النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢٠
باب صفة الصلاة
ے
وإن كان منفردا، فهو مخير، إن شاء جهر وأسمع نفسه؛ لأنه إمام في حق نفسه، وإن
شاء خافت؛ لأنه ليس خلفه من يسمعه، والأفضل هو الجهر؛ ليكون الأداء على
هيئة الجماعة. ويُخفيها الإِمامُ في الظهر والعصر وإن كان بعَرَفة؛ لقوله : "صلاة
النهار عجماء* أي ليست فيها قراءةٌ مسموعة،
فهو مخير: يعني أنه إمام من وجه دون وجه؛ لأنه إمام في حق نفسه دون غيره، والجهر من خواص الإمامة، فخير بين
أن يجهر، ويكتفي بأدنى الجهر، وهو إسماع نفسه؛ لأن المقصود من الجهر التفكر في آيات الله تعالى، وهو يحصل في
حقه بإسماع نفسه، فلا يزيد عليه، وإن شاء خافت؛ اعتباراً لجانب عدمها. وإن كان يؤدي الفريضة السرية، فظاهر
الرواية أنه أيضاً مخير بين الجهر والسر؛ لأن وجوب السر من خصائص الجماعة، وإذ ليست فليس، وذكر الناطفي
في "واقعاته": رواية عن أبي حنيفة أن المنفرد إذا جهر فيما يخافت يجب عليه سجود السهو. [السعاية ٢٦٩/٢]
وأسمع نفسه: إنما ذكر قوله: وأسمع نفسه؛ دفعاً لما يقال: فائدة الجهر الإسماع، ولا إسماع ههنا؛ إذ ليس معه
احد یسمعه، ووجهه: أن الفائدة لم تنحصر في إسماع الغير، بل من فائدته إسماع نفسه، فيجهر لذلك، أو بيان
للحكم وهو أن لا يجهر ههنا كل الجهر؛ إذ ليس معه أحد يسمعه بل يأتي بأدنى الجهر. [العناية ٢٨٣/١]
في حق نفسه: لأن الإمام يقرأ وهو أيضاً يقرأ، والإمام غير مقتد بغيره فكذلك هذا. (البناية)
لأنه ليس إلخ: كناية عن أنه ليس إماماً في الواقع. ليكون الأداء إلخ: فيه دليل على أن الجهر هو إسماع
الغير؛ لأن هيئة الجماعة هو الجهر بمعنى إسماع الغير؛ إذ المقصود تدبر القوم، ولا يحصل إلا بإسماعهم.
صلاة النهار: عام مخصوص خص منه الجمعة والعيدين. (العناية) عَجمَاء: هو من العجم، وهو الخلو،
فالعجماء من هو خال عن النطق. ليست فيها قراءة: ظاهر الحديث يدل على أنه لا قراءة في صلاة
النهار، وهو قول ابن عباس، ولكنا لما عرفنا وجوبَ القراءة فيها بقول النبي ◌ُّ: "لا صلاة إلا بقراءة"،
وبما روي عن النبي ◌ّ أنه كان يسمع الآية والآيتين أحياناً في الظهر، وأنه يضطرب لحيته في صلاة الظهر
والعصر، حملناه على أنه ليس فيها قراءة مسموعة.
* هذا ليس بحديث مرفوع عن النبي ◌ُ ◌ّ، ورواه عبدالرزاق في مصنفه من قول مجاهد وأبي عبيدة. [البناية ٣٤٣/٢]
أخرج عبد الرزاق في مصنفه قول أبي عبيدة عن معمر عن عبدالكريم الجزري قال: سمعت أبا عبيدة يقول:
صلاة النهار عجماء. [رقم: ٤٢٠١، باب ترديد الآية في الصلاة وباب قراءة النهار] قلت: رجاله كلهم
ثقات، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري ثقة من رجال الجماعة كذا في "التهذيب". [إعلاء السنن ١٢/٤] =

٢٢١
باب صفة الصلاة
وفي عرفة خلاف مالك، والحجة عليه ما رويناه. ويجهر في الجمعة والعيدين؛ لورود
القراءة
النقل المستفيض بالجهر،* وفي التطوع بالنهار يُخافتُ، وفي الليل يَتَخَّرُ؛ اعتباراً
بالفرض في حق المنفرد، وهذا لأنه مکمل له، فیکون تبعاً له.
خلاف مالك: وقال مالك: يجهر الإمام فيهما في عرفة؛ لأن الصلاة هناك تقام بجمع عظيم فيجهر فيها
كما في الجمعة. [العناية ٢٨٤/١] بالجهر: فإنه روي أن النبي ◌ُّ جهر فيهما. يخافت: أي يخفى حتماً
حتى يكره الجهر للأثر المذكور. (البناية) مكمل له: أي للفرض. وروي أن العبد أول ما يحاسب عن
الصلاة فإن كان ترك منها شيئاً يقال: "انظروا إلى عبدي هل تجدون له نافلة"، فإن وجدت كملت
الفرائض منها وأدخل الجنة. [البناية ٣٤٥/٢]
= وكذلك أخرج عبدالرزاق قول مجاهد عن ابن جريج قال: قال مجاهد: صلاة النهار عجماء. [رقم: ٤٢٠٠،
باب ترديد الآية في الصلاة وباب قراءة النهار] قلت: رجاله كلهم ثقات، وهذا مما لا يدرك بالرأي فقول
التابعي فيه مرفوع مرسل حكماً. [إعلاء السنن ١٢/٤] وقال في " إعلاء السنن": هذا وإن كان من قول
التابعي فهو مما لا يقال بالرأي ولا مجال للقياس فيه، فُيُحمل على السماع كما قدّمنا، لاسيما وقد تأید بمرسل
يحيى بن أبي كثير قال: يارسول الله! إن ههنا قوماً يجهرون بالقراءة بالنهار، فقال: "أرموهم بالبعر"، وتأيد أيضاً
بمواظبته 3 على إخفاء القراءة بالنهار فقول من قال: "إن صلاة النهار عجماء باطل لا أصل له"، غير صحيح
إلا أن يراد رفعه حقيقة باطل، فيصح. [إعلاء السنن ١٢/٤] وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي معمر قال:
قلنا لخباب: أكان رسول الله وَظَّ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، فقلنا: بم كنتم تعرفون ذاك؟ قال:
باضطراب لحيته. [رقم: ٧٤٦، باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة]
* أخرج مسلم في صحيحه عن ابن أبي رافع قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة وخرج إلى مكة
فصلى لنا أبوهريرة يوم الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة إذا جاءك المنافقون، قال: فأدركت
أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة، فقال
أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ◌ٌّ يقرأ بهما يوم الجمعة. [رقم: ٢٠٢٦، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة]
وأخرج الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن الحارث عن علي قال: الجهر في صلاة العيد من السنة، رواه
الطبراني في "الأوسط". والحارث ضعيف. [رقم: ٣٢٤٣، باب منه أي باب القراءة في صلاة العيد] قلت:
قد مرأنه مختلف فيه، وأنه حسن الحديث فلا يضر الكلام فيه. [إعلاء السنن ١٩/٤]

