليوم،
ثم سافر لا يباح له الفطر؛ ترجيحاً لجانب الإقامة، فهذا أولى. إلا أنه إذا أفطر في المسألتين
لا تلزمه الكفارة؛ لقيام شبهة المبيح. ومن أغمي عليه في رمضان: لم يقض اليوم الذي
السفر
حدث فيه الإِغماء؛ لوجود الصوم فيه، وهو الإمساك المقرون بالنية؛ إذ الظاهر وجودها منه،
وقضى ما بعده؛ لانعدام النية. وإن أغمي عليه أول ليلة منه قضاه كلّه غير يوم تلك
الليلة؛ لما قلنا. وقال مالك: لا يقضي ما بعده؛ لأن صوم رمضان عنده يتأدى بنية
واحدة بمنزلة الاعتكاف. وعندنا: لا بد من النية لكل يوم؛ لأنها عبادات متفرقة؛ لأنه
يتخلّل بين كل يومين ما ليسُّ بزمان لهذه العبادة، بخلاف الاعتكاف. ومن أغمي عليه
وهو الليالي
في رمضان كلّ: قضاه؛ لأنه نوع مرضٍ يَضْعُف القُوَى، ولا يزيل الحِجَى،
فهذا أولى: وجه الأولوية أن المرخِّص - وهو السفر - وهو قائم في وقت الإفطار في تلك المسألة، ومع
ذلك لم يبح له الإفطار، فلا يباح في هذه المسألة، وهو ليس بقائم فيه أولى. [البناية ٧٠٧/٣]
في المسألتين: يعني في مسألة الذي قام، ومسألة المقيم الذي سافر. (البناية) ما بعده: لأن الإغماء يمنع وجود
النية ولا يصح الصوم بدونها. (البناية) لما قلنا: أشار به إلى قوله: "لوجود الصوم فيه، وهو الإمساك المقرون
بالنية". (البناية) يتأدى بنية واحدة: لأن الله تعالى أوجب الصوم باسم الشهر، وأنه شيء واحد، وإنما رخص
له الفطر بالليالي؛ ليتمكن من الأداء فاعتبر الشهور في حق الشهر النية شيئاً واحداً كالاعتكاف لا يحتاج فيه
إلى نية لكل يوم. [البناية ٧٠٨/٣] الاعتكاف: حيث لا يحتاج فيه نية لكل يوم. (البناية)
لأنها عبادات متفرقة: ألا ترى أن فساد البعض لا يمنع صحة ما بقي، وأن انعدام الأهلية في بعض الأيام،
لا يمنع تقرر الأهلية فيما بقي. [الكفاية ٢٨٥/٢] الاعتكاف: لأنه لم يتخلل بين كل يومين فيه ما ليس بزمان
العبادة؛ إذ الليل أيضاً وقت الاعتكاف. [البناية ٧٠٨/٣] ولا يزيل الحجى: بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم
مقصوراً، وهو العقل، ألا ترى أن الأنبياء صلوات الله عليهم كانوا يبتلون بالإغماء دون الجنون، لأنه منفي
عنهم، والفرق بينهما أن العقل يكون في الإغماء مغلوباً، وفي الجنون مسلوباً. [البناية ٧٠٩/٣]
١٢٧
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
فيصير عذراً في التأخير لا في الإسقاط، ومن جُنَّ في رمضان كلِّه لم يقضه، خلافاً
لمالك ماله، هو يعتبره بالإغماء ولنا: أن المسقط هو الحرج، والإغماء لا يستوعب
الشهر عادةً فلا حرج، والجنون يستوعبه فيتحقّق الحرج. وإن أفاق المجنون في بعضه
آلجنون
قضى ما مضى، خلافا لزفر والشافعي يحمًّا، هما يقولان: لم يجب عليه الأداء؛ لانعدام
الأهلية، والقضاء مرتب عليه، وصار كالمستوعب. ولنا: أن السبب قد وُجد وهو
الشهر، والأهلية بالذمة، وفي الوجوب فائدة، وهو صيرورته مطلوباً على وجه لا يحرج
في أدائه، بخلاف المستوعب؛ لأنه يحرج في الأداء، فلا فائدة،
في رمضان كله: قال شمس الأئمة الحلواني: المراد بقوله: "جن في رمضان كله" ما يمكنه الصوم فيه ابتداء،
حتى لو أفاق بعد الزوال من اليوم الأخير من شهر رمضان لم يلزمه القضاء؛ لأن الصوم لا يصح فيه کالليل.
هو الصحيح. [العناية ٢٨٥/٢] بالإغماء: يعني من حيث أن الجنون مرض يخل العقل، فيكون عذراً في
التأخير إلى زواله، لا في الإسقاط كما في الإغماء. (العناية) ولنا أن المسقط إلخ: فأفاد تعلُّيل وجوب قضاء
الشهر إذا أغمي عليه فيه كله، بعدم الحرج وهو في الحقيقة تعليل بعدم المانع؛ لأن الحرج مانع، لكن المراد أن
انتفاء الوجوب إنما يكون لمانع الحرج، ولا حرج لندرة امتداد الإغماء شهراً. [فتح القدير ٢٨٦/٢]
فيتحقق الحرج: وأصله أن الأعذار أربعة أنواع: ما لا يمتد يوماً وليلةً غالباً كالنوم، فلا يُسقط شيئاً من
العبادات؛ لأنه لا يوجب حرجاً، ولهذا لم يجب لأحد عليه ولاية بسببه، وما يمتد خلقة كالصبا، فيسقط
الكل؛ دفعاً للحرج، وما يمتد وقت الصلاة لا وقت الصوم غالباً كالإغماء، فإذا امتد في الصلوات بأن زاد
على يوم وليلة جعل عذراً؛ دفعاً للحرج لكونه غالباً، ولم يجعل عذراً في الصوم؛ لأن امتداده شهراً نادر
فلم يكن في إيجاب القضاء حرج، وما يمتد وقت الصلاة والصوم، وقد لا يمتد وهو الجنون، فإذا امتد فيهما
أسقطهما. [الكفاية ٢٨٥/٢] كالمستوعب: يعني في إسقاط الكل؛ اعتباراً للبعض بالكل. (البناية)
ولنا: أن السبب قد وُجد: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْصُمْهُ﴾، والمراد بعض الشهر؛ لأن
السبب لو كان كله، لوقع الصوم في شوال، فكان تقدير الآية والله أعلم: " فمن شهد منكم بعض الشهر
فليصم الشهر كله" فان الضمير يرجع إليه. [البناية ٧١٠/٣]
١٢٨
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
وتمامه في الخلافيات، ثم لا فرق بين الأصلي والعارضي، قيل: هذا في ظاهر الرواية.
