النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ الوصية بخِدْمة العبد والسُّكنى والثَّمَرَة ولو اقتسموا الدارَ مهايأةً من حيث الزمانُ : تجوز أيضاً. فإن كان مات الموصى له : عاد إلى الورثة. ولو مات الموصى له في حالِ حياةٍ الموصي : بطلت الوصية. ولو أوصى بغَلَّة عبدِه أو دارِه، فاستخدمه بنفسه، أو سَكَنَها بنفسه : .. قال: (ولو اقتسموا الدارَ مهايأةً من حيث الزمانُ: تجوز أيضاً)؛ لأن الحَقَّ لهم، إلا أن الأولَ وهو الأعدلُ أولی. وليس للورثة أن يبيعوا ما في أيديهم من ثلثي الدار. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنَّ لهم ذلك؛ لأنه خالصُ ملكِهم. وجهُ الظاهر: أن حَقَّ الموصى له ثابتٌ في سكنى جميع الدار، بأن ظَهَرَ للميت مالٌ آخَرُ، وتَخرجُ الدارُ من الثلث. وكذا له حَقُّ المزاحَمَةِ فيما في أيديهم إذا خَرِبَ ما في يده، والبيعُ يتضمَّنُ إيطالَ ذلك، فمُنْعُوا عنه. قال: (فإن كان مات الموصى له: عاد إلى الورثة)؛ لأنّ الموصي أوجب الحقَّ للموصى له ليستوفيَ المنافعَ على حُكْمٍ ملکِهِ. فلو انتقل إلى وارثِ الموصى له: استحقّها ابتداءً من ملك الموصي من غير مرضاته، وذلك لا يجوز. قال: (ولو مات الموصى له في حالٍ حياةِ الموصي: بطلت الوصية)؛ لأن إيجابَها تعلَّقَ بالموت، على ما بيَّنَّه من قبل. قال: (ولو أوصى بغَلَّة عبدِه أو داره، فاستخدمه بنفسه، أو سكنَها بنفسه: ٥٢٢ الوصية بخِدْمة العبد والسُّكنىُ والثَّمَرَة قيل : يجوز ذلك. والأصحُّ : أنه لا يجوز. وليس للموصَىُ له بالخدمة والسُّكْنى أن يؤاجرَ العبدَ أو الدارَ. بخلاف العاريةِ. قيل: يجوز ذلك)؛ لأن قيمةَ المنافع كعينها في تحصيل المقصود. (والأصحُّ: أنه لا يجوز)؛ لأن الغَلَّةَ دراهمُ أو دنانيرُ، وقد وجَبَتِ الوصيةُ بها، وهذا استيفاء المنافع، وهما متغايران ومتفاوتان في حَقِّ الورثة، فإنه لو ظَهَرَ دَيْنٌ: يُمكِّنُهم أداؤه من الغَلَّة بالاسترداد منه بعد استغلالها، ولا يُمكنُهم من المنافع بعد استيفائها بعَيْنها. قال: (وليس للموصَىُ له بالخدمة والسُّكْنى أن يؤاجرَ العبدَ أو الدارَ). وقال الشافعيُ(١) رحمه الله: له ذلك؛ لأنه بالوصية مَلَكَ المنفعةَ، فيملِكُ تمليكَها من غيرِهِ، ببدلِ وغيرِ بدل؛ لأنها كالأعيان عنده. (بخلاف العاريةِ) ؛ لأنها إباحةٌ على أصله، وليست(٢) بتمليك. ولنا: أن الوصيةَ تمليكٌ بغير بدل مضافٌ إلى ما بعد الموت، فلا يَملِكُ تمليكَه ببدل؛ اعتباراً بالإعارة، فإنها تمليكٌ بغير بدل في حالة الحياة، على أصلنا، ولا يَملكُ المستعيرُ الإجارةَ؛ لأنها تمليكٌ ببدل، كذا هذا. (١) الحاوي الكبير ٢٢٠/٨. (٢) وفي النسخ: ليس. بالتذكير. ٥٢٣ الوصية بخِدْمة العبد والسُّكنىُ والثَّمَرَة وليس للموصى له أن يُخرِجَ العبدَ من الكوفة، إلا أنْ يكونَ الموصىُ له وأهلُه في غيرِ الكوفة، فيُخرِجُه إلى أهلِه؛ للخدمة هنالك إذا كان يَخرجُ من الثلث. وتحقيقُه: أن التمليكَ ببدلٍ: لازمٍ، وبغيرِ بدلٍ: غيرِ لازمٍ، ولا يُملَكُ الأقوى بالأضعف، والأكثرُ بالأقلِّ، والوصيةُ تبرُّعٌ غيرُ لازمٍ، إلا أن الرجوعَ للمتبرِّعِ، لا لغيره، والمتبرِّعُ بعد الموت لا يُمكِنُه الرجوعُ، فلهذا انقطع، أما هو في وَضْعِهِ: فغیرُ لازمٍ. ولأن المنفعةَ ليست بمالٍ، على أصلنا، وفي