النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
بخلاف الهبة.
ومَن أوصىُ بجاريةٍ إِلا حَمْلَها : صحَّتِ الوصيةُ والاستثناءُ.
بعضِ مالِهِ، والجنينُ صَلُحَ خليفةً في الإرث، فكذا في الوصيةِ، إذ هي
أختُه، إلا أنه يَرتدُّ بالردِّ؛ لِمَا فيه من معنى التمليك.
قال: (بخلاف الهبة(١))؛ لأنها تمليكٌ مَحْضٌ، ولا ولايةَ لأحدٍ عليه
ليُمَلِّكَه شيئاً(٢).
وأما الثاني(٣): فلأنه بعَرْض(٤) الوجود، إذِ الكلامُ فيما إذا عُلِمَ وجودُه
وقتَ الوصية، وبابُها أوسعُ؛ لحاجة الميت وعَجْزِهِ، ولهذا تصحُّ في غير
الموجودِ، کالثمرة، فلأنْ تصحّ في الموجود أولى.
قال: (ومَن أوصى بجاريةٍ إلا حَمْلَها: صحَّتِ الوصيةُ والاستثناء)؛
لأن اسمَ الجاريةِ لا يتناولُ الحَمْلَ لفظاً، ولكنه يُستَحَقُّ بالإطلاق تَبَعاً، فإذا
أَفردَ الأمَّ بالوصية: صحَّ إفرادُها.
ولأنه يصحُّ إفرادُ الحَمْلِ بالوصية، فجاز استثناؤه منها.
وهذا هو الأصلُ: أنَّ ما يصحُّ إفرادُه بالعقد: يصحُّ استثناؤه منه، إذْ لا
فَرْقَ بينهما.
(١) أي لا تصح الهبة للحَمْل.
(٢) إذِ الملكُ يحصلُ بالقبض.
(٣) أي جواز الوصية بالحمل.
(٤) أي بعَرْضية الوجود.

٤٦٢
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ويجوزُ للموصي الرجوعُ عن الوصيةِ.
ءِ
وإذا صرَّحَ بالرجوعِ، أو فَعَلَ ما يدلّ على الرجوع: كان رجوعاً.
وما لا يصحُّ إفرادُه بالعقد: لا يصحُّ استثناؤه منه، وقد مَرَّ في البيوع.
قال: (ويجوزُ للموصي الرجوعُ عن الوصيةِ)؛ لأنه تبرُّعٌ لم يتمَّ، فجاز
الرجوعُ فيه (١)، كالهبة، وقد حقّقْناه في كتاب الهبة.
ولأن القبولَ يتوقّف على الموت، والإيجابُ يصحُّ إبطالُه قبلَ القبول،
كما في البيع.
قال: (وإذا صرَّحَ بالرجوع، أو فَعَلَ ما يدلّ على الرجوع: كان رجوعاً).
ءِ
أما الصريحُ: فظاهرٌ.
وكذا الدلالةُ؛ لأنها تعملُ عَمَلَ الصريح، فقام مقامَ قوله: قد أبطلتُ،
وصار كالبيع بشرط الخيار، فإنه يبطل الخيارُ فيه بالدلالة.
93
ثم كلّ فعلٍ لو فَعَلَه الإنسانُ في مِلكِ الغيرِ: يَنقطع به حَقُّ المالك، فإذا
فَعَلَه الموصي: كان رجوعاً، وقد عدَدْنا (٢) هذه الأفاعيلَ في كتاب الغصب.
وكلّ فعلٍ يوجبُ زيادةً في الموصى به، ولا يُمكنُ تسليمُ العَيْنِ إلا بها:
فهو رجوعٌ إذا فَعَلَه، مثلُ السَِّيْقِ يَلْتُّه بسَمْنٍ، والدارِ يَبني فيها الموصي،
والقطنِ يحشو به، والبطانةِ يُبَطَّنُ بها، والظَّهَارَةِ يُظَهِرُ بها(٣)؛ لأنه لا يُمكِنُ
(١) وفي نُسخ: عنه.
(٢) وضُبطت في نُسخ بتشديد الدال: عدَّدْنا.
(٣) أي يجعلها فوق البطانة.

٤٦٣
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ومَن جَحَدَ الوصيةَ: لم يكن رجوعاً.
تسليمُهُ بدون الزيادة، ولا يُمكنُ نَقْضُها؛ لأنه حَصَلَ في ملكِ الموصي من
جهته.
بخلافِ تخصيصِ الدارِ الموصَىُ بها، وهَدْمٍ بنائها؛ لأنه تصرُّفٌ في
لتابعِ.
وكلُّ تصرُّفٍ أوجب زوالَ مِلْكِ الموصي: فهو رجوعٌ، كما إذا باع
العينَ الموصَىُّ بها، ثم اشتراها، أو وَهَبَها(١)، ثم رجع فيها (٢)؛ لأن
الوصيةَ لا تُنفَّذُ إلا في ملكِهِ، فإذا أزالَه: كان رجوعاً.
وذَبْحُ الشاِ الموصَىُّ بها: رجوعٌ؛ لأنه للصرف إلى حاجتِهِ عادةً،
فصار هذا المعنى أصلاً أيضاً.
وغَسْلُ الثوب الموصى به: لا يكونُ رجوعاً؛ لأن مَن أراد أن يعطيَ
ثوبَه غيرَه: يَغْسِلُه عادةً، فكان تقريراً.
قال: (ومَن جَحَدَ الوصيةَ: لم يكن(٣) رجوعاً)، كذا ذَكَرَه محمد رحمه
الله تعالى.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يكون رجوعاً؛ لأن الرجوعَ نفيٌ في
الحال، والجحودُ نفيٌ في الماضي والحالِ، فَأَوْلَىُ أن يكونَ رجوعاً.
(١) وفي نُسخ بالتذكير: ثم اشتراه أو وَهَبَه، ثم رجع فيه. قلت وتقديرها: أي
رجع فيما وهبه. كما في البناية ٢٨٦/١٦.
(٢) أي في العين التي وهبها.
(٣) أي جحدُه.

