النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠٠
باب صفة الصلاة
قاله لأعرابي حين أخَفّ الصّلاة. ولهما: أن الركوع هو الانحناء، والسجودَ هو
الانخفاض لغةً، فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما، وكذا في الانتقال؛ إذ هو غيرُ
مقصود، وفي آخر ما رُوي تسميتُه إياه صلاة حيث قال: "وما نَقصتَ من هذا
شيئًا فقد نقصتَ من صلاتك"، ثم القومةُ والجلسَةُ سُئَةٌ عِندهما، وكذا الطمأنينةُ في
"تخريج الجرجاني"، وفي "تخريج الكرخي" واجبةٌ، حتى تجب سجدتا السهو بتركها
ساهيا عنده. ويعتمد بيديه على الأرض؛
الأعرابي: اسمه خلاد بن رافع ظُه. (فتح القدير) هو الانخفاض لغةً: قلت: فالسجود عبارة عن وضع
الجَبْهَة على الأرض، لا عن مطلق الخفض، فإنه ضد الارتفاع، ويطلق على الركوع أيضًا، كما جاء في
الحديث: "أن النبي ◌ُّ يكبر عند كل خفض ورفع"، وكأنه أراد بالانخفاض التام الذي هو الالتزاق
بالأرض، والوضع عليه. وكذا في الانتقال: أي القومة، والجلسة، أي من الركوع إلي السجدة، ومن السجدة
إلى سجدة أخرى. إذ هو غير مقصود: أي كما يكتفى بالأدنى في الركوع والسجود لإطلاق النص يكتفى
بالأدنى في الانتقال أيضًا؛ إذ هو غير مقصود، إنما المقصود تحقيق السجود، فيُتقدّر بقدر ما يتحقق به السجود؛
إذ لو اشترط فيه ما لا يتوقف عليه السجود، لكان مقصوداً، وأنه خلاف الإجماع.
وفي آخر: جواب عن حديث الأعرابي. (العناية) صلاة: فلو كان ترك التعديل مفسداً لَمَا سماه صلاةً،
كما لو ترك الركوع أو السجود. (العناية) ثم القومة: ثم إذا لم يكن التعديل عندهما فرضاً، فهل هو
واجب، أو سنة؟ فأما الطمأنينة في الانتقال، وهي القومة، والجلسة، فهي سنة عندهما. وأما الطمأنينة في
الركوع والسجود، ففي "تخريج الجرجاني": سنة، وفي تخريج الكرخي: واجبة، حتى تجب سجدتا السهو
بتركها عنده. [العناية ٢٦٢/١] سنة عندهما: قلت: ينبغي أن تكونا واجبتين؛ لورود الأمر بهما في حديث
الأعرابي، اللهم إلا إذا ثبت عدم مواظبة النبي ◌ُّ على ذلك.
واجبة: أقول: هذا هو الأصح، كيف لا؟ وقد قال رسول الله (®® لذلك الأعرابي الذي خَفّف في صلاته:
"صل فإنك لم تصل"، والأمر للفرضية، ولولا أنه خبر الواحد لقلنا بما قال به الشافعي، وخبر الواحد يُثبت
الواجب للنية، فلا بد أن يكون واجباً، والقول بكونه سنة مخالف للحديث الصريح الصحيح، فافهم.
ويعتمد: یعن یضع، لا أن يأخذ.

٢٠١
باب صفة الصلاة
لأن وائل بن حجر وَصفَ صلاةَ رسول الله وُّ: فسجد واذَّعَمَ على راحتيه ورفع
عَجِيزَتَه،* قال: ووضع وجهَه بين كفّيه، ويديه حذاء أذنيه؛ لما روي أنه عليَّ فعل
كذلك .** قال: وسحد على أنفه و جبهته؛
وائل بن حجر: الحجر بضم الحاء، وبعده الجيم كذا في المغرب. (الكفاية) وصف: أي بالفعل، لا بالقول.
وادعم: ومعنى ادعم على راحتيه اتكأ وهو افتعال من دعمت الشيء أي جعلته دعامة. (العناية)
عجيزته: هي العجزة للمرأة، فاستعير للرجل، والعجز مؤخر الشيء، هذا القول وإن لم يكن له مدخلاً
فيما ادعاه لكن من متمِّمات الحديث، فلذا تعرض له. على أنفه: تقديم الأنف على الجبهة باعتبار أن
الأنف أقرب إلى الأرض، فيضعه أولاً. (العناية) وجبهته: ثم قيل في كيفية السجود: والقيام منه أن يضع أولاً
ما كان أقرب إلى الأرض عند السجود، وأن يرفع أولا ما كان إلى السماء أقرب، فيضع أولاً ركبتيه، ثم
يديه، ثم وجهه، وقال بعضهم: يضع أنفه، ثم جبهته، ويرفع أولاً وجهه، ثم يديه، ثم ركبتيه. [العناية ٢٦٢/١]
* هذا الحديث لم يرو عن وائل بن حجر، وإنما روي عن البراء بن عازب. [البناية ٢٧٣/٢] أخرج أبو داود في
سنته حديث البراء بن عازب عن أبي اسحاق قال: وصف لنا البراء بن عازب: فوضع یدیه، واعتمد علی ر کیتیه،
ورفع عَجِيزَته، وقال: هكذا كان رسول الله ﴿﴿مّ يسجد. [رقم: ٨٩٦، باب صفة السجود] ورواه ابن حبان
والبيهقي، وهو حديث حسن. [اعلاء السنن ١٩/٣] حدثنا محمد بن الصباح ثنا شريك عن أبي اسحاق
قال: وصف لنا البراء بن عازب السجود: فسجد فَادَّعَمَ على كفيه، ورفع عجيزته، وقال: هكذا كان يفعل
رسول الله ﴿ّ. رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده. [نصب الراية ٣٨٠/١] قلت: محمد بن الصباح شيخ أبي يعلي
ثقة حافظ من رجال الجماعة كما في التقريب، وبقية السند سند الحديث السابق. [اعلاء السنن ١٩/٣-٢٠]
** لم أجده إلا مفرَّقاً. [نصب الراية ٣٨١/١] فروى مسلم في صحيحه صدره الأول من حديث وائل بن
حجر أنه رأى النبي ◌ُّ رفع يديه حين دخل في الصلاة، - إلى أن قال -: فلما سجد سجد بين
کفیه. [رقم: ٨٩٦، باب وضع يده اليمنى على اليسرى] وروى اسحاق بن راهويه في مسنده باقيه، فقال:
أخبرنا الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رمقت النبي ◌ُّ فلما سحد وضع
يديه حذاء أذنيه. [نصب الراية ٣٨١/١] قلت: رجاله رجال مسلم غير كليب، وهو صدوق، قال أبو زرعة:
ثقة، وقال ابن سعد: کان ثقة، رأيتهم يستحسنون حديثه، ويحتجون به، وذكره ابن حبان في الثقات كذا
في "تهذيب التهذيب". [إعلاء السنن ١٨/٣]