٢٢٢
باب صفة الصلاة
ومن فاتَتْه العشاء، فصلاها بعد طلوع الشمس، إن أمَّ فيها جهر، كما فعل رسول الله وَيُّ
الصلاة الجهرية
حين قضى الفجرَ غداة ليلة التعريس بجماعة . * وإن كان وحده خَافْتَ حتماً، ولا يتخير،
هو الصحيح؛ لأن الجهرَ يختص إمَّا بالجماعة حتماً، أو بالوقت في حق المنفرد على وجه
التخيير، ولم يوجد أحدُهما. ومن قرأ في العشاء في الأُولَيْن السورةَ،
ومن فاتته إلخ: وليس في بعض النسخ قوله: ومن فاتته العشاء إلى قوله: ومن قرأ في العشاء، والصواب
ذكرها؛ لأنها من أصل مسائل "الجامع الصغير" حيث قال فخر الإسلام في "الجامع الصغير": هذه المسألة
مسألة هذا الكتاب، والمصنف التزم ذكر مسائل "الجامع الصغير". [العناية ٢٨٥/١] بعد طلوع: قيد به؛ لأنه
لو صلاها قبل طلوع الشمس بعد طلوع الفجر لا يستحب الجهر بالقراءة؛ لما فيه من اشتباه الأمر على
الناس أنه يصلي صلاة الفجر، أم صلاة العشاء، كذا قال صاحب "الفوائد": وفيه أنه منقوض بما إذا قضى
العشاء بالجماعة في وقت العشاء، فإنه يجهر فيها، مع أن فيه اشتباه الأمر على الناس أنه يصلي الوقتية، أو
الفائتة، فالوجه أن يقال: إنه قيده به يبين أن المعتبر في حكم الجهر والمخافتة حالة الأداء، لا حالة القضاء،
وحالة أداء العشاء حالة الجهر؛ لأنها من صلاة الليل، وبعد طلوع الشمس حالة المخافتة، ومع ذلك يجهر
فيها؛ اعتباراً بحالة الأداء، بخلاف قبل طلوع الشمس فإنه أيضاً حالة الجهر.
هو الصحيح: قال صاحب "النهاية": مخالف لما ذكره شمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام، وقاضي
خان، والتمرتاشي، والمحبوبي في شروحهم "الجامع الصغير". (العناية) إما بالجماعة إلخ: فتقديره: أن الجهر
إما أن يكون واجباً، أو جائزاً، وسبب الأول الجماعة، والفرض ههنا عدمه، وسبب الثاني الوقت،
والفرض عدمه، فتعين الإخفاء. [العناية ٢٨٥/١]
* أخرجه محمد بن الحسن في "كتاب الآثار" عن إبراهيم قال: عرّس رسول الله ◌ُّ ليلة فقال: من يحرسنا
الليلة؟ فقال رجل من الأنصار شاب: أنا يا رسول الله أحرسكم، فحرسهم حتى إذا كان مع الصبح غلبته
عينه فما استيقظوا إلا بحرّ الشمس، فقام رسول الله وطة، فتوضأ وتوضأ أصحابه، وأمر المؤذن فأذن فصلى
ركعتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الفجر بأصحابه وجهر فيها بالقراءة كما كان يصلي بها في وقتها، قال
محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة له. [رقم: ١٦٨، باب النوم قبل الصلاة وانتقاض الوضوء منه]

٢٢٣
باب صفة الصلاة
ولم يقرأ بفاتحة الكتاب لم يُعد في الأُخْرَبَيْن، وإن قرأ الفاتحةَ ولم يَزِد عليها: قرأ في
الأُخْرَبَيْن الفاتحةَ والسورة، وجهر، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمها. وقال أبو يوسف
حاله: لا يقضى واحدة منهما؛ لأن الواجب إذا فات عن وقته لا يُقضَى إلا بدليل.
ولهما - وهو الفرق بين الوجهين -: أن قراءة الفاتحة شُرعَت على وجه يَتَرَّتَّب عليها
السورةُ، فلو قضاها في الأُخْرَبَيْن تترتب الفاتحةُ على السورة، وهذا خلاف الموضوع،
بخلاف ما إذا ترك السورةَ؛ لأنه أمكن قضاؤها على الوجه المشروع. ثم ذكر ههنا ما
الکتاب
يدل على الوجوب، وفي "الأصل" بلفظة الاستحباب؛ لأنها إن كانت مؤخرة،
السورة
المبسوط
لم يُعد في الأخريين: وقال عيسى بن أبان: ينبغي أن يكون الجواب على العكس إذا ترك الفاتحة يقضيها في
الأخريين، وإن ترك السورة لا يقضي، ووجه ذلك: أن قراءة الفاتحة واجبة، وقراءة السورة غير واجبة،
والواجب أولى بالقضاء. وجه ظاهر الرواية: أن قراءة الفاتحة واجبة في الأوليين وكذا السورة معها حتى لو ترك
إحداهما ساهياً كان عليه سجود السهو قضاها في الشفع الثاني أو لم يقض، وسجود السهو لا يجب إلا بترك
الواجب أو بتأخيره إلا أن الشفع الثاني محل لأداء الفاتحة فإن قرأ الفاتحة فيه مرة يكون أداء، وإلا يكون قضاء،
وإن قرأها مرتين كان بدعة؛ لأن تكرار الفاتحة في قيام واحد غير مشروع، فلهذا لا تقضى الفاتحة بخلاف
السورة؛ لأن الشفع الثاني ليس محل الأداء للسورة، فجاز أن يكون محلاً للقضاء. [الكفاية ٢٨٦/١]
وجهر: بهما على الصحيح. (العناية) هذا عند أبي حنيفة إلخ: وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رسولالله
أنه يقضيهما. (الكفاية) لا يقضى واحدة منهما: أما الفاتحة فلما يذكر، وأما السورة فلأنها سنة في
الأوليين، وما كان سنة في وقتها كان بدعة في غير وقتها، فلا تقضي. (الكفاية)
لأن الواجب إلخ: إنما قيد بالواجب؛ لأن الفرض يقضى. لايقضى: ووجه ذلك: أن قضاء الواجب
أمر ليس معقول المعنى، فيقصر على مورد النص. ما يدل على الوجوب: لأنه قال: قرأ فيكون بمنزلة
الأمر بل أكد. (العناية) بلفظة الاستحباب: لأنه قال: إذا ترك السورة في الأوليين أحب إليّ أن يقضيها.
إن كانت مؤخرةٌ إلخ: ولم يذكر الشق الآخر، وهو أن تكون السورة متقدمة على الفاتحة لبعده؛ لأنه
يفضي إلى غير مشروع آخر، وهو تقديم السورة على الفاتحة، وإن ذهب إليه بعضهم. [العناية ٢٨٧/١]

٢٢٤
باب صفة الصلاة
فغيرُ موصولة بالفاتحة، فلم يمكن مراعاة موضوعها من كل وجه. ويجهر بهما
و
هو الصحيح؛ لأن الجمعَ بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة شنيعٌ، وتغييرُ النفل.
وهو الفاتحة أولى. ثم المخافتة: أن يُسمِعَ نفسَهَ، والجهر: أن يُسمِعِ غيرَه، وهذا عند
الفقيه أبي جعفر الهندواني بحظه؛ لأن مجردَ حركة اللسان لأُيُسمَّى قراءةً بدون الصوت.
لا عرفا ولا لغة
وقال الكرخي: أدنى الجهر أن يُسمِعَ نفسَه، وأدنى المخافتة تصحيحُ الحروف؛
بالفاتحة: الأولى؛ لوقوع الفصل بالفاتحة الثانية أي فهي غير موصولة بالفاتحة؛ لأن السورة في الثانية
والفاتحة في الأولى. [البناية ٣٥١/٢] هو الصحيح: هو ظاهر الرواية احترازاً عما عن أبي حنيفة أنه لا يجهر
أصلاً؛ لأن الجمع شنيع وتغيير السورة أولى؛ لأن الفاتحة في محلها وليست تبعاً للسورة، وعنه يجهر بالسورة
دون الفاتحة؛ مراعاةً لصفة كل منهما، ولايكون جمعاً تقديراً للالتحاق بمجلها من الأوليين، وصححه
التمرتاشي وجعله شيخ الإِسلام الظاهر من الجواب. [فتح القدير ٢٨٧/١-٢٨٨] أولى: أي تغير الفاتحة
عن محلها أولى من تغير السورة عن محلها وهي واجبة.
أن يُسمِعَ غيرَه: تفسير الجهر والمخافتة بما ذكر هو الصحيح، أما دراية؛ فلأن القراءة وإن كانت فعل
اللسان لكن فعله الذي هو كلام، والكلام بالحروف، والحرف كيفية تعرض للصوت، لا للنفس، فمجرد
تصحيح الحروف بلا صوت إيماء إلى الحروف بالمخارج، لا حروف، فلا كلام، كذا في "فتح القدير". وأما
روايةً؛ فلرواية البخاري وغيره عن أبي معمر، قلت لخباب: أكان رسول الله وُّ يقرأ في الظهر والعصر، قال:
نعم، قلناله: من أين علمت قال: باضطراب لحيته، فقد استدل البيهقي بهذا الحديث على أن الإسرار بالقراءة
لابد فيه من إسماع المرء نفسه، فإن ذلك لايكون إلا بتحريك اللسان بالشفتين بخلاف ما لو أطبق شفتيه،
وحرَّك لسانه، فإنه لا تضطرب به لحيته كذا في "فتح الباري"، لكن قال في إرشاد الساري: فيه نظر لا يخفى
انتهى. ولعل وجهَه أن تحريك عضلات المخارج مع ضم شفتيه أيضاً يوجد تحريك اللحية، ويمكن أن يجاب
عنه بالفرق بين تحريك اللحية، واضطرابها المشعر بكثرة تحركها، والأولى عندي أن يستند بما رواه الشيخان
وأبو نعيم في "الحلية" في ترجمة أبي الحسن علي بن بكار وغيرهم عن عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول: في كل
صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله ﴿ّ أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا عنكم، الحديث. فإنه صريح في أن
حد الجهر إسماع الغير، وحد السر إسماع نفسه. [السعاية٢٧١/٢-٢٧٢]