٤٦٤
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ءِ
ولو قال : كلّ وصيةٍ أوصيتُ بها لفلانٍ، فهو حرامٌ أو رباً: لا يكون
رجوعاً.
ولو قال : أخَّرَتُها : لا يكون رجوعاً.
ولو قال : العبدُ الذي أوصيتُ به لفلانٍ، فهو لفلانٍ: كان رجوعاً.
ولمحمدٍ رحمه الله: أن الجحودَ نفيٌ في الماضي، والانتفاء في الحال
و
ضرورةُ ذلك، وإذا كان ثابتاً في الحال: كان الجحودُ لَغْواً.
أو لأن الرجوعَ إثباتٌ في الماضي، ونفيٌ في الحال، والجحودُ نفيٌ
في الماضي والحالِ، فلا يكون رجوعاً حقيقةً، ولهذا لا يكونُ جحودُ
النكاح فُرْقَةً.
قال: (ولو قال: كلّ وصيةٍ أوصيتُ بها لفلانٍ، فهو حرامٌ أو(١) رباً: لا
يكون رجوعاً)؛ لأن الوصفَ يستدعي بقاءَ الأصلِ.
بخلاف ما إذا قال: فهي باطلةٌ؛ لأنه (٢) الذاهبُ المتلاشي.
قال: (ولو قال: أخَّرتُها: لا يكون رجوعاً)؛ لأن التأخيرَ ليس للسقوط،
کتأخیر الدّیْن.
بخلاف ما إذا قال: تَرَكْتُ؛ لأنه إسقاطٌ.
قال: (ولو قال: العبدُ الذي أوصيتُ به لفلانٍ، فهو لفلانٍ: كان
رجوعاً)؛ لأن اللفظَ يدلُّ على قَطْعِ الشركةِ.
(١) وفي نُسخ: ورباً. بدل: أو رباً.
(٢) أي الباطل.

٤٦٥
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ولو كان فلانٌ الآخَرُ ميتاً حين أوصى : فالوصيةُ الأُوْلى على حالها .
ولو كان فلانٌ حين قال ذلك حياً، ثم مات قبلَ موتِ الموصي : فهي
للورثة .
بخلافِ ما إذا أوصى به لرجلٍ، ثم أوصى به لآَخَرَ؛ لأنَّ المَحَلَّ
يَحْتمِلُ الشركةَ، واللفظُ صالحٌ لها.
وكذا إذا قال: فهو لفلانٍ وارثِي: يكون رجوعاً عن الأول؛ لِمَا بَيَّنَا،
ويكونُ وصيةً للوارث، وقد ذَكَرْنا حُكْمَه(١).
قال: (ولو كان فلانٌ الآخَرُ ميتاً حين أوصى: فالوصيةُ الأُولىُ على
حالها)؛ لأن الوصيةَ الأُولىُ إنما تبطلُ ضرورةَ كونها للثاني، ولم يتحقّقْ،
فبقي للأول.
قال: (ولو كان فلانٌ حين قال ذلك حياً، ثم مات قبلَ موتِ الموصي:
فهي للورثة)؛ لبطلان الوصيَّتَيْن: الأُولىُ: بالرجوع، والثانيةُ: بالموت، والله
تعالى أعلم بالصواب.
(١) وهو أن يكون للوارث إذا أجازها بقية الورثة، وإن لم تُجز: يكون ميراثاً.
البناية ٢٨٨/١٦.

٤٦٦
باب
باب
الوصية بثُلُثِ المال
ومَن أوصى لرجلٍ بِثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ بِثُلُثِ مالِهِ، ولم تُجِزِ الورثةُ :
فالثلثُ بينهما نصفين.
وإن أوصى لأحدِهما بالثلثِ، وللآخَرِ بالسدسِ : فالثلثُ بينهما أثلاثاً.
باب
الوصية بثُلُثِ المال
قال: (ومَن أوصىُ لرجلٍ بثُلُثِ مالِهِ، ولآخَرَ بِثُلُثِ مالِهِ، ولم تُجِزِ
الورثةُ: فالثلثُ بينهما نصفين)؛ لأنه يَضِيْقُ الثلثُ عن حَقَّهما، إذْ لا يُزادُ
عليه عند عدمِ الإجازةِ، على ما تقدَّم، وقد تساويا في سببِ الاستحقاقِ،
فيستويان في الاستحقاق، والمَحَلَّ يَقبَلُ الشركةَ، فيكونُ بينهما.
قال: (وإن أوصىُ لأحدِهما بالثلثِ، وللآخَرِ بالسدسِ: فالثلثُ بينهما
أثلاثاً)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُدْلي بسببٍ صحيحٍ، وضاق الثلثُ عنِ
حَقِّهما، فيَقتسمانه على قَدْرِ حقَّهما، كما في أصحاب الديون، فيُجعلُ
الأقلّ: سهماً، والأكثرُ: سهمَيْن(١)، فصار ثلاثةَ أسهم: سهمٌ لصاحب
الأقلّ، وسهمان لصاحب الأكثر.
(١) قوله: والأكثرُ سهمين: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.

