النص المفهرس

صفحات 41-60

٤٠
كتاب الطهارات
والثابت عادةً كالمتيقّن به، والاتكاء ثُِيلُ مُسكةَ اليقظة؛ لزوال المفْعَد عن الأرض، ويبلغ
الاسترخاء في النوم غايَتَه بهذا النوع من الاستناد، غير أن السنَد يمنعه من السقوط، بخلاف
النوم حالة القيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة وغيرها هو الصحيح؛ لأن بعض
الاستمساك باقٍ؛ إذ لو زال لَسَقَط فلم يتمَّ الاسترخاء. والأصل فيه قوله عليها: "لا وضوء
على من نام قائمًا أو قاعدًا أو راكعًا أو ساجدًا، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه
إذا نام مضطجعًا استرخَتْ مفاصله" . * والغلبةُ على العقل بالإغماء والجنونُ؛ لأنه فوق
النوم مضطجعًا في الاسترخاء، والإغماءُ حَدَثٌ في الأحوال كلها،
كالمتيقّن به: ألا ترى أن من دخل المستراح، ثم شك في وضوئه، فإنه يُحكم بنقض وضوئه؛ لأن العادة
جرت عند الدخول في الخلاء بالتبرز بخلاف ما إذا شك بدون الدخول. مسكة اليقظة: أي التماسك الذي
يكون لليقظان.(العناية) هو الصحيح: احتراز عما ذكر ابن شجاع أنه لا يكون حدثًّا في هذه الأحوال إذا
كان في الصلاة، أما إذا كان خارج الصلاة، فهو حَدَثٌ، والذي صححه هو ظاهر الرواية. والأصل فيه:
أي في كون النوم غير ناقض للوضوء في هذه الأحوال. (العناية)
والغلبة: المراد منه المغلوبية، والغالب هو الإغماء أو الأمر المفضي إلى الإغماء. والجنون: بالرفع؛ لأنه ليس
عطفًا على الإغماء؛ لأنه ليس غلبة على العقل بل زواله. وفي "الخلاصة": السَّكَرُ حَدَثٌ إذا لم يعرف به الرجلَ
من المرأة. [فتح القدير ٤٥/١] لأنه: أي لأن كل واحد من الجنون والإغماء. فوق النوم: لأن النائم يتنبه
بالتنبيه دونهما. (البناية) حدث: وَصَف الإغماء بأنه حدث باعتبار أنه سبب للحدث.
في الأحوال كلها: يعني حال القيام والقعود والركوع والسجود؛ لوجود الاسترخاء، وهو القياس في النوم؛ لزوال
المقعدة عن الأرض، ووجود أصل الاسترخاء، لكن تركنا هذا القياس في النوم بقوله عليها: "لا وضوء على من نام
قائماً" الحديث. والإغماء فوقه، كما مر فلا يقاس عليه، ولا يلحق به دلالةً؛ إذ لا يلزم من أن لا يكون أدنى
الغفلة ناقضاً أن لا يكون أعلاها ناقضاً. [العناية ٤٥/١]
* أخرج البيهقي في السنن الكبرى من طريق أبي خالد الدالاني عن ابن عباس ما قال: قال رسول الله حُلّ: لا
يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجدًا حتى يضع جنبه؛ فإنه إذا وضع جنبه استرخت
مفاصله.[١٩٤/١، رقم: ٥٩٨]

٤١
کتاب الطهارات
وهو القياس في النوم، إلا أنّا عرفناه بالأثر، والإغماءُ فوقه فلا يقاس عليه. والقهقهةُ في كل
صلاة ذات ركوع وسجود، والقياس أنها لا تنقض، وهو قول الشافعي بدله؛ لأنه ليس بخارج
نجس، ولهذا لم يكن حدثًا في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، وخارج الصلاة. ولنا: قوله عليه:
"ألا من ضَحكَ منكم قهقهةً فليعد الوضوء والصلاة جميعًا * وبمثله يُترك القياس، والأثر ورد
في صلاة مطلقة فيُقْتَصَرُ عليها. والقهقهة: ما يكون مسموعًا له وبجيرانه.
كاملة
عرفناه بالأثر: أنه ليس بناقض في جميع الأحوال. في كل صلاة: احترز به عن صلاة الجنازة، فإنها لاتنقض
الوضوء وتبطلها (أي الصلاة). (البناية) صلاة: المراد ما أصلها الركوع والسجود فإنه لو قهقه فيما يصليه بالإيماء
لعذر أو راكباً يومئ بالنفل أو الفرض لعذر انتقض. وكذا أيضاً لا تنقض قهقهة النائم في الصلاة ولا تبطل
الصلاة ... ؛ لأنها إنما جعلت حدثاً بشرط كونها جنايةً ولا جنايةَ من النائم. [فتح القدير ٤٧/١]
تنبيه: قال في الدر المختار تحت قول المصنف "وقهقهة بالغ": فلا يبطل وضوء صبي ونائم بل صلاتهما، وبه
يفتى.[٤٨٢/١-٤٨٣] وبمثله: أي بمثل هذا الحديث الذي عمل به الصحابة والتابعون، وكان راويه معروفاً بالفقه
والتقدم في الاجتهاد كأبي موسى ◌ُه. فيُقْتَصَر عليها: أي على الصلاة المذكورة فلا يتعدَّى إلى صلاة الجنازة،
وسَحْدَةِ التلاوة، وصلاة الصبي، وصلاة الباني بعد الوضوء على إحدى الروايتين. [البناية ١٦٢/١]
ما يكون مسموعًا: واحترز به عن الضحك، وهو لغة: أعم من القهقهة، واصطلاحاً: ما كان مسموعاً له
فقط، فلا ينقض الوضوء بل ببطل الصلاة، وعن التبسم، وهو ما لا صوت فيه أصلاً، بل تبدو أسنانه فقط،
فلا يبطلهما. [رد المحتار ٤٨٢/١]
* فيه أحاديث مسندة، وأحاديث مرسلة. أما المسندة: فرويت من حديث أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة،
وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الملك، وعمران بن الحصين، وأبي المليح. أما حديث أبي
موسى: فرواه الطبراني في "معجمه" حدثنا أحمد بن زهير التستري ثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي ثنا محمد بن
أبي نعيم الواسطي ثنا مهدي بن ميمون ثنا هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية عن أبي
موسى، قال: بينما رسول الله ◌ّ يصلي بالناس إذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد. وكان في
بصره ضرر . فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله بة "من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد
الصلاة". [نصب الراية ٩٥/١ -٩٦]