وعن محمد اله أنه فَرَّق بينهما؛ لأنه إذا بلغ مجنوناً التحق بالصبي، فانعدم الخطاب،
بخلاف ما إذا بلغ عاقلاً ثم جُنَّ، وهذا مختار بعض المتأخرين. ومن لم ينو في رمضان
كلِّه، لا صوماً ولا فطراً، فعليه قضاؤه. وقال زفر سه: يتأدَّى صوم رمضان بدون
النية في حق الصحيح المقيم؛ لأن الإمساك مستحَقٌّ عليه، فعلى أيِّ وجه يؤديه يقع
عنه، كما إذا وهب كل النصاب من الفقير. ولنا: أن المستحَقَّ الإمساك بجهة العبادة،
ولا عبادة إلا بالنية، وفي هبة النصاب وجد نية القربة على ما مر في الزكاة.
الخلافيات: أي تمام البحث المذكور مذكور في الكتب المتعلقة بذكر الخلافيات. (البناية)
بين الأصلي: أي بين المجنون الأصلي، وهو أن يدرك مجنوناً، والعارضي أي الجنون العارضي، وهو أن يدرك
مفيقاً، ثم جن، يعني لا فرق بينهما حيث يلزمه القضاء ما مضى. (البناية) فانعدم الخطاب: في حقه إذا أفاق في
بعض الشهر، ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأن ابتداء الخطاب توجه إليه الآن فكان كصبي ثم بلغ. [البناية ٧١١/٣]
وهذا: أي المروي عن محمد بدله. مختار بعض المتأخرين: منهم الإمام أبو عبد الله الجرجاني والإمام
الربيعي والإمام الزاهد الصفار ما. (البناية) كله: هذه المسألة من خواص " الجامع الصغير". (البناية)
فعليه قضاؤه: هذه المسألة من "خواص الجامع الصغير"، ثم لابد من التأويل لهذه المسألة: لما أن دلالة حال
المسلم كافية لوجود النية ألا ترى أن من أغمي عليه بعد ما غربت الشمس من الليلة الأولى من رمضان أنه
يصير صائماً في يومها ولم يعرف منه نية الصوم ولا الفطر؛ لما أنا حملنا أمره على النية على ظاهر
حاله. [البناية ٧١٢/٣] وتأويلها: أن يكون مسافراً أو مريضاً لا ينوي شيئاً وذا مطلق له، فلا يصلح حاله
دليلا على عزيمة الصوم، أو رجلاً متهتكاً بالاعتياد في فطر رمضان كذا في "الكافي".
زفر له: أبو شجاع هو الذي روى هذا القول عن زفر مدلكه. (البناية) في حق الصحيح المقيم: إنما قيد بهما؛
لأن المريض والمسافر لابد لهما من نية الصوم بالاتفاق؛ لأن إمساكهما غير مستحق للصوم؛ لأن شعبان
ورمضان في حقهما سواء. [الكفاية ٢٨٨/٢] وهب كل النصاب إلخ: فإنه يسقط عنه الزكاة. (البناية)
القربة: باختيار المحل ووجد معنى القربة لحاجة المحل، ألا ترى أن من وهب لفقير شيئاً لا يملك الرجوع
فيه لحصول الثواب له. [الكفاية ٢٨٨/٢]
١٢٩
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
ومن أصبح غير ناو للصوم فأكل: لا كفارة عليه عند أبي حنيفة محفظته، وقال زفر بحالته:
عليه الكفارة؛ لأنه يتأدَّى بغير النية عنده. وقال أبو يوسف ومحمد لحمًا: إذا أكل قبل
الزوال تجب الكفارة؛ لأنه فوَّت إمكان التحصيل، فصار كغاصب الغاصب،
ولأبي حنيفة له أن الكفارة تعلقت بالإِفساد، وهذا امتناع؛ إذ لا صوم إلا بالنية.
وإذا حاضت المرأة أو نُفست: أفطرت وقضت، بخلاف الصلاة؛ لأنها تحرج في قضائها،
وقد مر في الصلاة. وإذا قدم المسافر، أو طهرت الحائض في بعض النهار: أمسكا بقية
يومهما، وقال الشافعي بدله: لا يجب الإمساك، وعلى هذا الخلاف كل من صار أهلاً
للزوم، ولم يكن كذلك في أول اليوم. هو يقول: التشبّه خَلَف، فلا يجب إلا على من
عن الصوم
يتحقُّق الأصل في حقه كالمفطر متعمداً أو مخطئًا.