٤٦٧
الوصية بثُلُثِ المال
وإن أوصىُ لأحدِهما بجميع مالِهِ، وللآخَرِ بثلُثِ مالِهِ، ولم تُجِزِ
الورثةُ : فالثلثُ بينهما على أربعةِ أسهمٍ عندهما .
وقال أبو حنيفة رحمه الله : الثلثُ بينهما نصفان، ولا يَضرِبُ أبو حنيفة
رحمه الله للموصَىُّ له بما زاد على الثلث إلا في المحاباةِ، والسعايةِ،
والدراهمِ المُرْسَلَة .
قال: (وإن أوصى لأحدِهما بجميع مالِهِ، وللآخَرِ بثلُثِ مالِه، ولم تُجز
الورثةُ: فالثلثُ بينهما على أربعةِ أسهمِ عندهما.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: الثلثُ بينهما نصفان، ولا يَضرِبُ أبو حنيفة
رحمه الله للموصَىُّ له بما زاد على الثلث إلا في المحاباةِ، والسعايةِ،
والدراهمِ المُرْسَلَةُ(١)).
لهما في الخلافية (٢): أن الموصِي قَصَدَ شيئَيْن: الاستحقاقَ والتفضيلَ،
وامتنع الاستحقاقُ لِحَقِّ الورثة، ولا مانعَ من التفضيل، فيثبتُ كما في
المحاباة وأختَيْها.
وله: أن الوصيةَ وَقَعَتْ بغير المشروع عند عدمِ الإجازة من الورثة، إذْ
لا نَفَاذَ لها بحال، فتبطلُ (٣) أصلاً، والتفضيلُ يثبتُ في ضِمْنِ الاستحقاقِ،
(١) أي المطلَقة، وصورتُها: أن يوصيَ لرجلٍ بألفين، وللآخر بألف درهم،
وثلثُ ماله: ألف درهم، ولم تُجز الورثة: فإنه يكون بينهما أثلاثاً. البناية ١٦/ ٢٩١.
(٢) أي مسألة فيما إذا أوصى لأحدهما بجميع ماله، ولآخر بثلثه.
(٣) أي فتبطل الوصية بالكلية. البناية ١٦/ ٢٩١.

٤٦٨
الوصية بثُلُثِ المال
وإذا أوصىُ بنصيب ابنه: فالوصيةُ باطلةٌ، ولو أوصىُ بمثل نصيبٍ
ابنه : جاز.
فبطل ببطلانه(١)، كالمحاباة الثابتةِ في ضِمْن البيع.
بخلاف مواضع الإجماع(٢)؛ لأن لها نفاذاً في الجملة بدون إجازة
الورثة، بأن كان في المال سعة، فتُعتبرُ في التفاضل؛ لكونه مشروعاً في
الجملة، بخلاف ما نحن فيه.
وهذا بخلاف ما إذا أوصىُ بعَيْنِ مِن تَرِكَتِهِ، وقيمتُها تزيدُ على الثلث: فإنه
يُضِرَب بالثلث، وإن احتمل أنْ يزيدَ المالُ، فَتَخرَجُ(٣) من الثلث؛ لأن هناك
الحقَّ تعلَّق بعين التركة، بدليل أنه لو هَلَكَتْ واستفاد مالاً آخَرَ: تبطلُ الوصية.
وفي الألفِ المرسَلَةِ لو هلكت التركةُ: تُنفَّذُ (٤) فيما يُستفادُ، فلم يكن
متعلِّقاً بعَيْن ما تعلَّق به حَقُّ الورثة.
قال: (وإذا أوصىُ بنصيبِ ابنه: فالوصيةُ باطلةٌ، ولو أوصى بمثل
نصيبٍ ابنه: جاز)؛ لأن الأولَ وصيةٌ بمال الغير؛ لأنَّ نصيبَ الابنِ ما
يُصيبُهُ بعد الموت، والثاني وصيةً بمثل نصيبِ الابنِ، ومثلُ الشيءِ: غيرُه،
وإن کان یتقدّر به: فيجوز.
(١) أي يبطل الفضل ببطلان الاستحقاق.
(٢) يعني المحاباة وأختيها.
(٣) أي العين.
(٤) أي الوصية. وفي نُسخ: فيخرج.