٤٢
كتاب الطهارات
والضّحك: ما يكون مسموعًا له دون جيرانه، وهو - على ما قيل -* يُفسد الصلاة دون
الوضوء. والدابةٌ تخرج من الدبر ناقضةٌ، فإن خرجت من رأس الجرح، أوسقَط اللّحم
لاتنقض. والمراد بالدابة: الگّودة؛ وهذا لأن النحس ما عليها، وذلك قليل، وهو حدث في
السَّبيلين دون غيرهما، فأشبه الجُشَاءَ والفُسَاء، بخلاف الريح الخارجة من القُبُل والذّكَرِ؛ لأنها
لا تنبعث عن محل النجاسة، حتى لو كانت المرأة مُفضاةً يُستحب لها الوضوءُ؛ لاحتمال
خروجها من الدبر. فإِن قَشرَتْ نفْطَةٌ فسال منها ماء أو صديد أو غيره،
على ما قيل: في حديث جابر الُه: أن الضحك يفسد الصلاة دون الوضوء. (البناية) والدابّة تخرج: أي الدودة.
التي تنشأ في البطن، إذا خرجت من الدبر نقضت الوضوء، والتي تنشأ في الجرح إذا خرجت منه أو لحم
سقط منه لم ينقض؛ لأن نفس الدودة ليست بنجسة. ولهذا لو غسلت جازت الصلاة معها، فلم يبق من
النجس إلا ما عليها. وذلك قليل وهو حدث في السبيلين دون غيرهما. (العناية) والمراد إلخ: إنما فسرالدابة
بالدودة؛ لأن الدابة ما يدب على الأرض، فربما يتوهم أن المراد بها ما يدخل الجرح كالذباب فيخرج منه، فإنه
لا ينقض ففسره بياناً لذلك. [العناية ٤٦/١-٤٧]
وهذا: أي الفرق بين كونه ناقضًا في صورة وغير ناقض في صورة أخرى. مفضاة: التي اختلط سبيلاها. (فتح القدير)
قشرت: إنما أعاد هذه المسألة وإن كانت تُعلم مما تقدم ليعلم الفرق بين الخارج والمخرج، أو ليُعلم أن حكم
الماء حكم غيره. (العناية) نفْطَّةٌ: والنفطة بالحركات الثلاث في نونها, بثرة تخرج في اليد من العمل ملأن
ماء. (البناية) [ويقال بالفارسية: آبله]
* في حديث جابر بناته: إن الضحك يفسد الصلاة دون الوضوء, وروى الطبراني وأبو يعلى الموصلي والدار قطني من
حديث جابر أن رسول الله وّ كان يصلي بأصحابه صلاة العصر، فتبسم في الصلاة، فلما انصرف قيل له: يا
رسول الله! تبسمت وأنت تصلي؟!، قال: فقال: إنه مرَّبي ميكائيلُ، وعلى جَنَاحه غبارٌ، فضحك إليَّ،
فتبسمتُ إليه، وهو راجع من طلب القوم. وفي معجم الطبراني: ذكر جبريل مكان ميكائيل. [البناية ١٦٢/١]
وأخرج الدار قطني في سننه عن جابر، قال: ليس في الضحك وضوء، وفي رواية عن جابر: أنه سُئِل
عن
الرجل يضحك في الصلاة؟ فقال: يُعِيْدُ الصَّلاَةَ، ولا يُعيد الوضوء. [١٧٢/١، رقم: ٥٠/٦٣٩]

٤٣
كتاب الطهارات
إن سال عن رأس الجُرِح نقض، وإن لم يَسِلْ لا ينقض، وقال زفر بحالته: ينقض في
الوجهين. وقال الشافعي بحثه: لاينقض في الوجهين، وهي مسألة الخارج من غير
السبيلين، وهذه الجملة نجسة؛ لأن الدم ينضج فيصير قيحًا، ثم يزداد نضجًا فيصير
صديدًا، ثم يصير ماءً، هذا إذا قشَرَها فخرج بنفسه، أما إذا عَصَرها فخرج بعصره
لا ينقض؛ لأنه مُخرَج وليس بخارج، والله أعلم.
فصل في الغُسل
وفرض الغسل: المضمضة، والاستنشاق، وغَسل سائر البدن، وعند الشافعي له: هما
سنتان فيه؛ لقوله عليها: "عشرٌ من الفطرة"* أي: من السنة،
هذه الجملة: أعني قوله: "ماء أو صديد أوغيره". هذا: أي الذي ذكر أنه إذا سال نقض. (العناية)
لأنه مخرج إلخ: لا تأثير يظهر للإخراج وعدمه في هذا الحكم بل النقض لكونه خارجاً نجساً وذلك يتحقق
مع الإخراج كما يتحقق مع عدمه فصاركالفصد وقشر النفطة، فلذا اختار السرخسي في جامعه النقض. وفي
"الكافي": والأصح أن المخرج ناقض، انتهى. وكيف وجميع الأدلة الواردة من السنة والقياس تفيد تعليق النقض
بالخارج النجس، وهو ثابت في المخرج. [فتح القدير ٤٨/١]
الغسل: إنما ذكر الغسل بعد الوضوء؛ لأن الحاجة إلى الوضوء أكثر، ولأن محل الوضوء جزء البدن، ومحل
الغسل كله، والجزء قبل الكل، أو اقتداءً بكتاب الله تعالى، فإنه وقع على هذا الترتيب. (العناية) سائر
البدن: فيجب تحريك القُرط والخاتم الضيقين. (فتح القدير) من الفطرة: الفطرة لغةً الخلقة سمي السنة بها؛
لأنها مقتضى الطبيعة السليمة.
* رواه الجماعة إلا البخاري. [نصب الراية ١٢٠/١] أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قال رسول
الله ◌ُّ: عشر من الفطرة: قص الشوارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم،
ونَتَف الإِبِط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المضمضة، زاد قتيبة:
قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء. [١٢٣/٣، رقم: ٢٦١، باب خصال الفطرة]

٤٤
كتاب الطهارات
٥
إن
وذكرمنها المضمضة والاستنشاق، ولهذا كانا سنتين في الوضوء. ولنا: قوله تعالى:
كُمْ حُباً فَاطَّهَّرُوا﴾، وهو أمر بتطهير جميع البدن، إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه
خارج عن النص بخلاف الوضوء؛ لأن الواجب فيه غسل الوجه، والمواجهة فيهما
لا جمیع البدن
في الوضوء
منعدمةٌ. والمراد بما رَوى حالةُ الحدث بدليل قوله عليها:"إنهما فرضان في الجنابة سنتان في
الوضوء" .* وسنته: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجَه، ويُزيلَ نجاسةً إن كانت على
بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، ثم يُفيض الماء على رأسه وسائرٍ جسده
ثلاثًا، ثم یتنخَی عن ذلك المكان فيغسل رجليه،
ما يتعذر إلخ: كداخل العينين لما في غسلهما من الضرر والأذى، ولهذا سقط غسلهما عن حقيقة النجاسة
بأن كحل عينيه بكحل نجس، والمضمضة والاستنشاق، لا تعذر فيهما ولهذا افترض غسلهما في النجاسة
الحقيقية فيفترض أيضاً في الجنابة. [العناية ٥٠/١] والمواجهة فيهما: أي في محلَّي المضمضة والاستنشاق
معدومة. والمراد: جواب عن حديث الشافعي بعثته بحمله على الوضوء. (العناية)
يديه وفرجه: لم يكتف بذكر إزالة النجاسة؛ لأن الفرج مسنون اغتساله، نجسًا كان أو لا، وكذا اليدان.
وضوءه للصلاة: هذا احتراز عما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ملكه أن الجنب يتوضأ، ولا يمسح رأسه؛
لأنه لا فائدة في المسح؛ لوجود إسالة الماء من بعد، وذلك يعدم معنى المسح، والصحيح ظاهر الرواية؛ لما روي
أنه عليها توضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، والوضوء يشمل الغسل والمسح. [الكفاية ٥١/١-٥٢]
ثم يُفيض: لم يذكر كيفية الصَبِّ، واختلف فيه، فقال الحلواني: يفيض على منكبه الأيمن ثلاثً، ثم الأيسر
ثلاثًا، ثم على سائر جسده، وقيل: يبدأ بالأيمن، ثم بالرأس، ثم بالأيسر. [فتح القدير ٥١/١]
* لم يذكر أحد من الشراح أصل هذا الحديث. [البناية ١٧٧/١] أخرج الدار قطني في سننه عن ابن سيرين قال: أمر
رسول الله وّ بالإستنشاق من الجنابة ثلاثً. [٢٨٧/١، رقم: ٤٠٣، باب ما روي في المضمضة والإستنشاق في
غسل الجنابة] رواه الثقات عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين. [نصب الراية ١٢٣/١]