عليه: سواء أكل قبل الزوال أو بعده، وكذا لو جامع، وبقول أبي حنيفة قال مالك والشافعي وأحمد . (البناية)
لأنه فوت إلخ: لأن قبل الزوال يجب الحكم موقوفاً على أن يصير صائماً قبل نصف النهار، فصار بأكله
مفَوِّناً لإمكان تحصيل الصوم، أما بعد الزوال فإمساكه غير موقوف على ذلك فلا يصير مفوتاً، فلا كفارة
عليه. [البناية ٧١٣/٣] كغاصب الغاصب: فإن المغصوب منه كما يضمن الغاصب الأول؛ لتفويت
الأصل، يضمن الغاصب الثاني؛ لتفويت الإمكان، والجواب لأبي حنيفة بالته عن هذا أن ضمان الغصب
ضمان العدوان، وذلك مما يحتاط في إثباته زجراً، وههنا الكفارة في معنى العقوبة، وهو مما يحتاط في درئه
واسقاطه فافترقا. [الكفاية ٢٨٩/٢] امتناع: عنه لا إفساد؛ لأنه يستدعي سابقة الشروع. (فتح القدير)
نُفست: بضم النون أي صارت نفساء، ونفست بفتح النون أي حاضت. (الكفاية) الصلاة: في باب
الحيض. (البناية) كل من صار إلخ: مثل الكافر يسلم، والصبي يَبلغ، والمجنون يُفيق في بعض النهار، فإنهم
يُؤمرون بالإمساك بقية يومهم خلافاً للشافعي. [البناية ٧١٤/٣] أو مخطئًا: والمراد بالمخطئ من فسد
صومه بفعله المقصود، دون قصد الإفساد، كمن تسحر على ظن عدم الفجرة أو أكل يوم الشك، ثم ظهر
أنه الفجر، أو رمضان. [فتح القدير ٢٨٩/٢ - ٢٩٠]
١٣٠
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
ولنا: أنه وجب قضاء لحق الوقت لا خلفاً؛ لأنه وقت معظم، بخلاف الحائض
والنفساء والمريض والمسافر حيث لا يجب عليهم حال قيام هذه الأعذار؛ لتحقق المانع
عن التشبه حسب تحقّقه عن الصوم. قال: وإذا تسخَّر وهو يظن أن الفجر لم يطلع،
فإذا هو قد طلع، أو أفطر وهو يُرَى أن الشمس قد غربت، فإذا هي لم تَغْرُب: أمسك
بقية يومه؛ قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن أو نفياً للتهمة. وعليه القضاء؛ لأنه حق
مضمون بالمثل، كما في المريض والمسافر. ولا كفارة عليه؛
لأنه وقت معظم: ولهذا وجبت الكفارة على المفطر فيه عمداً دون غيره، وإذا كان معظماً وجب قضاء
حقه بالصوم إن كان أهلاً وبالإمساك إن لم يكن خلفاً. [البناية ٧١٥/٣] وتعظيمه بعدم الأكل فيه إذا لم يكن
المرخص قائماً. [فتح القدير ٢٩٠/٢] الأعذار: وهي الحيض والنفاس والمرض والسفر. (البناية)
لتحقق المانع عن التشبه: أما في الحائض والنفساء: فإن الصوم عليهما حرام، والتشبه بالحرام حرام. وأما
في المريض والمسافر: فلأن الرخصة في حقهما باعتبار الحرج، فلو ألزمنا التشبه عاد على موضوعه
بالنقض. [البناية ٧١٥/٣] تحققه: أي مثل تحقق المانع عن الصوم. (البناية) وهو يُرى: على البناء للمفعول
من الرأي بمعنى الظن، لا الرؤية بمعنى اليقين. (فتح القدير)
أمسك بقية يومه: هذه المسألة تتضمن أحكاماً خمسة: أحدها: أنه يفسد صومه إلا علی قول ابن أبي ليلى،
فإنه يقيسه على الناسي. والثاني: أن عليه قضاء اليوم؛ لأنه فوَّت الأداء بعد تقرر السبب. والثالث: أنه
لا كفارة عليه؛ لما ذكر في الكتاب. والرابع: أنه يمسك بقية يومه؛ لما ذكر. والخامس: أنه لا إثم عليه؛
لقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْيِهِ﴾. الممكن: وهو الإمساك.