٤٦٩
الوصية بِثُلُثِ المال
ومَن أوصى بسهمٍ من مالِه : فله أَخَسُّ سهامِ الورثةِ، إلا أنْ يَنقُصَ عن
السدس : فيُّتَمُّ له السدسُ، ولا يُزادُ عليه، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : له مثلُ نصيبِ أحدِ الورثةِ، ولا يُزادُ على الثلث، إلا أن تُجيزَه
الورثةُ.
وقال زفر رحمه الله: يجوزُ في الأول أيضاً، نَظَراً (١) إلى الحال، والكلّ
مالُه فيه.
وجوابُه: ما قلناه.
قال: (ومَن أوصىُ بسهمٍ من مالِه: فله أَخَسُّ سهامِ الورثةِ، إلا أنْ
يَنْقُصَ عن السدس: فيُّتَمُّ له السدسُ، ولا يُزادُ عليه، وهذا عند أبي حنيفة
رحمه الله.
وقالا: له مثلُ نصيب أحدِ الورثةِ، ولا يُزادُ على الثلث، إلا أن تُجيزَه
الورثةُ)؛ لأن السهمَ يُرادُ به أحدُ سهامِ الورثة عُرفاً، لا سيَّما في الوصية،
والأقلَّ متيقَّنٌ به، فيُصرَفُ إليه، إلا إذا زاد على الثلث: فيُرَدُّ إليه؛ لأنه لا
مزيدَ علیه عند عدمٍ إجازةِ الورثة.
وله: أن السهمَ هو السدسُ، هو المَرْويُّ عن ابن مسعودٍ رضي الله
عنه، وقد رَفَعَه إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيما يُروى(٢).
(١) وفي نُسخ: فَنَظَرَ. قلت: أي الإمام زفر، وفي نُسخ: فنُظِر.
(٢) مسند البزار (٢٠٤٧)، المعجم الأوسط (٨٣٣٨)، وفيه: العزرمي، وهو
متروك، وروي موقوفاً على ابن مسعود عند ابن أبي شيبة (٣٠٨٠١)، وينظر الدراية
٢٩١/٢، والتعريف والإخبار ١٦٤/٤.

٤٧٠
الوصية بثُلُثِ المال
C
ولو أوصىُ بجزءٍ من مالِه : قيل للورثة : أَعطُوه ما شئتم.
ومَن قال : سُدُسُ مالي لفلاذٍ، ثم قال في ذلك المجلس، أو في
مجلسٍ آخَرَ : له ثُلُثُ مالي، وأجازتِ الورثةُ: فله ثلثُ المال، ويدخلُ
السدسُ فیه.
ولأنه يُذكَرُ ويُرادُ به السدسُ، فإن إِيَاساً (١) رحمه الله قال: السهمُ في
اللغة: عبارةٌ عن السدس، ويُذكَرُ ويُرادُ به سهمٌ من سهامِ الورثة، فُيُعطى
ما ذکرنا.
قالوا (٢): هذا كان في عُرْفِهم(٣)، وفي عُرْفِنا: السهمُ كالجزء.
قال: (ولو أوصىُ بجزءٍ من مالِه: قيل للورثة: أَعطُوه ما شئتم)؛ لأنه
مجهولٌ، يتناولُ القليلَ والكثيرَ، غيرَ أن الجهالةَ لا تمنعُ صحةَ الوصيةِ،
والورثةُ قائمون مقامَ الموصي، فإلیھمُ البيانُ.
قال: (ومَن قال: سُدُسُ مالي لفلانٍ، ثم قال في ذلك المجلس، أو في
مجلسٍ آخَرَ: له ثُلُثُ مالي، وأجازتِ الورثةُ: فله ثلثُ المال، ويدخلُ
السدسُ فیه.
(١) إياس بن معاوية بن قُرَّة القاضي بالبصرة، من كبار التابعين، ولاَّه عمر بن
عبد العزيز، توفي سنة ١٢٢هـ، له ترجمة في سير أعلام النبلاء ١٥٥/٥، وينظر أثره
في المصنف لابن أبي شيبة (٣٠٨٠٠).
(٢) أي مشايخ الحنفية في شروح الجامع الصغير.
(٣) أي أهل الكوفة. السقاية لعطشان الهداية ٦٦٣/٢.

٤٧١
الوصية بثُلُثِ المال
ومَن قال : سُدُسُ مالي لفلانٍ، ثم قال في ذلك المجلس، أو في
غيرِهِ : سُدُسُ مالي لفلانٍ : فله سدسٌ واحدٌ.
ومَن أوصىُ بُثُلُثِ دراهمِهِ، أو بُثُلُثِ غَنَمِهِ، فَهَلَكَ ثُلُثَا ذلك، وبقِيَ
ثُلُثُه، وهو يَخِرَجُ من ثُلُثِ ما بقِيَ من مالِه : فله جميعُ ما بقِيَ.
ومَن قال: سُدُسُ مالي لفلانٍ، ثم قال في ذلك المجلس، أو في غيرِه:
سُدُسُ مالي لفلانٍ: فله سدسٌ واحدٌ)؛ لأن السدسَ ذُكِرَ معرَّفاً بالإضافة
إلى المال، والمعرفةُ متى أُعيدت: يُرادُ بالثاني عَيْنُ الأول، هو المعهودُ في
اللغة.
قال: (ومَن أوصىُ بَثَلُثِ دراهمِه، أو بثُلُثِ غَنَمِهِ، فَهَلَكَ ثُلُثَا ذلك،
وبقِيَ ثُلُثُه، وهو يَخْرَجُ من ثُلُثِ ما بقِيَ من مالِهِ: فله جميعُ ما بقِيَ).
وقال زفر رحمه الله: له ثلثُ ما بقِيَ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما مشترَكٌ
بينهم(١)، والمالُ المشترَكُ يَتْوَى ما تَوِيَ منه على الشركة، ويبقى ما بقيَ
عليها، وصار كما إذا كانتِ التركةُ أجناساً مختلفةً.
ولنا: أنَّ في الجنسِ الواحدِ يُمكِنُ جَمْعُ حَقِّ أحدِهم في الواحد،
ولهذا يجري فيه الجَبْرُ على القسمة، وفيه جَمْعٌ، والوصيةُ مقدّمةٌ،
فجمعناها في الواحدِ الباقي، وصارتِ الدراهمُ كالدرهم.
بخلاف الأجناس المختلفة؛ لأنه لا يُمكنُ الجمعُ فيها جَبْراً، فكذا تقديماً.
(١) وفي نُسخ: بينهما. وكُتب في حاشية نسخة ٧٣٨هـ بياناً: أي بين الورثة
والموصى له.