٢٠٢
باب صفة الصلاة
لأن النبي عليّ واظب عليه . * فإن اقتصر على أحدهما: جاز عند أبى حنيفة، وقالا: لا يجوز
الاقتصار على الأنف إلا من عذر وهو رواية عنه؛ لقوله عليه: "أمرتُ أن أسحد على سبعة
أعظُمْ"، ** وعدَّ منها الجبهةَ. ولأبي حنيفة: أن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه، وهو
المأمور به إلا أن الخدَّ والذّقنَ خارج بالإجماع، والمذكورُ فيما روى الوجه في المشهور.
في كتاب الله تعالى
جاز: والفتوى على قولهما. (شرح الوقاية) أمرتُ: وجه التمسك بهذا الحديث أن الأمر بالسجود مجمل؛
لأن السجدة عبارة من وضع بعض الوجه على الأرض، ومطلق البعض غير مراد بالإجماع حتى لو وضع
الخد والذقن لا يجزئه، فكان مجملاً فيما يُراد به، فيلحق هذا الخبر بياناً لمجمل الكتاب، وقد ذكر فيه الجبهة
دون الأنف، فالفرضية تثبت بخبر الواحد إذا كانت بياناً لمجمل الكتاب، ولا يثبت به ابتداء.
على سبعة أعظم: أي على اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة. (العناية)
أن السجود إلخ: أن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه؛ لأن وضع جميعه غير ممكن؛ لأن الأنف والجبهة
عظمان ناتئان يمنعان وضع جميع الوجه، وهذا ظاهر. [العناية ١/ ٢٦٣]
خارج بالإجماع: لأن وضع الذقن ليس تعظيماً، والخد يستلزم الانحراف من القبلة، فما بقي إلا الجبهة والأنف.
الوجه: لا الجبهة، فيكون الأنف مع الجبهة داخلين على السواء. (النهاية) في المشهور: روي في سنن
الأربعة عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ◌ٌّ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب:
وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه". [فتح القدير ٢٦٤/١]
* أخرجه الترمذي عن أبي حميد الساعدي أن النبي ◌َّ كان إذا سجد أمكن أنفَه وجبهته من الأرض،
ونَحِّی یدیه عن جنبیه، ووضع کفیه حذو منکبیه، قال أبو عيسى: حديث أبي حميد حديث حسن
صحيح. [رقم: ٢٧٠، باب ماجاء في السجود على الجبهة والأنف]
** أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ٣٨٣/١] أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ثما
قال: قال النبي ◌ُّ: أمرتُ أن أسجد على سبعة أعظُم: على الجبهة ــ وأشار بيده على أنفه ــ واليدين
والركبتين وأطراف القدمين، ولا نَكفِتُ الثيابَ والشَّعَرَ. [رقم: ٨١٢، باب السجود على الأنف]

٢٠٣
باب صفة الصلاة
ووضعُ اليدين والركبتين سنة عندنا؛ لتحقَّقِ السجود بدوهما، وأما وضعُ القدمين
فقد ذكر القدوري أنه فريضةٌ في السجود. قال: فإن سجد على كَورِ عِمَامِه، أو
فاضل ثوبه: جاز؛
سنة: أي ليس بفرض، ولا بواجب، أما الأول: فلأن نص السجدة مطلق يقتضي الإجزاء بوضع الجبهة
والأنف سواء وضع الأعضاء الآخر، أولا، فلو قلنا: بافتراض وضع الركبتين، واليدين بحديث "أمرت أن
أسجد" إلخ لزم الزيادة على الكتاب بخبر الواحد، وإنه لا يجوز. وأما الثاني: فلأن النبي ◌ُّ لم يذكره في
حديث الأعرابي حين علَّمَه الواجبات، فلو كان واجباً لذكره، ولقول النبي ◌ُّ: "مثل الذي يصلي وهو
عاقص كمثل الذي يصلي وهو مكفوف" شبه العاقص بالمكفوف، وهو تارك للسنة، فكذا المكفوف، فظهر
أن قول النبي ◌ُّ: "أمرت" إلخ إما محمول على الاستحباب، أو على اختصاصه بالنبي ◌ُّ، وقد يستدل على
عدم اللزوم، بأنه لو وجب وضعُهما، لوجب الإيماء بهما عند العجز، كما في الجبهة، وإذ ليس فليس.
عندنا: احتراز عن قول زفر، وهو قول الشافعي، ومختار الفقيه أبي الليث: أنه واجب؛ لقوله وُلّ: "أمرت
أن أسجد على سبعة أعضاء". [العناية ٢٦٤/١] لتحقق إلخ: قلت: كأنه دليل على عدم الافتراض المفهوم
عن دعوى السنية، وتقريره: أنه لا وجه لافتراضهما سوى أن لا يتوصل إلى السجدة به؛ لما عرفت أن
الحديث الوارد في الباب لا يصلح لإثبات الفرضية، ولكن السجود يتحقق بدون وضعهما كما لا يخفى،
فلا يكون فرضاً؛ إذ الحكم ينتفي بانتفاء العلة المنحصرة، وإنما قلنا: إنه دليل على ذلك؛ لأن السنية لا تثبت
إلا بالمواظبة، أو بدليلها، ولا ينتفي بإمكان التحقق بدونهما.
أنه فريضة: لأن السجدة إنما يتم بالوضع والرفع، وكلاهما لا يتيسر إلا بوضعهما، وما لايتيسر الفرض إلا به
٠٩/٥
يفترض أيضًا، وذلك؛ لأن المعتبر من القدرة هو المعتاد، دون ما فيه كلّفة ظاهرة، والسجدة بدون وضع القدم
لا يحصل إلا بكلفة بليغة بخلاف ما إذا رفع الركبتين، أو اليدين حيث لا يحتاج إلى كلفة زائدة منتفية في العادة.
في السجود: فإذا سجد ورفع أصابع رجلیه عن الأرض لا يجوز، کذا ذکره الكرخي والجصاص، ولو وضع
إحداهما جاز، قال قاضي خان: ويكره، وذكر الإمام التمرتاشي أن اليدين والقدمين سواء في عدم الفرضية،
وهو الذي يدل عليه كلام شيخ الإسلام في "مبسوطه"، وهو الحق. [العناية ٢٦٥/١] جاز: خلافاً للشافعي،
فإنه لا يجوز السجدة عنده على كور العمامة، وزعم أن كشف الجبهة عند السجود واجب.

٢٠٤
باب صفة الصلاة
"لأن النبي علێ کان یسجد علی کور عمامته" . * ويُروى "آنه عليا صلَّى في ثوب
واحد يتقي بفضوله حَرَّ الأرض وبَردَها ** وَيُبدِي ضَبْعَه؛ لقوله عِيًَ: "وَأَبْدِ
ضَبْعَيْكَ) *** ويُروى: و"أَبدَّ" من الإِبداد، **** وهو: المدّ، والأول من الإِبداء، وهو:
الإظهار. ويجافي بطنَه عن فخذيه؛ "لأنه عليّا كان إذا سجد جافى حتى إن بَهْمَةً
إن بهمة: البهم بفتح الباء أولاد الضأن والمعز الصغار. (مختار الصحاح)
* روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عبدالله بن أبي أوفى، ومن حديث
جابر، ومن حديث ابن عمر. [نصب الراية ٣٨٤/١] أخرج عبدالرزاق في مصنفه حديث أبي هريرة عن
يزيد بن الأصم أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله ◌ُّ يسجد على كور عمامته. [رقم: ١٥٦٤،
باب السجود على العمامة] وأخرج البخاري في صحيحه تعليقاً: وقال الحسن: كان القوم يسجدون على
العمامة والقلنسوة ويداه في كمه. [باب السجود على الثوب في شدة الحر]
** أخرجه الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن ابن عباس ◌ّما أن النبي ◌ُّ صلى في ثوب واحد متوشحاً يتقي
بفضوله حرًّا الأرض وبردها. رواه أحمد وأبو يعلى "والطبراني في الكبير" والأوسط، ورجال أحمد رجال
الصحيح. [رقم: ٢١٩٨، باب الصلاة في الثوب الواحد وأكثر منه]
*** هذا غريب لم يرد مرفوعاً هكذا. [البناية ٢٨٤/٢] وإنما روى عبد الرزاق في مصنفه عن آدم بن علي
قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي لا أتجافي عن الأرض بذراعي، فقال: يا ابن أخي لاتبسط بسط السبع،
وادّعِم على راحتيك، وأَبْدٍ ضَبعيك؛ فإنك إذا فعلتَ ذلك سجد كلّ عُضْو منك. [رقم: ٢٩٢٧، باب
السجود]. وأخرج الهيثمي حديث ابن عمر في مجمع الزوائد مرفوعًا، واللفظ له عن ابن عمر قال: قال
رسول الله ®: إذا صليت فلا تبسط ذراعيك بسطَ السَّع، وادعٌّم على راحتيك، وجافٍ مرفقَيك عن
ضَبعيك. رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. [رقم: ٢٧٦٧، باب السجود] وصححه الحاكم في
المستدرك، وأقره عليه الذهبي. [إعلاء السنن ٢٠/٣]
****
هذه الرواية ليست لها أصل، ولا لها وجود في كتب الحديث، وكان ينبغي أن يحتج في هذا بما رواه البخاري
ومسلم. [البناية ٢٨٥/٢] أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال: كان النبي صلّ إذا سجد
فرِّج بين يديه حتى نرى إبطيه، قال: وقال ابن بكير: حدَّنا بكر بياض إبطيه. [رقم: ٣٥٦٤، باب صفة النبي 223]