٢٢٥
باب صفة الصلاة
لأن القراءةَ فعلُ اللسان دون الصِّمَاخِ، وفي لفظ الكتاب إشارةٌ إلى هذا، وعلى هذا
الأصل كلَّ ما يتعلق بالنطق كالطلاق والعتاق والاستثناء، وغير ذلك. وأدنى ما يُجزئُ
من القراءة في الصلاة آية عند أبي حنيفة وقالا: ثلاث آيات قصار، أوآية طويلة؛
لأنه لايُسمَّى قارئًا بدونه، فأشبه قراءةً ما دون الآية. وله: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوامَا تَسَّرَ
مِنَالْقُرْآنِ﴾ من غیر فصل, إلا أن ما دون الآية خارجٌ،
فعل اللسان: وذلك بإقامة الحروف لا بالسماع. (النهاية) دون الصماخ: يعني فعل الصماخ مما لا مدخل
له في تحقق ما نحن فيه، وهو القراءة. لفظ الكتاب: أي قول الكرخي حيث قال في مختصر القدوري:
"وإن كان مفرداً فهو مخير، إن شاء جهر وأسمع نفسه، وإن شاء خافت". وجه الإشارة إليه أنه جعل أدنى
المخافتة: ما دون إسماع النفس كما ترى، فعلم أن تصحيح الحروف كاف. [البناية ٣٥٣/٢]
كالطلاق إلخ: يعني إذا قال: "أنت طالق"، أو "أنت حر"، ولم يسمع نفسه، وقع الطلاق والعتاق عند
الكرخي خلافاً للهندواني، وكذا إذا جهر بهما, وخافت بالاستثناء أو الشرط بحيث أنه لم يسمع نفسه لم يقعا
في الاستثناء أصلاً، وتأخرا إلى وجود الشرط عند الكرخي، وعند الهندواني يقعان في الحال. [العناية ٢٨٩/١]
وغير ذلك: كالبيع، والتسمية على الذبيحة، ووجوب سجدة التلاوة. (الكفاية)
آية: ثم عنده لو قرأ آية هي كلمات أو كلمتان نحو: فقتل كيف قدر أو ثم نظر جازت بلا خلاف بين
المشايخ، أما لو كانت كلمة اسماً أو حرفاً نحو: مدهامتان، ص، ق، ن، فإن هذه آيات عند بعض القراء
اختلف فيه على قوله، والأصح أنه لايجوز؛ لأنه يسمى عاداً لا قارئاً. [فتح القدير ٢٨٩/١]
أو آية طويلة: كآية الكرسي وآية المداينة. مادون الآية: وقراءة ما دون الآية غير مجزئة فكذلك قراءة
الآية، وحقيقة كلامهما أن الآية الواحدة وإن كانت قرآناً حقيقة إلا أنه في العرف يطلق على ثلاث آيات
أو آية طويلة فيصار إليه. [العناية ٢٩٠/١] من غير فصل: بين آية وما فوقها، وهذا؛ لأن الآية الواحدة
قرآن حقيقةً وحكماً، أما حقيقةً فظاهر، وأما حكماً؛ فلأنها تحرم قراءتها على الحائض والجنب فتدخل في
إطلاق قوله تعالى: ﴿مِنَ القُرْآن﴾. خارج: لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، والكامل من القرآن ما هو
قرآن حقيقة وحكماً، وما دون الآية وإن كان قرآناً حقيقة، لكنه ليس بقرآن حكمًا. [العناية ٢٩٠/١]

٢٢٦
باب صفة الصلاة
والآية ليست في معناه. وفي السفر يقرأ بفاتحة الكتاب، وأيَّ سورة شاء؛ لما روي "أن
النبي عليه قرأ في صلاة الفجر في سفره بالمُعَوِّذَتَين"،* ولأن للسفر أثراً في إسقاط شطر
الصلاة، فلأن يؤثّر في تخفيف القراءة أولى، وهذا إذا كان على عَجَلة من السير، وإن
كان في أمَنَة وقرارٍ يقرأ في الفجر نحو: سورةً "البروج" و"انشقت"؛ لأنه يمكنه مراعاة
السنة مع التخفيف. ويقرأ في الحَضَر في الفجر في الركعتين بأربعين آيَةً، أو خمسين آيةً
سوی فاتحة الكتاب، ویُروی من أربعین إلی ستین، ومن ستین إلى مائة،
ليست: لأن الشارع اعتبرها قرآناً، ولهذا لم يَجُز قراءته للحائض والنفساء. في معناه: أي في معنى ما دون
الآية. (العناية) وفي السفر إلخ: واعلم أنه قال محمد في "الجامع الصغير": "يقرأ في السفر بفاتحة الكتاب،
وأي سورة شاء" انتهى، ولم يقيده بالعَجَلة، فأفاد إطلاقه جريان هذا الحكم، سواء كان في حالة العجلة أو
غيرها، واختار الإطلاق صاحب "الكنز" أيضًا، ولكن قيد شراح "الجامع" بحالة الضرورة، ومنهم الصدر
الشهيد حيث قال: وهذا في حالة الضرورة. وأما في حالة الاختيار، وهو أن يكونوا آمنين في السفر، فيقرأ
في صلاة الفجر نحو سورة "البروج" و"انشقت"، وفي الظهر مثل ذلك، وفي العصر والعشاء دون ذلك،
وفي المغرب بالقصار جداً، انتهى. [السعاية ٢٧٩/٢-٢٨٠]
ولأن للسفر إلخ: الحاصل أنه لما نقص من الأصل شيء كان الأولى أن ينقص من وصفه.
بأربعين إلخ: وقال صاحب "المحيط": ذكر في الكتاب أنه يقرأ في الفجر في الركعتين بأربعين أو خمسين أو
ستين آية سوى فاتحة الكتاب، ثم قال: ولم يرد بقوله: أربعين أو خمسين في كل ركعة بل أراد به أربعين
فيها في كل ركعة عشرون كذا في "المحيط". [الكفاية ٢٩١/١]
* أخرجه أبو داود في سننه عن عقبة بن عامر قال: كنت أقود برسول الله { لثّ ناقته في السفر فقال لي:
"ياعقبة! ألا أعلمك خير سورتين فُرِئتا"، فعلّمني "قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس" قال: فلم يرني
سُرِرت بهما جدًّا، قال: فلما نزل لصلاة الصبح صلى بهما صلاة الصبح للناس فلما فرغ رسول الله (8 من
الصلاة التفت إليّ فقال: "يا عقبة كيف رأيت" [رقم: ١٤٦٢، باب في المعوذتين]

