النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠٠
باب المسح على الخُفَّین
كان مأجورًا. ويجوز من كل حَدَثٍ موجِبٍ للوضوء، إذا لَبِسَهما على طهارة كاملة، ثم
أحدث. خَصّهِ بحَدَثٍ موجِبٍ للوضوء؛ لأنه لا مسحَ من الجنابة على ما نُبُيِّن إن شاء
الله تعالى، وبحَدَث متأخِّر؛ لأن الخُفَّ عهد مانعًا، ولو جوَّزناه بحدث سابق
كالمستحاضة إذا لبست على السَّلان ثم خرج الوقت، والمتيمم إذا لبس ثم رأى الماء
كان رافعًا. وقوله: "إذا لبسهما على طهارة كاملة" لا يفيد اشتراط الكمال وقت اللّبس،
للحدث
بل وقتَ الحدث، وهو المذهب عندنا، حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه ثم أكمل
الطهارة، ثم أحدث: يجزئه المسح، وهذا؛ لأن الخف مانع حلولَ الحدث بالقدم، فيُراعَى
كمال الطهارة وقت المنع، حتى لو كانت ناقصةً عند ذلك كان الخف رافعًا.
مأجوراً: لأن العمل بالعزيمة أولى. (البناية) موجب للوضوء: وجعْل الحديث موجباً مجاز؛ لأنه ناقض
للوضوء، فکیف یکون موجباً؟ والموجب إرادة الصلاة، والحدث شرطه, فجاز أن یضاف الإيجاب إليه، كما
في صدقة الفطر. [البناية ٣٩٨/١] وبحدث: معطوف على قوله: بحدث موجب للوضوء. (النهاية) مانعاً:
لسراية الحدث إلى القدم، لا رافعًا للحدث؛ لأن الرافع هو المطَهِّر والخف ليس كذلك. (العناية)
كالمستحاضة: أي التي سال دمها وقت الوضوء واللبس، أو وقت الوضوء دون اللبس، أو بالعكس، فإنها
لا تمسح بعد خروج الوقت، وأما إذا كان منقطعاً وقت الوضوء واللبس، فإنها والصحيح سواء. (النهاية) ثم
خرج الوقت: وتوضأت، فإنها لا تمسح؛ لأن بخروج الوقت ظهر الحدث السابق. [العناية ١٢٩/١]
والمتيمم إلخ: لأن برؤية الماء ظهر حكم الحدث السابق، فلو جوّزنا المسح كان الخف رافعًا وليس
كذلك.(العناية) لا يفيد إلخ: يعني اشتراط القدوري كمال الطهارة وقت لبس الخفين لا يجوز؛ لأن المذهب
اشتراط الكمال وقت الحدث، أشار إليه بكلمة الإضراب بقوله: "بل وقت الحدث" أي بل اشتراط الكمال
وقت الحدث هو الذي يفيده. [البناية ٣٩٩/١] عندنا: خلافاً للشافعي له، فإنه يشترط الكمال وقت
اللبس. (البناية) لأن الخف إلخ: وكل ما هو مانع حلول الحدث بالقدم يراعى كمال الطهارة فيه وقت المنع
عن حلول الحدث. (العناية) كمال الطهارة: لأنها لو كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعاً حدثاً كان
بالرّجلين من حيث الحكم، وهو شُرع مانعاً لا رافعاً. (العناية)

١٠١
باب المسح على الخُقّین
ويجوز للمقيم يوماً وليلةً، وللمسافر ثلاثةَ أيام ولياليها؛ لقوله عليه: "يمسح المقيم يوماً
وليلةً، والمسافر ثلاثةَ أيام ولياليها* قال: وابتداؤها عقيب الحدث؛ لأن الخفَّ مانعٌ
سرايةَ الحدث، فتعتبر المدة من وقت المنع. والمسح على ظاهرهما خُطوطًا بالأصابع،
يبدأ من قِبَل الأصابع إلى الساق؛ لحديث المغيرة ظُه أن النبي ◌ُّ وضع يديه على خفيه
ومَدَّهما من الأصابع إلى أعلاهما مَسحةً واحدة، وكأني أنظر إلى أثر المسح على خف
رسول الله ◌ّ خطوطاً بالأصابع"، ** ثم المسح على الظاهر خَتْمٌ،
أي واجب
ويجوز إلخ: ذكر في "الأسرار" قال عامة العلماء: مدة المسح مقدرة، وقال مالك: غير مقدرة، ذكر من غير
فصل بين المقيم والمسافر كما ترى. (النهاية) عقيب الحدث: لا من وقت اللبس، كما ذهب إليه الحسن
البصري مستدلاً بأن جوازه بسببه، فتعتبر من وقته، ولا من حين المسح، كما ذهب إليه الأوزاعي وأبو ثور
وأحمد في رواية. [العناية ١٣١/١] سراية الحدث: أي وصوله إلى الرجل. (النهاية)
وقت المنع: أي لأن المانع عن الشي إنما يكون مانعاً حقيقة عند طريان الممنوع، ثم الحقيقة أولى
بالاعتبار فتعتبر المدة من عنده. [البناية ٤٠٦/١] خطوطًا: هو منصوب على الحال بمعنى مخططًا. (العناية)
قبل الأصابع: صورته: أن يضع أصابع اليمنى على مقدم خفه الأيمن، وأصابع اليسرى على مقدم الأيسر،
ويمدهما إلى الساق فوق الكعبين، ويفرج أصابعه، هذا هو الوجه المسنون، ولو مسح بإصبع واحدة ثلاث
مرات، كل مرة بماء جديد على موضع جديد جاز، وإلا لا يجوز. [فتح القدير ١٣١/١]
* الحديث رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين،
فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله (37. فسألناه، فقال: جعل رسول الله مصادر
ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم. [١٢٦٤/١، رقم: ٢٧٦، باب التوقيت في المسح على الخفين]
** حديث المغيرة بن شعبة لم يرو على هذا الوجه. [البناية ٥٧٦/١] وإنما أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي عامر الخزاز
قال: حدثنا الحسن عن المغيرة بن شعبة قال: رأيت رسول الله ® بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه،
ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحةً واحدةً، حتى كأني
أنظر إلى أصابع رسول الله ردّ على الخفين. [١٧٠/١، رقم: ١٩٥٧، باب من كان لا يرى المسح] رجاله رجال
الجماعة. [إعلاء السنن ٣٤٥/١، رقم: ٣١٧]