٢٠٥
باب صفة الصلاة
لو أرادت أن تَمُرَّ بين يديه لمرَّت"، * وقيل: إذا كان في الصف لا يجافي؛ کیلا يُؤْذي
جارَه. ويوجّه أصابعَ رجليه نحو القبلة؛ لقوله عليًّا: "إذا سجد المؤمنُ سجدَ كُلُّ عُضْوٍ
منه فلْيُوَجِّه من أعضائه القبلةَ ما استطاع "، ** ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى
ثلاثًا، وذلك أدناه؛ لقوله عليها: "إذا سجد أحدكم فليقل في سجوده: سبحان ربي
الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه"، *** أي: أدنى كمال الجمع، ويُستحب أن يزيد على الثلاث
في الركوع والسجود بعد أن يختم بالوتر؛ "لأنه علێ کان يختم بالوتر "، ****
الصف لا يجافي: هذا إذا كان في الصف ازدحام وقرب البعض من البعض، وإذا لم يكن كذلك لا يترك
السنة؛ لأنه لا إيذاء. [البناية ٢٨٦/٢] نحو القبلة: المحفوظ رواية ذلك من فعله.(فتح القدير)
ويقول: قالوا ويكره تركها ونقصها من الثلاث، والتصريح بأنه أمر استحباب يفيد أن هذه الكراهة
كراهة تنزيه. [فتح القدير ٢٦٧/١] يختم بالوتر: إن كان متعلقا بـ"يستحب"، فالأمر ظاهر، وحاصله
أن ثبوت الاستحباب إنما يتحقق بشرط الختم على الوتر، وإن كان متعلقًا بـ"يزيد"، فَبَعْد بمعنى مع.
يختم: يعني تسبيحات الركوع والسجود. (البناية) بالوتر: أي ضد الشفع قد يستدل لذلك بالحديث
المشهور: "إن الله وتر يحب الوتر".
* أخرج مسلم في صحيحه عن ميمونة قالت: كان النبي ◌ُّ إذا سجد، لو شاءت بَهمة أن تمر بين يديه
لمرت. [رقم: ١١٠٧، باب الإعتدال في السجود]
** هذا الحديث غريب. [البناية ٢٨٦/٢] أخرج النسائي في سننه عن أبي حميد الساعدي قال: كان النبي تَُّ
إذا أهوى إلى الأرض ساجداً جافى عضديه عن إبطيه، وفتح أصابع رجليه، مختصر. [رقم: ١١٠٢، باب فتخ
أصابع الرجلين في السجود] ورجاله كلهم ثقات [أي نصبهما وغمز موضع المفاصل منهما، وثناها إلى باطن
الرجل، وأصل الفتخ الكسر] كذا في "مجمع البحار". [إعلاء السنن ٣٩/٣] وأخرج البخاري في صحيحه عن
أبي حميد الساعدي، وفيه: فإذا سجد وضع يديه غيرَ مُفترِش ولا قابضَهما، واستقبلَ بأطراف أصابع رجليه
القبلةَ. [رقم: ٨٢٨، باب سنة الجلوس في التشهد]
***
سبق تخريج هذا الحديث.
* هذا الحديث غريب جدا. [البناية ٢٨٨/٢]
****

٢٠٦
باب صفة الصلاة
وإن كان إماماً لا يزيد على وجه يُملّ القومَ حتى لا يؤدّي إلى التنفير. ثم تسبيحات
الركوع والسجود سنة؛ لأن النصَّ تناولهما دون تسبيحاتهما، فلا يزاد على النص،
والمرأة تنخفض في سجودها وتلزق بطنها بفخذيها؛ لأن ذلك أسترُلها. قال: ثم يرفع
رأسه، ويكبر؛ لما روينا، فإذا اطمأنّ جالسًا كبّر وسجد؛ لقوله عليّ في حديث الأعرابي:
"ثم ارفع رأسَك حتى تستَوي جالسًا"، ولو لم يستو جالسًا وكبر وسجد أخرى: أجزأه
عند أبي حنيفة ومحمد، وقد ذكرناه. وتكلموا في مقدار الرفع، والأصح: أنه إذا كان
أي المشايخ
إلى السجود أقرب: لا يجوز؛ لأنه يعد ساجدًا، وإن كان إلى الجلوس أقربَ: جاز؛
لأنه يُعَدُّ جالسًا، فتحقق الثانية. قال: فإِذا اطمأن ساجدًا کبر، وقد ذكرناه،
أي السجدة الثانية
فلا يزاد على النص: عدم الزيادة لا يستلزم القول بالسنية؛ لجواز الوجوب والمواظبة. [فتح القدير ٢٦٧/١]
ثم يرفع إلخ: فريضة؛ لما أن السجدة الثانية فرض، فلابد من رفع الرأس ليتحقق السحدة الثانية، والتكبير
سنة. (النهاية) لما روينا: إشارة إلى قوله: "لأن النبي عليه كان يكبر عند كل خفض ورفع". (الكفاية)
وقد ذكرناه: أي في قوله: وأما الاستواء قائماً فليس بفرض وكذا الجلسة بين السجدتين -. [البناية ٢٩٠/٢]
في مقدار الرفع: قال المصنف: والأصح أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز؛ لأنه يعد ساجداً، وإن
كان إلى الجلوس أقرب جاز؛ لأنه يعد جالساً، فتتحقق السجدة الثانية يعني بعد ذلك المقدار من الرفع،
وهو المروي عن أبي حنيفة ذكره في "شرح الطحاوي". [العناية ١/ ٢٦٧]
لأنه يعد ساجداً: أي بالسحدة الأولى؛ لقربه إليه، فلم يتحقق الثانية. وقد ذكرناه: قيل: أراد به قوله: " كان يكبِّر
عند كل خفض ورفع"، والمناسب لذلك أن يقول: ماروينا، ولعله إشارة إلى قوله: لما روينا. [العناية ٢٦٧/١]
* أخرجه الأئمة الستة عن أبي هريرة لله. [نصب الراية ٣٨٨/١] أخرج البخاري في صحيحه عن أبي
هريرة لله وفيه: ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك
كلها. [رقم: ٧٥٧، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم]