٤٧٢
الوصية بثُلُثِ المال
ولو أوصىُ بِثُلُثِ ثيابه، فهَلَكَ ثُلُثَاها، وبقِيَ ثلُثُها، وهو يَخرجُ من
ثُلُثِ ما بقِيَ من مالِه : لم يَستَحِقَّ إلا ثُلُثَ ما بقيَ من الثياب.
قالوا : هذا إذا كانتِ الثيابُ من أجناسٍ مختلفةٍ .
ولو أوصىُ بِثُلُثِ ثلاثةٍ من رقيقِه، فمات اثنان، وبقيَ واحدٌ: لم يكن
له إلا ثلثُ الباقي، وكذلك الدُّوْرُ المختلفة .
قال: (ولو أوصىُ بِثَلُثِ ثيابه، فهَلَكَ ثُلُثَاها، وبقِيَ ثلُثُها، وهو يَخرجُ
من ثُلُثِ ما بقِيَ من مالِه: لم يَستَحِقَّ إلا ثُلُثَ ما بقيَ من الثياب.
قالوا (١): هذا إذا كانتِ الثيابُ من أجناسٍ مختلفةٍ).
ولو كانت من جنسٍ واحدٍ: فهو بمنزلة الدراهم.
وكذلك المكيلُ والموزونُ: بمنزلتِها؛ لأنه يجري فيه الجمعُ جَبْراً بالقسمة.
قال: (ولو أوصىُ بثلُثِ ثلاثةٍ من رقيقِه، فمات اثنان، وبقيَ واحدٌ: لم
يكن له إلا ثلثُ الباقي.
وكذلك الدُّوْرُ المختلفة).
وقيل: هذا على قول أبي حنيفة رحمه الله وحدَه؛ لأنه لا يَرىُ الجَبْرَ
على القسمة فيها.
وقيل: هو قولُ الكلّ؛ لأن عندَهما للقاضي أن يَجتهدَ، ويَجمعَ،
وبدون ذلك يتعذَّرُ الجمعُ.
والأولُ أشبهُ للفقه المذكور.
(١) أي المشايخ رحمهم الله.

٤٧٣
الوصية بثُلُثِ المال
ومَن أوصىُ لرَجُلٍ بألفِ درهمٍ، وله مالٌ، عَيْنٌ ودَيْنٌ: فإن خَرَجَ
الألفُ من ثُلُثِ العَيْن : دُفِعَ إلى الموصى له.
وإن لم يَخرجْ: دُفِعَ إليهِ ثُلُثُ العَيْن، وكلَّمَا خَرَجَ شيءٌ من الدَّيْنِ أَخَذَ
ثُلُثَه حتى يَستوفِيَ الألفَ.
ومَن أوصىُ لزيدٍ وعَمْرِو بِثُلُثِ مالِهِ، فإذا عَمرٌو ميتٌ : فالثُلُثُ كلَّه لزيدٍ .
قال: (ومَن أوصىُ لَرَجُلٍ بألفِ درهمٍ، وله مالٌ، عَيْنٌ ودَيْنٌ: فإن
خَرَجَ الألفُ من ثُلُثِ العَيْن: دُفِعَ (١) إلى الموصى له)؛ لأنه أمكنَ إيفاءُ كلِّ
ذي حَقِّ حَقّه من غیر بَخْسٍ، فيُصار إليه.
قال: (وإن لم يَخرِجْ: دُفِعَ إليه ثُلُثُ العَيْن، وكلَّمَا خَرَجَ شيءٌ من
الدَّيْنِ أَخَذَ ثُلُثَه حتى يَستوفِيَ الألف (٢))؛ لأن الموصى له شريكُ الوارث،
وفي تخصيصِهِ بالعَيْن: بَخْسٌ في حَقِّ الورثة؛ لأن للعين فضلاً على الدَّيْن.
ولأن الدَّيْنَ ليس بمال في مُطلَقِ الحال، وإنما يصيرُ مالاً عند الاستيفاء،
فإنما يَعتدلُ النظر بما ذكرناه.
قال: (ومَن أوصىُ لزيدٍ وعَمْرِو بثلُثِ مالِه، فإذا عَمَرٌو ميتٌ: فالثُلُثُ
كلُّهُ لزيدٍ)؛ لأنَّ الميتَ ليس بأهلِ للوصية، فلا يُزاحِمُ الحيَّ الذي هو من
أهلها، کما إذا أوصى لزيدٍ وجدارٍ.
(١) وفي نُسخ: دَفَعَ.
(٢) وفي نُسخ بالمجهول: أُخِذ ثلثُه حتى يُستوفَى الألفُ.