٤٥
كتاب الطهارات
هكذا حكَت ميمونة ◌ُما اغتسال رسول الله ◌ََّ. وإنما يؤخِّر غسل رجليه؛ لأنهما
في مستنقع الماء المستعمل، فلا يفيد الغَسْل حتى لو كان على لوح لا يؤخِّر. وإنما يبدأ
بإزالة النجاسة الحقيقية؛ كيلا تزداد بإصابة الماء. وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في
الغُسل إذا بلغ الماء أصولَ الشعر؛ لقوله عليّ لأم سَلَمة ◌ُها: "أما يكفيكِ إذا بلغ الماء
أصول شعركِ"، ** وليس عليها بَلُّ ذوائبها، هو الصحيح؛ لما فيه من الحرج بخلاف
اللحية؛ لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى أثنائها. قال: والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني
على وجه التَّفْق والشهوة من الرجل والمرأة حالةَ النوم واليقظة، وعند الشافعي بحالته:
خروج المني کیفما كان يوجب الغسل؛
اغتسال إلخ: قلت: وليس في حديث ميمونة ما يدل على المواظبة، ولا أن يتوضأ وضوءه للصلاة، فالأولى
التمسك بما روت عائشة أيّها: كان رسول الله ◌ُّ إذا اغتسل من الجنابة بدأ يغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ
للصلاة. الحديث. أن تنقض: وفي وجوب نقض ضفائر الرجل اختلاف الرواية والمشايخ، والاحتياط الوجوب.[فتح
القدير ٥٢/١] والمرأة: لحديث أم سلمة في بعض ألفاظها، أنها لما سألت النبي - عن المرأة ترى في منامها مثل
ما يرى الرجل، فقال عليها: أتجد لذلك لذة؟ قالت: نعم. قال عليًّ: فلتغتسل. [العناية ٥٣/١]
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم مطولاً ومختصرًا عن عبد الله بن عباس رضيله. [نصب الراية ١٣٤/١] أخرج مسلم في
صحيحه عن ابن عباس بما قال: حدثني خالتي ميمونة قالت: أدنيت لرسول الله ◌ّ غسله من الجنابة، فغسل كفيه
مرتين، أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكاً
شدیدًا. ثم توضأ وضوءه للصلاة. ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء کفه. ثم غسل سائر جسده. ثم تنخَّی عن
مقامه ذلك، فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل، فَرَدَّه. [١٨٨/٣، رقم: ٣١٧، باب صفة غسل الجنابة]
**
رواه الجماعة إلا البخاري. [نصب الراية ١٢٥/١] أخرج مسلم في صحيحه عن أم سلمة قالت: قلتُ يا
رسول الله! إني امرأة أشد ضَفر رأسي اَفَأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تَحُنِّي على
رأسكِ ثلاث حَيات، ثم تُفيضين عليك الماء، فتطهرين. [١٠/٤، رقم: ٣٣٠، باب حكم ضفائر المغتسلة]

٤٦
كتاب الطهارات
لقوله عليها: "الماء من الماء"* أي: الغسل من المني. ولنا: أن الأمر بالتطهير يتناول
الجُب، والجنابة في اللغة: خروج المني على وجه الشهوة، يقال: أُجنِب الرجل إذا
قضى شهوته من المرأة، والحديث محمول على الخروج عن شهوة. ثم المعتبر عند أبي
حنيفة ومحمد بحمًّا: انفصاله عن مكانه على وجه الشهوة، وعند أبى يوسف بحثلته:
ظهوره أيضًا؛ اعتبارًا للخروج بالمزايلة؛ إذ الغُسل يتعلّق بهما. ولهما: أنه متى وجب من
وجه، فالاحتياط في الإيجاب. والتقاء الختانين من غير إنزال؛ لقوله عليه: "إذا التقى
الختانان وتوارت الحَشَفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل"، **
والجنابة في اللغة إلخ: إذا ثبت في اللغة أن الجنابة هو الخروج على وجه الشهوة ثبت أن لاغسل على من
خرج منه المني بلا شهوة. والحديث: هذا جواب عن ما قاله الشافعي في الحديث الذي استدل به وهو قوله
عليها: "الماء من الماء". [البناية ١٨٥/١] محمول: لأنه يتناول البول والمذي والودي والمني عن شهوة وغير
شهوة، والكل غير مراد إجماعًا، وهو عام فيراد به أخص الخصوص لما عرف، والمني عن شهوة مراد إجماعًا،
فيحمل عليه. وعند أبي يوسف باله: ثمرة الخلاف تظهر فيمن أمسك ذكره حتی سكنت شهوته فخرج بلا
شهوة يجب الغسل عندهما، لاعنده. [مجمع الأنهر ٣٨/١] والتقاء الختانين: أي مع تواري الحشفة، والختن
موضع القطع من الذكر والأنثى، التقاؤهما كنايةٌ عن الإيلاج لطيفةٌ. [الكفاية ٥٥/١]
* الحديث رواه مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: خرجْتُ مع رسول
الله ◌ُّ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ◌ُّ على باب عتبان، فصرخ به فخرج يجرّ
إزاره. فقال رسول الله : "أعجلنا الرجل"، فقال عتبان: يارسول الله! أرأيت الرجل يُعجَل عن امرأته ولم يمن،
ماذا عليه؟ قال رسول الله (373: إنما الماء من الماء.[٣١/٤، رقم: ٣٤٣، باب بيان أن الجماع كان في أول
الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل المني وبيان نسخه وأن الغسل يجب بالجماع]
** أخرجه الإمام أبو محمد عبد الله بن وهب في مسنده، أخبرنا الحارث بن نبهان عن محمد بن عبيد الله عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله، أن النبي ◌ُّ سئل عما يوجب الغسل؟ فقال: "إذا التقى
الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل أولم ينزل"، وذكر عبد الحق في أحكامه من جهة ابن وهب، =

٤٧
کتاب الطهارات
ولأنه سبب الإنزال، ونفسه يتغيب عن بصره، وقد يخفى عليه لقلته فيقام مقامه. وكذا الإيلاج في
الدبر لكمال السببية، ويجب على المفعول به احتياطًا، بخلاف البهيمة وما دون الفرج؛ لأن
السبية ناقصة. قال: والحيض؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهَّرْنَ﴾ بالتشديد، وكذا النفاس؛ بالإجماع.
نفسه: أي نفس الإنزال يتغيب عن بصره. (الكفاية) فيقام مقامه: ولأنه لما قام مقام الإنزال في حق وجوب
الحد، فلأن يقوم مقامه في حق وجوب الاغتسال أولى؛ ولهذا احتج علي حثيُه على الأنصار، فقال: يوجبون
الرجم ولا يوجبون صاعاً من الماء. (الكفاية) وفي "المحيط": لو أتى من امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل؛ لأن
ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج. (النهاية) لكمال السببية: لأنه سبب لخروج المني غالباً كالإيلاج في
القبل. [الكفاية ٥٦/١] دون الفرج: وهو التفخيذ والتبطين، فإنه لا يجب الغسل أيضاً؛ لنقصان السبية إذا لم
ينزل. [العناية ٥١/١]
والحيض: أي انقطاعه، وكذا في النفاس.(فتح القدير) حَتَّى يَطْهَّرْنَ: وجه التمسك به على وجوب الاغتسال
هو أن الله تعالى منع الزوج من الوطء قبل الاغتسال, والوطء تصرف واقع في ملكه فلوكان الاغتسال مباحاً أو
أي
مستحباً لم يمنع الزوج من حقه، فعلم أنه واجب. قوله: "حتى يطَّن" بالتشديد معناه: حتى يطهُرن
يغتسلن، وقُرئ بالتخفيف معناه: حتى ينقطع دمهن، وكلا القراء تين يجب العمل بهما، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن
يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم إن لم تغتسل, وفي أقل الحيض لا يقربها حتى يغتسل أو يمضي عليها وقت
صلاة كامل. وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها حتى تَطهُر وتتطهر, فيجمع بين الأمرين. [البناية ١٩٤/١] بالإجماع:
منشأه ههنا النص في الحيض، والقياس عليه فإن فيه أيضاً أذى والقذر، بل فيه أكثر زمانًا وأظهر.
= وقال: إسناده ضعيف جدًا، فالظاهر إنما ضعفه بالحارث بن نبهان. [البناية ٢٧٥/١] فالحديث حسن،
لاسيما وله متابع. [إعلاء السنن ٢٢٢/١] وقد يعضد هذا ما أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" عن أبي
حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن سائلاً سأل النبي ◌ّ أيوجب الماء إلا الماء؟ فقال: "إذا
التقى الختانان وغيبت الحشفة فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل". [٢٤٦/٥، رقم: ٤٤٨٦] رجاله رجال
الحسن. [إعلاء السنن، ١٤٦/١] ومعناه في الصحیحین. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ۵څه أن نبي
اللهَ وَّ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها، فقد وجب عليه الغسل، وفي حديث مطر: وإن لم
يُنزل". [٣٤/٤، رقم: ٣٤٨، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين]