٢٠٧
باب صفة الصلاة
واستوى قائماً على صدور قدميه ولا يقعد، ولا يعتمد بيديه على الأرض. وقال
الشافعي بالت يجلس جلسةً خفيفة، ثم ينهض معتمداً على الأرض؛ لأن النبي عليها فعل
ذلك .* ولنا: حديث أبي هريرة: "أن النبي عليه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه"،*
وما رواه محمول على حالة الكبر، ولأن هذه قعدةُ استراحة والصّلاة ما وُضِعَتْ لها.
على صدور قدميه: المقصود أنه يقوم بالوضع الذي يجلس. ولا يقعد: أي لا يجلس جلسةً خفيفةً. (العناية)
ولا يعتمد إلخ: خلافاً للشافعي، الخلاف بيننا وبين الشافعي له في موضعین: في اعتماد الیدین، عندنا
يعتمد بهم على ركبتيه، وعنده يعتمد بهما على الأرض، والثاني: في الجلسة. [الكفاية ٢٦٨/١]
وما رواه: وما رويناه محمول على حالة القدرة، فُيُوَفَّق بين الأخبار من هذا الوجه. (العناية)
حالة الكبر: يعني فعل ذلك حين ما كبر وأسن. (العناية)
* أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي قلابة قال: أخبرني مالك بن الحويرث الليثي أنه رأى النبي *
يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً. [رقم: ٨٢٣، باب من استوى قاعداً في
وتر (أي الركعة الأولى) من صلاته ثم نهض]
** أخرجه الترمذي في جامعه عن خالد بن إياس عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: كان النبي ◌ُّ
ينهض في الصلاة على صدور قدميه. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم يختارون
أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه، وخالد بن إياس ضعيف عند أهل الحديث. [رقم: ٢٨٨،
باب ماجاء كيف النهوض من السجود] قلت: ولكن قال ابن عدي: أحاديثه كلها غرائب وأفراد، ومع
ضعفه يكتب حديثه انتهى، كذا في "تهذيب التهذيب"، ولا يخفى أن حديثه هذا له شواهد
صحيحة. [إعلاء السنن ٥٠/٣] قوله: "عليه العمل عند أهل العلم" يدل على حسنه؛ لأنه لو لم يكن حسناً
بل ضعيفاً لما عملوا به سيما عند المعارضة، وقال المحقق ابن الهمام في الفتح: وقول الترمذي: "العمل عليه
عند أهل العلم" يقتضي قوة أصله، وإن ضعف خصوص هذا الطريق. [إعلاء السنن ٤٩/٣] أخرج ابن أبي
شيبة في مصنفه عن النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي 313ّ فكان إذا رفع
رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس. [٣٩٥/١، باب من كان يقول: إذا رفعت
رأسك من السجدة الثانية في الركعة الأولى فلا تجلس] إسناده حسن. [إعلاء السنن ٤٨/٣]

٢٠٨
باب صفة الصلاة
ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى؛ لأنه تكرار الأركان إلا أنه
لا يستفتح ولا يتعوذ؛ لأنهما لم يُشرَعا إلا مرةً واحدة، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة
الأولى، خلافًا للشافعي في الركوع، وفي الرفع منه؛ لقوله عليها: "لا تُرفَعُ الأيدي إلا في
سبع مواطن: تكبيرة الافتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين "،
تكرار الأركان: والتكرار يقتضي إعادة الأول. (العناية) إلا إلخ: استثناء من قوله: ويفعل في الركعة الثانية إلخ.
لا يستفتح: قيل: أي لا يقول: سبحانك اللهم إلخ، ويسمى هذا دعاء الاستفتاح. (العناية)
لم يشرعا: على وجه السنة والإستحباب. خلافاً للشافعي إلخ: وفي المسألة حكاية: روي أن الأوزاعي
لقي أبا حنيفة باليه في المسجد الحرام، فقال: ما بال أهل العراق لا يرفعون أيديهم عند الركوع، وعند رفع
الرأس منه، وقد حدثني الزهري عن سالم عن ابن عمر: أنه عليّا كان يرفع يديه عندهما، فقال أبو حنيفة:
حدثني حماد عن إبرهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود عنه أن النبي ◌ُّ كان يرفع يديه عند تكبيرة
الافتتاح، ثم لا يعود. فقال الأوزاعي عجباً من أبي حنيفة: أحدثه بحديث الزهري عن سالم، وهو يحدثني
بحديث حماد عن إبراهيم، فرجَّح حديثه بعلو إسناده، فقال أبو حنيفة بحثه: أما حماد، فكان أفقه من
الزهري، وإبراهيم كان أفقه من سالم، ولولا سبق ابن عمر فيها لقلت: بأن علقمة أفقه منه، وأما عبدالله
فعبد الله، فرجَّح حديثَه بفقه الرواة، وهو المذهب؛ فإن الترجيح بفقه الرواة، لا بعلو الإسناد. والكلام في
هذا الموضع كثير، وهذا المختصر لا يحتمله. [العناية ٢٦٩/١]
إلا في سبع مواطن: يُشكل برفع اليد في الدعاء إلا أن يقال: المراد حصر الرفع المنصوص.
واحتج أصحابنا بحديث البراء بن عازب ... وبالحديث الذي ذكره المصنف ولكنه بغير اللفظ الذي
ذكره. [البناية ٢٩٣/٢، ٢٩٤] أخرج الطبراني في "المعجم الأوسط" عن ابن عباس أن النبي ◌ّ قال: السجود
على سبعة أعضاء: اليدين، والقدمين، والركبتين، والجبهة. وبه عن النبي ◌ُّ رفع الأيدي إذا رأيتَ البيت،
وعلى الصفا والمروة، وبعرفة، وبجمع، وعند رمي الجمار، وإذا أقيمت الصلاة. [رقم: ١٧٠٨، ١٧٠٩، ٤١٠/٢]
قلت: ورجاله كلهم ثقات إلاسيف بن عبيد الله فصدوق كما في التقريب. [إعلاء السنن ٨١/٣] (و) ذكر
البخاري معلّقاً في کتاب رفع اليدين فقال: وقال و کیع عن ابن أبي ليلی عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس
عن النبي ◌ُّ قال: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن. الحديث كذا في الزيلعي. [إعلاء السنن ٨٢/٣]

٢٠٩
باب صفة الصلاة
وذَكَرَ الأربعَ في الحج، والذي يُروَى من الرفع محمولٌ على الابتداءِ، كذا نُقِلَ عن ابن
الزبير .* وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية اقتَرَشَ رِجَه اليسرى فجلس
عليها، ونَصَب اليمنى نَصْباً، ووجَّه أصابعَه نحو القبلة.
وذكر الأربع في الحج: هو تكبير عرفات، وتكبير الجمرتين، وتكبير الصفا والمروة، وتكبير الاستلام.
كذا: أي بحمل ما رواه على الابتداء. (الكفاية) أصابعه: أي أصابع الرجلين جميعاً، لكن أصابع اليمنى
مرفوعة، وأصابع اليسرى مخفوضة، لكن رؤوسها مائلة إلى القبلة.
* وأما ما قاله في الهداية: والذي يُروى من الرفع محمول على الإبتداء كذا نقل عن ابن الزبير شيء، فأورد عليه
الزيلعي بأنه غريب، وذكره ابن الجوزي في التحقيق، فقال: وزَعَمت الحنفيةُ أن أحاديث الرفع منسوخة
بحديثين، رووا أحدهما عن ابن عباس قال: "كان رسول الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع، ثم صار إلى
افتتاح الصلاة وترك ما سوى ذلك"، والثاني رووه عن ابن الزبير "أنه رأى رجلاً يرفع يديه من الركوع، فقال:
مه، فإن هذا شيء فعله رسول الله (﴿ ثم تركه". قال: وهذان الحديثان لا يعرفان أصلاً، وإنما المحفوظ عن ابن
عباس وابن الزبير خلاف ذلك، فأخرج أبو داود عن ميمون المكي "أنه رأى ابن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه
حين يقوم وحين يركع وحين يسجد، قال: فذهبت إلى ابن عباس فأخبرته بذلك قال: إن أحببت أن تنظر إلى
صلاة رسول الله (ُّ فاقتد بصلاة ابن الزبير" ولو صح ذلك لم تصح دعوى النسخ؛ لأن من شرط الناسخ أن
يكون أقوى من المنسوخ انتهى. [٣٩٢/١] قلت: وأحسن ما يستدل به على النسخ ما بيناه سابقاً أن أحاديث
الرفع قد ورد فيها ما اعترفتم بنسخه أيضاً، كالرفع عند الرفع من السجدتين، والرفع بين السجدتين وغيرهما،
وقال الحافظ في الفتح: روى الطحاوي حديث الباب (أي حديث ابن عمر) في مشكله من طريق نصر بن علي
عن عبد الأعلى بلفظ: "کان یرفع يديه في کل خفض، ورفع، ور کوع، وسجود، وقيام، وقعود، وبين
السجدتين، ويذكر أن النبي ◌ُّ كان يفعل ذلك". وهذه رواية شاذة فقد رواه الإسماعيلي عن جماعة من
مشايخه الحفاظ عن نصر بن علي المذكور بلفظ عياش شيخ البخاري، وكذا رواه هو وأبو نعيم من طرق
أخرى عن عبد الأعلى كذلك انتهى، قلت: سكوت الحافظ عن رجال الطحاوي يدل على أنهم ثقات، وزيادة
الثقة مقبولة ما لم تکن مخالفة منافية لرواية الثقات، وههنا کذلك، فان التطبيق ممکن؛ بأنه ے کانت عادته في
الرفع مختلفة، فمرةً کان يرفع في کل رفع وخفض وقيام وقعود، ومرةً لم يرفع في بعض المواضع، فروى ابن
عمر كلا العادتين حسب ما رآه، فلا يترك أحد الحديثين بالآخر، والحال هذه. [إعلاء السنن ٨٣،٨٤/٣]