٤٧٤
الوصية بثُلُثِ المال
وإن قال: ثُلُثُ مالي بين زيدٍ وعَمْرٍو، وزيدٌ ميتٌ: كان لعَمْرِو نصفُ
الثلث.
ومَن أوصىُ بِثُلُثِ مالِه، ولا مالَ له، واكتسب مالاً: اسْتَحَقَّ الموصَى
له ثلثَ ما يَملِكُه عند الموت.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا لم يَعلَمْ بموتِه: فله نصفُ الثلث،
لأن الوصيةَ عنده صحيحةٌ لعَمرٍو، فلم يَرْضَ للحيِّ إلا نصفَ الثلث.
بخلاف ما إذا عَلِمَ بموته: لأن الوصيةَ للميت(١) لَغْوٌ، فكان راضياً
بكلِّ الثلثِ للحيِّ.
قال: (وإن قال: ثُلُثُ مالي بين زيدٍ وعَمْرٍو، وزيدٌ ميتٌ: كان لعَمْرو
نصفُ الثلث)؛ لأن قضيةَ هذا اللفظ أن يكونَ لكلِّ واحدٍ منهما نصفُ
الثلثِ، بخلاف ما تقدَّم.
ألا ترى أنَّ مَن قال: ثلثُ مالي لفلانٍ، وسكَتَ: كان له كلّ الثلثِ،
ولو قال: ثلثُ مالي بين فلانٍ، وسكَتَ: لم يستحقَّ الثلثَ.
قال: (ومَن أوصىُ بِثُلُثِ مالِه، ولا مالَ له، واكتسب مالاً: استَحَقَّ
الموصى له ثلثَ ما يَملِكُه عند الموت)؛ لأن الوصيةَ عقدُ استخلافٍ
مُضافٌ إلى ما بعد الموت، ويثبتُ حُكْمُهُ بعده، فيُشترَطُ وجودُ المال عند
الموت، لا قبله.
(١) وفي نُسخ: لعَمرِو.

٤٧٥
الوصية بُثُلُثِ المال
وكذا إذا كان له مالٌ، فَهَلَكَ، ثم اكتسب مالاً.
ولو أوصى له بُثُلُثِ غَنَمِهِ، فَهَلَكَ الغَنَمُ قبلَ موتِه، أو لم يكن له غَنَمٌ
في الأصل : فالوصيةُ باطلةٌ.
وإن لم يكن له غَنَمٌ، فاستفاده، ثم مات: فالصحيحُ أن الوصيةَ تصحٌ.
ولو قال : له شاةٌ من مالي، وليس له غَثَمٌ: يُعطَى قيمةَ شاةٍ.
قال: (وكذا إذا كان له مالٌ، فهَلَكَ، ثم اكتسب مالاً)؛ لِمَا بِيَّنَّا.
قال: (ولو أوصى له بِثُلُثِ غَنَمِهِ، فَهَلَكَ الغَنَمُ قبلَ موتِه، أو لم يكن له
غُنَمٌّ في الأصل: فالوصيةُ باطلةٌ).
لِمَا ذكرنا أنه إيجابٌ بعد الموت، فيُعتَبَرُ قيامُهُ(١) حينئذٍ، وهذه الوصيةُ
تعلَّقتْ بالعين، فتبطل بفَوَاتها عند الموت.
قال: (وإن لم يكن له غَنَمٌ، فاستفاده، ثم مات: فالصحيحُ أن الوصيةَ
تصحُ)؛ لأن الوصيةَ لو كانت بلفظ المال: تصحُّ، فكذا إذا كانت باسم
نوعِه، وهذا لأن وجودَه قبلَ الموتِ فَضْلٌ، والمعتبرُ قيامُه عند الموت.
قال: (ولو قال: له شاةٌ من مالي، وليس له غَنَمٌ: يُعطَى قيمةَ شاةٍ)؛
لأنه لَمَّا أضافه إلى المال: عَلِمْنا أن مرادَه الوصيةَ بماليَّة الشاة، إذْ مالِيَّتُها
تُوجَدُ فِي مُطلَق المال.
(١) أي قيام ما أوصى به.