١٠٢
باب المسح على الخُقَّین
حتى لا يجوز على باطن الخف وعَقِبِه وساقِهِ؛ لأنه معدول به عن القياس، فيُراعَى فيه
جميع ما ورد به الشرع، والبداءة من الأصابع استحباب؛ اعتباراً بالأصل، وهو الغَسل.
وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابعَ من أصابع اليد، وقال الكرخي نطلّه: من أصابع
الرِّجال، والأول أصح؛ اعتباراً لآلة المسح. ولا يجوز المسح على خف فيه خَرق کثیر یَبْنُ
منه قدرُ ثلاث أصابعَ من أصابع الرّجل، فإن كان أقلّ من ذلك جاز، وقال زفر
والشافعي بحمّها: لا يجوز وإن قل؛ لأنه لما وجب غسل البادي يجب غسل الباقي. ولنا:
بسبب ظهوره
أن الخِفَاف لا تخلو عن قليل خَرْقٍ عادةً فيلحقهم الحَجُ في النزع، وتخلو عن الكثير فلا
حرج. والكثير: أن ينكشف قدر ثلاث أصابع الرجل أصغرها
عن القياس: إذ القياس أن لا يقوم المسح الذي لا يزيل النجاسة مقام الغسل الذي يزيلها، كما أشار إليه
علي بن أبي طالب عليه بقوله: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت
رسول الله ◌ّ يمسح على ظاهر الخفين دون باطنهما." [العناية ١٣٢/١] ثلاث أصابع: لأن نبي الله مُ # رأى
رجلاً يغسل خفيه فقال: "أما يكفيك ثلاث أصابع". أصابع الرجل: لأن المسح يقع عليه. (العناية)
يَبِيْنُ إلخ: يعني إذا كان في محل الفرض منفرجاً، أو ينفرج عند المشي، فإن كان شقًّا لا يظهر ماتحته إن كان
أكثر من ثلاث أصابع، أو يظهر منه دونها، وهو أكبر منها لا يمنع، ولو كان في الكعب لم يمنع وإن كثر، كذا
في "الاختيار". وفي "الفتاوى": فإن كان الخرق في موضع العقب إن كان يخرج منه أقل من نصف العقب
جاز المسح عليه، وإن كان أكثر لا يجوز. [فتح القدير ١٣٢/١-١٣٣]
قدرُ ثلاث: في "مبسوط شيخ الإسلام": فقد اعتبر في حق الخرق ثلاث أصابع الرجل، وفي حق المسح ثلاث
أصابع اليد، والفرق بينهما هو أن الخرق إذا كان مقدار ثلاث أصابع إنما منع جواز المسح؛ لأنه مما يمنع قطع
السفر، والمشي إنما يتحقق من الرّجل فيعتبر ثلاث أصابع الرجل، وأما فعل المسح فإنما يعتبر من اليد، فاعتبر
بأصابع اليد. (النهاية) لا تخلو: وإن كان جديداً، فآثار الدروز والأشافي خرق فيه ولهذا يدخله التراب. (العناية)

١٠٣
باب المسح على الخُقّین
هو الصحيح؛ لأن الأصل في القدم هو الأصابع، والثلاث أكثرها فيقام مقام الكل،
واعتبار الأصغر للاحتياط، ولا معتبر بدخول الأنامل إذا كان لا ينفرج عند المشي، ويُعتبر
هذا المقدار في كل خف على حدة، فيُجمع الخَّق في خف واحد، ولا يجمع في خفين؛
لأن الخرق في أحدهما لا يمنع قطعَ السفر بالآخر، بخلاف النجاسة المتفرقة؛ لأنه حامل
للكل، وانكشاف العورة نظير النجاسة. ولا يجوز المسح لمن وجب عليه الغسل؛
لحديث صفوان بن عَسّال ◌ُه أنه قال: "كان رسول الله وُّ يأمرنا إذا كنا سَفْراً أن لا
ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها،
هو الصحيح: احتراز عن رواية الحسن عن أبي حنيفة مثله أن المعتبر ثلاث أصابع من أصابع اليد؛ لأنه آلة
المسح، وعما قال شمس الأئمة الحلواني: المعتبر في الخرق أكبر الأصابع إن كان الخرق عند أكبرها، وأصغرُها إن
كان عند أصغرها. (العناية) هو الأصابع: ولهذا قالوا: بأن من قطع أصابع رجل إنسان فإنه يلزمه جميع
الدية. (الكفاية) ولا معتبر إلخ: ولم يذكر إذا كان يبدو قدر ثلاث أنامل من أصابع الرجل، قال بعضهم: يمنع
المسح، وإليه أشار شمس الأئمة السرخسي، وقال بعضهم: لا يمنع، والشرط أن يبدو قدر ثلاث أصابع
بكمالها، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني، وقال في "النهاية": وهو الأصح. [العناية ١٣٣/١]
بخلاف النجاسة: يعني إذا كان في أحد الخفين نجاسة قليلة، وفي الآخركذلك يجمع بينهما. (العناية) نظير
النجاسة: يعني أنه يجمع وإن كان في مواضع، كما يجمع النجاسة المتفرقة في بدن الإنسان، أو ثوبه، أو خفه، وفي
"الزيادات": لو انكشف شيء من فرجها، وشيء من بطنها، وشيء من فخذها، وشيء من ساقها، وشيء من
شعرها بحيث لو جمع يكون ربع ساقها، أو شعرها، أو فرجها لا يجوز صلاتها. [البناية ٥٨٦/١] ولا يجوز: لأن
الجنابة لما الزمته غسل جميع البدن، كان الحدث سارياً إلى القدم، فلا ينوب المسح عنه؛ لما أن المسح إنما يعمل
باعتبار أن الحدث حل بظاهر الخف، ولم يسر إلى القدم، وههنا سرت النجاسة، فلم يعمل عمله، ولأنه لا
يتأتى الغسل مع وجود الخف ملبوساً، وهذا التقرير يغني عن التصوير. (النهاية)
عليه الغسل: قيل: صورته: مسافر أجنب ولا ماء عنده، فتيمم ولبس، ثم أحدث، ووجد ماء يكفي وضوءه لا
يجوز له المسح؛ لأن الجنابة سرت إلى القدمين. [فتح القدير ١٣٤/١]

١٠٤
باب المسح على الخُقّین
لا عن جَنابة، ولكن من بول، أو غائط، أونوم"،* ولأن الجنابة لا تتكرر عادة، فلا
حرج في النزع بخلاف الحدث؛ لأنه يتكرر. ويَنَقُض المسحَ كلُّ شيء ينقض الوضوء؛ لأنه
بعض الوضوء. وينقضه أيضًا نَزْعُ الخف؛ لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع،
وكذا نزعُ أحدهما؛ لتعذر الجمع بين الغَسل والمسح في وظيفة واحدة. وكذا مُضِي
المدة؛ لما روينا، وإذا تَمَّت المدة: نزع خفیه وغسل رجليه وصلَّى،
لا عن جنابة: بكلمة "لا" النافية فالمعنى عدم النزع، ليس عن جنابة؛ فإن فيهما النزع، ولكن عن بول أو
غائط أو نوم، والمشهور في الروايات كلمة "الا" الاستثنائية، فالمعنى أمرنا أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة، فننزع
فيها ولكن عن بول أو غائط أو نوم، ففيها عدم النزع، ثم المشهور في كتب المحدثين بالواو في قوله: أو غائط أو
نوم، والمشهور في كتب الفقه بـ"أو" كذا قال العيني. ولأن الجنابة إلخ: يشير إلى أن شرعية المسح لدفع
الحرج، والحرج فيما يتكرر، وهو الحدث دون الجنابة. (العناية)
لسراية الحدث: وقد غسل سائر الأعضاء، ولم يغسل القدمين، فكان عليه غسل القدمين. (النهاية) لتعذر
الجمع: يعني المسح مع الغسل لم يشرع، والمسح طهارة غير معقولة، فيقتصرعلى مورد الشرع، فالمراد بالتعذر
التعذر الشرعي. أو المراد: أنه يتعذر حكم الجمع بينهما. (النهاية) وظيفة واحدة: وهي غسل الرجلين وقيد
بالواحدة؛ لأنهما في غيرها يجتمعان كغسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين. (العناية)
مضي المدة: وفي "فتاوى قاضي خان": ماسح الخف إذا انقضت مدة مسحه في الصلاة، ولم يجد ماء فانه
يمضي على صلاته؛ لأنه لا فائدة في قطع الصلاة؛ لأن حاجته بعد انقضاء المدة إلى غسل القدمين، فلو قطع
الصلاة، وهو عاجز عن غسل الرجلين، فإنه يتيمم، ولا حظ للرجلين من التيمم، فلذا يمضي على صلاته،
ومن المشايخ منَ قال: تفسد، والأول أصح. (النهاية) لما روينا: وهو قوله S: "يمسح المقيم يومًا وليلة،
والمسافر ثلاثة أيام ولياليها". (البناية) نزع: لسريان الحدث إلى القدمين. (البناية)
* رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه. [نصب الراية ١٨٢/١] أخرجه الترمذي في جامعه عن زر بن حبيش
عن صفوان بن عسال قال: كان رسول الله ® يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا
من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. [رقم: ٩٦، باب
المسح على الخفين للمسافر والمقيم]