تمليكِها بالمال: إحداث ٩ صفةِ الماليةِ فيها؛ تحقيقاً للمساواة في عقد المعاوضة، فإنما تثبتُ هذه الولايةُ لمَن يَملِكُها تَبَعاً لمِلْكِ الرقبة، أو لمَن يَملِكُها بعقد المعاوضة، حتى يكونُ مُمَلِّكاً لها بالصفة التي تملَّكها. أما إذا تمَّكها مقصودةً بغير عوضٍ، ثم مَلَكَها بعوض: كان مملِّكاً أكثرَ مما تملَّگه معنیّ، وهذا لا يجوز. قال: (وليس للموصى له أن يُخرِجَ العبدَ من الكوفة، إلا أنْ يكونَ الموصى له وأهلُه في غيرِ الكوفة، فيُخرِجُه إلى أهلِه؛ للخدمة هنالك إذا كان يَخرجُ من الثلث) ؛ لأن الوصيةَ إنما تُنفَّذُ على ما يُعرَفُ من مقصودِ الموصي. فإذا كانوا في مصره: فمقصودُه أن يُمكِّنُه من خدمتِهِ فيه، بدون أن تَلزمَه مشقةُ السفر. وإذا كانوا في غيرِ مِصره: فمقصودُه أن يَحمِلَ العبدَ إلى أهلِه ليخدُمهم. ٥٢٤ الوصية بخِدْمة العبد والسُّكنىُ والثَّمَرَة ولو أوصىُ بغلَّة عبدِه أو بغلَّةٍ داره: يجوزُ أيضاً. ولو لم يكن له مالٌ غيرُهُ : كان له ثلثُ غَلَّةٍ تلك السَّنَة. ولو أوصى له بخدمة عبدِهِ، ولآخَرَ برقيتِهِ، وهو يَخرجُ من الثلُثِ : فالرقبةُ لصاحب الرقبةِ، والخدمةُ عليها لصاحب الخدمة. قال: (ولو أوصىُ بغلَّة عبدِه أو بغلَّةِ داره: يجوزُ أيضاً)؛ لأنه بدلُ المنفعةِ، فَأَخَذَ حُكْمَ المنفعةِ في جواز الوصية به، كيف وأنه عينٌ حقيقةً؛ لأنه دراهمُ أو دنانیرُ، فکان بالجواز أَوْلی. قال: (ولو لم يكن له مالٌ غيرُه: كان له ثلثُ غَلَّةٍ تلك السَّنَة) ؛ لأنه عينُ مالٍ يَحتمِلُ القسمةَ بالأجزاء. فلو أراد الموصى له قسمةَ الدارِ بينه وبين الورثة؛ ليكون هو الذي ءُ وور يستغل ثَلَثُها: لم يكن له ذلك، إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله، فإنه يقول: الموصَىُّ له شريكُ الوارثِ، وللشريكِ ذلك، فكذلك للموصى له. إلا أنا نقولُ: المطالبةُ بالقسمة تُبتَنى على ثبوتِ الحقِّ للموصى له فيما تُلاقيه القسمةُ، إذ هو الطالِبُ، ولا حَقَّ له في عَيْنِ الدار، وإنما حَقّه في الغلَّةِ، فلا يَملكُ المطالبةَ بقسمة الدار. قال: (ولو أوصى له بخدمة عبدِهِ، ولآخَرَ برقبتِه، وهو يَخرجُ من الثُلُثِ: فالرقبةُ لصاحب الرقبةِ، والخدمةُ عليها (١) لصاحب الخدمة)؛ لأنه أوجب لكلِّ واحدٍ منهما شيئاً معلوماً، عطفاً منه لأحدهما على الآخَر، فتُعتبرُ هذه الحالة بحالة الانفراد. (١) أي على رقبة العبد. البناية ١٦/ ٣٧٠، وحاشية سعدي نقلاً عن الإتقاني. ٥٢٥ الوصية بخِدْمة العبد والسُّكنى والثَّمَرَة . ثم لَمَّا صحَّتِ الوصيةُ لصاحب الخدمة، فلو لم يُوْصِ في الرقبة بشيءٍ: لصارتِ الرقبةُ ميراثاً للورثة، مع كون الخدمة للموصى له، فكذا إذا أوصى بالرقبة لإنسانٍ آخَرَ، إذِ الوصيةُ أختُ الميراثِ من حيث إنَّ الملكَ يثبتُ فيهما بعد الموت. ولها نظائرُ: وهو ما إذا أوصىُ بأَمَةٍ لرجلٍ، وبما في بطنِها لَآخَرَ، وهي تخرجُ من الثلث، أو أوصى لرجلٍ بخاتَمٍ، ولَآَخَرَ بفَصِّه، أو قال: هذه القَوْصَرَّةَ(١) لفلانٍ، وما فيها من التمر لفلانٍ: كان كما أوصىُ، ولا شيء ٠ لصاحب الظَّرْفِ في المظروف في هذه المسائل كلِّها. أما إذا فَصَلَ أحدَ الإيجابَيْن عن الآخَر فيها: فكذلك الجوابُ عند أبي یوسف رحمه الله. وعلى قول محمدٍ رحمه الله: الأمةُ للموصى له