٤٨
کتاب الطهارات
قال: وسَنَّ رسولُ الله ◌َّ الغسل للجمعة، والعيدين، وعرفة، والإحرام"، نَصَّ على السّنية.
القدوري
وقيل: هذه الأربعة مستحبة، وسمى محمد الغسل في يوم الجمعة حسناً في "الأصل".
وقال مالك رسله: هو واجب؛ لقوله عليه: "من أتى الجمعة فليغتسل) ** ولنا: قوله عليه:
"من توضأ يوم الجمعة فِها ونَعِمَت، ومن اغتسل فهو أفضل الا هـ*،
* أما الجمعة: ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر هما يقول: سمعت رسول الله وُ ◌ّ يقول: من جاء
منكم الجمعة فليغتسل. [٤١٥/٢، رقم: ٨٤٣، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل] وأما العيدان: ففيهما
أحاديث. [نصب الراية ٨٥/١] أخرج ابن ماجه عن عبدالرحمن بن عقبة بن الفاكة بن سعد عن جد الفاكة بن سعد
وكانت له صحبة أن رسول الله وُ ◌ّ كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة. وكان الفاكة يأمر أهله بالغسل في
هذه الأيام. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﴾ يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى. [رقم: ١٣١٥، باب ما جاء
في الاغتسال في العيدين] وسنده لا بأس به. وأخرج الطحاوي عن زاذان قال: سألت عليًّا زه عن الغسل، فقال:
اغتسل إذا شئت فقلت: إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل. قال: يومَ الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم
النحر. [٩١/١، باب غسل يوم الجمعة] ورجاله رجال مسلم إلا ابن مرزوق فهو من رجال النسائي ثقة كما في
"التقريب" فهو حديث صحيح. [إعلاء السنن ٢٣٤/١] وأما الإحرام: فأخرج مسلم في صحيحه عن عائشة أنما
قالت: نفست أسماء بنت عُميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله وَ ◌ّ أبابكر يأمرها أن تغتسل
وتُملَ. [١٠٧/٤، رقم: ١٢٠٩، باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام وكذا الحائض]
** هذا الحديث أخرجه الترمذي في جامعه عن سالم عن أبيه أنه سمع النبي ◌ُّ يقول: "من أتى الجمعة
فليغتسل". [رقم: ٤٩٢، باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة]
*** ژُوي من حديث سمرة بن جندب، ومن حديث أنس، ومن حديث الخدري، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث
جابر، ومن حديث عبد الرحمن بن سمرة، ومن حديث ابن عباس ﴿ه. [نصب الراية ٨٨/١] أخرج الترمذي في جامعه
حديث سمرة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل
فالغسل أفضل". وقال: حديث سمرة حديث حسن. [رقم: ٤٩٧، باب ماجاء في الوضوء يوم الجمعة] وفي "سنن أبي
داود": ومن اغتسل فهو أفضل. [رقم: ٣٥٤، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة]

٤٩
کتاب الطهارات
وبهذا يُحمل ما رواه على الاستحباب، أو على النسخ. ثم هذا الغسل للصلاة عند أبي
يوسف بح اله، وهو الصحيح؛ لزيادة فضيلتها على الوقت، واختصاص الطهارة بها، وفيه خلاف
الحسن. والعيدان بمنزلة الجمعة؛ لأن فيهما الاجتماع فيستحب الاغتسال؛ دفعًا للتأذي بالرائحة،
بن زیاد
وأما في عرفة والإحرام فسنبيِّه في المناسك إن شاء الله تعالى. قال: وليس في الذي والودْي غُسل،
وفيهما الوضوء؛ لقوله عليها: "كل فحل ◌ُمذي وفيه الوضوء"،* والودي: الغليظ من البول يتعقّب
الرقيقَ منه خروجًا، فيكون معتبرً به. والمني: خائر أيض ينكسر منه الذكر. والذي رقيق يَضْرب
(میل)
إلى البياض، يخرج عند ملاعبة الرجل أهله، والتفسير مأثور عن عائشة ث ◌ُها . ***
أو على النسخ: بدليل ما روي عن عائشة وابن عباس ◌ُه قالا: كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يلبسون
الصوف ويعرفون فيه، والمسجد قريب السقف، فكان يتأذى بعضهم برائحة بعض، فأمروا بالاغتسال، ثم
نسخ حين لبسوا غير الصوف، وتركوا العمل بأنفسهم. [العناية ٥٨/١]
خلاف الحسن: تظهر ثمرته فيمن لا جمعة عليه، هل يسن له الغسل أو لا. (فتح القدير) فسنبينه: والحاصل أن
الاغتسال أحد عشر نوعاً خمسة منها فريضة: الاغتسال من التقاء الختانين، ومن إنزال الماء، ومن الاحتلام،
ومن الحيض، والنفاس، وأربعة منها سنة: الاغتسال يوم الجمعة، ويوم عرفة، وعند الإحرام، والعیدین، وواحد
منها واجب: وهو غسل الميت، وآخر مستحب: وهو غسل الكافر إذا أسلم. [الكفاية ٥٩/١] والمني: أي
مني الرجل يدل عليه تفسيره بقوله: خائر أي غليظ.
* هذا جزء من حديث رواه ثلاثة من الصحابة له، وهم: عبد الله بن سعد، ومعقل بن يسار، وعلي بن أبي
طالب هچه. [البناية ٢٠١/١] أخرج أبو داود في سننه عن حزام بن حکیم عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري
قال: سألت رسول الله وُّ عما يوجب الغسل؟ وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ذلك المذي وكل فحل يمذي
فتغسلُ من ذلك فرجك وأنتبيك وتوضأ وضوء ك للصلاة. [٢٥٢/١، رقم: ٢١٣، باب في المذي]
** لم يثبت هذا عن عائشة لهما، نعم روى عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة وعكرمة قالا: هي ثلاثة: المني
والمذي والودي فالمني: فهو الماء الدافق الذي يكون فيه الشهوة، ومنه يكون الولد ففيه الغسل، وأما المذي:
فهو الذي يخرج إذا لاعب الرجل امرأته فعليه غسل الفرج والوضوء، وأما الودي: فهو الذي يكون مع البول
وبعده وفيه غسل الفرج والوضوء. [البناية ٢٠٥/١]