٢١٠
باب صفة الصلاة
هكذا وصفت عائشة قعودَ رسول الله (ّ في الصلاة . * ووَضَع يديه على فَخذيه،
وبَسط أصابعه، وتشهَّد. یُروی ذلك في حدیث وائل بن حجر
ولا یقبض
* أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: كان رسول الله ◌ٌ﴿مّ يستفتح الصلاةَ بالتكبير. الحديث،
وفيه: كان يُفرِّشَ رِجَلَه اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان يَنْهَى عن عقبة الشيطان، ويَنْهَى أن يفترش
الرجلُ ذراعيه افتراش السبع، وكان يَختم الصلاةَ بالتسليم. [رقم: ١١١٠، باب ما يجمع صفة الصلاة]
وأخرج النسائي في سنته عن عبدالله وهو ابن عبدالله بن عمر عن أبيه قال: من سنة الصلاة أن تَنصب القدمَ
اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى. [رقم: ١١٥٩، باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم
القبلة عند القعود للتشهد] قلت: ورجاله رجال الصحيحين إلا الربيع بن سليمان بن داود شيخ النسائي وهو ثقة,
وإلا إسحاق بن بكر فهو من رجال مسلم ثقة، قال في "آثار السنن": وإسناده صحيح. [إعلاء السنن ٤٦/٣]
** ذلك إشارة إلى وضع اليدين .... ولكن ليس كل ذلك في حديث وائل بن حُجر. [البناية ٣٦٠/٢] أخرج
الترمذي في جامعه حديث وائل عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: قدمت المدينة
قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله څےّ، فلما جلس يعني للتشهد، افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى يعني
علی فخذه الیسری، ونصب رجله اليمنى. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل
العلم. [رقم: ٢٩٢، باب ماجاء كيف الجلوس في التشهد] وأخرج مسلم في صحيحه عن علي بن عبدالرحمن
الْمُعَاويِّ أنه قال: رآني عبدالله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة - إلى أن قال -: قلت: وكيف كان
رسول الله ◌ّ يصنع؟ قال: إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها.
وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى. [رقم: ١٣١١، باب صفة الجلوس في
الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين] قال المحقق في "الفتح": ولا شك أن وضع الكف مع قبض الأصابع
لا يتحقق، فالمراد - والله أعلم - وضع الكف، ثم قبض الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المروي عن محمد
في كيفية الإشارة انتهى، قال الشيخ: في هذا الحدیث وأمثاله الوضع على الفخذين، وفي حديث عباس بن سهل
وغيره ورد الوضع على الركبتين، والجمع بينهما بأن الكفين كانتا على الفخذين وأطراف الأصابع عند الركبتين،
وهو المذهب عندنا. [إعلاء السنن ١٠٩/٣] وكذلك أخرج مسلم عن ابن عمر أن النبي ◌ُ ◌ّ كان إذا جلس في
الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فدعابها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى
باسطُها عليها. [رقم: ١٣٠٩، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين]

٢١١
باب صفة الصلاة
ولأن فيه توجيه أصابع يديه إلى القبلة. فإن كانت امرأة جلست على إليتها اليسرى،
وأخرجت رِجِلَيها من الجانب الأيمن؛ لأنه أسترُلها. والتشهد: التحياتُ لله، والصلواتُ،
العبادات القولية العبادات البدنية
والطيبات، السلام عليك أيها النبي إلى آخره، وهذا تشهُّدُ عبد الله بن مسعود غه؛ فإنه
العبادات المالية
قال: "أخذ رسولُ الله ◌ُّ بيدي، وعَلَّمني النشهدَ كما كان يُعلّمني سورةً من القرآن،
وقال: قل: التحيات لله - إلى آخره -" .* والأخذُ هذا أولی من الأخذ بتشهد ابن عباس،
فإن كانت امرأة إلخ: الأنسب تقديمه؛ ليكون قريباً من جلسة الرجل؛ لأن وضع اليدين وما يتلوه من
تتمة الجلسة، فأراد أن يفرغ عنها. رجليها: ليكون قعودها على الإلية اليسرى. والتشهد إلخ: اعلم أن
الصحابة ، اختلفوا في التشهد، لعمر تشهد، ولعلي تشهد، ولعبد الله بن عباس تشهد، ولعبد الله بن
مسعود تشهد، ولعائشة تشهد، ولجابر تشهد، ولغيرهم أيضاً تشهد، فأخذ علماؤنا لك بتشهد عبدالله بن
مسعود ه، وأخذ الشافعي باته بتشهد عبدالله بن عباس طهما، وتشهده كما ذكر في الكتاب إلا أنه قال
في آخره: "وأشهد أن محمداً رسول الله"، بدون عبده. [الكفاية ٢٧٢/١]
السلام عليك: حكاية السلام الذي رده الله تعالى على نبيه عليّا ليلة المعراج؛ لما أثنى على الله بثلاثة أشياء
ردَّ الله عليه في مقابلها ثلاثة أشياء، السلام بمقابلة التحيات، والرحمة بمقابلة الصلوات، والبركة بمقابلة
الطيبات. والبركة هي النماء والزيادة. [العناية ٢٧٣/١] أخذ: ليكون حاضراً، فلا يفوته شيء.
بهذا أولى: بوجوه ذكر بعضها في الكتاب. (العناية)
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ٤١٩/١] أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله قال: كنا نقول في
الصلاة خلف رسول الله : السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله (® ذات يوم: إن الله
هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كلّ عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن
لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء. [رقم: ٨٩٧، باب التشهد في الصلاة]
وفي رواية قال: سمعت ابن مسعود يقول: عَلَّمني رسول الله ◌ُّ التشهدَ وكفِّي بين كفّيه كما يعلمني السورةَ
من القرآن، واقتصَّ التشهد بمثل ما اقتصوا. [رقم: ٩٠١، باب التشهد في الصلاة]