بها، والولدُ بينهما نصفان، وكذلك في أخواتها (٢). لأبي يوسف رحمه الله: أنّ بإيجابه في الكلام الثاني تبيَّنَ أن مرادَه من الكلام الأول إيجابُ الأمةِ للموصى له بها، دونَ الولد. وهذا البيانُ منه صحيحٌ وإن كان مفصولاً؛ لأن الوصيةَ لا تُلزِمُ شيئاً في حال حياةِ الموصي، فكان البيانُ المفصولُ فيه والموصولُ: سواء، كما في وصية الرقبة والخدمة. (١) بتشديد الراء وتخفيفها: وعاء التمر، يُتَّخذ من القصب. البناية ٣٧١/١٦. (٢) ينظر البناية ٣٧١/١٦ حيث اختُلف في توجيه الضمير. ٥٢٦ الوصية بخِدْمة العبد والسُّكنى والثَّمَرَة ومَن أوصىُ لَآخَرَ بثمرةٍ بستانِه، ثم مات وفيه ثمرةً: فله هذه الثمرةُ وحدها. وإن قال: له ثمرةُ بستاني أبداً: فله هذه الثمرةُ وثمرتُه فيما يَستقبلُ ما عاش. ولمحمد رحمه الله: أن اسمَ الخاتَمِ يتناولُ الحَلْقَةِ والفَصَّ. وكذلك اسمُ الجارية يتناولُها وما في بطنها، واسمُ القَوْصَرَّة كذلك. ومن أصلِنا: أن العامَّ الذي موجَبُه ثبوتُ الحكم على سبيل الإحاطة: بمنزلة الخاصِّ، فقد اجتمع في الفَصِّ وصيّتان، وكلّ منهما وصیةً بإیجاب علىُ حِدَةٍ، فيُجعَلُ الفَصُّ بينهما نصفين، ولا يكونُ إيجابُ الوصية فيه للثاني: رجوعاً عن الأول، كما لو أوصى بالخاتم للثاني. بخلاف الخدمة مع الرقبة؛ لأن اسمَ الرقبةِ لا يتناولُ الخدمةَ، وإنما يستخدمُهُ الموصى له بحكم أنَّ المنفعةَ حصلت على مِلْكِهِ، فإذا أوجب الخدمةَ لغيره: لا يبقى للموصى له فيه حقٌّ. بخلاف ما إذا كان الكلامُ موصولاً؛ لأن ذلك دليلُ التخصيص أو الاستثناء، فتبيَّن أنه أوجب لصاحب الخاتَم الحَلْقَةَ خاصةً، دون الفَصِّ. قال: (ومَن أوصىُ لَآخَرَ بثمرةِ بستانِه، ثم مات وفيه ثمرةً: فله هذه الثمرةُ وحدها. وإن قال: له ثمرةُ بستاني أبداً: فله هذه الثمرةُ وثمرتُه فيما يَستقبلُ ما عاش. ٥٢٧ الوصية بخِدْمة العبد والسُّكنىُ والثَّمَرَة وإن أوصى له بغَلَّة بستانه : فله الغلَّةُ القائمةُ وغلَّتُه فيما يَستقبلُ. ومَن أوصىُ لرجلٍ بصُوْفٍ غَنَمِه أبداً، أو بأولادِها، أو بلَبَتِها، ثم مات : فله ما في بطونِها من الولدِ، وما في ضُرُوعها من اللَّبَن، وما على ظهورِها من الصوفِ يومَ يموتُ الموصي. وإن أوصى له بغَلَّة بستانه: فله الغلَّةُ القائمةُ وغلَّتُه فيما يَستقبلُ). والفَرْقُ: أن الثمرةَ اسمٌ للموجود عُرْفاً، فلا يتناولُ المعدومَ إلا بدلالةٍ زائدةٍ، مثلُ التنصيصِ على الأبد؛ لأنه لا يتأَبَّدُ إلا بتناول المعدومِ، والمعدومُ مذكورٌ وإن لم يكن شيئاً. أما الغلَّةُ فتنتظمُ الموجودَ وما يكون بعَرَض الوجود مرةً بعد أخرى عُرْفاً، يُقالُ: فلانٌ يأكلُ من غَلَّة بستانه، ومن غَلَّةِ أرضِهِ ودارِهِ، فإذا أُطلقتْ: يتناولُهما عُرْفاً، غيرَ موقوفٍ على دلالةٍ أخرى. أما الثمرةُ إذا أُطلقتْ: لا يُرادُ بها إلا الموجودُ، فلهذا يَفتقِرُ الانصرافُ إلی دلیلٍ زائدٍ. قال: (ومَن أوصى لرجلٍ بصُوْفِ غَنَمِه أبداً، أو بأولادِها، أو بلَبَنها، ثم مات: فله ما في بطونِها من الولدِ، وما في ضُرُوعها من اللَّبَن، وما على ظهورِها من الصوفِ يومَ يموتُ الموصي)، سواءً قال: أبداً، أو لم يَقُل. لأنه إيجابٌ عند الموت، فيُعتبرُ قيامُ هذه الأشياء يومئذٍ، وهذا بخلاف ما تقدم (١). (١) (١) أي من الغلة