١٠٥
باب المسح على الخُقّین
وليس عليه إعادة بقية الوضوء، وكذا إذا نزع قبل المدة؛ لأن عند النزع يسري الحدثُ السابق
إلى القدمين كأنه لم يغسلهما، وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق؛ لأنه لا معتبر
به في حق المسح وكذا بأكثر القدم، هو الصحيح. ومن ابتدأ المسحَ وهو مقيم فسافر قبل
تمام يوم وليلةٍ: مسح ثلاثةَ أيام ولياليها؛ عملاً بإطلاق الحديث، ولأنه حكم متعلق
بالوقت، فيُعتبر فيه آخرُه، بخلاف ما إذا استكمل المدةَ للإقامة ثم سافر؛
وحكم النزع إلخ: قال شيخ الإسلام: إذا توضأ الرجل ولبس خفيه، ثم بدا له أن ينزعهما، فأخرج رجليه
إلى الساق، ثم بدا له أن يعيدهما، فأراد أن يمسح على الخف بعد ذلك ليس له ذلك، وإنما عليه أن يغسل
رجليه في قول علمائنا. (النهاية) لأنه: أي لأن الساق ... وإنما قال: "به" مع أن الساق مؤنثة سماعية إما
باعتبار اللفظ المذكور وإما باعتبار العضو. [البناية ٤٢٠/١] لا معتبر به: لأنها ليست بمحل له، وما لا
معتبر به في حقه، فالخروج إليه ناقض. (العناية)
وكذا إلخ: أي وكذا يثبت حكم النزع بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف، وفي "مبسوط شيخ الإسلام": أخرج
رجليه إلى الساق ثم أعادهما، لا يمسح عليهما بعد ذلك. وقال الشافعي بحلته في القديم: له المسح لما أنه لم
يظهر من محل الفرض شيء فلا يلزمه الغسل. وفي الجديد: وهو الأصح وهو قولنا، وقول مالك، وأحمد: لا
يجوز المسح؛ هو الصحيح هو المروي عن أبي يوسف، وفي "شرح الطحاوي": إذا خرج أكثر العَقِب من الخف
ينتقض مسحه، وعن محمد مطلبه إذا بقي في الخف من القدم قدر ما يجوز المسح عليه جاز، وإلا فلا، وهذا
إذا قصد النزع، ثم بدا له أن لا ينزع فتركها. [البناية ٥٩١/١]
بأكثر القدم: ووجهه: أن الاحتراز عن خروج القليل متعذر. (العناية) وهذا قول أبي يوسف محلّه وعنه في "الإملاء":
بخروج نصفه، وعن محمد إن كان الباقي قدر محل الفرض - أعني ثلاثة أصابع اليد - لا ينتقض، وقال أبو حنيفة محفيه:
إن خرج أكثر العقب يعني إذا أخرجه قاصداً إخراج الرّجل، بطل المسح. [فتح القدير ١/ ١٣٦] هو الصحيح: أي
القول باشتراط خروج الكل، أو الأكثر؛ لثبوت حكم الانتقاض من خروج أكثر القدم. ثلاثة أيّام: سواء سافر
قبل انتقاض الطهارة أو بعده قبل كمال مدة المقيم، وفي الثاني خلاف الشافعي. لنا: العمل بإطلاق قوله
◌ُّ: "يمسح المسافر" الحديث. [فتح القدير ١٣٦/١-١٣٧]
متعلق بالوقت: وكل ما هو كذلك يعتبر فيه آخر الوقت، كالحائض إذا طهرت فيه تجب عليها الصلاة،
والطاهرة إذا حاضت فيه سقطت عنها. [العناية ١٣٧/١]

١٠٦
باب المسح على الخُقّین
لأن الحدث قد سرى إلى القدم، والخفَّ ليس برافع. ولو أقام وهو مسافر، إن استكمل
مدة الإقامة: نزع؛ لأن رخصة السفر لاتبقى بدونه، وإن لم يستكمل أتمّها؛ لأن هذه
مدة الإقامة وهو مقيم. قال: ومن لَبِس الجُرْمُوق فوق الخف: مسح عليه، خلافاً
للشافعي بمعدلشهر؛ فإنه يقول: البَدَلُ لا يكون له بدلٌ. ولنا: أن النبي ◌ُّ مسح على
الجڑمُوقَین،* ولأنه تبع للخف استعمالاً وغرضًا فصارا کخف ذي طاقین، وهو بدل
عن الرّجل لا عن الخف، بخلاف ما إذا لبس الجرموق بعد ما أحدث؛ لأن الحدث
حلَّ بالخف فلا يتحول إلى غيره، ولو كان الجرموق من كِرْبَاس: لا يجوز المسح عليه؛
لأنه لا يصلح بدلاً عن الرِّجال إلا أن تَنْفُذَ البَّة إلى الخف.
الجرموق: بضم الجيم والميم: ما يلبس فوق الخف. (مجمع الأنهر) لا يكون له بدل: يعني بالرأي، فإن
الشرع ورد بالمسح على الخفين بدلاً عن الرجلين لا غير، فتجويز المسح على الجرموق إقامة بدل عنه بالرأي
وهو لا يجوز. (العناية) استعمالاً وغرضاً: أما الاستعمال: فإنه يدور مع الخف مشياً وقياماً وقعوداً وارتفاعاً
وانخفاضاً، وأما الغرض: فإنه وقاية للخف، كما أن الخف وقاية للرجل. [العناية ١/ ١٣٧]
ذي طاقين: أي فصار الخف من هاتين الجهتين كخفٍ ذي طاقين. [البناية ١/ ٥٩٦] وهو بدل: جواب عن
قول الخصم ... وتقريره: إنا لا نسلم أنه بدل الخف وإنما هو بدل عن الرّجل كالخف. [العناية ١٣٨/١] بخلاف
ما إلخ: فإنه لا يجوز المسح عليه عندنا أيضًا. كرباس: فإن كانا من أدم أو نحوه جاز عليهما المسح سواء
لبسهما منفردين، أو على فوق الخفين. (شرح الوقاية) بدلاً عن الرجل: إذ لا يمكن تتابع المشي عليه إلا أن
تنفذ البلة، فيصير المسح عليهما مسحاً على الخف فيجوز. (حاشية شرح الوقاية)
* هذا الحديث رواه بلال وأنس وأبوذر له. [البناية ٥٩٤/١] أخرج أبوداود في سننه عن أبي عبد الرحمن أنه
شهد عبد الرحمن بن عوف يسأل بلالاً عن وضوء النبي ◌ّ فقال: كان يخرج يقضي حاجته، فآتيه بالماء
فيتوضأ، ويمسح على عمامته وجرموقيه. [رقم: ١٥٣، باب المسح على الخفين]