٢١٢
باب صفة الصلاة
وهو قوله: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته، سلام علينا إلى آخره؛* لأن فيه الأمرَ، وأقله الاستحبابُ، والألف واللام
وهما للاستغراق، وزيادة الواو، وهي لتجديد الكلام، كما في القسم، وتأكيد التعليم.
ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى؛ لقول ابن مسعود: علّمني رسولُ الله ◌َّ التشهدَ
التشهد
في وسط الصلاة، وآخرها . ** فإذا كان وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد،
لأن: متصل بقوله: أولى. (النهاية) وأقله الاستحباب: وللأمر مراتب وأقلها الاستحباب. (البناية) والألف
واللام: في قوله: السلام عليك. (العناية) وزيادة الواو: أي واو العطف فبها يصير كل كلام على حدة؛
لأن العطف للمغايرة، وبغير الواو يصير الكل ثناء واحداً بعضه صفة بعض. [البناية ٣١٢/٢] وتأكيد
التعليم: هو مستفاد من قوله: "كما علّمني سورةً من القرآن"، فإن النبي ◌َّ كان يكرر السورة مراراً حتى
يحفظ. ولا يزيد: أي على مقدار التشهد. (العناية) هذا عندنا، وقال الشافعي: يزيد الصلاة على النبي ◌ُ
صلى الله
وعليهما،
فإن الصلاة عليه عنده سنة، قال الطحاوي: قول من قال: إنه سنة مخالف للإجماع. (النهاية).
* أخرجه الجماعة إلا البخاري. [نصب الراية ٤٢٠/١] أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال:
كان رسول الله وسلّ يعلِّمنا التشهدَ كما يعلِّمنا السورةَ من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات
الصلوات الطيبات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. [رقم: ٩٠٢، باب التشهد في الصلاة]
** أخرجه أحمد في "مسنده" عن عبد الله بن مسعود قال: علّمني رسول الله وُّ التشهدَ في وسط الصلاة،
وفي آخرها: فكنا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله ﴿ّ علَّمه إياه قال: فكان يقول - إذا جلس
في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى -: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك
أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله فقال: ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده وإن كان في آخرها
دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم. [رقم: ٤٣٨٢، ٣٩٢/٧] وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد":
رواه أحمد ورجاله موثقون. [٣٣٧/٢، باب التشهد والجلوس والإشارة بالإصبع فيه]

٢١٣
باب صفة الصلاة
وإذا كان آخر الصلاة دعا لنفسه بما شاء. ويقرأ في الركعتين الأُخْرَبَيْن بفاتحة الكتاب وحدَها؛
لحديث أبي قتادة " أن التي عليَة قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وحدها "،* وهذا بيان
الأفضل، هو الصحيح؛ لأن القراءةَ فرض في الركعتين على ما يأتيك من بعد، إن شاء الله
الأولیین
**
تعالى. وجلس في الأخيرة كما جلس في الأولی؛ لما روینا من حديث وائل وعائشة فيها،
لحديث إلخ: دليل على قراءة الفاتحة في الأخريين، لا على القراءة. وهذا إلخ: وذكر في "المحيط": وإن ترك
القراءة والتسبيح في الأخريين لم يكن عليه حرج، ولم يكن عليه سحدتا السهو إن كان ساهياً، لكن القراءة
أفضل، هذا هو الصحيح من الروايات كذا ذكره القدوري في "شرحه". وروى الحسن عن أبي حنيفة بالشك أنه لو
سَبَّح في كل ركعة من الأخربين ثلاث تسبيحات أجزأه، وقراءة الفاتحة أفضل، فإن لم يقرأ أو لم يسبّح كان مسيئًا
إن كان متعمداً، وإن كان ساهياً، فعليه سجدة السهو؛ لأن القيام في الأخريين مقصود، فيكره إخلاؤه عن الذكر
والقراءة جميعاً، كما في الركوع والسجود، وعن أبي يوسف بحالكه أنه قال: يسبح فيهما ولا يسكت، إلا أنه إذا
أراد أن يقرأ الفاتحة، فليقرأ على جهة الثناء لا القراءة، وبه أخذ بعض المتأخرين. [الكفاية ٢٧٤/١]
الأفضل: وأشار به أنه ليس سنة. فإن قرأ فقد أتى بالأفضل، وإن ترك فلا شيء عليه. (البناية)
هو الصحيح: احتراز عن رواية الحسن عن أبي حنيفة أنها واجبة يلزم بتركها السهو. [فتح القدير ٢٧٤/١]
فرض: لا يقال: لو كان فرضاً لزم أن لا يقع من إذا أتى به في الأخريين؛ لأنا نقول: وقوعها فيه باعتبار
صلى الله
وَســ
أنها قضاء، لا أداء. وجلس في الأخيرة: وقال مالك: يتورك في القعدتين؛ لحديث أبي حميد: أن النبي
إذا قعد في الصلاة قعد متوركاً، وقال الشافعي: يفترش في الأولى، ويتورك في الثانية؛ عملاً بالروايتين.
في الأخيرة: قيل: إنما قال: في الأخيرة؛ ليتناول قعدة العجز، وقعدة المسافر. وليس بواضح؛ لأن قوله:
"كما جلس في الأولى" ينبو عن ذلك. [العناية ٢٧٤/١]
* أخرجه مسلم في صحيحه عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه أن النبي ◌ُّ كان يقرأ في الركعتين الأوليين
من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويُسمعنا الآية أحياناً، ويقرأ في الركعتين الآخرين بفاتحة
الكتاب. [رقم: ١٠١٣، باب القراءة في الظهر والعصر]
** وفي هذا الحديث علة أخرى، وهي أن بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين أبي حميد رجل مجهول بيّن
ذلك الطحاوي. [البناية ٢٩٩/٢]

٢١٤
باب صفة الصلاة
ولأنها أشق على البدن، فكان أولى من التورك الذي يميل إليه مالك، والذي يروى
أنه عليَه قعد متورِّكاً، * ضَعَّفه الطحاوي، أويُحمَل على حالة الكِبَرِ. وتشهَّد، وهو
واجب عندنا، وصلّى على النبي عليَلا، وهو ليس بفريضة عندنا، خلافاً للشافعي فيهما؛
ولأنها أشق: وما كان أشق فهو أفضل. (العناية) يميل إليه مالك: وفي "المصابيح": حديث أبي حميد على
وجه يوافق مذهبَ الشافعي دون مالك. ضعفه الطحاوي: قال: هذا من حديث عبد الحميد بن جعفر،
وهو ضعيف عند نقلة الحديث. (العناية) على حالة الكبر: لم يقل: في حالة الضعف؛ رعايةً للأدب.
فيهما: أي في قراءة التشهد والصلاة على النبي ◌ُّ فإنهما فرضان عنده، أما التشهد، فلما رواه ابن مسعود هلُه:
كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: "السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل"، فقال النبي عليه:
قولوا: "التحيات الله" - إلى أن قال في آخره -: "إذا قلت هذا أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك"، أطلق اسم
الفرض على التشهد، وقال له: "قل"، والأمر للوجوب، وعلّق التمامَ به، فلا يتم بدونه. وأما الصلاة على النبي ◌ُّ؟
فلقوله تعالى: ﴿صَلَّوا عَلَيْهِ﴾، والأمر للوجوب، ولا وجوب خارج الصلاة، فكان فيها، ولنا على عدم
فرضية التشهد: حديث ابن مسعود، فإنه علق على التمام بأحد الأمرين، وأجمعنا على أن التمام متعلق
بالقعدة، فإنه لو تركها لم تجزه، فلا يتعلق بالثاني؛ ليتحقق التخيير، فإن موجب التخيير بين الشيئين الإتيان
بأحدهما، وكذلك على عدم فرضية الصلاة على النبي عليه؛ لأنه علق بأحدهما، فمن علق بثالث غيرهما،
وهو الصلاة على النبي عليًّا، فقد خالف النص. والجواب عن استدلاله بالحديث: أن معنى الفرض التقدير
أي قبل أن يقدر التشهد، والأمر صدر على سبيل التعليم، فلا يفيد الفرضية، فإنه لم يعدها في بعض
الكلمات، فإن الفرض عندهم خمس كلمات، وقد أجبنا عن قوله: "علق التمام به" آنفاً، وعن الآية أنا
لا نسلم أنه لا وجوب لها خارج الصلاة؛ فإنها واجبة فيه، إما مرة واحدة، كما ذكره الكرخي، أو كلما
ذكر النبي ◌َّ، كما اختاره الطحاوي، فكفينا مؤنة الأمر؛ لأن الوجوب الذي يقتضيه الأمر قد حصل،
فإنه لا تدل الآية على كونها في الصلاة البتة. [العناية ٢٧٥/١]
* رواه الجماعة إلا مسلماً. [نصب الراية ٤٢٣/١] أخرج أبو داود في سننه عن أبي حميد الساعدي قال: أنا
أعلمكم بصلاة رسول الله (35 - إلى أن قال -: حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخّر رِجلَه اليسرى،
وقعد متوركاً على شقه الأيسر، قالوا: صدقت هكذا كان يصلي ◌ٌ*®. [رقم: ٧٣٠، باب افتتاح الصلاة]