والثمرة. ٥٢٨ الوصية بخِدْمة العبد والسُّكنىُ والثَّمَرَة والفَرْقُ: أن القياسَ يأبىُ تمليكَ المعدومِ؛ لأنه لا يَقبلُ الملكَ، إلا أن في الثمرة والغلَّةِ المعدومةِ جاء الشرعُ بورود العقد عليها، كالمعاملة(١) والإجارة، فاقتضى ذلك جوازُه في الوصية بالطريق الأَوْلىُ؛ لأن بابها أوسعُ. أما الولدُ المعدومُ وأختاه (٢): فلا يجوزُ إيرادُ العقدِ عليها أصلاً، ولا تُستَحَقُّ بعقدٍ ما، فكذلك لا يدخلُ تحت الوصية. بخلاف الموجودِ منها؛ لأنه يجوزُ استحقاقُها بعقد البيع تَبَعاً، وبعقد الخلع مقصوداً، فكذا بالوصية، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) أي المساقاة. السقاية ٦٨٨/٢، قال قاضي زاده في نتائج الأفكار ٤١٥/٩: إن عقد المعاملة باطلٌ غير مشروعٍ عند أبي حنيفة، كما تقرَّر في موضعه، فقوله ها هنا: جاء الشرع بورود العقد عليها، كالمعاملة: لا يتمشَّى على قول أبي حنيفة، وإنما يتمشى على قول صاحبيه، فإنَّ عقد المعاملة مشروعٌ عندهما، والمسألة التي نحن فيها مما اتفقوا عليه، فكيف يبني دليلَها على ما اختلفوا فيه؟! (٢) أي الصوف واللبن. ٥٢٩ باب باب وصية الذَمِّيِّ وإذا صَنَعَ يهوديٌّ أو نصرانيٌّ بِيْعَةً أو كنيسةً في صحتِه، ثم مات : فهو ميراثٌ بالاتفاق. ولو أوصى بذلك لقومٍ مُسَمَّيْن: فهو من الثلث. باب وصية الذمَّيَّ قال: (وإذا صَنَعَ يهوديٌّ أو نصرانيٌّ بِيْعَةً أو كنيسةً(١) في صحتِه، ثم مات: فهو ميراثٌ بالاتفاق(٢))؛ لأن هذا بمنزلة الوقفِ عند أبي حنيفة رحمه الله، والوقفُ عندَه يورَثُ، ولا يلزمُ، فكذا هذا. وأما عندهما: فلأنَّ هذه معصيةٌ، فلا تصحُّ عندهما. قال: (ولو أوصى بذلك لقومٍ مُسَمَّيْن: فهو من الثلث. (١) الكنيسة: مُتَعبَّدُ اليهود أو النصارى أو الكفار. القاموس المحيط (كنس)، وفيه (بيع): البِيْعة: متعبَّد النصارى، وقال في البناية ٣٧٥/١٦: الأصح أن البيعةَ: للنصارى، والكنيسةَ: لليهود. اهـ (٢) أي بين الحنفية، على اختلاف التخريج بين الإمام وصاحبيه. البناية ١٦/ ٣٧٥. ٥٣٠ وصية الذِّمِّيِّ معناه : إذا أوصى أن تُبنَى دارُه بِيْعةً أو كنيسةً: فهو جائزٌ من الثلث. وإن أوصى بداره كنيسةً لقومٍ غيرِ مُسَمَّيْن : جازتِ الوصيةُ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : الوصيةُ باطلةٌ. معناه: إذا أوصى أن تُبنَى دارُه بِيْعةً أو كنيسةً: فهو جائزٌ من الثلث)؛ لأن الوصيةَ: فيها معنى الاستخلاف، ومعنى التمليك، وله ولايةُ ذلك، فأمكن تصحیحُه على اعتبار المعنیین. قال: (وإن أوصى بداره كنيسةً لقومٍ غيرِ مُسَمَّيْن: جازتِ الوصيةُ عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: الوصيةُ باطلةٌ)؛ لأن هذه معصيةٌ حقيقةً وإن كان في معتقدِهم قُرْبَةً، والوصيةُ بالمعصية باطلةٌ؛ لِمَا أن في تنفيذِها من تقرير المعصية. وله: أن هذه قُربةٌ في معتقدِهم، ونحن أُمِرْنا بأن نتركَهم وما يَدِينون(١)، فتجوزُ بناءً على اعتقادهم؛ ألا يُرى أنه لو أوصى بما هو قُرْبَةٌ حقيقةً، معصية في معتقدهم: لا تجوز الوصية؛ اعتباراً لاعتقادهم، فکذا عکسُه. ثم الفَرْقُ لأبي حنيفة رحمه الله بين بناء البِيْعةِ والكنيسةِ، وبين الوصية به: أن البناءَ نفسَه ليس بسببٍ لزوال مِلْكِ الباني، وإنما يزولُ ملكُه بأن يصير مُحَرَّراً خالصاً لله