٥٠
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
الطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء، والأودية، والعيون، والآبار، والبحار؛ لقوله
جمع وادي
تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَّهُوراً﴾، وقوله عليه: "لماءِ طَهور لا يُنَجِّسه شيء إلا ما
غيَّر لونه أو طعمَه أو ريحه(3)، وقوله عليها في البحر: "هو الطَّهور ماؤه، والحل ميتها(*)
ومطلق الاسم يطلق على هذه المياه. ولا يجوز بما اعتصر من الشجر والثمر؛
باب: في بعض النسخ فصل في المياه. (فتح القدير) لما فرغ من بيان الطهارتين ذكر ما تحصل به الطهارة، وهو الماء
المطلق. (العناية) يجوز به الوضوء: لم يذكر الغسل معه مع أن الكلام فيه وفي الوضوء؛ اكتفاءً بالوضوء. من
الأحداث: قيد بالأحداث؛ لأن ثبوت الحكم في الجنب بالطريق الأولى. والآبار: جمع بير أصله بئر بهمزة
ساكنة في وسطها، وجمعها في القلة أبور وأبار بهمزة بعد الياء, ومن العرب من يقلب الهمزة فتكون آباراً، فإذا
كثرت فهي بثار. (البناية) وأنزلنا من السماء إلخ: وجه التمسك بالآية في حق ماء السماء والأودية
الحاصلة بماء السماء ظاهر، وأما في حق ماء العيون والآبار، فإما لأن أصل المياه جميعها من السماء؛ لقوله
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْض﴾ وإما لأن التمسك بالآية يرجع إلى ماء
السماء ، والتمسك بطهورية باقي المياه بالحديثين اللذين ذكرهما. [البناية ٢٠٦/١]
لا
* أخرجه ابن ماجه في سننه عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله وُّه "إن الماء
ينجسه شىء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". [رقم: ٥٢١، باب الحياض] وأخرج الطحاوي مرسلاً عن راشد
بن سعد قال: قال رسول الله وضّ: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أوريحه". [١٥/١، باب الماء
تقع فيه النجاسة] والحديث مؤيد بالمرسل الصحيح. [إعلاء السنن ٢٦٧/١ رقم: ٢٢١]
** أخرج أبو داود في سننه عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأرزق قال: إن المغيرة بن أبي بردة. وهو من بني
عبدالدار. أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: "سأل رجل رسول الله ◌ُّ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر
ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله (8 3: هو الطهور ماؤه،
الحل ميتته".[١٨٨/١، رقم: ٨٤، باب الوضوء بماء البحر]

٥١
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
لأنه ليس بماء مطلق، والحكم عند فقده منقول إلى التيمم، والوظيفة في هذه الأعضاء
تعبدية، فلا تتعدَّى إلى غير المنصوص عليه. وأما الماء الذي يقطُر من الكرم، فيجوز
التوضي به؛ لأنه ماء يخرج من غير علاج، ذكره في "جوامع أبي يوسف سدفيه"، وفي
الكتاب إشارة إليه حيث شرط الاعتصار. ولا يجوز بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن
القدوري
طبع الماء، كالأشربة، والخل، وماء الباقلاء، والمرق، وماء الورد، وماء الزَّرْدج؛ لأنه لا
يُسمَّى ماء مطلقًا. والمراد بماء الباقلاء وغيره: ما تغيّر بالطبخ، فإن تغير بدون الطبخ يجوز
التوضي به. قال: ويجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغيَّر أُحدَ أوصافه،
ليس بماء مطلق: لأنه عند إطلاق الماء لا يطلق عليه، وتحقيق ذلك: أنا لو فرضنا في بيت إنسان ماء بئر، أو
بحر أو عين، أوماء أُعْتصِرَ من شجر أو ثمر، فقيل له: هات ماءً، لا يسبق إلى ذهن المخاطب إلا الأول. (العناية)
والحكم: أي التطهير أو وجوب التطهير بالماء. منقول: إلى التيمم، قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَمَّمُوا﴾. (العناية)
غیر المنصوص علیه: لأن شرط القیاس أن لا یکون حكم الأصل معدولاً به عن القیاس، ولیس فيما نحن
فيه كذلك، فلا يصح القياس بخلاف إزالة النجاسة الحقيقية. [البناية ٣٠١/١]
من غير علاج: فيكون باقياً على الصفة التي كانت له قبل. ذكره: فيه ضميران مرفوع ومنصوب أي ذكر أبو
یوسف رځه في جوامعه جواز الوضوء بالماء الذي یقطر من الکرم أیام گسحه، وهو أيام تنظيف فروعه من
أطرافه لنتقوى الأصول، وتطرح العنب كثيراً ... ويجوز أن يكون الضمير المرفوع فيه راجعاً إلى الذي جمع الجوامع
آخذاً عن أبي يوسف رسله. [البناية ٢١١/١] ولا يجوز: أي لا يترتب عليه آثار الطهارة. الزردج: هو ما يخرج
من العصفر المنقوع يطرح ولا يطبخ به، ذكره المطرزي، وقيل: ماء عروق الزعفران, قال الأتراري: كأنه معرب.
قلت: هو معرب زرده. [البناية ٢١٢/١]
ما تغیر بالطبخ: لأنه امتزج به أجزاء الباقلاء، وأما إذا تغیر بدون الطبخ فلم يمتزج به أجزاؤه.
فغيّر أحد أوصافه: التي هي الطعم واللون والريح، إشارة إلى أنه إذا غَيَّر الوصفين لا يجوز التوضي به، قال
في "النهاية": لكن المنقول عن الأساتذة أنه يجوز حتى إن أوراق الأشجار وقت الخريف تقع في الحياض فيتغير
ماؤها من حيث اللون والطعم والرائحة، ثم إنهم يتوضؤون منها من غير نكير، وكذا أشار في شرح الطحاوي
إليه، ولكن شرطه أن يكون باقياً على رقته. [العناية ٦٣/١]

٥٢
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
كماء المَدِّ، والماء الذي اختلط به اللبن، أوالزعفران، أو الصابون، أو الأشنان. قال الشيخ
الإمام: أجرى في المختصر ماء الزردج مجرى المرَق، والمروي عن أبي يوسف ده:
أنه بمنزلة ماء الزعفران وهو الصحيح، كذا اختاره الناطفي والإمام السرَحْسِيُّ. وقال
الشافعي بحثه: لا يجوز التوضي بماء الزعفران وأشباهه مما ليس من جنس الأرض؛
لأنه ماء مقيد، ألا ترى أنه يقال: ماء الزعفران، بخلاف أجزاء الأرض؛ لأن الماء لا
يخلو عنها عادةً. ولنا: أن اسم الماء باقٍ على الإطلاق، ألا ترى أنه لم يتجدد له
اسم على حدة، وإضافته إلى الزعفران كإضافته إلى البئر والعين،
كماء المدّ: أي السيل لأنه يجيء بتغير طين، هذا إذا كان رقة الماء غالبة, وإن كان الطين غالباً لا يجوز
الوضوء به. كذا في "الذخيرة". [البناية ٢١٣/١] مجرى المرق: أي في عدم جواز التوضي بهما. (العناية)
هو الصحيح: لأنه خالطه طاهر، فغير أحد أوصافه. (العناية) وقال الشافعي إلخ: اعلم أن الاتفاق على
أن الماء المطلق تزال به الأحداث أعني ما يطلق عليه الماء والمقيد لا يزيل؛ لأن الحكم منقول إلى التيمم عند
فقد المطلق في النص، والخلاف في الماء الذي خالطه الزعفران ونحوه، مبني على أنه تقيد بذلك أو لا، فقال
الشافعي وغيره: تقيد؛ لأنه يقال: ماء الزعفران، ونحن لا ننكر أنه يقال ذلك، ولكن لايمتنع مع ذلك ما
دام المخالط مغلوباً أن يقول القائل فيه: هذا ماء من غير زيادة. [فتح القدير ٦٣/١]
وأشباهه: أي أشباه الزعفران أو أشباه ماء الزعفران، بإرجاع الضمير إلى الزعفران - المضاف إليه للفظ "الماء"
- أو إلى المضاف. لأنه ماء مقيد: فعنده يجوز التيمم مع وجود ماء الأشنان والزعفران ونحوه، ونحن نقول:
إن شرط المصير إلى التيمم عدمُ مطلق الماء، وهذا ماء مطلق، فلا يجوز التيمم مع وجوده. وإضافته: يعني أن
هذه الإضافة لتمييز هذا الماء عن سائر المياه، فتحقق اسم الماء، إذ التمييز إنما يحتاج إليه عند الاشتراك
بخلاف ماء الباقلاء والورد والشجر، فإنه للتقیید.
كإضافته إلى البئر والعين: يعني لا كإضافة إلى العنب في قوله: ماء العنب، فیراد به عصره، وذلك لأنه لو
أتى بماء الزعفران عند طلب مطلق الماء لا يخطأ لغةً بخلاف ماء العنب.