٢١٥
باب صفة الصلاة
لقوله عليّا: "إذا قلتَ: هذا أو فعلتَ فقد تمت صلاتك، إن شئتَ أن تقومَ فقم، وإن
شئتَ أن تقعُد فاقعُد* والصلاة على النبي عليّ خارجَ الصّلاة واجبة، إما مرةً واحدة،
كما قاله الكرخي، أو كلما ذُكِرَ النبي ◌ّ، كما اختاره الطحاوي، فكفينا مؤنة الأمر،
والفرضُ المرويُّ في التشهد هو التقدير . ** قال: ودعا بما يشبه ألفاظ القرآن،
فقد تمت صلاتك: قلت: التمسك بالحديث على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من أن الخروج بصنعه
فرض، وأن معناه: قاربت التمام، مشكل إلا أن يقال: الحديث يوجب تمام الصلاة بالقعدة، غير أنه ترك
موجبه في زيادة الخروج بفعله بدلالة النص والإجماع على مايجيء بيانه، ولا دليل على زيادة الصلاة
والتشهد، فبقي في حقهما عاملاً بموجبه. والصلاة: إشارة إلى ما ذكرنا من الجواب عن استدلاله. (العناية)
والفرض المروي: أي لفظ الفرض الذي روي في تشهد ابن مسعود في حديثه الآخر. (البناية)
بما يشبه إلخ: مثل أن يقول: اللهم اغفرلي ولوالدي، ومثل قوله: واغفر لأبي. (العناية)
* أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي، وحدثني أن عبد الله بن مسعود
أخذ بيده، وأن رسول الله ◌ُّ أخذ بيد عبد الله، فعلَّمه التشهد في الصلاة - وفيه - "أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك إن شئت
أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. [رقم: ٤٠٠٦، ١٠٨/٧-١٠٩] ورواه الطبراني في "الأوسط"، وبين أن
ذلك من قول ابن مسعود من قوله: فإذا فرغت من هذا فقد قضيت صلاتك، كذلك لفظه عند الطبراني ورجال
أحمد موثقون. [رقم: ٢٨٦١، باب التشهد والجلوس والإشارة بالإصبع فيه] قلت: يمكن الجمع بأنه قال: مرة
من عند نفسه ومرة رفعه، وهو غير منكر (أي رواه مرفوعاً وموقوفاً) فربما يفتيّ الصحابي بما سمعه عن النبي نَّ
فيظن أنه فتياه وليس بمرفوع، ثم يرفعه في وقت، ونظائره كثيرة، وهذا إذا صح سند الطبراني ولكنه لم يصح كما
يدل عليه سياق كلام الهيثمي علا أنه إن كان موقوفاً فهو في حكم المرفوع؛ لأنه ليس مما يدرك بالرأي فلا يضر
وقفه في الاحتجاج به. [إعلاء السنن ١٤١/٣، ١٤٢] وأيضاً أخرجه أبو داود كما سبق.
** أخرجه النسائي في سننه عن ابن مسعود قال: كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد. [رقم: ١٦٧٨،
باب ایجاب التشهد]

٢١٦
باب صفة الصلاة
والأدعية المأثورة؛ لما روينا من حديث ابن مسعود قال له النبي عليه: "ثم اختر من
الدعاء أطيَبَه وأعجَبَه إليك" .* ويبدأ بالصلاة على النبي .
صلى الله
ليكون أقرب إلى الإجابة.
ولا يدعو بما يُشبه كلامَ الناس؛ تحرزاً عن الفساد، ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ،
لا بأي ما شاء
والأدعية: تجوز بالنصب عطفاً على "ألفاظ"، وبالجر عطفا على "القرآن". (العناية) المأثورة: هي المروية عن
رسول الله ◌ُّ. (العناية) لما روينا: أشار بهذا إلى الحديث المقدم عن ابن مسعود ◌ُه: علّمني رسول الله ◌ُطّ
التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها، فإذا كان وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد، وإذا كان في آخر
الصلاة دعى لنفسه بما شاء، لا يتم دليله. وإن أراد بما في حديث ابن مسعود الله الآخر: "ثم ليختر من
الدعاء أعجبه إليه، فيدعوبه"، وفي رواية: "ثم يتخير من المسألة ما شاء"، فبذلك لم يتم دليله ولا سيما عند
البخاري: "ثم ليختر بعد من الكلام ما شاء"، ذكره في "الدعوات" وفي "الاستئذان"، بل الكل دليل
للشافعي وحجة له في إباحة الدعاء بكلام الناس نحو: اللهم زوجني امرأة حسناء واعطني بستاناً أنيقاً. ولو
استدل المصنف بحديث أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس لكان أصوب، ولم أر أحداً من
الشراح حقق هذا الموضع فأكثرهم لم يذكروا شيئاً من ذلك، واعتذر بعضهم وقال: ولعله سقط من
النسخ، وأراد به حديث أن صلاتنا هذه ... الحديث. [البناية ٣٢٣/٢]
ليكون أقرب: وذلك؛ لأنه يستجيب الدعاء للنبي ◌ُّ ولا يحسن من الكريم أن يستجيب بعض الدعاء دون
بعض آخر فيستجيب الجميع. (العناية) تحرزاً: أي تحرزاً عن إفساد الجزء الملاقي لكلام الناس، لا جميع الصلاة
بالاتفاق؛ لأن حقيقة كلام الناس بعد التشهد لا يُفسِد الصلاةَ، فكيف ما يُشبهه، وهذا عندهما ظاهر، وكذا
عند أبي حنيفة؛ لأن كلام الناس صنع من المصلي، فتتم به صلاته، فكان بالدعاء الذي يشبه كلام الناس بعد
التشهد خارجاً عن الصلاة، لا مفسِداً لها. [العناية ٢٧٧/١] عن الفساد: الظاهر أنه أراد بالفساد ههنا هو
الخروج لا على وجه المسنون، أو أراد به نفس الخروج عنها، والسنة في الدعاء أن يأتي بها في حال الصلاة؛
لأنها حال المناجاة، والدعاء ساعتئذ أسرع إلى القبول، فلا يأتي بالدعاء على وجه يخرجه عن الصلاة.
المحفوظ: عند الرواة المقبول بينهم. (البناية)
* أخرجه البخاري في صحيحه عن عبدالله قال: كنا إذا كنا مع النبي ◌ُّ في الصلاة - إلى أن قال -: ثم ليتخير
من الدعاء أعجبه إليه فيدعو. [رقم: ٨٣٥، باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب]