١٠٧
باب المسح على الخُفَّین
ولا يجوز المسح على الجَوْرَبين عند أبي حنيفة حاله إلا أن يكونا مجّدين أو منعَلَيْنِ.
وقالا: يجوز إذا كانا ثخينين لا يَشِفّان؛ لما رُوي: "أن النبي ◌َّ مسح على جوربيه"،"
صلى الله
ولأنه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخيناً، وهو: أن يستمسك على الساق من غير أن يُربَط
بشيء، فأشبه الخف. وله: أنه ليس في معنى الخف؛ لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه إلا
إذا كان مُنَعَّلاً، وهو محمل الحديث، وعنه: أنه رجع إلى قولهما، وعليه الفتوى. ولا
يجوز المسح على العِمَامة، والقَّلَنسُوة، والبُرْقع، والقُفّزَين؛ لأنه لا حرج في نزع هذه
الأشياء، والرخصة لدفع الحرج.
عند أبي حنيفة رسالته: وعنه أنه رجع إلى قولهما، وبه يفتى. (شرح الوقاية) مجلدين إلخ: المجلد: هو ما وضع
الجلد على أعلاه وأسفله، فيكون كالخف، والمنعل: بالتخفيف وسكون النون، ويجوز تشديد العين مع فتح
النون، ما وضع الجلد على أسفله كالنعل. [مجمع الأنهر ٧٥/١] وعنه: عن أبي حنيفة بسله أنه مسح على
جوربيه في مرضه، ثم قال لعواده: "فعلت ما كنت أمنع الناس عنه"، فاستدلوا به على رجوعه. (العناية)
أنه رجع: في آخر عمره قبل موته بتسعة أيام، وقيل: بثلاثة أيام. (مجمع الأنهر) ولا يجوز المسح: فيه نفي
قول من يجوز المسح على العمامة كالأوزاعي وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر، قالوا: صح أن رسول الله ثما مسح
على عمامته وخفيه. وقلنا: المسح على الخف ثبت رخصةً لدفع الحرج ولاحرج في نزع هذه الأشياء، والتمسك
بالحديث ضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ يقتضي عدم جواز مسح غير الرأس، والعمل
بالحديث يكون زيادة عليه بخبر الواحد، وهو نسخ فلا يجوز، أو هو منسوخ. [العناية ١٤٠/١]
على العمامة إلخ: بكسر العين واحد العمائم، وقلنسوة بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين
معروفة، وبرقع القاف وفتحها الخمار، وقفازين بضم القاف وتشديد الفاء ما يعمل لليدين؛ لدفع البرد.
* روي من حديث المغيرة بن شعبة، ومن حديث أبي موسى، ومن حديث بلال، فحديث المغيرة رواه
أصحاب السنن الأربعة. [نصب الراية ١٨٤/١] أخرج الترمذي في جامعه عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة
بن شعبة قال: توضأ النبي ◌ُ ◌ّ ومسح على الجوربين والنعلين. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن
صحيح. [رقم: ٩٩، باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين]

١٠٨
باب المسح على الخُفَّين
ويجوز المسح على الجبائر وإن شَدَّها على غير وضوء؛ لأنه عليَّ فعله، وأمَرَ علياً
به، * ولأن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف، فكان أولى بشرع المسح، ويكتفي بالمسح
علی أکثرها،
ويجوز: قال قاضي خان: هذا إذا كان يضره المسح على الجراحة. (العناية) الجبائر: وهي العيدان التي تشد
على العظام المكسورة. [مجمع الأنهر ٧٥/١] غير وضوء: وإنما شرطت الطهارة في الخف دونها؛ لأنها تربط
غالبًا حال العجلة والضرورة، فاشتراط الطهارة فيها مفض إلى الحرج. (حاشية شرح الوقاية)
على أكثرها: لم يذكر في ظاهر الرواية أنه إذا مسح على بعض الجبائر دون بعض هل يجزيه أولا، وذكر في
"أمالي الحسن بن زياد" أنه إذا مسح على الأكثر أجزأه، وإن مسح على النصف لا يجزيه, والفرق بينه وبين
مسح الرأس، والمسح على الخفين حيث لا يشترط فيهما الأكثر أن مسح الرأس شرع بالكتاب، والباء دخلت
المحل، فأوجبت تبعيضه، والمسح على الخفين إن كان بالكتاب، كان حكمه حكم المعطوف عليه، وإن كان
بالسنة، فهي أوجبت مسح البعض، فأما المسح على الجبائر: فإنما ثبت بحديث علي ◌ُه، وليس فيه ما ينبئ
عن البعض إلا أن القليل سقط اعتباره؛ دفعاً للحرج وأقيم الأكثر مقامه. [العناية ١٤٠/١]
* هما حديثان. [نصب الراية ١٨٦/١] فحديث مسحة عليها أخرجه الهيثمي "في مجمع الزوائد" عن أبي أمامة عن
النبي ® أنه لما رماه ابن قمئة يوم أحد، رأيت النبي ◌ّ إذا توضأ حل عن عصابه، ومسح عليها بالوضوء، ورواه
الطبراني في "الكبير" وفيه: حفص بن عمر العدني وهو ضعيف. [رقم: ١٤٣٠، باب المسح على الجبيرة] قلت: هو
مختلف فيه، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبوعبد الله الطهراني ثنا حفص بن عمر العدني، وكان ثقة، كما في "تهذيب
التهذيب"، وقد عرفت غير مرة أن الاختلاف غير مضر. [إعلاء السنن ٣٥٠/١]
وأما حديث علي فأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن
علي الله قال: انكسر أحد زندَيَّ، فسألت رسول الله وُّ فأمرني أن أمسح على الجبائر. [رقم: ٦٢٣، باب
المسح على العصائب والجروح] وسنده حسن كذا في "كنز العمال". [إعلاء السنن ٣٥٠/١] قال المنذري:
وصح عن ابن عمر الثّما المسح على العصابة موقوفاً عليه، وساق بسنده أنّ ابن عمر توضأ، وكفه معصوبة،
فمسح عليها، وعلى العصابة، وغسل سوى ذلك، وقال الحافظ أبوبكر أحمد بن الحسين الحافظ: هو عن ابن
عمر صحيح، والموقوف في هذا كالمرفوع؛ لأن الأبدال لا تنصب بالرأي. [فتح القدير ١٣٩/١]=

١٠٩
باب المسح على الخُقِّین
ذكره الحسن بدله، ولا يتوقت؛ لعدم التوقيف بالتوقيت. وإن سقطت الجبيرة عن غير
بُرء: لا يبطل المسح؛ لأن العذر قائم، والمسح عليها كالغسل لما تحتها، مادام العذر
باقياً. وإن سقطت عن برء: بطل؛ لزوال العذر، وإن كان في الصلاة: استقبل؛ لأنه قدر
على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، والله أعلم.
الحسن: بن زياد تلميذ أبي حنيفة في "إملائه". ولا يتوقت إلخ: بيان الفرق بين مسح الخف ومسح الجبيرة
وذلك بأمور: منها: ما تقدم من قوله: وإن شدها على غير وضوء، فإن المسح على الخف من غير طهارة لا يجوز
كما تقدم. ومنها: أنه لا يتوقت بوقت مقدر؛ لعدم التوقيف بالتوقيت حيث لم يرد فيه أثر ولا خبر, والمقادير لا
تعرف إلا سماعاً فيمسح إلى وقت البرء. ومنها: أن الجبيرة إن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح بخلاف الخف فإنه
إذا نزع بطل المسح؛ لأن العذر قائم، والمسح عليها كالغَسِل لما تحتها مادام العذر باقياً. [العناية ١٤١/١]
كالغسل لما تحتها: ولهذا لو مسح على عصابة فسقطت، فأخذ أخرى لا تجب الإعادة عليه، لكنه
الأحسن. [فتح القدير ١٤١/١] لأنه قدر إلخ: فصار كَالمَتَيَمِّم يجد الماءَ في خلال صلاته فإنه يستقبلها
كذلك.(العناية)
= وحديث الباب أخرجه أبوداود في سنته من حديث الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر قال: خرجنا في سفر
فأصاب رجلاً منا حجر، فشَجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا:
ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي S أخبر بذلك، فقال: "قتلوه
قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السوال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر، أو يعصب على
جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده". [رقم: ٣٣٦، باب المجدور يتيمم]