أو نفياً للتهمة: فإنه لو أكل ولا عذر به، يتهمه الناس بالفسق والفجور. والتحرز عن موضع التهمة
واجب؛ للحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم". [الكفاية ٢٩٠/٢]
بالمثل: أي لأن فوات الأداء حق مضمون بالمثل شرعاً، فإذا فوته قضاه. (البناية) والمسافر: أي كما يقضي
المريض والمسافر بقدر مرضه والمسافر بقدر قدومه مصره. (البناية)
١٣١
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
لأن الجناية قاصرة؛ لعدم القصد، وفيه قال عمر له: "ما تجانفنا لإثم، قضاء يوم
علينا يسير"، * والمراد بالفجر: الفجر الثاني، وقد بيناه في الصلاة. ثم التسخّر مستحب؛
لقوله عليه: " تسخَّروا فإن في السُّحور بركة"، ** والمستحب تأخيره؛
لأن الجناية قاصرة: ليس هنا جناية أصلاً؛ لأنه لم يقصد، وقد صرحوا بعدم الإِثم عليه، اللهم إلا أن يراد
أن عدم تثبته إلى أن يستيقن جناية فيكون المراد جناية عدم التثبت لاجناية الإفطار. [فتح القدير ٢٩٠/٢]
ما تجانفنا لإثم: أي مايلنا إليه ولا تعمدناه ونحن نعلمه وكل مائل، فهو متجانف، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ
◌َخَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفَ﴾ أي ميلاً. [البناية ٧١٨/٣] الثاني: وهو الفجر الصادق، وهو المعتبر في الصلاة
والصوم لا الفجر الكاذب. (البناية) الصلاة: في باب المواقيت. (البناية)
فإن في السُّحور بركة: وقيل: المراد بالبركة: حصول التقوى به على صوم الغد بدليل ما روي عنه
**: "استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل وبأكل السحور على صيام النهار". أو المراد زيادة الثواب لاستنانه
بسنن المرسلين، قال : "فرق ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحر"، ولا منافاة فليكن المراد
بالبركة كلا من الأمرين، والسحور ما يؤكل في السحر، وهو السدس الأخير من الليل. وقوله في "النهاية": هو
على حذف مضاف تقديره: في أكل السُّحور بركة؛ بناء على ضبطه بضم السين جمع سَحَر، فأما على فتحها،
وهو الأعرف في الرواية، فهو اسم للمأكول في السحر، كالوَضوء بالفتح ما يتوضأ به، وقيل: يتعين الضم؛ لأن
البركة ونيل الثواب إنما يحصل بالفعل لا بنفس المأكول. [فتح القدير ٢٩١/٣] تأخيره: إلى آخر الليل. (البناية)
* قول عمر ﴾: أخرج ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" عن زيد بن وهب قال: أُخرجت عساس من بيت حفصة
وعلى السماء سحاب فظنوا أن الشمس قد غابت فأفطروا فلم يلبثوا أن تجلى السحاب فإذا الشمس طالعة،
فقال عمر ﴿: ما تجانفنا من إثم، وفي رواية قال: إنا لم تبحثكم راعياً إنما بعثنا داعياً وقد اجتهدنا وقضاء يوم
يسير. [٢٤/٣، باب ما قالوا في الرجل يرى أن الشمس قد غربت] وكذلك أخرجه البيهقي في "السنن
الكبرى". [٢١٧/٤، باب من أكل وهو يرى أن الشمس قد غربت ثم بان أنها لم تغرُب]
** أخرجه الجماعة إلا أبا داود. [نصب الراية ٤٧٠/٢] أخرج البخاري في صحيحه عن عبد العزيز بن صهيب
قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال النبي : "تسحروا فإن في السحور بركة". [رقم: ١٩٢٣،
باب بركة السحور من غير إيجاب
١٣٢
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
لقوله عليها: "ثلاث من أخلاق المرسلين: تعجيل الإفطار وتأخير السحور، والسواك" .*
إلا أنه إذا شك في الفجر، ومعناه: تساوي الظَّنَّن، فالأفضل: أن يدع الأكلَ؛
تحرزاً عن المحرَّم، ولا يجب عليه ذلك، ولو أكل: فصومه تام؛ لأن الأصل هو الليل.
وعن أبي حنيفة بحثه: إذا كان في موضع لا يستبين الفجر، أو كانت الليل مقمرةً، أو
٠
ذات قمر
متغيمة، أو كان ببصره علة وهو يشك لا يأكل، ولو أكل فقد أساء؛ لقوله عليها: " دع
ذات غیم
ما يريبك إلى ما لا يريبك"، ** وإن كان أكبر رأيه أنه أكل والفجرُ طالع،
إلا أنه: استثناء من قوله: "ثم التسخُّر مستحب". (فتح القدير) ومعناه تساوي الظنين: أي معنى الشك.
قيل: هذه العبارة فيها مسامحة؛ لأن الظن رجحان الاعتقاد، فكيف يكون بقاء الليل عنده راجحاً على طلوع
الفجر، وطلوع الفجر راجحاً على بقاء الليل، والظن هو راجح و المرجوح وهم، فكيف يتساويان، ومراده
بذلك تساوي الأمارتين. (البناية) ذلك: أي ترك السحور وروى الحسن بطله أنه يجب عليه ذلك؛ احتياطاً في
أمر الدين. [البناية ٧٢١/٣] تام: أي ما لم يتيقن أنه أكل بعد الفجر فيقضي حينئذ.(فتح القدير)
وعن أبي حنيفة سلكه: رواها الحسن عن أبي حنيفة ملكه. (البناية) يفيد المغايرة بين هذه وبين تلك الرواية،
فإن استحباب الترك لا يستلزم ثبوت الإساءة إن لم يترك بل يستلزم كون ذلك مفضولاً، وفعل المفضول
لا يستلزم الإساءة. [فتح القدير ٢٩٢/٢]
* أخرجه الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن أبي الدرداء ظه، رفعه قال: "ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار،
وتأخير السحور، وضع اليمين على الشمال في الصلاة". [رقم: ٢٦١١، باب وضع اليد على الأخرى]
وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس تهما يقول: سمعت نبي
الله وُ ◌ّ قال: "إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سحورنا، ووضع أيماننا على شمائلنا في
الصلاة". [ رقم: ١١، ١٩٩/١١٤٨٥]