٢٢٧
باب صفة الصلاة
وبكل ذلك ورد الأثرُ،* ووجه التوفيق: أنه يقرأ بالراغبين مائة، وبالكسالى أربعين،
في القراءة
وبالأوساط مابين خمسين إلى ستين، وقيل: ينظر إلى طول الليالي وقصرها، وإلى كثرة
الأشغال وقلتها. قال: وفي الظهر مثل ذلك؛ لاستوائهما في سعة الوقت، وقال في
المستحب
"الأصل": أو دونه؛ لأنه وقت الاشتغال، فينقص عنه؛ تَحرُّزاً عن الملال. والعصرُ
والعشاء سواءٌ، يقرأ فيهما بأوساط المفَصَّل، وفي المغرب دون ذلك يقرأ فيها بقصار
المفصل، والأصل فيه كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: "أن اقرأْ في الفجر والظهر
بطوال المفصل، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل،
ورد الأثر: أي بكل ما ذكرنا من المقادير في القراءة في الفجر في السفر والحضر ورد الأثر. (البناية)
ووجه التوفيق: يعني بين الروايات وهو ظاهر. مثل ذلك: أي مثل ما قرأ في الفجر. (العناية)
أو دونه: لفظ أو ليس للتخيير؛ لجواز العمل بكل منهما، بل للإباحة. فينقص عنه إلخ: الحاصل أن
للظهر شبهين: شبه بالفجر من حيث اتساع الوقت، وشبه بالعصر؛ لأنه وقت الاشتغال، فإذا نظر إلى
الأول جعل حكمه حكم الفجر، وإذا نظر إلى الثاني جعل حكمه حكمَ العصر. سواء: يعني في سعة
الوقت على جهة الاستحباب. (العناية) بأوساط المفصل إلخ: طوال المفصل من سورة "الحجرات" إلى
سورة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، والأوساط منها إلى "لم يكن" والقصار منها إلى الآخر. [العناية ٢٩٢/١]
بقصار المفصل: في "صحيح مسلم": كان رسول الله يقرأ في الظهر قدر ثلاثين آية. (فتح القدير)
* أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة أن النبي 8 كان يقرأ في الفجر بـ"ق والقرآن المجيد"
وكانت صلاته بعد تخفيفاً. [رقم: ١٠٢٧، باب القراءة في الصبح] وأخرج البخاري في صحيحه عن سيار
بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي فسألناه عن وقت الصلاة فقال: گان النبي
يصلي الظهر حين تزول الشمس - إلى أن قال : ويصلي الصبح وينصرف الرجل فيعرف جليسه،
وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة. [رقم: ٧٧١، باب القراءة في الفجر]

٢٢٨
باب صفة الصلاة
وفي المغرب بقصار المفصل" .* ولأن مبنى المغرب على العَجَلة، والتخفيفُ أليقُ بها،
والعصر والعشاء يُستحب فيهما التأخير، وقد يقعان بالتطويل في وقت غيرِ مستحبٌّ،
فُيُوَقَّتُ فيها بالأوساط. ويُطيلُ الركعةَ الأولى من الفجر على الثانية؛ إعانة للناس على
٠
إدراك الجماعة. قال: وركعتا الظهر سواء، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف بحثًا،
وقال محمد بدله: أحَبُّ إلي أن يُطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها؛
لماروي "أن النبي عليّا كان يُطيل الركعةَ الأولى على غيرها في الصلوات كلّها" **
ولهما: أن الركعتين استَوَيَا في استحقاق القراءة،
ويطيل إلخ به جَرَى التوارثُ من لَدُن رسول الله ◌َّ إلى يومنا هذا، وفيه إعانة للناس على إدراك
الجماعة، ولا يطيل في غيرها عندهما. [العناية ٢٩٢/١-٢٩٣] القراءة: لكونها ركناً في الجميع، وكل ما
كانا كذلك يستويان في المقدار إلا بعارض غير اختياري. [العناية ٢٩٣/١]
* هذا له أصل، ولكن بغير هذا الوجه. [البناية ٣٦١/٢] فأخرج عبدالرزاق في مصنفه عن الحسن وغيره قال:
كتب عمر إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال
المفصل. [رقم: ٢٦٧٢، باب ما يقرأ في الصلاة] قلت: لم يُدرِك الحسنُ عمرَ ﴾﴾، وعلى هذا اختلف في
الاحتجاج به وقد وُثْق، كذا في "مجمع الزوائد"، وهو من رجال الخمسة، وبقية السند رجالها رجال الجماعة،
ومراسيل الحسن صحاح، فلا يضر الانقطاع بينه وبين عمر، قال ابن المديني: مراسيل الحسن إذا رواها عنه الثقات
صحاح ما أقل يسقط منها. انتهى كذا في "التهذيب". [إعلاء السنن ٣٦/٤] وفي الباب حديث مرفوعٌ أخرجه
النسائي في سننه عن أبي هريرة قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاةً برسول الله ◌ّ من فلان، قال سليمان: كان
يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في
العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل. [رقم: ٩٨٣، باب تخفيف القيام والقراءة]
** أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن التي رُ ◌ّ كان يقرأ في الظهر في الأوليين
بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية، ويطيل في الركعة الأولى ما لا يطيل
في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. [رقم: ٧٧٦، باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب]

٢٢٩
باب صفة الصلاة
فيستويان في المقدار، بخلاف الفجر؛ لأنه وقتُ نوم وغفلة. والحديث محمولٌ على
الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية، ولا معتَبرَ بالزيادة والنقصان بما دون ثلاث
آيات؛ لعدم إمكان الاحتراز عنه من غير حَرَج. وليس في شيء من الصلوات قراءة
سورةٍ بعينها بحيث لاتجوز غيرها؛ لإطلاق ما تلونا. ويُكرَه أن يُوَقَّتَ بشيء من
القرآن لشيء من الصلوات؛ لما فيه من هَجْر الباقي وإيهام التفضيل. ولا يقرأ المؤتم
13
خلف الإمام خلافاً للشافعي ملكه في الفاتحة،
فيستويان: وأما إطالة الركعة الثانية على الأولى، فمكروه بالاجماع. (الكفاية) محمول إلخ: هذا جواب
من جهة أبي حنيفة وأبي يوسف عن الحديث الذي احتج به محمد وهو ظاهر. [البناية ٣٦٠/٢]
ولا معتبر إلخ: لأن النبي ◌ّ قرأ في المغرب بالمعوذتين والثانية أطول بآية. (العناية) وليس إلخ: أي لم يعين
الشارع ولم يفرُض سورةً معيّنةً في شيءٍ من الصلوات. قراءةُ سورة بعينها إلخ: هذه المسألة والتي بعدها يُتْرَا
أي أنهما في إفادة الحكم واحد، وليس كذلك، بل هما متغايران وضعاً وبياناً، أما الوضع؛ فلأن الأُولى من
مسائل "القدوري"، والثانية من مسائل "الجامع الصغير"، وقد التزم الإتيان بهما إذا اختلفت الروايتان، وأما
البيان؛ فلأن معنى الأولى: ليس في شيء من الصلوات مطلقاً تعبينُ قراءة سورة بعينها بحيث لا تجوز الصلاة
بغيرها، ومعنى الثانية: يكره أن يعيِّن المصلي شيئاً من القرآن ... لشيء من الصلوات ... لا على أنه لا يجوز
بغيرها. [العناية ٢٩٣/١] لإطلاق ما تلونا: من قوله تعالى ﴿فَاقْرَأُوامَا تَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. (العناية)
الباقي: لأن المواظبة على تعيين شيء من القرآن لشيء من الصلوات هجراً لباقي القرآن من غير المعين،
فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي أَتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾، أي متروكاً وأعرضوا
عنه. [البناية ٣٦٧/٢] ولا يقرأ: سواء كان في الصلاة الجهرية أو غيرها. (العناية)
المؤتمّ: فالمذهب عند أهل الكوفة أنه لا يقرأ في شيء من الصلوات، وعند أهل المدينة - منهم مالك - يقرأ
في صلاة الظهر والعصر، ولا يقرأ في صلاة الجهر. [الكفاية ٢٩٤/١] خلف الإمام: إنما قيد به؛ لأن المؤتم
إذا صار صلاة إمامه تماماً، كان له حكم المنفرد. خلافاً للشافعي: فإنه يقول: يجب عليه قراءتها في الصلاة
السرِّية، وفي الركعات التي لاجهر فيها، وكذا فيما يُجهر فيه على الصحيح من مذهبه. [العناية ٢٩٤/١]

٢٣٠
باب صفة الصلاة
له: أن القراءة ركن من الأركان فيشتر كان فيه. ولنا قوله عليه: "من كان له إمام فقراءة
الإِمام له قراءةٌ"، * وعليه إجماع الصحابة، وهو ركنٌ مشترك بينهما لكن حظّ المقتدي
الإنصاتُ والاستماعُ؛ قال عليه: وإذا قرأ الإِمامُ فأنصتوا . ** ويُستحسن على سبيل الاحتياط
ركن من الأركان: فلا يسقط بسبب الاقتداء عند الاختيار كالركوع والسجود، بخلاف ما إذا أدرك
الإِمامَ في الركوع؛ لأن تلك الحالة حالة الضرورة، وبسبب الضرورة قد يسقط بعض الأركان، ألا ترى أن
القيام بعد التكبير ركن، وقد سقط ههنا للضرورة. (النهاية) قراءة: أي يكفي قراءته من قراءته.
إجماع الصحابة: المراد به إجماع أكثر الصحابة، فإنه روي عن ثمانين نفراً من كبار الصحابة منع المتقدي عن
القراءة خلف الإمام. [العناية ٢٩٤/١] وهو ركن مشترك إلخ: جواب عن قوله: القراءة ركن، وتقريره:
سلمنا أنه ركن مشترك بينهما، لكن حظ المقتدي. [العناية ٢٩٦/١] على سبيل الاحتياط: أي يستحسن
قراءة المقتدي الفاتحة احتياطاً ورفعاً للخلاف فيما روى بعض المشايخ عن محمد حاله. [البناية ٣٧٥/٢]
* رُوي من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث الخدري، ومن حديث أبي هريرة،
ومن حديث ابن عباس. [نصب الراية ٧/٢] أخرج ابن أبي شيبة حديث جابر في مصنفه عن أبي الزبير عن
جابر عن النبي ◌ُّ قال: كل من كان له إمام فقراءته له قراءة. [٣٧٧/١، باب من كره القراءة خلف الإمام]
وهذا سند صحيح. الجوهر النقي. [إعلاء السنن ٧١/٤]
** رُوي من حديث أبي موسى، ومن حديث أبي هريرة. [نصب الراية ١٤/٢] أخرج النسائي في سننه
حديث أبي هريرة عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وُ ◌ّ: إنما الإِمام لُيُؤتم به فإذا كبّر
فكبرِّوا، وإذا قرأ فأنصتوا، قال أبو عبد الرحمن: كان المخرمي يقول: هو ثقة يعني محمد بن سعد الأنصاري.
[رقم: ٩٢٣، تأويل قول الله عزوجل: "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون"] وصححه
مسلم في صحيحه، وقال: هو عندي ثقة صحيح، وصححه ابن حزم والإمام أحمد. [إعلاء السنن ٦٥/٤]
وقال في حاشية "إعلاء السنن": والجارحون قد اختلفوا في أن الوهم من أبي خالد أو ابن عجلان، وذلك
يُوهن الجرح، ثم قد رد الجرح عليهم بثقة الراوي للزيادة، ومتابعة الثقة له عليها، فالحديث صحيح حجة
لاشك فيه. وإطلاقه يدل على النهي عن القراءة خلف الإمام في جميع الصلاة، وعن قراءة الفاتحة والسورة،
وغيرها سراً، وجهراً. [إعلاء السنن ٦٥/٤]

٢٣١
باب صفة الصلاة
فيما يُروى عن محمد، ويُكره عندهما؛ لما فيه من الوعيد . * ويَستمع ويُنصت، وإن قرأ
الإِمامُ آية الترغيب والترهيب؛ لأن الاستماع والإنصات فرضٌ بالنص، والقراءة
وسؤالُ الجنة والتعوُّذُ من النار كلٌّ ذلك مُخِلِّ به.
يُروى عن محمد: تقتضي هذه العبارة أنها ليست ظاهر الرواية عنه كما قال في الزكاة خلافاً لأبي
يوسف فيما يروى عنه في دين الزكاة، وهو الذي يظهر من قوله في "الذخيرة" وبعض مشايخنا ذكروا
أن على قول محمد لا يكره، وعلى قولهما يكره، ثم قال في الفصل الرابع: الأصح أنه يكره، والحق أن
قول محمد كقولهما؛ فإن عبارته في كتبه مصرحة بالتجافي عن خلافه، فإنه في كتاب الآثار في باب
القراءة خلف الإمام بعد ما أسند إلى علقمة بن قيس أنه ما قرأ قط فیما يجهر فیه ولا فيما لا يجهر فيه،
قال: وبه نأخذ, لا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أو لا يجهر ثم استمر في
اسناد آثار أخر ثم قال: قال محمد: لا ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات، وفي موطئه
بعد أن روي في صنع القرأة في الصلاة ما روي قال: قال محمد: لا قراءة خلف الإمام فيما جهر وفيما
لم يجهر فيه بذلك جاءت عامة الأخبار، وهو قول أبي حنيفة، وقال السرخسي: تفسد صلاته في قول
عدة من الصحابه، ثم لا يخفى أن الاحتياط في عدم القراءة خلف الإمام؛ لأن الاحتياط هو العمل
بأقوى الدليلين وليس مقتضى أقواهما القراءة بل المنع. [فتح القدير ٢٩٧/١]
ويُكره: المراد كراهة التحريم كما يفيده قول المصنف: "لما فيه من الوعيد". عندهما: فقد رُوي أن منع
المقتدي من القراءة مأثورعن ثمانين من الصحابة، وقال علي له: "من قرأ خلف الإمام، فقد أخطأ السنة"،
وقال عبد الله :"من قرأ خلف الإمام، ألقي على فيه تراباً"، وقال سعد بن وقاص وزيد بن ثابت هڤهما:
"من قرأ خلف الإمام، فلا صلاة له"، وآثار الصحابة إذا كانت غير مدركة بالقياس كان محمولاً على
السماع، فيعارض به الخبر المقتضي لوجوب قراءة الفاتحة على المأموم، والنص الموجب والمحرّم إذا تعارضا
يعمل بالمحرِّم. بالنص: يعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. [فتح القدير ٢٩٨/١]
* أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى قال: قال علي لُه: "من
قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة".[رقم: ١، ٢٨٣/١٢٧٢]

٢٣٢
باب صفة الصلاة
وكذلك فى الخُطبة، وكذلك إن صلَّى على النبى عليًا؛ لفرضية الاستماع إلا أن يقرأ
الخطيبُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوا عَلَيْهِ﴾ الآية، فيصلي السّامعُ في نفسه،
واختلفوا في النائي عن المنبر، والأحوطُ هو السكوت؛ إقامةً لفرض الإنصات، والله أعلم.
وكذلك: يستمع القوم وينصتوا. (العناية) في الخطبة: لما رَوى أبو هريرة أن النبي ◌ُّ قال: "من قال
لصاحبه والإمام يخطب: "أنصت" فقد لغا ومن لغا فلا صلاةً له. [العناية ٢٩٨/١] وكذلك إلخ: أي يستمع
وينصت، روى عن أبي جعفر الطحاوي أنه قال: يُستحب للقوم أن يستمعوا وينصتوا في الخطبة الأولى،
وكذلك في الثانية إلى أن يبلغ إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ إِلخ. (النهاية)
إلا أن يقرأ إلخ: أفاد وجوب السكوت في الثانية كلها أيضاً ما خلا المستثنى، وروي الاستثناء عن
أبي يوسف بسطله، واستحسنه بعضُ المشايخ، لأن الإمام حكى أمرَ الله بالصلاة، واشتغل هو بالامتثال، فيجب
عليهم موافقته وإلا أشبه عدم الالتفات. [فتح القدير ٢٩٩/١]
في نفسه: موافقة لظاهر الأمر، وإن لم يكن الأمر إلا باعتبار وقت من الأوقات. في النائي: فلا رواية فيه
عن المتقدمين، واختلف المتأخرون. (فتح القدير) هو السكوت: يعني عدم القراءة والكتابة، ونحوها كالكلام
المباح، فإنه مكروه في المسجد في غير حال الخطبة، فكيف في حالها. [فتح القدير ٢٩٨/١]