تعالى، كما في مساجد المسلمين، والكنيسةُ لم تَصِرْ محرَّرةً لله تعالى حقيقةً، فتبقىُ مِلكاً للباني، فتُورَثُ عنه. (١) وفي نُسخ: وما يعتقدون. تقدم تخريجه في النكاح، في زواج النصراني. ٥٣١ وصية الذَّمِّيِّ . ولأنهم يَبْنُونَ فيها (١) الحجراتِ، ويسكنونَها، فلم تتحرَّرْ؛ لتعلُّقِ حَقِّ العِبَادِ به(٢). وفي هذه الصورة (٣): يُورَثُ المسجدُ أيضاً؛ لعدم تحرُّرِه. بخلاف الوصية: لأنه وُضِعَ لإزالة الملك، إلا أنه امتنع ثبوتُ مقتضاه في غير ما هو قُربةٌ عندهم، فبقيَ فيما هو قُربةٌ على مقتضاه، فيزولُ مِلْكُه، فلا يُورَث. ثم الحاصلُ أنَّ وصايا الذميِّ على أربعة أقسامٍ: ١ - منها: أن تكونَ قُرْبَةً في معتَقَدِهم، ولا تكونَ قُرْبَةً في حَقِّنًا، وهو ما ذكرناه(٤). وما إذا أوصى الذميُّ بأن تُذْبَحَ خنازيرُه، ويُطعَمَ المشركونَ. وهذه على الخلاف إذا كان لقومٍ غيرِ مسمَّيْن، كما ذكرناه(٥)، والوجهُ ما بيَّنَاه(٦). (١) أي في البِيَع والكنائس. (٢) أي في البناء. (٣) كلامٌ متصلٌ بقوله: أن البناء نفسَه ليس بسبب لزوال ... إلى آخره. (٤) أراد به الوصية ببناء البِيْعة والكنيسة. (٥) وهو قوله: وإن أوصىُ بداره كنيسةً لقوم غير مسمَّيْن: جازت الوصية عند أبي حنيفة رحمه الله. (٦) أي من الجانبين، وهو أن المعتبر عندهم: اعتقادهم، وعندهما أنها وصيةٌ بمعصية. ٥٣٢ w w e وصية الذَمِّيِّ ٢- ومنها: إذا أوصىُ بما يكونُ قُرْبةً في حقُّنا، ولا يكونُ قُرْبَةً في معتَقَدِهم، كما إذا أوصى بالحجِّ، أو بأن يُبنى مسجدٌ للمسلمين، أو بأن يُسرَجَ في مساجدِ المسلمين: فهذه الوصيةُ باطلةٌ، بالإجماع؛ اعتباراً لاعتقادهم، إلا إذا كان لقومٍ بأعيانهم؛ لوقوعِه تمليكاً؛ لأنهم معلومون، والجهةُ مَشُورةٌ(١). ٣- ومنها: إذا أوصىُ بما يكون قُرْبةً في حَقُّنا وفي حَقَّهم، كما إذا أوصىُ بأن يُسرَجَ في بيت المقدس، أو يُغزَىُ التُّرْكُ، وهو (٣) من الروم: وهذا جائزٌ، سواءً كانت لقومٍ بأعيانهم أو بغيرِ أعيانهم؛ لأنه وصيةً بما هو قُربةٌ(٣) حقيقةً، وفي معتَقَدِهم أيضاً. ٤- ومنها: إذا أوصى بما لا يكونُ قُرْبةً، لا في حقُّنا ولا في حقُّهم، كما إذا أوصى للمغنّيات والنائحات: فإن هذا غيرُ جائزٍ؛ لأنه معصيةٌ في حقّنا وفي حقُّهم، إلا أن يكونَ لقومٍ بأعيانهم: فتصحُّ تمليكاً واستخلافاً. وصاحبُ الهوى(٤): إذا كان لا يُكْفَرُ: فهو في حقِّ الوصية: بمنزلة (١) أي لا على طريق الإلزام، وتبطل الجهة التي عيَّنها، إن شاؤوا فعلوا ذلك، وإن شاؤوا تركوا. وينظر البناية ٣٧٩/١٦. (٢) أي الذمي الموصي من بلاد الروم، وهو كتابيُّ، والتُّرْك كافرٌ ليس بكتابي. (٣) يعني أوصى بالجهاد مع الترك، والموصي ليس منهم، بأن كان من الروم، ولو كان منهم: لا يكون الجهاد معهم قربةً. حاشية نسخة ٩٨١ هـ. (٤) أي من غير أهل السنة والجماعة. ٥٣٣ وصية الذَّمِّيِّ وإذا دَخَلَ الحربيُّ دارَنا بأمانٍ، فأوصى لمسلمٍ أو ذميٌّ بمالِه كلِّه: جاز. المسلم؛ لأنا أُمِرْنا ببناء الأحكام على الظاهر. وإن كان يُكْفَرُ: فهو بمنزلة المرتدِّ، فيكونُ على الخلاف المعروفِ في تصرفاته بين أبي حنيفة وصاحبيه(١) رحمهم الله. وفي المرتدَّةِ: الأصحُّ أنه تصحُّ وصاياها؛ لأنها تُبَقَّى على الرِّدَّةِ(٢)، بخلاف المرتدِّ؛ لأنه يُقتَلُ، أو