٢١٧
باب صفة الصلاة
وما لا يستحيل سؤالُه من العباد كقوله: اللهم زَوِّجني فلانة يُشبه كلامَهم، وما يستحيل
كقوله: اللهم اغفرلي، ليس من كلامهم، وقوله: اللهم ارزقني من قبيل الأول؛
لاستعمالها فيما بين العباد، يقال: رزق الأميرُ الجيشَ. ثم يُسلّم عن يمينه، فيقول: السلام
عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك؛ لما روى ابن مسعود: أن النبي عليّا كان
يُسَلِّم عن يمينه حتى يُرَى بياضُ خلِّ الأيمن، وعن يساره حتى يُّرَى بياض خدِّه الأيسر.
*
وينوي بالتسليمة الأولى مَنْ عن يمينه من الرجال والنساء والحفظة، وكذلك في الثانية؛
٠٠٠٠
لأن الأعمال بالنيات، ولا ینوي النساء في زماننا، ولا من لاشر کة له في صلاته،
من المؤمنين الغيب
هو الصحيح؛ لأن الخطاب حظ الحاضرين.
من قبيل الأول: واختلف في قوله: "اللهم ارزقني"، فمنهم من يقول: لا بأس به؛ لأن الرازق هو الله ليس
إلا ومنهم من يقول: تفسد به الصلاة واختاره المصنف، وفي بعض النسخ: هو الصحيح. [العناية ٢٧٨/١]
الأول: أقول: يُرُدُّه ماورد في السنن: أن النبي ◌ُّ كان يدعو فيما بين السجدتين: "اللهم اغفرلي وارزقني" الحديث.
أن النبي عليه: وعلى هذا الوجه قول جمهور العلماء وكبار الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود به. [العناية ٢٧٨/١]
ينوي: ولا بد من النية؛ لأن السلام قربة وهي لا تكون إلا بالنية. (البناية)
وكذلك في الثانية: أي ينوي فيها ما نوى في الأولى. (العناية) في زماننا: يعني أن ما قاله محمد من نية
النساء كان في زمانهم، وأما في زماننا فلا ينوي النساء؛ لأن حضورهن الجماعات متروك بإجماع
المتأخرين. [العناية ٢٧٩/١] هو الصحيح: أكثر مشايخنا يخص بهذه النية من شاركه في الصلاة من
الرجال والنساء. (النهاية) حظ الحاضرين: بخلاف سلام التشهد، لأنه تحية عامة للحضور والغُيَّب
الصالحين من عباده، على ما قال و03: إذا قال المصلي: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أصاب كل
عبد صالح من أهل السماء والأرض". [العناية ٢٧٩/١]
* أخرجه أصحاب السنن الأربعة. [نصب الراية ٤٣١/١] أخرج النسائي في سننه عن عبدالله بن مسعود
أن رسول الله ®®ّ كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يُرَى بياضُ خده الأيمن، وعن يساره
السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر. [رقم: ١٣٢٦، باب كيف السلام على الشمال]

٢١٨
باب صفة الصلاة
ولا بد للمتقدي من نية إمامه، فإن كان الإِمام من الجانب الأيمن، أو الأيسر: نواه فيهم،
وإن كان بحذائه نواه في الأولى عند أبي يوسف؛ ترجيحاً للجانب الأيمن، وعند محمد -
وهو رواية عن أبي حنيفة - نواه فيهما؛ لأنه ذوحظ من الجانبين. والمنفرد ينوي
الحَفَظَةَ لا غير؛ لأنه ليس معه سواهم، والإِمام ينوي بالتسليمتين، هو الصحيح،
ولا ينوي في الملائكة عدداً محصوراً؛ لأن الأخبارَ في عددهم قد اختلفت، فأشبه
الإِيمانَ بالأنبياء عليهم السلام، ثم إصابةُ لفظة السلام واجبة عندنا، ولیس بفرض
خلافاً للشافعي بحظه، هو يتمسك بقوله عليه: "تحريمها التكبير وتحليلُها التسليم" .*
من نية إمامه: قيل: تخصيص الإمام بالذكر يؤيد قول من يقول: ينوي من يشاركه في الصلاة دون غيره.
[العناية ٢٧٩/١] بحذائه: أي وإن كان المقتدي على حذاء الإمام. ترجيحاً: لأن التيمن معتبر. (البناية)
وهو: الضمير راجع إلى ما هو مذكور حكماً أي ما ذهب إليه محمد. من الجانبين: فإن له نسبة من
اليمين، ونسبة من اليسار. هو الصحيح: هذا احتراز عن قول بعضهم: ينوي الإمام في التسليمة الأولى،
والأصح أنه ينوي في التسليمتين كذا ذكره قاضيخان رافه. (الكفاية)
عدداً محصوراً: يشير إلى أن المراد بالحفظة ليس الكرام الكاتبون فقط، كما زعم بعضهم أنه ينوي به
ذلك، وهم اثنان: واحد عن يمينه يكتب الحسنات، وآخر عن يساره يكتب السيئات، بل المراد بها من معه
من الملائكة، ولا يحصر في ذلك عدداً معلوماً؛ لأن الأخبار في عددهم قد اختلفت. [العناية ٢٨٠/١]
قد اختلفت: وفي بعض الأخبار مع كل مؤمن ملكان، وفي بعضها مع كل مؤمن ستون ملكاً، وفي
بعضها مع كل مؤمن مائة وستون مَلَكاً. (الكفاية) بالأنبياء: نؤمن بكلهم ولا نحصرهم في عدد لئلا يخرج
منهم من هو منهم، ولا يدخل فيهم من ليس منهم. [العناية ٢٨٠/١] بقوله علي: ووجه ذلك: أنه لما
قال: "تحريمهما التكبير"، فكان لا يصح الدخول في الصلاة إلا بالتكبير، فكذلك قوله: "وتحليلها التسليم"،
أي لا يخرج من الصلاة إلا به. [البناية ٣٣٨/٢]
* أخرجه أبو داود عن علي قال: قال رسول الله وَّ: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم. [رقم: ٦١٨، باب الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر ركعة]

٢١٩
باب صفة الصلاة
ولنا: ماروينا من حديث ابن مسعود،* والتخيير ينافي الفرضية والوجوبَ، إلا أنا أثبتنا
الوجوب بما رواه احتياطاً، وبمثله لا تثبت الفرضية، والله أعلم.
فصل في القراءة
قال: ويجهر بالقراءة في الفجر، وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان
إماماً، ويُخفي في الأخريين، هذا هو المأثور المتوارث . **
والتخيير: أي التخيير الذي يفهم من قوله عليها: إذا قلت هذا، أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك، ينافي بقاء
الفرض أو الواجب عليه. [البناية ٣٣٨/٢] وبمثله: لأنه خبر واحد. وبمثله لا تثبت الفرضية. (العناية)
* وقد ذكره في أول باب الصلاة عن عبد الله بن مسعود ضه. [البناية ٣٣٨/٢]
** فيه حديثان مرسلان أخرجهما أبو داود في "مراسيله" أحدهما عن الحسن، والآخر عن الزهري، قال:
سن رسول الله ◌ّ أن يجهر بالقراءة في الفجر في الركعتين كليهما، ويقرأ في الركعتين الأوليين في صلاة
الظهر بأم القرآن وسورة في كل ركعة، سراً في نفسه، ويقرأ في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر بأم القرآن
في كل ركعة، سراً في نفسه، ويفعل في العصر مثل ما يفعل في الظهر، ويجهر الإمام بالقراءة في الأوليين
من المغرب، ويقرأ في كل واحدة منهما بأم القرآن وسورة، ويقرأ في الركعة الآخرة من صلاة المغرب بأم
القرآن، سراً في نفسه، ثم يجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العشاء، ويقرأ في الأخريين في نفسه
بأم القرآن، وينصت من وراء الإمام، ويستمع لما جهر به الإمام، لا يقرأ معه أحد، والتشهد في الصلوات
حين يجلس الإمام، والناس خلفه في الركعتين، انتهى. ومرسل الحسن نحوه، وذكرهما عبد الحق في "أحكامه"
من جهة أبي داود، وقال: إن مرسل الحسن أصح. [نصب الراية ١/٢] قلت: هو مرفوع مرسل، ومراسيل
الزهري وإن كانت عندهم ضعيفة فقد تأيد بما سيأتي بعده، وأما عندنا فمراسيل الأئمة من التابعين مقبولة
مطلقاً ... وقال في حاشية "إعلاء السنن": وسائر الألفاظ المذكورة مثل قوله: "من السنة كذا"، وأمرنا بكذا،
"أونهينا عن كذا"، أو"أمر فلان بكذا ونحوه"، ويدخل فيه أيضاً ما لا يقال من قبل الرأي، ولا مجال للاجتهاد
فيه، فيُحمل على السماع، فإذا جاء مثل ذلك عن الصحابي فهو في حكم المرفوع المتصل، وإذا جاء عن
التابعي فمرفوع مرسل أي مرفوع معنىًّ ومرسل لفظاً. [إعلاء السنن ٦/٤-٧]