** أخرجه الترمذي في جامعه عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي: ما حفظت من
رسول الله ؟ قال: حفظت من رسول الله (ّ "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ..... الحديث. [رقم: ٢٥١٨،
باب حديث أعقلها وتوكل]
١٣٣
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
فعليه قضاؤه؛ عملا بغالب الرأي، وفيه الاحتياط، وعلى ظاهر الرواية: لا قضاء عليه؛
لأن اليقين لا يزال إلا بمثله. ولو ظهر أن الفجر طالع: لا كفارة عليه؛ لأنه بنى الأمر
على الأصل، فلا تتحقّقُ العمدية. ولو شك في غروب الشمس لا يحل له الفطر؛ لأن
الأصل هو النهار، ولو أكل: فعليه القضاء؛ عملاً بالأصل. وإن كان أكبر رأيه أنه أكل
قبل الغروب: فعليه القضاء رواية واحدة؛ لأن النهار هو الأصل، ولو كان شاكًّا فيه،
وتبيَّن أنها لم تغرب ينبغي أن تجب الكفارة؛ نظراً إلى ما هو الأصل وهو النهار. ومن
أكل في رمضان ناسياً، وظَنَّ أن ذلك يفطره، فأكل بعد ذلك متعمداً، عليه القضاء
◌َ
دون الكفارة؛ لأن الاشتباه استند إلى القياس، فتتحقق الشبهة. وإن بلغه الحديث*
الاحتياط: لأن قضاء ما ليس عليه أولى من قضاء ما عليه. (البناية) ظاهر الرواية: والليل أصل ثابت بيقين
فلا ينتقل عنه إلا بيقين، وصححه في "الإيضاح". (فتح القدير) طالع: أي لو ظهر طلوع الفجر فيما إذا
أكل، وفي أكبر رأيه أن الفجر طالع لا تجب عليه الكفارة. [البناية ٧٢٢/٣] فلا تتحقق: أي لا يتحقق
القصد على الإفطار في رمضان بظهور طلوع الفجر فلا تجب الكفارة. العَمْد بة: في بعض النسخ:
"العمديّة" بفتح العين وسكون الميم وكسر الدال وتشديد الياء، والأصح "العَمدُ به" بضم الدال "وبه" الجار
والمجرور. (البناية) واحدة: وفي الكفارة روايتان، ومختار الفقيه أبي جعفر لزومها. (فتح القدير)
ينبغي أن تجب الكفارة: إنما قال: ينبغي؛ لأن في وجوب الكفارة اختلاف المشايخ، وفي "الخلاصة": يلزمه
القضاء بالاتفاق، وفي وجوب الكفارة اختلاف، في "جامع شمس الأئمة": تلزمه الكفارة، وعن محمد الله:
لا يُكفّر. [البناية ٧٢٣/٣] استند إلى القياس: لأن القياس الصحيح يقتضي أن لا يبقى الصوم بانتفاء ركنه
بالأكل ناسياً فإذا أكل بعده عامداً لم يلاق فعله الصوم، فلا تجب عليه الكفارة. [العناية ٢٩٣/٢]
* وإن بلغه الحديث يشير إلى حديث: "تم على صومك". [نصب الراية ٤٧٢/٢] أخرجه أبوداود في سننه
عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ◌ُ ◌ّ فقال: يا رسول الله! إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم،
فقال: "أطعمك الله وسقاك". [رقم: ٢٣٩٨، باب من أكل ناسياً] ولفظ البخاري: قال: "إذا نسي فأكل
وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه". [رقم: ١٩٣٣، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً]
١٣٤
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
وعَلمَه، فكذلك في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة بحالته أنها تجب، وكذا عنهما؛ لأنه
لا اشتباه، فلا شبهة. وجه الأول: قيام الشبهة الحكمية بالنظر إلى القياس، فلا ينتفي
بالعلم كوطء الأب جاريةً ابنه. ولو احتجم، وظن أن ذلك يفطره، ثم أكل متعمداً:
عليه القضاء والكفارة؛ لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي إلا إذا أفتاه فقيه بالفساد؛
لأن الفتوى دليل شرعي في حقه. ولو بلغه الحديث*
ظاهر الرواية: أي لا يجب الكفارة، وصححه قاضي خان. (النهاية) لأنه: دليل الرواية الثانية.
فلا شبهة: لأنه لما علم معنى الحديث علم أن القياس متروك به فلم يشتبه عليه الحال. (البناية)
قيام الشبهة الحكمية: أي الشرعية، وهي شبهة المحل- وهو الصدم- ؛ لأن الشيء لا يبقى مع فوات
ركنه، يساوي في هذا الأصل العالم وغير العالم، فلا تجب الكفارة خصوصاً إذا تأيدت تلك الشبهة
باختلاف العلماء، فإن عند مالك ﴾ وابن أبي ليلى وربيعة الرأي: يفسد صومه بالأكل ناسياً، وهو
اختيار محمد بن مقاتل الرازي من أصحابنا، واختلاف العلماء يورث الشبهة. [البناية ٧٢٥/٣]
كوطء الأب جارية ابنه: والتحقيق في سقوط الحد عن الأب في الصورة المذكورة: أن قوله عليها: "أنت
ومالك لأبيك" يقتضي أن يكون مال الابن ملكاً للأب، لكن انتفى ذلك بدليل آخر، فبقيت الإضافة مورثة
الشبهة، وهي شبهة المحل، فاستوى فيها العلم وعدمه، فلم يجب الحد؛ لاسناد الشبهة إلى الأصل. [البناية ٧٢٥/٣]
ما استند: يعني فيما إذا لم يبلغه الحديث.(فتح القدير) إلى دليل شرعي: لأن الفساد إنما هو بوصول
شيء إلى باطنه، أو بقضاء شهوة ولم يوجد. (النهاية) فقيه: استثناء من قوله: "والكفارة" يعني لا تجب
الكفارة على المحتجم إذا أكل بعد ما افتاه فقيه بفساد صومه بالحجامة، وقال الكالكي: فقيه من الحنابلة؛
لأن عندهم يفطر الحاجم والمحجوم بظاهر قوله : "أفطر الحاجم والمحجوم"، وقال المحبوبي: يشترط أن
يكون الفقيه ممن يؤخذ عنه الفتوى ويعتمد على فتواه في البلدة، ولا يعتبر بغيره هكذا روي الحسن عن
أبي حنيفة ﴾ وابن رستمّ مُمن محمد وبشر بن الوليد عن أبي يوسف . [البناية ٧٢٦/٣]
* قوله: "ولو بلغه الحديث" يشير إلى حديث أخرجه أبوداود في سننه عن ثوبان عن النبي وقال: أفطر
الحاجم والمحجوم. [رقم: ٢٣٦٧، باب في الصائم يحتجم] ومن الأحاديث الدالة على أن الاحتجام لا يفطر
ما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ◌ّما أن التي ◌ُّ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم.