١١٠
باب الحيض والاستحاضة
باب الحيض والاستحاضة
أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص من ذلك فهو استحاضة؛ لقوله عليها: "أقل
الحيض للجارية البكرِ والتّيِّب ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام"،*
الحيض: لقب الباب بالحيض دون النفاس؛ لكثرته أو لكونه حالة معهودة في بنات آدم دون النفاس.
والحيض لغةً: هو الدم الخارج ومنه: "حاضت الأرنب"، وعند الفقهاء: هو دم ينفضه رحم المرأة السليمة عن
الداء والصغر. [العناية ١٤١/١]
* روي من حديث أبي أمامة، ومن حدیث واثلة بن الأسقع، ومن حديث معاذ بن جبل، ومن حديث أبي
سعيد الخدري، ومن حديث أنس بن مالك، ومن حديث عائشة ﴿،. [نصب الراية ٢٥١/١] أخرج الدار قطني
في سننه حديث أبي أمامة من حديث حسان بن إبراهيم الكرماني ثنا عبد الملك سمعت العلاء قال: سمعت
مكحولاً يحدث عن أبي أمامة قال: قال رسول الله 375: أقل ما يكون من الحيض للجارية البكر والثيب
ثلاث، وأكثر ما يكون من الحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة، تقضي ما
زاد على أيام أقرائها، ودم الحيض لا يكون إلا دماً أسود عبيطًا، تعلوه حمرة، ودم المستحاضة رقيق تعلوه
صفرة، فإن كثر عليها في الصلاة، فلتحثي كرسفاً، فإن ظهر الدم علتها بأخرى، فان هو غلبها في الصلاة فلا
تقطع الصلاة وإن قطر، ويأتيها زوجها، وتصوم. وعبد الملك هذا رجل مجهول، والعلاء هو ابن كثير، وهو
ضعيف الحديث، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئًا.[٢١٨/١، كتاب الحيض]
فإن قلت: هذه الأحاديث كلها ضعيفة فلا يصح الاحتجاج بها ... قلت: أجاب القدوري في "التجريد": أن
ظاهر الإسلام يكفي لعدالة الراوي ما لم يوجد فيه قادح، وضعف الراوي لا يقدح إلا أن تقوى جهة الضعف،
وقد ذكر النووي في "شرح المهذب": أن الحديث إذا روي من طرق، ومفرداتها ضعيفة يحتج به، وقول الدارقطني:
مكحول لم يسمع أبا أمامة غير مسلم؛ لأنه أدرك أبا أمامة، وسمع في عصره، وإذا روى عنه فالظاهر السماع؛ فإن
الشرط عند مسلم إمكان اللقاء، ولو ثبت إرساله فالمرسل حجة عندنا. [البناية ٤٤٠/١]
وفي "فتح القدير": فهذه عدة أحاديث عن النبي ◌َّ متعددة الطرق، وذلك يرفع الضعيف إلى الحسن،
والمقدرات الشرعية مما لا تدرك بالرأي، فالموقوف فيها حکمه الرفع، بل تسكن النفس بكثرة ما روي فيه عن
الصحابة والتابعين إلى أن المرفوع مما أجاد فيه ذلك الراوي الضعيف، وبالجملة فله أصل في الشرع بخلاف
قولهم: أكثره خمسة عشر يوماً، لم نعلم فيه حديثاً حسناً ولا ضعيفاً. [فتح القدير ١٤٣/١]

١١١
باب الحیض والاستحاضة
وهو حجة على الشافعي بسله في التقدير بيوم وليلة. وعن أبي يوسف بحلته: أنه يومان
والأكثرُ من اليوم الثالث؛ إقامةً للأكثر مقامَ الكل. قلنا: هذا نقص عن تقدير الشرع.
وأكثره عشرة أيام، والزائد استحاضة؛ لما روينا، وهو حجة على الشافعي في التقدير
بخمسة عشر يومًا. ثم الزائد والناقص استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به.
وما تراه المرأة من الحُمْرَة، والصُّفْرَة، والكُدْرَة حيضٌ حتى ترى البياض خالصًا. وقال
في أيام الحيض
أبو يوسف بحثه: لا تكون الكُدْرة حيضاً إلا بعد الدم؛ لأنه لو كان من الرَّحِمِ لتَأَخَّرَ
خروج الکدرِ عن الصافي. ولهما ما ژُوي: أن عائشة ټها جعلت ما سوى
هذا نقص: هذا جواب عما ذهب إليه أبو يوسف، تقديره: أن الشرع نص على عدد معين، فلا يجوز تغييره،
فلو جاز النقص فيه لجاز في إقامة اليومين مقام الثلاثة؛ لأنهما أكثرها، ولأن العدد بعد النص عليه يعتبر كماله،
كإعداد الركعات وأيام الصيام وغيره. [البناية ٤٤٣/١] لما روينا: أي الحديث المذكور. (البناية) وهو حجة:
أي أكثر الحيض. (البناية) بخمسة عشر يوماً: وقال الشافعي: خمسة عشر يوماً، وهو قول أبي حنيفة رسولالله
الأول؛ لقوله عليه في نقصان دين المرأة: "تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي"، والمراد به زمن
الحيض، والشطر: هو النصف. [العناية ١٤٣/١]
وما تراه المرأة إلخ: بيان ألوانه وهي ستة: السواد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والترابية، ولم يذكر السواد؛ لأنه
لا إشكال في كونه حيضاً لقوله : "دم الحيض أسود عبيط محتدم" أي طري شديد الجمرة يضرب إلى السواد أما
الحمرة: فهي اللون الأصلي للدم إلا أنه عند غلبة السوداء يضرب إلى السواد. [العناية ١٤٤/١] لأنه لو كان
إلخ: حاصله: أن المعتاد في دم الرحم أن يخرج الصافي أولاً، ثم الكدر، وفي دم العرق على العكس، فلما
خرج الكدر أولاً، علم أنه من العرق، وإلا لزم خلاف العادة.
ما سوى إلخ: روي عنها أيضًا أنها قالت: "كنا نعد الصفرة والكدرة حيضاً في عهد رسول الله (صطلّ"، وهذا
أولى بالتمسك مما تمسك به صاحب "الكافي" من قول عائشة هما:"لا حتى ترين القصة البيضاء"؛ لأنه نفي
الخروج عن الحيض بكل شيء من ألوانه إلا بالبياض، ولا كلام فيه، فإن أبايوسف مدلشكه أيضًا لا يرى الخروج
بالكدرة ونحوه من الألوان، وإنما خالف في أن رؤية الكدرة هل يوجب الدخول في الحيض؟ فزعم أنه لا يوجبه،
وزعم الطرفان أنه يوجبه على ما سبق.