٥٣
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
ولأن الخلط القليل لا معتبر به؛ لعدم إمكان الاحتراز عنه كما في أجزاء الأرض، فيعتبر
الغالب، والغلبة بالأجزاء لا بتغيُّر اللون، هو الصحيح. فإن تغيَّر بالطبخ بعد ما خلط
به غيره، لا يجوز التوضي به؛ لأنه لم يبق في معنى المنزّل من السماء؛ إذ النار غيَّرَته، إلا
إذا طُبخ فيه ما يُقصد به المبالغة في النَّظافة كالأشنان ونحوه؛ لأن الميت قد يُغَسَل بالماء
الذي أُغْلِيَ بالسِّدر، بذلك وردت السنة، إلا أن يغلب ذلك على الماء، فيصير
كالسَّوِيق المخلوط؛ لزوال اسم الماء عنه. وكل ماء وقعت فيه النجاسة لم يجز الوضوء
به، قليلاً كانت النجاسة أو كثيراً، وقال مالك بدله: يجوز ما لم يتغير أحد أوصافه؛ لما
روینا. وقال الشافعي ملكه: يجوز إن كان الماء قلتين؛
لا معتبر به: لأن الماء لا يخلو عنه عادة، فلو اعتبر ما يعتبر لزم أن لا يوجد ماء مطلقاً.
هو الصحيح: كأنه احتراز عمَّا ذكر في "التحفة" أنه يعتبر الغلبة أوّلاً من حيث اللون أو الطعم، ثم من
حيث الأجزاء، فإن كان شيئاً يخالف لونه لون الماء كاللبن. فإن غلب لون الماء يجوز التوضي به، وإن كان
مغلوباً لم يجز نحو ماء الطبخ. والعبرة للطعم إن كان شيئًا له طعم يظهر في الماء، والغالب طعم ذلك الشيء
لم يجز التوضي به كنقيع الزبيب، وإن كان شيئاً لا طعم له، فالعبرة فيه لكثرة الأجزاء.
بعد ما خلط به غيره: قيد به، لأنه إذا طبخ به وحده، وتغير يجوز الوضوء به. [البناية ٣١١/١]
إلا إذا طبخ فيه: استثناء من قوله: لا يجوز التوضي به، وإنما جاز بذلك؛ لأن السنة وردت به في غسل
الموتى بالماء الذي أغلي بالسدر. [العناية ٦٤/١] بذلك: لم ترد السنة بذلك على الوجه المذكور، ولم أر أحداً
من الشراح حققوا نظره في هذا المكان. [البناية ٢١٨/١] كل ماء: المراد منه الماء الدائم الذي لم يكن عشراً
في عشر كالأواني والآبار. [الكفاية ٦٤/١] قليلاً: احتراز عن قول مالك. (العناية)
كثيراً: احتراز عن قول الشافعي. (العناية) لما روينا: أراد به قوله مثال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" الحديث.
إن كان الماء قلتين: اضطربت أقوالهم في مقدار القلتين، فقيل: القلتان خمس قرب، كل قِربة خمسون مناً،
وقيل: ثلاث مائة من تقريباً لا تحديداً، وقيل: القلة جرة تحمل من اليمن تَسْعُ قربتين. [العناية ٦٤/١]

٥٤
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
لقوله عليه: "إذا بلغ الماء قلَّتين لم يَحمِل خَبَثاً" . * ولنا: حديث المستيقظ من منامه،
وقوله عليًّا: "لا يبولَنَّ أحدُكم في الماء الدائم ولا يغتسلَنَّ فيه من الجنابة" .*** من غير
فصل. والذي رواه مالك سجله، ورد في بئر بُضاعة، وماؤها كان جارياً في البساتين. وما
رواه الشافعي بحثه، ضعَّفه أبو داود، أو هو يضعف عن احتمال النجاسة.
حديث المستيقظ: وجه التمسك به أنه لما ورد النهي عن الغمس لأجل احتمال النجاسة، فحقيقة
النجاسة أولى أن يكون نجساً. [العناية ٦٤/١] لا يبولن إلخ: هو حجة على الفريقين، أما على مالك فإنه
نهي عن الاغتسال فيه، وإنه لا يغير أحد أوصاف الماء بيقين، وأما على الشافعي فلأنه نهي عن البول في الماء
الدائم، ومطلق النهي يقتضي التحريم لاسيما على مذهبه، ولو لم يكن منحساً كان كسكب الماء فيه وهو
ليس بمحرم. ولم يفصل بين دائم وغير دائم فكان القلتان وغيرهما سواء. [العناية ٦٤/١]
فصل: بين القلّة وغيره. (العناية) والذي رواه مالك: قلت: يريد به حديث "الماء طهور" إلخ، وقد تقدم أول
الباب، ووروده في بئر بضاعة. بئر بضاعة: الباء في بضاعة تكسر وتضم، كذا في "الصحاح"، وفي "المغرب":
بالكسر لا غير عن الغوري، وهي بئر قديمة بالمدينة وكان ماؤها كثيراً فقيل: إنه ثمان في ثمان. [الكفاية ٦٦/١]
ضعفه أبو داود: وهذا كلام غير صحيح، فإن أبا داود روى حديث القلتين، وسكت عنه فهو صحيح
عنده على عادته في ذلك.
أو: والتأويل خطأ من وجهين: أحدهما: أن هذا التأويل يَرُدُّه ما روي في الرواية الأخرى: "إذا بلغ الماء قلتين لا
يتنجس"، والثاني: أن ما فوق القلتين ما لم يبلغ عشراً في عشر أيضاً ضعيف عن احتمال النجاسة، فلا يحتاج إلى
التأويل. عن احتمال النجاسة: يريد أنه لقلته يضعف عن احتمال الخبث ومقاومته. [الكفاية ٦٧/١]
* رواه الأربعة من حديث ابن عمر ها. [البناية ٢٢٠/١] أخرج أبوداود في سننه عن عبد الله بن عبد الله
بن عمر عن أبيه قال: سئل النبي ◌ُّ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسِّباع؟ فقال لُ﴾﴾: "إذا كان الماء قلتين
لم يحمل الخبث".[١٧٩/١، رقم: ٦٤، باب ما ينجس الماء]
** تقدم أول الكتاب، رواه أصحاب الكتب الستة. [نصب الراية ١١٢/١]
*** أخرج أبو داود في سننه عن أبي هريرة ◌ُ، قال: قال رسول الله ): "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم،
ولا يغتسل فيه من الجنابة". [١٨٢/١، رقم: ٧١، باب البول في الماء الراكد]