٢٣٣
باب الإمامة
باب الإمامة
الجماعة سنَّةٌ مؤكدة؛ لقوله وُلّ. "الجماعة من سُنَنِ الهُدَى لا يتخلف عنها إلا
منافق" .* وأولى الناس بالإمامة أعلمُهم بالسنة، وعن أبي يوسف: أقرؤُهم؛ لأن القراءةَ
لابد منها، والحاجةُ إلى العلم إذا نابت نائبةٌ، ونحن نقول: القراءة مُفْقَرٌ إليها لركن واحد،
مؤكدة: أي قوية تشبه الواجبَ في القوة، حتى استدل بمعاهدتها على وجود الإيمان، بخلاف سائر
المشروعات، وهي التي يسميها الفقهاء سنة الهدى أي أخذها هدى وتركها ضلالة. [العناية ٢٩٩/١]
من سنن الهدى: أي من طرق الأساسية لدين الإسلام. إلا منافق: المراد به العاصي. (العناية)
أعلمهم بالسنة: أي بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يحسن من القرآن ما يجوز به الصلاة، وهو قول
الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي مات. [البناية ٣٨٦/٢] أقرؤهم: أي أعلمهم
بالقراءة، وكيفية أداء حروفها ووقوفها. (العناية) لأن القراءة لابد منها إلخ: أي القراءة ضرورية، وأما
العلم بجميع المصالح والمفاسد، فمما لا يحتاج إليه في أداء الصلاة، فإنه يجوز أن يؤدي الصلاة بالطريق
الفاضلة، ولم يعلَم بالفاسد، وإنما الاحتياج إلى العلم بالجميع إذا نابت نائبةٌ، وهي نادرة.
إذا نابت نائبة: أي عرض عارض مفسد.(العناية) لر کن واحد: أي لتحصيل رکن واحد.
* هذا من قول ابن مسعود هه ورفعُه إلى النبي ◌ُّ غير صحيح. [البناية ٣٨٣/٢] أخرج مسلم في صحيحه قول
ابن مسعود عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافقٌ قد عُلم نفاقُه، أو
مريض إن كان المريض يمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن رسول الله لَّ عَلَّمنا سننَ الهدى، وإِنَّ مِن
سنن الهدى الصلاةُ في المسجد الذي يُؤذّن فيه. [رقم: ١٤٨٧، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى] وكذلك
أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله قال: من سَرَّه أن يلقي الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء
الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرَع لنبيكم ◌ّ سننَ الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في
بيوتكم كما يصلي هذا المتخلفُ في بيته لتركتم سنةً نبيكم، ولوتركتم سنةً نبيكم لضللتم، وما من رجل
يتطهر، فُيُحسِن الطهورَ، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتبَ الله له بكل خطوة يخطوها حسنةً،
ويرفعه بها درجةً، ويُطُّ عنه بها سيئةً، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل
يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقامَ في الصف. [رقم: ١٤٨٨، باب صلاة الجماعة من سنن الهادى]

٢٣٤
باب الإمامة
والعلمُ لسائر الأركان. فإن تساوَوا فأقرؤُهم؛ لقوله عليَها: "يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب
في العلم
الله، فإن كانوا سواءً فأعلمُهم بالسنة"، " وأقرؤُهم كان أعلمَهم؛ لأنهم كانوا يتلَقُّونَه
بأحكامه، فقُدِّم في الحديث، ولا كذلك في زماننا فقدَّمنا الأعلمَ. فإن تساوَوا
فأورَعُهم؛ لقوله عليًّا: "من صلّى خَلفَ عَالٍ تقِيٍّ فكأنما صلَّى خلف نيّ" . ** فإن
تساوَوا فأستُّهم؛
لسائر الأركان: فمن حيث إن الأول متعلق بواحد، والثاني متعلق بالكل رُجِّح الثاني.
كانوا يتلقونه إلخ: على مارُوي عن عمر أنه حفظ سورةَ البقرة في ثنتي عشرة سنةً. (العناية)
فإن تساوَوا فأورعُهم: ليس في لفظ الحديث في ترتيب الإمامة، إنما في الحديث بعد ذكر الأعلم ذكرُ
أقدمِهم هجرةً، لكن أصحابَنا جعلوا مكانَ الهجرة الورعَ والصلاحَ؛ لأن الهجرة كانت منقطعةً في زمانهم،
فجعلوا الهجرةَ عن المعاصي مكانَ تلك الهجرة. والورع: الاجتناب عن الشبهات، والتقوى: الاجتناب عن
المحرمات. [العناية ٣٠٣/١] لقوله عليا: من صلى إلخ: ولأن المستحب في الخلافة أن يُقدَّم العالمِ الوَرِع
التقي، وهي لأمر الدنيا، فلأَن يُستحب في التقدمة في باب الصلاة، وهي لأمر الدين أولى. (النهاية)
فأستُّهم: ظاهر، ولم يذكر "وإن تساووا في السن،" وذكر غيره أحسنهم خلقاً، ثم أصبحهم وجهاً، وجملة القول: أن
المستحب في التقديم أن يكون أفضل القوم قراءةً، وعلماً، وصلاحاً، ونسباً، وخلقاً، وخُلقاً؛ اقتداءً برسول الله لِّ؛
فإنه كان هو الإمام في حياته؛ لسبقه سائر البشر بهذه الأوصاف، ثم أمَّهم الأفضل فالأفضل. [العناية ٣٠٣/١]
* أخرجه الجماعة إلا البخاري. [نصب الراية ٢٤/٢] أخرج مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري قال:
قال رسول الله صلّ: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءٌ، فأعلمُهم بالسنة، فإن كانوا في السنة
سواء، فأقدمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمُهم سلْمًا، ولا يُؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد
في بيته على تَكْرِمَته إلا بإذنه، قال الأشج في روايته: مكان سِلْمًا سِنَّ. [رقم: ١٥٣٢، باب من أحق بالإمامة؟]
** هذا الحديث غريب ليس في كتب الحديث. [البناية ٣٩٠/٢] ونقل الشيخ ظفر أحمد العثماني عن مرقد
الغنوي مرفوعاً: إن سرّکم أن تُقبل صلاتكم فليؤمکم علماؤكم، فإنهم وفد کم فيما بينكم وبين ربكم،
رواه الطبراني "في الكبير"، قال الشيخ: حديث حسن لغيره كذا في "العزيزي". [إعلاء السنن ٢١٨/٤]