١١٢
باب الحيض والاستحاضة
البياض الخالص حيضًاً، وهذا لا يعرف إلا سماعًا، وفَمُ الرحم منكوس، فيخرج الكدر
مرفوعا حكما
أولاً كالجَرَّ إذا تُقِب أسفلُها. وأمّا الْخُضْرَةُ، فالصحيح: أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء:
تكون حيضًا، ويُحمل على فساد الغذاء، وإن كانت كبيرةً لا ترى غير الخضرة: تُحمل على
فساد المَنْبِتِ، فلا تكون حيضاً. والحيض يُسقِط عن الحائض الصلاةَ،
سماعًا: فيحمل على أنها سمعت ذلك من رسول الله وثّ. (العناية) فَمُ الرحم: جواب عن قول أبي يوسف بحثه:
"لتأخر خروج الكدر عن الصافي" وكأنه قول بالموجب. (العناية) ثقب: فإن الكدرة تخرج أولاً. (العناية)
فساد الغذاء: کأنها أکلت غذاء فاسداً أفسد صورةً دمها. وإن كانت كبيرة: أي آئسة وهي أن تكون في
خمس وخمسين سنة على ما هو المختار. [العناية ١٤٥/١] فساد المنبت: لأن فساد الغذاء لا يدوم، فيكون
لفساد المنبت، فلا يكون حيضاً؛ إذ الحيض هو الدم الخارج من منبت الولد، وبعد ما فسد لم يبق المنبت
منبتاً له. فلا تكون حيضًا: لأن الدم في الأصل لا يكون أخضر.
والحيض إلخ: هذا بيان أحكام الحيض، قال في "النهاية" وغيرها: أنها اثنا عشر: ثمانية يشترك فيها الحيض
والنفاس، وأربعة مختصة بالحيض دون النفاس، فأما الثمانية: فترك الصلاة لا إلى قضاء، وترك الصوم إلى قضاء،
وحرمة الدخول في المسجد، وحرمة الطواف بالبيت، وحرمة قراءة القرآن، وحرمة مس المصحف بدون الغلاف،
وحرمة جماعها، والثامن: وجوب الغسل عند انقطاع الحيض. وأما الأربعة المخصوصة بالحيض: فانقضاء العدة،
والاستبراء، والحكم ببلوغها، والفصل بين طلاقي السنة والبدعة. [العناية ١٤٥/١]
يسقط: ظاهره: أن الصلاة تجب عليها ثم تبطل؛ إذ السقوط يتلو الوجوب، وإليه مال القاضي أبوزيد، فإنه يقول:
إن الصلاة تجب عليها؛ نظراً إلى الوقت، ثم يسقط للحرج، وعامة المشايخ على أنها لا تجب عليها أصلاً.
* هذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه - مولاة عائشة أم المؤمنين - أنها قالت:
كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدُّرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين
القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة. [رقم: ٨٥، باب المرأة ترى الصفرة والكدرة] وأخرجه البخاري في
صحيحه تعليقاً، ولفظه: قال: وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول: لا تعجلن حتى
ترين القصّة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة، وبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف
الليل، ينظرن إلى الطهر فقالت: ما كان النساء يضعن هذا وعابت عليهنّ. [باب اقبال المحيض وإدباره]

١١٣
باب الحيض والاستحاضة
ويُحرِّم عليها الصومَ، وتقضي الصومَ ولا تقضي الصلاة؛ لقول عائشة لها: "كانت إحدانا
صل اته
على عهد رسول الله وّ إذا طهرت من حيضها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة .* ولأن
في قضاء الصلاة حرجًا؛ لتضاعفها، ولا حرج في قضاء الصوم. ولا تدخل المسجد، وكذا
الجنب؛ لقوله عليها: "فإني لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا جنب"، ** وهو بإطلاقه حجة
على الشافعي مدظله في إباحة الدخول على وجه العبور والمرور. ولا تطوف بالبيت؛ لأن
الطواف في المسجد، ولا يأتيها زوجها؛
ويحرم: وإنما قال: يحرم عليها الصوم، ولم يقل: يسقط؛ إشارةً إلى أنه يُقضى. (العناية) إباحة الدخول: متمسكاً بقوله
تعالى: ﴿لا تَقْرَّبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ والمراد
بالصلاة المسجد؛ إذ الصلاة جنباً لا يجوز، وإن كان عابر سبيل. الآية محتملة لوجهين، أحدهما: أن يراد
بالصلاة المسجد، وبالجنب حقيقته، وثانيهما: أن يكون المراد بالجنب من لم يغتسل، وبالصلاة حقيقتها،
لكن تعين الاحتمال الثاني؛ لقول النبي ◌ُلّ: "لا أحل المسجد" إلخ.
ولا تطوف: أي ويمنع الحيض الطواف بالبيت وكذا الجنابة؛ لما في "الصحيحين:" أنه علیًا قال لعائشة دهاهما لما
حاضت بسرف: "اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي"، فكان طوافها حراماً ولو
فعلته كانت عاصيةً معاقبةً. [البحر الرائق ٤٠٤/١] ولا يأتيها زوجها: وأما الاستمتاع بها بغير الجماع
فمذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ومالك: يحرم عليه ما بين السرة والركبة، وهو المراد بما تحت الإزار،
ومذهب محمد بن الحسن وأحمد: لا يحرم ما سوى الفرج. [فتح القدير ١٤٧/١]
* أخرج مسلم في صحيحه عن معاذة قالت: سألت عائشة أنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي
الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم
ولا نؤمر بقضاء الصلاة. [١٤٠٩/٢، رقم: ٧٤٧، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة]
** أخرج أبوداود في سننه عن جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ◌ُّ ووجوه
بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: "وجّهوا هذه البيوت عن المسجد"، ثم دخل النبي ◌ُّ ولم يصنع
القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: وجُّهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل
المسجد لحائض ولا جنب. [٢٦٢/١، رقم: ٢٣٥، باب في الجنب يدخل المسجد]

١١٤
باب الحيض والاستحاضة
لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وليس للحائض والجنب والنفساء قراءه
القرآن؛ لقوله عليه: "لا تقرأ الحائضُ والجنبُ شيئًا من القرآن"، * وهو حجة على
مالك بدله في الحائض، وهو بإطلاقه يتناول ما دون الآية، فيكون حجةً على
الطحاوي في إباحته. وليس لهم مسُّ المُصْحف إلا بِغِلافه، ولا أخذُ درهم فيه سورة
من القرآن إلا بِصُرّته، وكذا المحدِث لا يَسُّ المصحف إلا بغلافه؛ لقوله عليه:
لقوله تعالى إلخ: ووطؤها في الفرج عالماً بالحرمة، عامداً مختاراً كبيرة، لا جاهلاً ولا ناسياً، ولا مكرهاً فليس.
عليه إلا التوبة والاستغفار. [البحر الرائق ٤٠٤/١] على مالك بحالته: فإنه يجوِّز للحائض قراءة القرآن دون
الجنب، قال: لأن الجنب قادر على تحصيل صفة الطهارة بالاغتسال، فيلزمه تقديمه على القراءة، والحائض
عاجزة عن ذلك، فكان لها أن تقرأ. [الكفاية ١٤٨/١] في إباحته: ذكر نجم الدين الزاهد أنه رواية ابن
سماعة عن أبي حنيفة ماله، وأن عليه الأكثر. [فتح القدير ١٤٨/١]
مس المصحف: وكذلك ليس لهم مس اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّ
الْمُطَّهَّرُونَ﴾. [الكفاية ١٤٩/١] فيه سورة: ذكر السورة بناءً على أن العادة جرت سابقاً على كتابة السورة
على الدراهم. لقوله عليّا: إنما عدل من التمسك بقوله تعالى: ﴿إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا
الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ يحتمل أن يكون صفة لكتاب مكنون، والمراد به: اللوح المحفوظ، ويحتمل
أن يكون صفة لقرآن كريم، وعلى الأول: لا يصلح التمسك، وعلى الثاني: يصلح، فلا يكون حجة بالشك،
وجوابه: أن الآية: تصلح حجة على الوجه الأول أيضًا، وذلك؛ لأن المصحف في العالم العلوي هو المصحف في
العالم السفلي، فلما لم يكن مساس اللوح إلا للمطهرين لم يكن مساس المصحف إلا للمطهرين.
*أخرج الترمذي في جامعه عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌ُ ◌ّقال: لا تقرء الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن.[١/
١٠٤، رقم: ١٣١، باب ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن] وقال الزيلعي: قال ابن عدي في "الكامل":
هذا الحديث بهذا السند لا يرويه غير إسماعيل بن عياش وضعفه أحمد والبخاري وغيرهما، وصوب أبوحاتم وقفه على ابن
عمر تَّهما. [نصب الراية ٢٥٧/١] قال المؤلف: لا يضرنا وقفه فإن الموقوف في مثل هذا كالمرفوع. [إعلاء السنن ٢٦٧/١ -
٢٦٨] وأخرج الدار قطني في سننه عن عبد الله بن رواحة أن رسول الله وَّ نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب. إسناده
صالح. [٢٩٧/١، رقم: ٤٢٣، باب في النهي للجنب والحائض عن قراءة القرآن]