٤٧٦
الوصية بثُلُثِ المال
ولو أوصىُ بشاةٍ، ولم يُضِفْه إلى مالِه، ولا غَنَمَ له: قيل: لا تصح.
ولو قال : شاةٌ من غَنَمِي، ولا غَنَمَ له : فالوصيةُ باطلةٌ.
ومَن أوصىُ بِثُلُثِ مالِه لأُمَّهات أولادِهِ، وهنَّ ثلاثٌ، وللفقراء
والمساكينٍ : فلهنَّ ثلاثةُ أسهمِ من خمسةِ أسهمٍ، وللفقراء سهمٌ،
وللمساکین سهمٌ .
قال: (ولو أوصىُ بشاةٍ، ولم يُضِفْهُ(١) إلى مالِه، ولا غَنَمَ له: قيل: لا
تصح)؛ لأن المصحِّحَ إضافته إلى المال، وبدونها: تُعتبرُ صورةُ الشاةِ
ومعناها.
وقيل: تصحُّ؛ لأنه لَمَّا ذَكَرَ الشاةَ، وليس في مِلْكِهِ شاةٌ: عُلِمَ أن مرادَه
الماليةَ.
قال: (ولو قال: شاةٌ من غَنَمِي، ولا غَنَمَ له: فالوصيةُ باطلةٌ)؛ لأنه لَمَّا
أضافه إلى الغَنَمِ: عَلِمْنا أنَّ مرادَه عَيْنُ الشاة، حيث جَعَلَها جزءاً من الغَنَم،
بخلاف ما إذا أضافه إلى المال.
وعلى هذا يُخرَّجُ كثيرٌ من المسائل.
قال: (ومَن أوصى بثُلُثِ مالِه لأُمَّهات أولادِهِ، وهنَّ ثلاثٌ، وللفقراء
والمساكينِ: فلهنَّ ثلاثةُ أسهمٍ من خمسةِ أسهمٍ، وللفقراء سهمٌ، وللمساكين
. (٢)).
.(
سهم
(١) أي بأن لم يقل: من مالي.
(٢) قوله: وللفقراء سهمٌ، وللمساكين سهمٌ: مثبتٌ في بداية المبتدي ص٧١٩.

٤٧٧
الوصية بثُلُثِ المال
قال رضي الله عنه: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وعن محمد رحمه الله: أنه يُقْسَمُ على سبعةِ أسهمٍ، لهنَّ ثلاثةٌ، ولكلّ
فریق(١) سهمان.
وأصلُه: أن الوصيةَ لأمهات الأولاد جائزةٌ، والفقراء والمساكينُ جنسان،
٩
وفسَّرناهما في الزكاةِ.
لمحمدٍ رحمه الله: أن المذكورَ لفظُ الجَمْع، وأَدْناه في الميراث اثنان،
نجد (٢) ذلك في القرآن (٣)، فكان من كلِّ فريقِ اثنان، وأُمَّهاتُ الأولاد
ثلاثٌ، فلهذا يُقْسَمُ على سبعةٍ.
ولهما: أن الجمعَ المُحَلَّى بالألف واللام يُرادُ به الجنسُ، وأنه يتناولُ
الأدنى مع احتمال الكلِّ، لا سيما عند تعذُّرِ صَرْفِه إلى الكلِّ، فيُعتبرُ من
كلِّ فريقٍ: واحدٌ، والثلاثةُ للثلاث (٤)، فبلغ الحسابُ خمسةً.
(١) من الفقراء والمساكين.
(٢) وفي نُسخ: تجد. بالتاء.
(٣) كما في قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأَمِهِ السُّدُسُ﴾. النساء/ ١١، فإن
المرادَ من: إخوة: اثنان فصاعداً؛ لأنه يحجب الاثنان منهم فصاعداً الأمَّ من الثلث إلى
السدس، فعلم أن الاثنين لهما حكم الجمع. البناية ١٦/ ٣٠٤.
(٤) أي لأمهات الأولاد.

٤٧٨
الوصية بثُلُثِ المال
ولو أوصىُ بثلُثِهِ لفلانٍ وللمساكين : فنصفُهُ لفلانٍ، ونصفُه للمساكين
عندهما، وعند محمدٍ رحمه الله : ثُلُثُه لفلانٍ، وثلثاه للمساكين .
ومَن أوصى لرجلٍ بمائة درهمٍ، ولَآَخَرَ بمائةٍ، ثم قال لآخَرَ: قد
أشركتُكَ معهما : فله ثُلُثُ كلِّ مائة.
بخلاف ما إذا أوصى لرجلٍ بأربعمائةِ درهمٍ، ولآخَرَ بمائتين، ثم قال
لآخَرَ : قد أشركتُكَ معهما : فله نصفُ ما أوصى به لكلّ واحدٍ منهما.
قال: (ولو أوصىُ بثُلُثِهِ لفلانٍ وللمساكينِ: فنصفُهُ لفلانٍ، ونصفُه
ووو
للمساكينِ عندهما، وعند محمدٍ رحمه الله: ثَلَثُه لفلانٍ، وثلثاه للمساكين).
ولو أوصى للمساكين: له أن يَصرِفَه إلى مسكينٍ واحدٍ عندهما.
وعنده: لا يُصرَفُ إلا إلى مسكينَيْن؛ بناءً على ما بيَّنَّاه.
قال: (ومَن أوصىُ لرجلٍ بمائةِ درهمٍ، ولَآَخَرَ بمائةٍ، ثم قال لآخَرَ: قد
سَ
أشركتُكَ معهما: فله ثُلُثُ كلّ مائة).
لأن الشركةَ للمساواة لغةً، وقد أمكن إثباتُه بين الكلّ بما قلناه؛
الاتحاد المال؛ لأنه يُصيبُ كلّ واحدٍ منهم ثُلُثًا مائةٍ.
قال: (بخلاف ما إذا أوصى لرجلٍ بأربعمائة درهمٍ، ولآخَرَ بمائتين، ثم
قال لآخَرَ: قد أشركتُكَ معهما: فله نصفُ ما أوصى به لكلِّ واحدٍ منهما(١)).
(١) وفي نُسخ أخرى هكذا: ولآخَر بمائتين، ثم كان الإشراك (الاشتراك)؛ لأنه
لا يمكن تحقيق المساواة ... إلى آخره. قلت: وواضحٌ ما فيها من سقط.