٢٣٥
باب الإمامة
لقوله عليّ لإِبْنَي أَبِي مُلَيْكَة: "وَلْيُؤُمَّكُما أكبرُكما سنًّا"،* ولأن في تقديمه تكثير
الجماعة. ويُكرَهُ تقديمُ العبد؛ لأنه لا يتفَرَُّ للتعلُّم، والأعرابي؛ لأن الغالبَ فيهم
الجَهلُ، والفاسقِ؛ لأنه لا يهتمُّ لأمردينه، والأعمى؛ لأنه لا يَتوقَّى النَّحَاسَةَ، وولدِ
الزنا؛ لأنه ليس له أبٌ يُثَقِّفُه، فيغلب عليه الجَهلُ؛ ولأن في تقديم هؤلاء تنفيرَ
الجماعة فُكرَه، وإن تقدَّمُوا جاز؛ لقوله عليه: "صَلُّوا خلف كلِّ بَرِّ وفاجٍ" .**
تقديمُ العبد: وقال الشافعي: لا يترجح الحر عليه إذا تساويا في القراءة والعلم والورع؛ لقوله عليها: "اسمعوا
وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع". [العناية ٣٠٣/١] لأنه لا يتفرغ للتعلم: ليعلم أحكام
الصلاة، الدليل غير جار في العبد المتفرِّغ للعلم، فلا يثبت الكلية. والفاسق: وقال مالك: لا تجوز الصلاة
خلفه. (العناية) يثقفه: أي يؤدّبه ويعلمه. (العناية) كل برِّ وفاجر: ووجه الاستدلال: أن كل واحد من
هؤلاء المذكورين إما أن يكون برا أو فاجراً فتجوز الصلاة خلفه على كل حال. [العناية ٣٠٥/١]
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ٢٦/٢] أخرج البخاري في صحيحه عن مالك بن الحويرث عن
النبي ◌ُّ قال: إذا حضرت الصلاةُ فأَذْنا وأَقيما، ثم ليؤمكما أكبرُ كما. [رقم: ٦٥٨، باب اثنان فما فوقهما جماعة]
** أخرجه الدار قطني عن مكحول عن أبي هريرة أن رسولَ الله ◌ُّ قال: صلّوا خلفَ كّل بَرٍّ وفاجر،
وصلوا على كل برِّ وفاجرٍ، وجاهدوا مع كل برِّ وفاجرٍ. ومكحول لم يسمع من أبي هريرة، ومَن دُونَه
ثقات. [٥٧/٢، باب صفة من تجوز الصلاة معه، والصلاة عليه] وحاصله أنه مرسل، وهو حجة عندنا
وعند مالك وجمهور الفقهاء، فيكون حجةً عليه، وقد رُوِي بعدة طرقٍ للدار قطني وأبي نُعَيم والعقيلي كلها
مُضَعَّفَة من قِبَل بعض الرواة، وبذلك يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين. [إعلاء السنن ١٩٢/٤] وأخرج
أبو داود في سننه عن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير
برًّا كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برَّا كان أوفاجراً، وإن عَمِل الكبائرَ، والصلاة
واجبة على كل مسلم برًّا كان أو فاجراً، وإِن عَمِل الكبائر". [رقم: ٢٥٣٣، باب في الغزو مع أئمة الجور]
وسكتَ عنه، وفي "عون المعبود": قال المنذري: هذا منقَطِع، مكحول لم يسمع من أبي هريرة انتهى، وفي
"فتح الباري": ولا بأس برواته إلا أن مكحولاً لم يسمع عن أبي هريرة ظه انتهى, وفي "العزيزي": رواتُه
ثقات لكن فيه انقطاع، ولفظُه في الآخر: "والصلاةُ واجبةٌ على كل مسلم يموت بَرًّا كان أو فاجراً، =

٢٣٦
باب الإمامة
ولا يُطَوِّلُ الإِمامُ بهم الصلاةَ؛ لقوله عليَّا: "مَنْ أَمَّ قوماً فليصلّ بهم صلاةَ أَضعَفِهم؛
فإن فيهم المريضَ والكبيرَ وذَا الحاجة" .* ويُكرَه للنساء أن يُصلِّين وحدهن الجماعةَ؛
لأنها لا تخلو عن ارتكابِ مُحَرَّمٍ، وهو قيامُ الإِمام وَسَط الصفِّ، فيُكره كالعُرَاة. فإِن
فعلن قامت الإِمام وَسْطَهن؛ لأن عائشةَ فعَلَت كذلك، ** وحُمِل فعلُها الجماعةَ على
ابتداء الإِسلام، ولأن في التقدم زيادةَ الكشف. ومن صلَّى مع واحدٍ أقامه عن يمينه؟
هما،
حديث ابن عباس
ولا يُطَوِّلُ: المراد من التطويل المنفي الزيادةُ على مقدار السنة. الجماعةَ: أي من غير أن يكون الإمام من
الرجال. مُحَرَّمٍ: أي كراهة تحريم. (فتح القدير) فيُكره كالعراة: فإن جماعتهم مكروهة.
وحُمِل إلخ: جواب عما يقال: إذا كانت إمامتُهن مكروهةٌ، فكيف فعلَتْ عائشةُ. (العناية)
= وإن هو عمل الكبائر" انتهى، وعَزَاه إلى أبي يعلى وأبي داود، وفي (نصب الراية) الزيلعي: ومن طريق
أبي داود رواه البيهقي في "المعرفة"، وقال: إسناده صحيح إلا أن فيه إنقطاعاً اهـ. قلت: والانقطاع في
القرون الثلاثة لا يضر عندنا. [إعلاء السنن ١٩٢/٤ - ١٩٣]
* أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﴿ّ قال: "إذا صلَّى أحدُكم للناس فليخَفّف،
فإنّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليُطَوِّل ماشاء. "[رقم: ٧٠٣، باب إذا
صلى لنفسه فليطول ماشاء] وكذلك أخرج البخاري عن أبي مسعود أن رجلاً قال: والله يا رسولَ الله!
إني لأتَأَخَّر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يُطيْلُ بنا، فما رأيتُ رسول الله ◌ُ﴾ّ في موعظةٍ أشدَّ غضباً
منه يومئذ، ثم قال: "إنّ منكم مُنَفِّرِين فأُكم ما صلى بالناس فليخَفِّف، فإنَّ فيهم الضعيفَ والكبيرَ وذا
الحاجة." [رقم: ٧٠٢، باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود]
** أخرجه عبدالرزاق في "مصنفه" عن ريطة الحنفية " أن عائشةَ أَمَّتْهن وَقَامَتْ بينهن في صلاة
مكتوبة". [رقم: ٥٠٨٦، باب المرأة تؤم النساء] وبهذا الإسناد رواه الدار قطني، ثم البيهقي في سننيهما،
ولفظُهما: فقامت بينهن وسطاً، قال النووي في "الخلاصة": إسناده صحيح. [إعلاء السنن ٢٤٤/٤]

٢٣٧
باب الإمامة
فإنه عليَلا صلَّى به وأقامه عن يمينه، * ولا يتأخَّرُ عن الإمام، وعن محمد: أنه يَضَع أصابعه
عند عقب الإِمام، والأول هو الظاهر. فإن صلّى خلفه، أوفي يساره: جاز، وهو مُسيء؟
لأنه خالفَ السنة. وإن أمَّ إثنين تقدَّم عليهما، وعن أبي يوسف يتوسَّطُهما، وتُقِلَ ذلك
عن عبد الله بن مسعود رضيُه . ** ولنا: أنه عليَا تقدَّم على أنس واليتيمٍ حين صلَّى
بهما، *** فهذا للأفضلية، والأثرُ دليلُ الإباحة. ولا يجوز للرجال أن يَقْتَدُوا بامرأةٍ، أوصبي،
عن الإمام: في ظاهر الرواية. (العناية) عند عقب الإمام: أي بحيث إذا خرج خط مستقيم من رؤوس
الأصابع مَرَّعلى الإمام. لأنه خالفَ السنة: يعني ما ذكرنا من حديث ابن عباس أنّما. (العناية) لأن ترك
السنة لا يوجب العقوبةَ بالنار، ولكن يُوجب حِرمانَ الشفاعةِ، وَيَلِ المراتب. ذلك: روي أن ابن مسعود
صلى بعلقمة والأسود فقام وسطهما. (العناية) واليتيم: أخو أنس لأبيه اسمه عمير. (الكفاية)
فهذا: أي تقدُّمُ النِي ◌َّ دليلُ الأفضلية، والأثر دليل الإباحة. (العناية)
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ٣٣/٢] أخرج البخاري عن ابن عباس قال: بتُّ عندَ
"خالتي ميمونةً ليلةً، فقام النبي ◌ُّ من الليل، فلما كان في بعض الليل قام النبي ◌ُّ فتوضأ من شَرِّ معلق
وضوءاً خفيفاً، - يُخفِّفه عمرو ويُقَلِّلُه، - وقام يصلي، فتوضأتُ نحوًا مما توضأ، ثم جئتُ فقُمتُ عن
يساره، فحَوَّلَني، فجَعَلني عن يمينه .... الحديث. [رقم: ١٣٨، باب التخفيف في الوضوء]
** أخرجه مسلم في صحيحه عن الأسود وعلقمةَ قالا: أتينا عبدالله بن مسعود في داره فقال: أَ صَلَّى
هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا، قال: فقوموا فصلوا فلم يأمرنا بأذان وإقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفَه، فأخَذ
بأيدينا فحَعَل أحدَنا عن يمينه والآخرَ عن شماله. الحديث. [رقم: ١١٩١، باب الندب إلى وضع الأيدي
على الرُّكب في الركوع، ونسخ التطبيق]
*** أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه. [نصب الراية ٣٥/٢] أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن
جَدَّتُه مُلَيَكَة دَعَتْ رسولَ الله ◌ُّ لطعام صنَعَتْه له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأُصَلِّى لكم، قال أنس: فقمتُ
إلى حَصِيرٍ لنا قد اسودَّ من طُول ما لُبسَ، فَتَضحتُه بماءٍ، فقام رسولُ الله ◌َّ وصَفَّفْتُ أنا واليتيمُ وراءه،
ء
والعجوز مِن وراثنا، فصلى لنا رسول الله وُ ◌ّ ركعتين، ثم انصرف. [رقم: ٣٨٠، باب الصلاة على الحصير]
ء