١١٥
باب الحيض والاستحاضة
"لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهر" .* ثم الحدث والجنابة حَلاَّ اليدَ، فيستويان في حكم
المس، والجنابةُ حَلّت الفمَ دون الحدث، فيفترقان في حكم القراءة. وغلافه ما يكون
متجافیاً عنه دون ما هو متصل به کالجلد المُشرَّز، هو الصحيح، ويكره مسُّه بالكُمّ،
هو الصحيح؛ لأنه تابع له، بخلاف كتب الشريعة لأهلها, حيث يُرَخَّص في مسّها
بالكم؛ لأن فيه ضرورة. ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان؛ لأن في المنع تضييعَ
حفظ القرآن، وفي الأمر بالتطهير حرجاً بهم، وهذا هو الصحيح.
ثم الحدث إلخ: بيان مشاركتهما في حرمة المس، وافتراقهما في حكم القراءة، وتقريره: لما ثبت حكم
الحدثين في اليد لم يجز مس المصحف باليد لهما جميعًا، ولما لم يثبت حكم الحدث في الفم حيث لم يجب
غسله، وثبت حكم الجنابة فيه حيث وجب غسله، جازت قراءة المحدث دون الجنب. [العناية ١٤٩/١]
في حكم المس: ولا يكره النظر إليه أي القرآن، لجنب وحائض ونفساء؛ لأن الجنابة لا تحل العين. [الدر
المختار ٥٨١/١-٥٨٢] متجافياً: أي متباعداً بأن يكون شيئاً ثالثاً بين الماس والممسوس، ولا يكون متصلاً
به كالجلد المشرز فينبغي أن لا يكون تابعاً للماس كالكم ولا للممسوس کالجلد المشرز. (العناية)
کالجلد المشرز: أي الملصوق به فيقال: مصحف مشرز أي مضموم شرز أجزاؤه بعضها مع بعض أي
شدّه. (البناية) ويكره مسه: المراد بقوله: "يكره مسه بالكم" كراهة التحريم، ولذا قال في "الفتاوى": لا يجوز للجنب
والحائض أن يمسا المصحف بكمهما أو ببعض ثيابهما؛ لأن الثياب بمنزلة يديهما. [فتح القدير ١٤٩/١] كتب
الشريعة: يعني كتب الحديث والفقه حيث يرخص لأهلها في مسها بالكم لأن فيه ضرورةً، وفيه إشارة إلى أن
مسها بلا طهارة مكروه. (العناية) ولا بأس إلخ: معناه: لا بأس أن يدفع الطاهرون المصحف إلى الصبيان
المحدثين؛ لأنه لو لم يكن كذلك، فإما أن يمنع عنهم المصحف، وفيه تضييع حفظ القرآن، أو يؤمروا بالتطهير،
وفيه حرج عليهم؛ لأنهم لم يكلفوا بذلك. [العناية ١٥٠/١]
* أخرج الطبراني في معجمه الکبیر عن سلیمان بن موسى قال: سمعت سالم بن عبدالله بن عمر یحدث عن
أبيه أن رسول الله ربّ قال: لايمس القرآن إلا طاهر. [٢٤٢/١٢، رقم: ١٣٢١٧] وقال الهيثمي في "مجمع
الزوائد": ورجاله موثقون. [٣٨٧/١، رقم: ١٥١٢]

١١٦
باب الحيض والاستحاضة
قال: وإذا انقطع دم الحيض لأقلّ من عشرة أيام: لم يحل وطؤها حتى تغتسل؛ لأن الدم
يُدُرُّ تارةً، وينقطع أخرى، فلا بد من الاغتسال؛ ليترجَّحَ جانبُ الانقطاع، ولو لم
تغتسل ومَضَى عليها أدنى وقت الصلاة بقدر أن تقدر على الاغتسال والتحريمة: حل
وطؤها؛ لأن الصلاة صارت دَينًا في ذمَّتها، فطهرت حكمًا. ولو كان انقطع الدم دون
عادتها فوق الثلاث: لم يقرَبْها حتى تمضِي عادتُها وإن اغتسلت؛ لأن العود في العادة
غالب، فكان الاحتياط في الاجتناب، وإن انقطع الدم لعشرة أيام حل وطؤها قبل الغسل؛
لأن الحيض لا مزيد له على العشرة، إلا أنه لا يُستحب قبل الاغتسال؛ للنهي في القراءة
بالتشديد. قال: والطُّهر إذا تخلّل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم المتوالي،
وإذا انقطع: أراد به الانقطاع على رأس العادة بدليل ما ذكر بعده: "ولو كان انقطع الدم دون
عادتها". (الكفاية) يدر: بكسر الدال وضمها: أي يسيل. (العناية) ليترجح جانب الانقطاع: أي ليتأكد
جانبه بجريان أحكام الطاهرات عليها شرعًا. حل وطؤها: وإن انقطع لتمام العشرة حل وطؤها قبل الغسل؛
لأن الحيض لا يزيد على العشرة، فلا يحتمل عود الدم بعده، لكن يستحب أن لا يطأها حتى تغتسل، وقال
الشافعي ومالك وأحمد وزفر: لا يحل وطؤها قبل الغسل. [مجمع الأنهر ٨٠/١]
حكمًا: لأن الشرع إذا حكم عليها بوجوب الصلاة ولا تصح حال كونها حائضاً، دلَّ أنه حكم
بطهارتها. (العناية) فوق الثلاث: قيد به؛ ليثبت الحكم فيما إذا انقطع الدم دون الثلاث بالطريق الأولى؛
إذ العود فيها أظهر؛ لابتلاء بنات آدم بالحيض في كل شهر، وأنه لا يكون أقل من ثلاثة أيام.
والطهر إذا إلخ: مثاله: مبتدأة رأت يوماً دما وثمانية طهراً، ويوماً دماً فالعشرة كلها كالدم المتوالي؛ لإحاطة الدم
بطرفي العشرة، ولو رأت يوماً دماً، وتسعة طهرًا، ويومًا دماً لم يكن شيء منه حيضاً. [العناية ١٥٢/١] إذا
تخلل إلخ: إذا أحاطت الدم بطرفي مدة الحيض. (العناية) كالدم المتوالي: فإن كانت مبتدأة فالكل
حيض، وإن كانت معتادة فأيام العادة حيض، والباقي استحاضة.