[رقم: ١٩٣٨، باب الحجامة والقيء للصائم]
١٣٥
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
فاعتمده، فكذلك عند محمد بداله؛ لأن قول الرسول عليّلا لا ينزل عن قول المفتي.
وعن أبي يوسف بطله: خلاف ذلك؛ لأن على العامِي الاقتداءُ بالفقهاء؛ لعدم الاهتداء
في حقه إلى معرفة الأحاديث. وإن عرف تأويله تجب الكفارة؛ لانتفاء الشبهة، وقول
الأوزاعي له لا يورث الشبهة؛ لمخالفته القياس. ولو أكل بعد ما اغتاب متعمداً، فعليه
القضاء والكفارة کیفما کان؛ لأن الفطر يخالف القیاس، والحديث مؤوَّل بالإجماع.
ذلك: أي خلاف المذكور عن محمد وهو ما روى ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف منه إذا أفطر المحتجم
للحديث فعليه القضاء والكفارة. وإن عرف تأويله: حاصل المعنى: أن العامي إذا بلغه الحديث، وهو قوله عليها:
"أفطر الحاجم والمحجوم" وعرف تأويله ولم يعتمده، فأكل بعد ذلك عمداً تجب؛ لعدم الشبهة. (البناية)
وقول الأوزاعي إلخ: هذا جواب عن سؤال مقدر بأن يقال: لا نسلم أن منشاء الشبهة ذلك وحده، بل
قول الأوزاعي بذلك منشأ لها أيضاً، وبقوله: أن الحجامة تفطر الصائم قال أحمد أيضاً. فأجاب بأن قول
الأوزاعي لا يورث الشبهة في سقوط الكفارة؛ لمخالفته القياس، وهو أن الفطر مما يدخل لا مما يخرج. (البناية)
كيفما كان: يعني سواء ظن أن الغيبة فطرته، أو استفتيّ فقيهاً، فأفتاه بفساد صومه بالغيبة، أو تأوّيل
الحديث بأنها تفطره، فأكل بعد ذلك عمداً يجب عليه القضاء والكفارة. [البناية ٧٢٧/٣-٧٢٨]
القياس: قلت: وردت أحاديث فيكون الغيبة مفطرة للصائم، كلها مدخولة. (البناية)
والحديث مؤول بالإجماع: بذهاب الثواب فيصير كمن لم يصم، وحكاية الإجماع بناء على عدم اعتبار
خلاف الظاهرية في هذا، فإنه حادث بعد ما مضى السلف على أن معناه ما قلنا. [فتح القدير ٢٩٧/٢]
* يشير إلى حديث " الغيبة تفطر الصائم" وورد في ذلك أحایث کلها مدخولة. [نصب الراية ٤٨٢/٢] ومن
هذه الأحاديث ما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن أنس به قال: قال رسول الله ◌ُّ: ما صام من ظل
يأكل لحوم الناس. [٤/٣، باب ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب] وأخرجه أيضاً إسحاق بن
راهويه في "مسنده"، وزاد في حديثه إذا اغتاب الصائم فقد أفطر. [نصب الراية ٤٨٢/٢] وأخرج البيهقي في
"شعب الإيمان" عن ابن عباس ◌ّهما أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر وكانا صائمين، فلما قضى النبي ◌ُ ◌ّ
الصلاة قال: أعيدا وضوءكما وصلاتكما، وامضيا في صومكما، واقضياه يوماً آخر، قالا: لم يا رسول الله؟
قال: اغتبتم فلاناً. [رقم: ٦٧٢٩، ٣٠٣/٥، فصل فيما ورد من الإخبار في التشديد]
١٣٦
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
وإذا جومعت النائمة والمجنونة وهي صائمة: عليها القضاء دون الكفارة، وقال زفر
والشافعي بحمًّا: لا قضاء عليهما؛ اعتباراً بالناسي، والعذر هنا أبلغ؛ لعدم القصد، ولنا:
النائمة والمجنونة
أن النسيان يغلب وجوده، وهذا نادر، ولا تجب الكفارة؛ لانعدام الجناية.