٢٣٨
باب الإمامة
أما المرأة؛ فلقوله عليها: "أخِرُوهنَّ من حيث أُخَّرَهُنَّ اللّهُ")* فلا يجوز تقديمُها. وأما الصبي؛
فلأنه متنفّل، فلا يجوز اقتداء المفترض به، وفي التراويح والسنن المطلقة: جوّزه مشايخُ بَلْخ،
ولم يجوِّزه مشايخنا لك. ومنهم من حقّق الخلافَ في النفل المطلق بين أبي يوسف ومحمد.
وأما الصبي إلخ: وقال الحسن والشافعي: تصح إمامته، وفي الجمعة له قولان: قال في "الأم": لا تجوز. وقال
في "الإملاء": تجوز؛ لمَا روى البخاري عن عمرو بن سلمة أنه قال: أمَّمتُ على عهد رسول الله ◌َّ وأنا
غلام ابن ست سنين، أو ابن سبع سنين. وسلمة صحابي، والأشهر أن عمرو لم يسمع من النبي عليّ، ولم يرو
عنه، وقال الخطابي: كان الحسن يُضَعِّف حديثَ عمرو بن سلمة، وقال مرةً: دعه ليس بشيء بين، وقال
أبوداود: وقيل لأحمد: حديث عمرو؟ قال: لا أدري ما هذا، ولعله إنما توقف عنه لأنه لم يتحقق بلوغُ الأمر
إلى النبي ◌ُّ قال: وقد خالفه فضلاء الصحابة، وقد قال عمرو: "كنت إذا سجدتُ خرجت إستي"، وهذا
غير سائغ. والعجب أنهم لم يجعلوا قولَ أبي بكر الصديق وعمر الفاروق، وكبار الصحابة عليه وأفعالهم
حجةً، واستدلوا بفعل صَي ابن ست سنين، ولا يعرف فرائضَ الوضوء والصلاة، فكيف يتقدم في الإمامة؟
ومنعُه أحوط في الدين، وعن ابن عباس الثّهما: لا يؤم الغلامُ حتى يحتلم، وعن أبي مسعود له: لا يؤم الغلامُ
الذي لا تجب عليه الحدودُ. رواهما الأثرم في سنته. [البناية ٤٠٦/٢] فلا يجوز: سيجيء بيانه. (العناية)
والسنن المطلقة: أي الرواتب، وصلاة العيد على إحدى الروايتين، والوتر عندهما، والكسوفين والاستسقاء
عندهما. [فتح القدير ٣١٠/١] جَوَّزَه إلخ: والظاهر أنهم لا يخصُّون الحكمَ بالسنن المطلقة، بل يُحوِّرون في
النفل غيرَ الموقت أيضًا؛ لأنه أولى من السنة، فالتخصيصُ ليس إلا بحسب الذكر. مشايخنا: يعني مشايخ ما
وراء النهر بخارى وسمر قند. (العناية)
هذا غير مرفوع، وهو موقوف على عبد الله بن مسعود. [البناية ٤٠٥/٢] أخرجه عبدالرزاق في
"مصنفه" عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني اسرائيل يصلون جميعاً فكانت المرأة لها الخليل
تلبس القالبين، تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخِّروهن حيث أخرهن،
فقلنا لأبي بكر: ما القالبين؟ قال: رفيصين من خشب. [رقم: ٥١١٥، باب شهود النساء على الجماعة]
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مُّ: "خيرُ صفوف الرجال أولُها، وشرُّها
آخرُها، وخيرُ صفوف النساء آخرُها، وشرُّها أولُها". [رقم: ٩٨٥، باب تسوية الصفوف وإقامتها]

٢٣٩
باب الإمامة
والمختار: أنه لا يجوز في الصلوات كلّها، لأن نفلَ الصي دون نفل البالغ، حيث لا يلزمه
القضاءُ بالإِفساد بالإجماع، ولا يُنَى القويّ على الضعيف، بخلاف المظنون؛ لأنه مجتهد
فيه، فاعتُبر العارضُ عَدَمًا، وبخلاف اقتداء الصبى بالصبى؛ لأن الصلاةَ متحدةٌ. وَيَصُفُّ
فإنه يجوز
الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء؛ لقوله عليّة: "لِيَلِيَني منكم أولُو الأحلام والتُّهَى"،"
والمختار: وهذا اختيار منه لمذهب مشايخ ما وراء النهر. (العناية) على الضعيف: لأن نفل البالغ قوي حيث
يلزمه بالشروع، ونفل الصبي ضعيف حيث لا يلزمه بالشروع، وعلى هذا لا يجوز الاقتداء به أيضاً في
النفل. [البناية ٤٠٧/٢] بخلاف المظنون: جواب عن قياس مشايخ بلخ على المظنون، وتقريره: أن قياس اقتداء
١
البالغ بالصي على الاقتداء بالظان فاسد. صورة المظنون: أن يقتدي المتنفل بمن يصلي على أنها عليه، يجوز
الاقتداء وإن كانت غير مضمونة بالقضاء عندنا؛ لأنه شرع فيه على قصد التزام فرض آخر عليه، وصورة
أخرى: شرَع في صلاة على ظن أنها عليه فاقتدى به متنفل ثم أفسده يلزمه القضاء وإن لم يلزم الإمام على تقدير
الإفساد. (البناية) مجتهد فيه: لأن عند زفر بحاله يجب القضاء على الظان فاعتبر العارض عدماً. (الكفاية)
فاعتبر العارض عدمًا: أي يجعل الظن عدمًا في حق المقتدي؛ لأنه عارض غير ممتد عَرَض بعد أن لم یکن
بخلاف الصبا.(النهاية) بخلاف اقتداء: لعدم الضمان على واحد منهما فكان بناء الضعيف على
الضعيف. (العناية) لقوله عليه: قال الزيلعي في تخريج أحاديث "الهداية": والمصنف استدل بهذا الحديث على
قوله: ويصف الرجال إلخ، ولا يَنْهَض ذلك إلا على تقديم الرجال فقط. ويمكن أن يُستدَلّ بحديث أبي مالك
الأشعري أن النبي ◌َّ كان يصُفَّهم في الصلاة، فيجعل الرجالَ قُدَّمَ الغلمان، والغلمانَ خلفهم، والنساءَ
خلفَ الغلمان. رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده". وأخرج ابن أبي شيبة عنه أن النبي ◌ُّ صلى فأقام
الرجالَ يلونه، وأقام الصبيان خلف ذلك، وأقام النساء خلف ذلك. [البناية ٤٠٩/٢]
لِيَليني: أمر من الولي، وهو القرب. (العناية) أولو الأحلام: والأحلام جمع الحلم بالضم، وهو ما يراه النائم، وغلب
استعماله فيما يراه النائم من دلالة البلوغ، والمراد ليلني البالغون منكم، والنّهَى جمع ◌ُهْية، وهي العقل. (العناية)
*
"روي من حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي مسعود، ومن حديث البراء بن عازب. [نصب الراية ٣٧/٢]
أخرج مسلم في صحيحه حديث ابن مسعود عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ الله مُّ:
"ليلني منكم أولوا الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم ثلاثاً، وإياكم وهَيشات الأسواق". [رقم: ٩٧٤،
باب تسوية الصفوف وإقامتها]