١١٧
باب الحيض والاستحاضة
قال نظره: وهذه إحدى الروايات عن أبي حنيفة بحالته، ووجهه: أن استيعاب الدم مدة
الحيض ليس بشرط بالإجماع، فيُعتبر أوله وآخره كالنصاب في باب الزكاة. وعن أبي
يوسف بحالته. وهو رواية عن أبي حنيفة مطله: وقيل: هو آخر أقواله .: أن الطهر إذا كان أقل
من خمسة عشر يومًا لا يفصل، وهو كله كالدم المتوالي؛ لأنه طهر فاسد، فيكون بمنزلة الدم.
والأخذ بهذا القول أيسر، وتمامه يعرف في "كتاب الحيض". وأقل الطهر خمسة عشر يوماً،
هكذا نُقل عن إبراهيم النخعي، وإنه لا يُعرف إلا توقيفاً،
هذه إلخ: أي رواية محمد عنه، والثانية: وهو قول زفر: أن الدم إن كان في مدة الحيض ثلاثة أيام لا يكون الطهر
فاصلاً، ويكون كالدم المتوالي، وإن كان أقل من ذلك يكون فاصلاً، والثالثة: وهو قول محمد: أن الطهر المتخلل بين
الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام، لا يكون فاصلاً، وإن كان ثلاثة أيام فصاعداً، فإن كان أقل من الدمين، أو
مثلها لا يكون فاصلاً أيضًا، وإن كان أكثر منهما يكون فاصلاً، والرابعة: ما روي عن أبي يوسف بحثه. الزكاة:
فإن شرط وجوبها كمال النصاب في طرفي الحول، والنقصان في خلاله لا يضر. (العناية)
أن الطهر إلخ: وحجته في ذلك أن الطهر الذي هو دون خمسة عشر لا يصلح للفصل بين الحيضتين،
فكذا للفصل بين الدمين؛ لأن أقل مدة الطهر الصحيح خمسة عشر يوماً، فما دونه فاسد.(النهاية) طهر
فاسد: الفاسد لا يتعلق به أحكام الصحيح شرعًا. (العناية) أيسر: لعدم التفصيل فيه أصلاً، وفي القول الأول
تفصيل من حيث إن الطهر الفاسد لا يكون فاصلاً، إذا كان الدم محيطاً في العشرة، ويكون محيطاً إذا لم
يكن فيه، وفي القول الثاني والثالث تفصيل ظاهر. كتاب الحيض: الذي صنّفه محمد بن الحسن كتاباً
مستقلاً في أحكام الحيض. (البناية)
هكذا نقل إلخ: وقال عطاء: أقله تسعة عشر؛ لأنه يشتمل الشهر عادة على الحيض والطهر، وقد يكون
الشهر تسعة وعشرين يومًا، وإذا كان أكثر الحيض عشرة، بقي تسعة عشر يومًا. ولنا: أن مدة الطهر نظير
الإقامة من حيث إنها تعيد ما كان ساقطاً من الصوم والصلاة، وقد ثبت بالأخبار أن أقل مدة الإقامة خمسة
عشر، فكذا أقل مدة الطهر. (النهاية) وإنه لا يعرف إلخ: والظاهر أنه منقول عن النبي ◌ُّ؛ لأنه مقدار،
والمقادير في الشرع لا تعرف إلا سماعاً. (العناية)

١١٨
باب الحيض والاستحاضة
ولا غاية لأكثره؛ لأنه يمتدُّ إلى سنة وسنتين، فلا يتقدَّر بتقدير إلا إذا استمر بها الدم،
فاحتيج إلى نصب العادة، ويعرف ذلك في "كتاب الحيض". ودم الاستحاضة
كالُّعاف الدائم لا يمنع الصوم، ولا الصلاة، ولا الوطْءَ؛ لقوله عليه: "توضئي وصلِّي
وإِن قَطَر الدمُ على الحصير"،* ولما ◌ُرِف حكم الصلاة ثبت حكم الصوم والوطء
بنتيجة الإجماع. ولو زاد الدم على عشرة أيام، ولها عادة معروفة دونها: رُدّت إلى أيام
عادتها، والذي زاد استحاضة؛
ولا غاية لأكثره: معناه أنها تصلي وتصوم ما دامت ترى الطهر وإن استغرق عمرها. (العناية)
سنة وسنتین: وقد لا تحیض أصلاً.(فتح القدیر) إلا إذا استمر: فإنه یکون حينئذ لأ کثره غاية عند عامة
العلماء خلافاً لأبي عصمة سعد بن معاذ المروزي والقاضي أبي حازم؛ فإنه لا غاية لأكثره عندهما على
الإطلاق؛ لأن نصب المقادير بالسماع، ولا سماع ههنا، وعلى هذا إذا بلغت امرأة، فرأت عشرةً دمًا، وسنة أو
سنتين طهرًا، ثم استمر بها الدم، فعندهما طهرها ما رأت، وحيضها عشرة أيام، تدع الصلاة والصوم من أول
زمان الاستمرار عشرة أيام، وتصلي سنة أو سنتين. [العناية ١٥٥/١]
ويعرف ذلك: ولما كان في الأقوال كثرة أعرض المصنف عنها، وقال: ويعرف ذلك إلخ. (العناية) بنتيجة
الإجماع: قيل أي بدلالته، وتقريره: أجمع المسلمون على وجوب الصلاة، وهو يوجب وجوب الصوم
وحل الوطء بالطريق الأولى؛ لأنه لما جعل الدم عدماً في حق الصلاة مع المنافاة الثابتة بينهما؛ لكونه
منافياً لشرطها، فلأن يجعل عدماً في حق الصوم والوطء الذين لا منافاة بينهما أولى. (العناية) عادة
معروفة: وهي تثبت بمرتين، لا بمرة واحدة، كما ذهب إليه بعضهم.
* أخرجه ابن ماجه عن عروة بن الزبير، عن عائشة ما قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ◌ُ ◌ّ
فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق، وليس
بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير.
[رقم: ٦٢٤، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عادت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم]

١١٩
باب الحیض والاستحاضة
لقوله عليها: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها"،* ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد
على العشرة فيلحق به. وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضةً، فحيضها عشرةُ أيام من كل
شهر، والباقي استحاضة؛ لأنا عرفناه حيضًا، فلا يخرج عنه بالشك، والله أعلم.
فصل
والمستحاضة، ومن به سَلَسُ البول، والرُّعَاف الدائم، والجُرْح الذي لا يرقأ: لوقت كل
صلاة، فيُصَلُون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤا من الفرائض والنوافل.
لقوله عليه: ووجه الاستدلال: أن من زاد دمها على عشرة فهي مستحاضة، والمستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها،
وأيام أقرائها أيام عادتها المعروفة، فما زاد عليها لا تدعها فيه، وإلا لم يبق للإضافة فائدة. [العناية ١٥٨/١] يجانس:
من جهة أنه زيادة على المقدر. إذ المقدر العادي كالمقدر الشرعي فالزائد عليه كالزائد عليه. ومن جهة أنه مخالف
للمعهود. [فتح القدير ١٥٨/١]
لأنا عرفناه إلخ: أي لما استمر الدم ثلاثة أيام، عرفنا أنه حيض. ولما جاوز العشرة وقع الشك في الزيادة
على الثلاثة، أن المرئي فيها حيض أم استحاضة، فلا يخرج عنه بالشك. والله أعلم. [الكفاية ١٥٨/١] سَلَسُ
البول إلخ: لما ذكر المستحاضة للمعنى الذي ذكرنا من أن الدماء المختصة بالنساء ثلاثة: حيض،
واستحاضة، ونفاس، ذكر أيضًا من هو في حكمها. (النهاية)
سلس البول: وهو من لا يقدر على إمساكه. (العناية) الدائم: أي الشامل للأوقات بحيث لا يسع
الصلاة. لا يرقأ: أي الذي لا يسكن دمه. (العناية) والنوافل: لا يراد به الحصر، بل يصلون النذور
والواجبات أيضًا مادام الوقت باقياً عندنا. (الكفاية)
* أخرج ابن حبان في صحيحه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ◌ّما قالت: سئل رسول الله
عن المستحاضة، فقال: تدع الصلاة أيّامها، ثم تغتسل غسلاً واحداً، ثم تتوضأ عند كل صلاة. [١٨٩/٤،
رقم: ١٣٥٥، باب وجوب الوضوء للمستحاضة عند كل صلاة]