فصل فيما يوجبه على نفسه
وإذا قال: لله عليَّ صوم يوم النحر: أفطر وقضى، فهذا النذر صحيح عندنا، خلافاً لزفر
والشافعي دحمًا، هما يقولان: إنه نذر بما هو معصية؛
والمجنونة: وفي نسخة: أو. قيل: كانت في "الأصل" المجبورة، فصحَّفها الكتاب إلى المجنونة، وعن الجوزجاني:
قلت محمد سه: المجنونة کیف تكون صائمة؟ وهي مجنونة، فقال لي: دع هذا، فإنه انتشر في الآفاق، وعن
عيسى بن أبان: قلت لمحمد بطلبه: هذه المجنونة؟ فقال: لا، بل المجبورة أي المكرهة. قلت: ألا نجعلها مجبورة؟
فقال: بلى، ثم قال: كيف؟ وقد صارت بها الركاب! دعوها. فهذان يؤيدان كونه كان في الأصل المجبورة،
فصحف ثم لما انتشر في البلاد لم يفد التغيير والإصلاح في نسخة واحدة، فتركها؛ لإمكان توجيهها أيضاً،
وهو بأن تكون عاقلة نوت الصوم، فشرعت ثم جنت في باقي النهار، فإن الجنون لا ينافي الصوم، إنما ينافي
شرطه، أعني النية، وقد وجد في حال الإفاقة فلا يجب قضاء ذلك اليوم إذا أفاقت. [فتح القدير ٢٩٧/٢]
والعذر هنا أبلغ: أي العذر في النوم والجنون أبلغ من العذر في النسيان؛ لأن الناسي قاصد للأكل،
والنائمة والمجنونة لا قصد منهما أصلاً. وهذا: أي جماع النائمة والمجنونة (البناية) الجناية: لعدم القصد،
وبقول زفر والشافعي قال أبو حنيفة بدله في رواية. (البناية) فصل: ولما فرغ من بيان ما يوجبه الله تعالى شرع في
بيان ما يوجبه العباد على أنفسهم، إذ إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وفي "النهاية": والأصل ما ذكره
شيخي أن النذر لا يصح إلا بثلاث شرائط في الأصل، إلا إذا أقام الدليل على خلافه. أحدها: أن يكون الواجب
من جنس ما أوجبه الله تعالى. والثاني: أن يكون مقصوداً لا وسيلةً. والثالث: أن لا يكون واجباً عليه في الحال،
أو ثاني الحال، فلذلك لم يصح النذر بعيادة المريض؛ لانعدام الشرط الأول، ولا بالوضوء، وسجدة التلاوة؛
لانعدام الشرط الثاني، ولا بصلاة الظهر وغيرها من المفروضات؛ لانعدام الشرط الثالث. [البناية ٧٣٠/٣]
عندنا: لكونه نذراً بما هو مشروع فيجب القضاء صيانة له. (البناية)
١٣٧
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
لورود النهي عن صوم هذه الأيام .* ولنا: أنه نذر بصوم مشروع، والنهي لغيره، وهو
ترك إجابة دعوة الله تعالى، فيصح نذره لكنه يفطر؛ احترازاً عن المعصية المجاورة، ثم
يقضي؛ إسقاطاً للواجب، وإن صام فيه يخرج عن العهدة؛ لأنه أدَّاه كما التزمه. وإن
يوم النحر
نوى يمينا، فعليه كفارة يمين يعني إذا أفطر، وهذه المسئلة على وجوه ستة: إن لم ينو شيئا،
الوجه الأولِ
أو نوی النذر لا غیر، أو نوی النذر، ونوی ان لا یکون یمینا، یکون نذرا؛ لأنه نذر
بصيغته، کیف؟ وقد قرره بعزيمته، وإن نوی اليمين ونوى أن لا يكون نذراً يكون يميناً؛
الوجه الثالث
الوجه الثاني
الوجه الرابع
عن صوم هذه الأيام: وفي بعض النسخ: عن صوم يوم النحر، وهو الأنسب بوضع المسألة. [فتح القدير ٢٩٨/٢]
والنهي لغيره: وهذا؛ لأنه عليّ نهى عن صوم هذا اليوم، وموجب النهي الانتهاء، والانتهاء عما لا يتكون
لا يتصور، وتكون المشروع بشرعيته وقد نهى عن صوم شرعي، فيستدعي شرعيته؛ ولأن موجب النهي
الانتهاء على وجه يكون للعبد فيه اختيار بين أن ينتهي فيثاب عليه، وبين أن يرتكب فيعاقب عليه، وذا
لا يتحقق إذا لم يبق الصوم مشروعاً، والنهي لمعنى في غير الصوم، لكن في وصفه، وهو الإعراض عن
الضيافة الموضوعة في هذا الوقت؛ لأن هذه الأيام أيام ضيافة بالقرابين، ويوم الفطر يوم أكل موافقة للفقراء
والمساكين، فصار الأكل قربة بوصفه وهو شهوة بأصله، فصار الكف عنه قربة بأصله معصية بوصفه،
فيبقى مشروعاً كالصلاة في الأرض المغصوبة. [الكفاية ٢٩٨/٢-٢٩٩]
التزمه: كما إذا نذر أن يصلي عند طلوع الشمس فله أن يصلي في وقت آخر، فإذا صلى في ذلك الوقت
خرج عن عهدته؛ لأنه أداه كما التزمه. (البناية) وإن نوى يميناً: الفرق بين النذر واليمين، أن في النذر يلزمه
القضاء دون الكفارة، وفي اليمين تجب الكفارة دون القضاء. [البناية ٧٣١/٣] يكون نذراً: فتعين النذر في
الوجه الأول بلا نية؛ لكونه حقيقة كلامه، وفي الوجه الثاني تعين بطريق الأولى؛ لأنه قرّر النذر بعزيمته، وفي
الثالث: أولى وأحرى بكونه مراداً؛ لأنه قرّر النذر بعزيمته ونفى غيره أن يكون مرادً. [البناية ٧٣٢/٣]
* يشير إلى حديث عمر. [ نصب الراية ٤٨٣/٢] أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي عبيد مولى ابن
أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فيه فقال: هذان يومان نهى رسول الله ◌ُّ عن صيامهما
يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه نُسكَكم. [رقم: ١٩٩٠، باب صوم يوم الفطر]
١٣٨
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
لأن اليمين محتملٌ كلامَه، وقد عيَّه، ونفى غيره، وإن نواهما: يكون نذراً ويميناً عند