٥٥
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم يُر لها أثر؛ لأنها لا تستقِرُّ
مع جريان الماء، والأثر: هو الطعم، أو الرائحة، أو اللون. والجاري: ما لا يتكرر
استعماله، وقيل: ما يذهب بتِبْنَةٍ. قال: والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه
بتحريك الطرف الآخر، إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب
الآخر؛ لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه؛ إذ أثر التحريك في السِّراية فوق أثر
النجاسة، ثم عن أبي حنيفة بالله أنه يُعتبر التحريك بالاغتسال، وهو قول أبي يوسف
رحلته، وعنه التحریك بالید،
والماء الجاري: ألحقوا بالجاري حوض الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه، حتى لو أُدخلت القصعة
النجسة أو اليد النجسة فيه لا ينجس. (فتح القدير) والجاري: وقيل فيه ما يَعدُّه الناس جاريًا، قيل: هو
الأصح. [فتح القدير ٦٩/١] ما لا يتكرر استعماله: وذلك بأنه إذا غسل يده وسال الماء منها إلى النهر،
فإذا أخذه ثانياً لا يكون فيه شيء من الماء الأول. [العناية ٦٨/١]
الذي لا يتحرك: المراد بالتحرك: هو التحرك بالارتفاع والانخفاض ساعة تحريكه لا بعد المكث، ولا معتبر
بالحباب؛ فإن الماء وإن كثر يعلوه ويتحرك. (العناية) بتحريك الطرف الآخر: واعلم أن أصحابنا اتفقوا على أن
الماء إذا خلص بعضه أي وصل إلى بعض كان قليلاً، وإذا لم يخلص كان كثيراً لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن
يتغير لونه أو طعمه أو ريحه كالماء الجاري، ثم اختلفوا فيما يعرف به الخلوص. [العناية ٧٠/١]
لا تصل إليه: يعني في الحال, أما الوصول إليه في المآل باعتبار رقة الماء، وخلوص بعضه ببعض مما لا
يمكن الاحتراز عنه، ولهذا كان عفواً عند الشارع. فوق أثر النجاسة: فلما لم يصل إليه أثر التحريك، فأثر
النجاسة أولى بأن لا يصل. عن أبي حنيفة مثله: رواه أبو يوسف بحثه. بالاغتسال: صورة هذا: أن يغتسل
إنسان في جانب منه اغتسالاً وسطاً، فلم يتحرك الجانب الآخر. [البناية ٢٣٣/١]
التحريك باليد: بأن يتحرَّك أحدُ جانبيه بتحريك اليد تحريكاً متوسطاً.

٥٦
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
وعن محمد رحلته بالتوضي. ووجه الأول: أن الحاجة إليه في الحياض أشدّ منها إلى
التوضي، وبعضهم قدَّروا بالمساحة عشراً في عشر بذراع الكربَاس؛
بالتوضي: لأن التحريك بالوضوء أخف من التحريك بالاغتسال, ومبنى الماء في حكم النجاسة على الخفة
دفعاً للضرورة، فإن القياس أن يتنحس الكثير؛ لأن الجزء الذي لاقاه النجاسة يتنجس بالملاقاة فيتنجس الجزء
الذي يجاوره ثم وثم حتى يصير الكل نجساً كما في غير الماء من المائعات لكن سقط حكم النجاسة تخفيفاً،
فلما اعتبر التخفيف في أصل الماء يعتبر التخفيف في التحريك. [الكفاية ٧٠/١]
ووجه الأول إلخ: ووجه الثاني: أن التحريك يكون بالاغتسال، وبالتوضي، وبغسل اليد، إلا أن التحريك بغسل اليد
يكون أخفّ، فكان الاعتبار به أولى توسعةً للناس ... وذهب المتأخرون إلى أنه يعرف بشيء آخر غير التحريك، فمنهم
من اعتبر بالكدرة، فقال: إذا اغتسل فيه وتكدر الماء فإن وصلت الكدرة إلى الجانب الآخر فهو مما يخلص وإلا فلا.
وروي عن أبي حفص الكبير أنه اعتبر بالصبغ، فقال: يُلقى زعفران في جانب منه، فإن أثر الزعفران في الجانب الآخر،
فقليل وإلا فلا. وروي عن أبي سليمان الجوزجاني أنه اعتبر بالمساحة إن كان عشراً في عشر، فهو مما لا يخلص.
وعن محمد في "النوادر": أنه سئل عن هذه المسألة فقال: إن کان مثل مسجدي هذا فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض،
فلما قام مسح مسجده، فكان ثمانیاً في ثمان في رواية، وعشراً في عشر في رواية، وبقول أبي سليمان الجوزجاني أخذ عامة
المشايخ. [العناية ٧٠/١] أشد: لأن الوضوء يكون في البيوت عادةً. [البناية ٢٣٣/١]
قدّروا بالمساحة: فإن قلت: نصب المقدرات بالرأي لا يجوز، وكيف اخترتم في حد الماء الكثير بالعشر في العشر،
وما استنادكم؟ وهذا كل واحد من الأئمة الثلاثة استند في هذا الباب على الأثر .... قلت: حديث بئر بضاعة يصلح
أن يكون مستنداً في التقدير بالعشر، وبيان ذلك: أن محمدًا لما سئل عن ذلك، قال: إن كان قدر مسجدي فهو
کثیر، فلما قاسوه وجدوه ثمانیاً في ثمان من داخله، وعشراً في عشر من خارجه، وقيل: اثني عشر في اثني عشر، وكان
وسع بئر بضاعة ثمانياً في ثمان. والدليل عليه ما قاله أبو داود: وقد قدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها، ثم ذرعته
فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان وأدخلني إليه هل غُيِّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا،
ورأيت فيها ماء متغير اللون انتهى. فإذا كان عرضها ستة أذرع يكون طولها أكثر منها؛ لأن الغالب أن يكون الطول
أمد من العرض، ولو كانت البئر مدورة، لقال: فإذا دورها ستة أذرع فإذا أضيف ما في الطول من الزيادة إلى العرض
يكون مقدار ثمانية أو أكثر؛ لأن مبنى ذلك على التقدير لا على التحرير، فأخذ محمد من هذا ولكنه ما اعتبر إلا
خارج مسجده الأصلي؛ للاحتياط في باب العبادات. [البناية ٣٣٥/١]
عشراً في عشر: بأن يصير مائة ذراع. بذراع الكرباس: هو ست قبضات ليس فوق كل قبضة إصبع
قائمة، وجعل الولوالجي سبعاً، وذراع المساحة سبع فوق كل قبضة إصبع قائمة.

٥٧
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
توسعةً للأمر على الناس، وعليه الفتوى. والمعتبر في العمق: أن يكون بحال لا ينحسر
لا ینکشف
بالاغتراف هو الصحيح، وقوله في الكتاب: "جاز الوضوء من الجانب الآخر" إشارة إلى
القدوري
أنه ينجَس موضعُ الوقوع، وعن أبي يوسف بد اله أنه لا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة
فيه كالماء الجاري. قال: وموت ماليس له نفس سائلة في الماء لا يُنَجّسه كالبَقّ،
والذّباب، والزَّنابير، والعقرب، ونحوها. وقال الشافعي بدله: يفسِدُه؛ لأن التحريم لا بطريق
جمع زنبور
الكرامة آية النجاسة، بخلاف دُود النّحل، وسُوسِ الثَّمَار؛ لأن فيه ضرورة. ولنا: قوله
عليګ فيه: "هذا هو الحلال أكله، وشربه،
توسعةً: تعليل لأصل المساحة لا للكمية. وعليه الفتوى: والكل في المربع، فإن كان الحوض مدوراً، فقدر بأربعة
وأربعين، وثمانية وأربعين، والمختار: ستة وأربعون. [فتح القدير ٧٠/١] هو الصحيح: وقيل: ذراع، وقيل:
شبر. [فتح القدير ٧١/١] إشارة إلى أنه إلخ: قلت: وإلى أن يترك من موضع النجاسة إلى ما لا يصل إليه أثر
النجاسة. ينجس: وعلى هذا صاحب "المبسوط" و "البدائع"، وجعله صاحب "الكنز" الأصح، ومشايخ بخارى
وبلخ قالوا في غير المرئية: يتوضأ من جانب الوقوع، وفي المرئية لا. [فتح القدير ٧٢/١]
موضع الوقوع: لعله أراد من موضع الوقوع موضعاً يتحرك بالتحريك. لاينجس: وهو الذي ينبغي
تصحيحه فينبغي عدم الفرق بين المرئية وغيرها. [فتح القدير ٧٢/١] نفس: بسكون الفاء الدم.
سائلة: أي دم سائل، وذكر الزنابير بلفظ الجمع دون غيره؛ لأن فيه أنواعاً شتى. [الكفاية ٧٢/١] في
الماء: ليس قيداً احترازياً، بل اعتباره يجري مجرى العادة. يفسده: أي موت هذه الأشياء المذكورة ينجس
الماء. [البناية ٣٣٦/١] آية النجاسة: أي علامة النجاسة, واحترز بقوله: "لا بطريق الكرامة" عن الآدمي،
فإنه حرام لكرامته. (البناية) لأن فيه ضرورة: فإن قيل: دود النحل وسوس الثمار إذا ماتت فيها مع أنها ميتة
لا ينجس النحل والثمار، أجاب بقوله: لأن فيه ضرورة. [العناية ٧٢/١] هذا: يعني ما وقع فيه ماليس له
نفس سائلة.