يُسلِم. قال: (وإذا دَخَلَ الحربيُّ دارَنا بأمانٍ، فأوصىُ لمسلمٍ أو ذميِّ بمالِه كلِّه: جاز)؛ لأن امتناعَ الوصيةِ بما زاد على الثلثِ لحَقِّ الورثةِ، ولهذا تُنفَّذُ بإجازتهم، وليس لورثتِهِ حَقٌّ مَرْعيٌّ؛ لكونهم في دار الحرب، إذ هم أمواتٌ في حقِّنا. ولأن حُرْمةَ مالِه باعتبار الأمانِ، والأمانُ كان لحَقِّه، لا لحَقِّ ورثتِهِ. ولو كان أوصى بأقلَّ من ذلك: أُخِذَت الوصيةُ، ورُدَّ الباقي على ورثتِهِ، وذلك من حقِّ المستأمِنِ أيضاً. ولو أَعتق عبدَه عند الموت، أو دَبَّر عبدَه في دار الإسلام: فذلك صحيحٌ منه من غير اعتبار الثلثٍ؛ لِمَا بيَّنَّا. وكذلك لو أوصى له مسلمٌ أو ذميُّ بوصيةٍ: جاز؛ لأنه ما دام في دار الإسلام: فهو في المعاملات بمنزلة الذمي، ولهذا تصحُّ عقودُ التمليكات (١) وهو أن ملكه يزول عنده، خلافاً لهما. البناية ٣٧٩/١٦. (٢) أي ولا تُقتل، فصارت كالذمية في صحة الوصية. البناية ٣٨٠/١٦. ٥٣٤ وصية الذَّمِّيِّ منه في حال حياته، ويصحُّ تبرُّعُه في حياته، فكذا بعد مماته. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أنه لا يجوزُ؛ لأنه مُستأمِنٌ من أهل الحرب، إذ هو علىُ قَصْدِ الرجوعِ، ويُمكِّنُ منه، ولا يُمكِّنُ من زيادة المُقَامِ على السَّنَة، إلا بالجزية. ولو أوصى الذميُّ بأكثرَ من الثلث، أو لبعض ورثتِه: لا تجوزُ؛ اعتباراً بالمسلمين؛ لأنهم التزموا أحكامَ الإسلامِ فيما يَرجعُ إلى المعاملات. ولو أوصى لخلافٍ مِلَّتِه(١): جازت؛ اعتباراً بالإرث، إذِ الكفرُ كلَّه مِلَّةٌ واحدةٌ. ولو أوصى لحربيٍّ في دار الإسلام: لا تجوزُ؛ لأن الإرثَ ممتنعٌ؛ التباينِ الدارَيْن، والوصيةُ أختُه، والله تعالى أعلم. (١) بأن أوصى نصرانيّ ليهوديِّ، أو بالعكس. البناية ٣٨١/١٦. ٥٣٥ باب باب الوَصِيّ، وما يَمْلِكُهُ ومَن أوصى إلى رجلٍ، فَقَبِلَ الوصيُّ في وجهِ الموصي، وردّها في غیرِ وجهِه : فليسَ برَدٍّ، فإن ردّها في وجهِه : فهو ردٌّ . باب الوَصِيّ(١)، وما يَمْلِكُهُ قال: (ومَن أوصى إلى رجلٍ، فقَبِلَ الوصيُّ في وجهِ(٢) الموصي، وردّها في غيرِ وجهِه: فليسَ برَدِّ). لأنّ الميتَ مضى لسبيله معتمِداً عليه، فلو صحَّ ردُّه في غير وجهه، في حياتِه أو بعد مماتِهِ: صار مغروراً من جهته، فيُرَدَّ رَدُّه. بخلاف الوكيلِ بشراءِ عبدٍ بغير عَيْنِهِ، أو ببيع مالِه: حيث يصحُّ ردُّه في غيرِ وجهِهِ؛ لأنه لا ضررَ هنالك؛ لأنه حيٌّ قادِرٌ على التصرُّفِ بنفسه. قال: (فإن ردَّها في وجهه: فهو رَدٌّ)؛ لأنه ليس للموصي ولايةُ إلزامِه التصرُّفَ، ولا غرورَ فيه؛ لأنه يُمكِنُه أن يُنِيْبَ غيرَه. (١) أي الموصى إليه. البناية ١٦ / ٣٨٢. (٢) أي بعلم الموصي. ٥٣٦ الوَصِيّ، وما يَمْلِكُهُ وإن لم يَقبَلْ، ولم يَرُدَّ حتى مات الموصي: فهو بالخيار: إن شاء قَبِلَ، وإن شاء لم يَقُبُلْ. فلو أنه باع شيئاً من تَرِكَتِهِ : فقد لزَمَتْه. وإن لم يَقبلْ حتى مات الموصي، فقال: لا أقبلُ، ثم قال : أقبلُ : فله ذلك إن لم يكنِ القاضي أخرجه من الوصيةِ حين قال : لا أقبلُ. قال: (وإن لم يَقبَلْ، ولم يَرُدَّ حتى مات الموصي: فهو بالخيار: إن شاء قَبلَ، وإن شاء لم يَقْبَلْ)؛ لأن الموصي ليسَ له ولايةُ الإلزام، فبقيَ مخيّراً. قال: (فلو أنه باع شيئاً من تَركَتِهِ: فقد