الوجه الخامس
أبي حنيفة ومحمد رحمها. وعند أبي يوسف خلافاً لزفر والشافعي دعمها، يكون نذراً، ولو
نوى اليمين، فكذلك عندهما، وعنده يكون يمينا. لأبي يوسف بالله أن النذر فيه
الوجه السادس
حقيقة، واليمين مجاز حتى لا يتوقف الأول على النية، ويتوقف الثاني فلا ينتظمهما، ثم
المجاز يتعين بنَّته، وعند نيتهما تترجَّح الحقيقةُ. ولهما: أنه لا تنافي بين الجهتين؛
محتمل كلامه: فيه بحث لما عرف أنه إذا نوى ما يحتمله اللفظ، وهو في غيره ظاهر يؤخذ بالظاهر،
ولا يصدق في صرف هذا الاسم، كما إذا قال: عمرة طالق، وله امرأة معروفة بـ "عمرة"، وقال: أردت
غيرها تطلق. وجوابه: إنما لا يصدق في الصرف عن الظاهر إذا كان هناك مكذب، وفي مسألة الطلاق
مكذب، ولا مكذب ههنا. عينه: أي وقد عيّن المحتمل بنيته ونفى غيره فصار المحتمل هو المراد. (البناية)
يميناً: حتى لو لم يصم يجب القضاء والكفارة، القضاء باعتبار النذور والكفارة باعتبار اليمين. [البناية ٧٣٢/٣]
فكذلك: أي فكذلك يكون نذراً ويميناً كما في الوجه الثالث. (البناية)
فلا ينتظمهما: أي فلا ينتظم كلامه النذر واليمين معاً؛ لأنه يلزمه الجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد
وهو لا يجوز، وذلك كما في قوله لامرأته: أنتِ عليّ حرام، إن نوى به الطلاق، كان طلاقاً، وإن نوى به
اليمين، كان يميناً فلا يجتمعان. (البناية) المجاز: أراد أنه إذا أراد المجاز يتعيّن بنيته، وتبطل الحقيقة حينئذ؟
لامتناع الجمع بينهما. (البناية) نيتهما: أي وعند نية النذر واليمين معاً. (البناية) الحقيقة: وهو النذر فلا يكون
المجاز مراداً، فإذا نوى اليمين تعين المجاز بنيته فلا تكون الحقيقة مرادة. [البناية ٧٣٣/٣]
لا تنافي بين الجهتين: أي جهة النذر واليمين؛ لأنهما يقتضيان الوجوب إلا أن النذر يقتضيه لعينه؛ لأن
هذه اللفظة للإيجاب، ولقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، واليمين لغيره، وهو صيانة اسم الله تعالى عن الهتك،
أو صيانة ما أوجبه على نفسه عن الحلف فلا تنافي بينهما، وهذا معنى ما ذكر في" الإيضاح " أن النذر
للإيجاب في الذمة، والوجوب في الذمة يلزم الخروج عن العهدة، واليمين يؤكد معنى اللزوم، فلم يكن بين
الموجبين تناف؛ لأن ما يؤكد الشيء لا ينافيه، فإذا نوى اليمين يراد بهما نفس الايجاب ويكون عملاً
بعموم المجاز لا جمعاً بينهما. [الكفاية ٣٠٠/٢]
١٣٩
باب ما يُوجب القضاء والكفارة
لأنهما يقتضيان الوجوب، إلا أن النذر يقتضيه لعينه، واليمين لغيره، فجمعنا بينهما عملا
بالدليلين، كما جمعنا بين جهتي التبرّع والمعاوضة في الهبة بشرط العوض. ولو قال: لله
عليّ صوم هذه السنة: أفطر يوم الفطر ويومَ النحر وأيام التشريق، وقضاها؛ لأن النذرَ
بالسنة المعينة نذرٌ بهذه الأيام، وكذا إذا لم يعِّن لكنه شرطَ التتابُعَ؛ لأن المتابعة لا تعرى
عنها. لكن يقضيها في هذا الفصل موصولة؛ تحقيقاً للتتابع بقدر الإمكان. ويتأتى في هذا
خلاف زفر والشافعي بحمثًا؛ للنهي عن الصوم فيها، وهو قوله عليا: "ألا لا تصوموا في
هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل وشرب وبعال"،* وقد بينا الوجهَ فيه، والعذرَ عنه.
وقاع النساء
في الهبة بشرط العوض: جعل هبة في الابتداء للفظ الهبة، وبيعاً في الانتهاء؛ لدلالة المعاوضة، ولهذا يصح
الرجوع قبل القبض؛ اعتباراً للتبرع، وثبتت الشفعة بعد القبض؛ اعتباراً بالبيع، فلم يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز
لاختلاف الجهة فكذا فيما نحن فيه. [البناية ٧٣٤/٣] قال: وكذلك إذا أراد أن يقول: كلاماً، فجرى على لسانه
النذر لزمه؛ لأن هزل النذر جد كالطلاق. (فتح القدير) أفطر: ثم عبارة الكتاب تفيد الوجوب لما عرف، وقوله
في " النهاية": الأفضل فطرها حتى لو صامها خرج عن العهدة، تساهل، بل الفطر واجب لاستلزام صومها
المعصية. [فتح القدير ٣٠١/٢] لم يعين: السنة يعني لم يقل هذه السنة بل قال: لله عليّ صوم سنة. (البناية)
في هذا الفصل: أي في هذه الصورة احتراز من الفصل الذي قبله، وهو ما إذا عيّن السنة، فإنه لا تجب
موصولة؛ لأن التتابع هناك غير منصوص عليه، ولا ملتزم قصداً. [فتح القدير ٣٠٢/٢]
زفر والشافعي بحثا: يعني لا تقضي عندهما. (البناية) وقد بينا الوجه فيه: أي في صحة النذر بصوم هذه
الأيام، والعذر عنه أي عن قوله (3 3: "ألا لا تصوموا في هذه الأيام". [الكفاية ٣٠٢/٢]
*
روي من حديث ابن عباس ھم، ومن حديث أبي هريرة ◌ُه، ومن حديث عبد الله بن حذافة، ومن
حديث أم خلدة الأنصاري. [نصب الراية ٤٨٤/٢]. أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" حديث ابن عباس بحمثا
عن عكرمة عن ابن عباس هما أن رسول الله * أرسل أيام منى صائحاً يصيح أن لا تصوم هذه الأيام،
فإنها أيام أكل وشرب وبعال. والبعال وقاع النساء. [رقم: ١١٥٨٧-٢٣٢/١١]