٤٧٩
الوصية بثُلُثِ المال
ومَن قال : لفلانٍ عليَّ دَيْنٌ، فصدِّقوه: فإنه يُصدَّقُ إلى الثلث.
لأنه لا يُمكنُ تحقيقُ المساواةِ بين الكلّ؛ لتفاوت المالَيْن، فحَمَلْناه على
مساواته كلّ واحدٍ بتنصيف نصيبه؛ عملاً باللفظ بقَدْر الإمكان.
قال: (ومَن قال: لفلانٍ عليَّ دَيْنٌ، فصدِّقوه)، معناه: قال ذلك لورثته:
(فإنه يُصدَّقُ إلى الثلث)، وهذا استحسانٌ.
وفي القياس: لا يُصدَّقُ؛ لأن الإقرارَ بالمجهول وإن كان صحيحاً،
لكنه لا يُحكَمُ به إلا بالبیان.
وقولُه: فصدِّقوه: صَدَرَ مخالفاً للشرع؛ لأن المدَّعي لا يُصدَّقُ إلا
بحجةٍ، فتعذَّر إثباتُه إقراراً مطلقاً، فلا يُعتبر.
وَجْهُ الاستحسان: أَنَّا نعلمُ أنَّ مِن قَصْدِهِ تقديمَهَ (١) على الورثة، وقد
أَمكن تنفيذُ قَصْدِهِ بطريق الوصية(٢).
وقد يَحتاجُ إليه(٣) مَن يَعلمُ بأصل الحقِّ عليه، دون مقداره؛ سعياً منه (٤)
في تفريغ ذمته، فَتَجْعَلُها (٥) وصيةً، وجُعِلَ (٦) التقديرُ فيها إلى الموصَىُّ له.
(١) أي من قَصْد المقِرِّ تقديمَ المقَرِّ له بالدين على الورثة.
(٢) فتُنفَّذ.
(٣) هذا جوابٌ عما يُقال: لو كان قصدُه الوصيةَ: لصرَّح بها، وتقريرُ الجواب:
بأن يُقال: قد يَحتاج إلى مثل هذا الكلام مَن يَعلَمُ بأصل الحقِّ عليه، دون مقداره.
البناية ١٦/ ٣٠٦.
(٤) أي من المقِرِّ.
(٥) وفي نُسخ: فيجعلها.
(٦) وتمّ ضبط هذه الكلمة في نُسخ أخرى: جَعَلَ.

٤٨٠
الوصية بثُلُثِ المال
وإن أوصى بوصايا غير ذلك: يُعزَّلُ الثلثُ لأصحاب الوصايا،
والثلثان للورثة.
ويُقالُ لأصحاب الوصايا: صدِّقوه فيما شئتُم، ويقال للورثة: صدِّقوه
فيما شئتُم، وما بقيَ من الثلث : فأصحاب الوصايا أحقُّ به.
كأنه قال: إذا جاءكم فلانٌ وادعى شيئاً: فأعطوه من مالي ما شاء، وهذه
معتبرةٌ من الثلث، فلهذا يُصدَّقُ إلى الثلث، دون الزيادة.
قال: (وإن أوصىُ بوصايا غيرِ ذلك: يُعزَّلُ الثلثُ لأصحاب الوصايا،
والثلثان للورثة)؛ لأن ميراثَهم معلومٌ.
وكذا الوصايا معلومةٌ، وهذا مجهولٌ، فلا يُزاحِمُ المعلومَ، فيُقدَّمُ عَزْلُ
المعلومِ.
وفي الإفراز فائدة أخرى: وهو أن أحدَ الفريقين قد يكونُ أعلمَ بمقدار هذا
الحقِّ، وأبصرَ به، والآخَرَ ألدُّ خِصاماً، وعساهم يختلفون في الفضل إذا ادعاه
الخصمُ، وبعد الإفراز: يصحُّ إقرارُ كلّ واحدٍ فيما في يدِهِ من غير منازَعٍ.
قال: (و) إذا عُزلَ: (يُقالُ لأصحاب الوصايا: صدِّقوه فيما شئتُم، ويقال
للورثة: صدِّقوه فيما شئتُم، وما بقيَ من الثلث: فأصحاب الوصايا أحقُّ
به(١))؛ لأن هذا دَيْنٌ في حَقِّ المستَحِقِّ، وصيةٌ في حَقِّ التنفيذ، فإذا أقرَّ كلّ
ءِ
فريقٍ بشيءٍ: ظَهَرَ أنَّ في التركة ديناً شائعاً في النصيبَيْن.
(١) قوله: وما بقي من الثلث: فأصحاب الوصايا أحقُّ به: مثبتٌ من بداية
المبتدي ص٧١٩، وكذلك في نسخة ١٠٣٨ هـ، ونسخة السليمانية برقم ٦٤٤.