لزَمَتْه)؛ لأن ذلك دلالةُ الالتزام والقبول، وهو معتَبَرٌ بعد الموت، ويُنفَّذُ البيعُ؛ لصدوره من الوصيِّ، وسواءَ عَلِمَ بالوصاية أو لم يَعْلَم. بخلاف الوكيل إذا لم يَعْلَم بالتوكيل، فباع: حيث لا يُنفَّذُ؛ لأن الوصايةَ خِلافةٌ؛ لأنها تختصُّ بحال انقطاعٍ ولايةِ الميت، فتنتقلُ الولايةُ إليه، وإذا كانت خلافةً: لا تتوقَّفُ على العلم، كالوراثة. أما التوكيلُ: فإنابةٌ؛ لثبوتِهِ في حالٍ قيامٍ ولايةِ المنيبِ، فلا يصحُّ من غيرِ علمِهِ، كإثبات الملكِ بالبيع والشراءِ، وقد بيًّا طريقَ العلمِ، وشَرْطَ الإخبارِ فيه فيما تقدَّم من الكُتُب(١). قال: (وإن لم يَقبلْ حتى مات الموصي، فقال: لا أقبلُ، ثم قال: أقبلُ: فله ذلك إن لم يكنِ القاضي أخرجه من الوصيةِ حين قال: لا أقبلُ). (١) ومنها في: كتاب أدب القاضي، فصل في القضاء بالمواريث، عند قوله: ومن أعلمه من الناس بالوكالة. ٥٣٧ الوَصِيّ، وما يَمْلِكُهُ ومَن أوصىُ إلى عبدٍ أو كافرٍ أو فاسقِ : أخرجَهُمُ القاضي عن الوصاية، ونَصَبَ غيرَهم . لأَنَّ بمجرَّدٍ قولِه: لا أقبلُ: لا يَبطُلُ الإيصاءُ؛ لأن في إبطالِهِ ضرراً بالمیت. وضررُ الوصيِّ في الإبقاء: مجبورٌ بالثواب، ودَفْعُ الأول(١)، وهو الأعلى: أولىُ. إلا أن القاضيَ إذا أخرجه عن الوصاية: يصحُّ ذلك؛ لأنه مجتهَدٌ فيه، إذْ للقاضي ولايةُ دَفْعِ الضرر، وربما يَعجِزُ عن ذلك، فيتضرَّرُ ببقاء الوصاية، فيَدفعُ القاضي الضررَ عنه، ويَنْصِبُ حافظاً لمال الميت، متصرِّفاً فيه، فَيَندفعُ الضررُ من الجانبَيْن، فلهذا يُنفَّذُ إخراجُه. فلو قال بعد إخراج القاضي إياه: أقبلُ: لم يُلتَفَتْ إليه؛ لأنه قَبَلَ بعدَ بطلانِ الوصاية بإبطال القاضي. قال: (ومَن أوصى إلى عبدٍ (٢) أو كافرٍ أو فاسقِ: أخرجَهُمُ القاضي عن الوصاية(٣)، ونَصَبَ غيرَهم). وهذا اللفظُ يشيرُ إلى صحةِ الوصية؛ لأن الإخراجَ يكون بعدَها. وذَكَرَ محمدٌ رحمه الله في ((الأصل)): أن الوصيةَ باطلةٌ. (١) وفي نُسخ: الأُولىُ، وفي أخرى: ورَدُّ الأول. أي دَفْع أول الضَّرَرَيْن، وهو ضرر الميت. البناية ٣٨٥/١٦. (٢) أي لغيره. (٣) وفي نُسخ: من الوصية. ٥٣٨ الوَصِيّ، وما يَمْلِكُهُ ومَن أوصىُ إلى عبدِ نفسِهِ، وفي الورثة كبارٌ: لم تصحَّ الوصيةُ. وإن كانوا صغاراً كلَّهم : فالوصيةُ إليه جائزةٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، ولا تجوزُ عندهما. قيل: معناه في جميع هذه الصورِ أنَّ الوصيةَ ستبطل. وقيل: في العبد معناه باطلٌ (١) حقيقةً؛ لعدم ولايتِه واستبدادِه، وفي غيرِهِ: معناه: ستبطل. وقيل: في الكافر: باطلٌ أيضاً؛ لعدم ولايته على المسلم. ووجهُ الصحة، ثم الإخراجُ: أنَّ أصلَ النظرِ ثابتٌ؛ لقدرةِ العبدِ حقيقةً، وولايةِ الفاسقِ، على أصلنا، وولايةِ الكافرِ في الجملة، إلا أنه لم يَتِمَّ النظرُ؛ لتوقَّفِ ولايةِ العبدِ على إجازةِ المولىُ، وتمكّنِه من الحَجْرِ بعدَها، والمعاداةِ الدينيةِ الباعِثَةِ للكافر علىْ تَرْكِ النظرِ في حَقِّ المسلمِ، واتِّهامِ الفاسقِ بالخيانةِ، فيُخرِجُهُ القاضي من الوصايةِ، ويُقيمُ غيرَه مَقامَه؛ إتماماً للنَّظَرِ. وشَرَطَ في ((الأصل)): أن يكونَ الفاسقُ مَخُوفاً عليه في المال، وهذا يصلحُ عُذْراً في إخراجه، وتبديله بغیرِه. قال: (ومَن أوصىُ إلى عبدِ نفسِهِ، وفي الورثة كبارٌ: لم تصحَّ الوصيةُ)؛ لأن للكبيرِ أن يَمنعَه، أو يبيعَ نصيبَه، فَيَمنعَه المشتري، فَيَعجِزَ عن الوفاء بحقِّ الوصاية، فلا يُفيدُ فائدته. قال: (وإن كانوا صغاراً كلُّهم: فالوصيةُ إليه جائزةٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، ولا تجوزُ عندهما)، وهو القياس. (١) وفي نُسخ: باطلةٌ. ٥٣٩ الوَصِيّ، وما يَمْلِكُهُ ومَن يَعْجِزُ عن القيامِ بالوصية : ضَمَّ إليه القاضي غيرَه. وقيل: قولُ محمدٍ رحمه الله مضطرِبٌ، يُروى مرةً مع أبي حنيفة رحمه الله، وتارةً مع أبي يوسف رحمه الله. وجهُ القياس: أن الولايةَ مُنْعِدِمَةٌ؛ لِمَا أنَّ الرِّقَّ ينافيها. ولأنَّ فيه إثباتَ الولايةِ للمملوك على المالك، وهذا قَلْبُ المشروع. ولأن الولايةَ الصادرةَ من الأب لا تتجزّأُ، وفي اعتبار هذه: تجزئتُها؛ لأنه لا يَملكُ بيعَ رقبتِهِ، وهذا نَقْضُ الموضوع. وله: أنه مخاطَبٌ مستبدٌّ بالتصرف، فيكونُ أهلاً للوصاية، وليس لأحدٍ عليه ولايةٌ، فإن الصغارَ وإن كانوا مُلأَّكاً ليس لهم ولايةُ المنعِ، فلا منافاةَ، وإيصاءُ المولىُ إليه يُؤذِنُ بكونه ناظراً لهم، وصار كالمكاتب، والوصايةُ قد تتجزّأُ، على ما هو المَرْويُّ عن أبي حنيفة رحمه الله. أو نقولُ: يُصارُ إليه؛ كي لا يؤدِّيَ إلى إيطال أصلِهِ، وتغييرُ الوصفِ لتصحيح الأصل: أَوْلی. قال: (ومَن يَعجِزُ عن القيامِ بالوصية: ضَمَّ إليه القاضي غيرَه)؛ رعايةً لحَقِّ الموصي والورثةِ، وهذا لأن تكميلَ النظرِ يحصلُ بضَمِّ الآخَرِ إليه؛ الصيانتِه، وبعضٍ (١) كفايتِه، فَيَتِمُّ النظرُ بإعانة غيرِهِ. ولو شكا إليه الوصيُّ ذلك: لا يُجيبُه حتى يَعِرَفَ ذلك حقيقةً؛ لأن الشاکي قد یکون كاذباً؛ تخفيفاً على نفسه. (١) وفي نُسخ: نَقْصٍ. ٥٤٠ الوَصِيّ، وما يَمْلِكُهُ ومَن أوصى إلى اثنين: لم يكنْ لأحدِهما أن يتصرَّفَ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله دونَ صاحبه. ولو ظَهَرَ عند القاضي عَجْزُه أصلاً: استبدل به؛ رعايةً للنظر من الجانبین. ولو كان قادراً على التصرُّفِ، أميناً فيه: ليس للقاضي أن يُخرِجَه؛ لأنه لو اختار غيرَه: كان دونَه؛ لِمَا أنه كان مختارَ المیتِ ومَرْضیَّه، فإبقاؤه أولى، ولهذا قُدِّمَ على أبِ الميت، مع وُفُور شفقتِه، فَأَوْلى أن يُقدَّم على غيرِهِ. وكذا إذا شكا الورثةُ أو بعضُهمُ الوصيَّ إلى القاضي: فإنه لا ينبغي له أن يَعْزِلَه حتى تَبَدوَ له منه خيانةٌ؛ لأنه استفاد الولايةَ من الميت، غيرَ أنه إذا ظهرتِ الخيانةُ: فالميتُ إنما نَصَبَه وصياً لأمانته، وقد فاتَتْ، ولو كان في الأحياء: لأخرجه منها، فعند عَجْزِه: ينوبُ القاضي مَنابَه، كأنه لا وصيَّ له. قال: (ومَن أوصى إلى اثنين: لم يكنْ لأحدِهما أن يتصرَّفَ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله دونَ صاحبه)، إلا في أشياءَ معدودةٍ، نُبِيِّنُها إن شاء الله تعالى(١). وقال أبو يوسف رحمه الله: ينفردُ كلّ واحدٍ منهما بالتصرفِ في جميع الأشياء؛ لأن الوصايةَ سبيلُها الولايةُ، وهي وصفٌ شرعيٌّ لا تتجزأ، فيثبتُ لكلِّ واحدٍ منهما كَمَلاً، كولاية الإنكاح للأخوين. (١) ستأتي في الصفحة بعد القادمة إن شاء الله، في قوله: إلا في شراء كفن، وتجهيزه، وطعام الصغار وكسوتهم ... إلى آخره.