٥٨
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
والوضوء منه" .* ولأن المُنَجِّس هواختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت، حتى حَلّ
المِذَّكَّى؛ لانعدام الدم فيه، ولا دَمَ فيها، والحرمة ليست من ضرورتها النجاسة كالطين.
(المذبوح)
قال: وموت مايعيش في الماء فيه: لايُفسده، كالسمك، والصِّفدع، والسَّرَطان، وقال
الشافعي له: يفسده إلا السمك؛ لما مر. ولنا: أنه مات في معدنه فلا يُعطی له حكم
النجاسة كبيضةٍ حَالَ مُحُّها دماً، ولأنه لا دم فيها، إذ الدموي لا يسكن في الماء،
في هذه الحيوانات
(انقلب)
ولأن المنجس إلخ: الحاصل أنها حال الحياة ليست نجسة، والموت ليس مُنَجِّسا؛ لأنه تفريق العروق مثلاً،
وليس شيء منه يوجب النجاسة، وليس شيء من انتقال الدم من موضعه، فيعتبر هذا. حتى حلّ: يعني أن
سبب شرعية الذكاة في الأصل سبباً للحل لزوال الدم بها, لكن الشارع أقام نفس الفعل من الأهل
مقامه. [فتح القدير ٧٣/١] لانعدام: بإقامة الفعل منابه. ولا دم فيها: أي في الأشياء المذكورة من البق
والذباب والزنابير والعقرب ونحوها.
الحرمة: جواب عن استدلال الشافعي ﴿ فإن الطين حرام لا لكرامته وليس بنحس. (العناية)
كالسمك إلخ: هذه داخلة في المسئلة قبلها؛ لأن ما يعيش في الماء لا دم فيه. ثم لا فرق بين أن يموت في الماء
أو خارجه ثم ينقل إليه في الصحيح. وغير الماء من المائعات كالماء. [فتح القدير ٧٣/١] لما مر: يعني من قوله:
لأن التحريم لا بطريق الكرامة إلخ. (العناية) كبيضة: حتى لو صلَّى وفي كُمِّه تلك البيضة تجوز الصلاة معها؛ لأن
النجاسة في معدنها. (العناية) محها: بضم الميم وتشديد الحاء المهملة أي صفرتها. (البناية)
لا دم فيها: وما ترى من أنه دم، فهو ليس دماً حقيقةً.
* رواه الدار قطني في سننه عن بقية، حدثني سعید بن أبي سعید عن بشر بن منصور عن علي بن زيد بن جدعان
عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: قال رسول الله و﴿3: يا سلمان! كُل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها
دم، فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوؤه. لم يروه غير بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي وهو
ضعيف. [١٠٧/١، رقم: ٨٠، باب كل طعام وقعت فيه دابة ليس لها دم] وأما سعيد بن أبي سعيد هذا
فذكره الخطيب وقال: واسم أبيه عبد الجبار وكان ثقة فانتفت الجهالة، والحديث مع هذا لا ينزل عن الحسن انتهى.
وأما بقية فهو ابن الوليد ثقة من رجال مسلم إلا أنه مدلس، وقد صرح بالتحديث، والباقون کلهم ثقات، وإن كان في
بعضهم كلام لا يضُرّ، فالحديث حسن. [إعلاء السنن ٢٦٨/١ -٢٦٩، رقم: ٢٢٣]

٥٩
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
والدم هو المنجّس، وفي غير الماء، قيل: غير السمك يفسده؛ لانعدام المَعْدِن. وقيل:
لايفسده؛ لعدم الدم، وهو الأصح، والضفدع البحري والبريّ فيه سواء. وقيل: البريّ مفسد؛
لوجود الدم وعدم المعدن، وما يعيش في الماء ما يكون توالده ومثواه في الماء، ومائيُّ المعاش دون
مائيّ المولِد مفسد. قال: والماء المستعمل لا يُطَهِّر الأحداث، خلافاً لمالك والشافعي
لا یزیل
وحمًّا، هما يقولان: إن الطّهور ما يُطِّر غيره مرةً بعد أخرى كالقطوع. وقال زفر بحثه. وهو أحد
قولي الشافعي بعدالله .: إن كان المستعمِل متوضئًا فهو طَهور، وإن كان مُحدثاً فهو طاهر غير
طهور؛ لأن العُضْو طاهر حقيقةً، وباعتباره يكون الماء طاهراً، لكنه نجس حكماً، وباعتباره
يكون الماء نجساً، فقلنا: بانتفاء الطهورية وبقاء الطهارة؛ عملاً بالشِّبْهَين. وقال محمد بحثه.
وهو رواية عن أبي حنيفة ظله . : هو طاهر غير طهور؛
غير الماء: كالخل والعصير والحليب ونحوها. (العناية) لانعدام المعدن: وهو قول نصير بن يحيى ومحمد بن
سلمة، وهو رواية عن أبي يوسف محلّته. (العناية) لا يفسده: هو قول محمد بن مقاتل، وهو رواية الحسن عن
أبي حنيفة بالته وهشام عن محمد مدله. [العناية ٧٤/١] والضفدع البحري: هو ما يكون بين أصابعه سترة
بخلاف البري. (فتح القدير) وما يعيش إلخ: بيان أن المراد بما يعيش في الماء ماكان توالده ومثواه فيه. (العناية)
والماء المستعمل: بدأ بالحكم قبل تعريفه؛ لأنه أهم مع أن في تعريفه اختلافاً.
خلافاً لمالك إلخ: للشافعي بطلته في الماء المستعمل أقوال ثلاثة: أظهر أقواله کما قاله محمد: إنه طاهر غير طهور،
وقال في قول: طاهر ومطهّر، وقال في قول: إن كان المستعمِل محدثاً فهو طاهر غير طهور، وإن كان متوضئًا فهو طاهر
طهور, وهو قول زفر بحثه، وقال مالك بحثه: طاهر وطهور إلا أنه أحب إليَّ أن يتوضأ بغيره. [الكفاية ٧٥/١] نجس
حكماً: أراد به النجاسة الحكمية بسبب إزالة الحدث أو التقرب على الاختلاف. (البناية)
عملاً بالشِّبْهَين: شبه الطهارة وشبه النجاسة، فباعتبار الشبه الأول يكون طاهرا مطهراً، وباعتبار الشبه الثاني لا
يكون طاهراً أصلاً, والحكم عليه بأحدهما إبطال للآخر, وإعمالهما ولو. بوجه . أولى من إهمال أحدهما، فعُمِلَ بهما
بانتفاء الطهورية وبقاء الطهارة. [البناية ٢٤٧/١] هوطاهر: وهو المختار للفتوى؛ لعموم البلوى. (العناية)