النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب المَعَاقِل
ولا تَتحمَّلُ العاقلةُ أقلّ من نصفٍ عُشْرِ الديةِ، وتتحمَّلُ عنه نصفَ عُشْر
الدية، فصاعداً.
وفيه خلافُ الشافعيّ(١) رحمه الله، وقد مَرَّ في كتاب الوَلاء، ولا يُعاد ثانياً.
قال: (ولا تَتحمَّلُ(٢) العاقلةُ أقلّ من نصفِ عُشْرِ الديةِ، وتتحمَّلُ عنه
نصفَ عُشْر الدية، فصاعداً).
والأصلُ فيه: حديثُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما موقوفاً عليه(٣)،
ومرفوعاً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((لا تَعقِلُ العواقِلُ عمداً، ولا
عبداً، ولا صُلْحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دونَ أَرْشِ المُوضِحَة)) (٤).
وأَرْشُ المُوضِحَة: نصفُ عُشْرِ بدلِ النفس.
ولأنَّ التحمُّلَ للتحرُّزِ عن الإجحاف، ولا إجحافَ في القليل، وإنما
هو في الكثير، والتقديرُ الفاصِلُ عُرِفَ بالسَّمْع.
(١) البيان للعمراني ١٥/٩.
(٢) وفي نُسخ: ولا تَعقِل.
(٣) سنن البيهقي ١٠٤/٨، وينظر نصب الراية ٣٧٩/٤.
(٤) قال في منية الألمعي ص ٤٠٩: ذَكَرَه رزين العبدري مرفوعاً إلى النبي صلى
الله عليه وسلم، وعنه ابنُ الأثير في جامع الأصول ١٨٢/٥)). اهـ، أما في نصب الراية
٣٧٩/٤، فقال: غريب مرفوعاً، وقال في الدراية ٢٨٨/٢: لم أجده.
قال في الدراية ٢٨٠/٢: لم أره مرفوعاً، ورواه محمد بن الحسن في الآثار
موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما، ونقل العلامة قاسم في التعريف والإخبار
١٤٧/٤ عن ابن عبد البر أنه لا مخالف له من الصحابة رضي الله عنهم.

٤٤٢
كتاب المَعَاقِل
وما نَقَصَ من ذلك : يكونُ في مالِ الجاني.
ولا تَعْقِلُ العاقلةُ جنايةَ العبدِ ، ولا ما لَزِمَ بالصُّلْحِ، أو باعتراف الجاني.
قال: (وما نَقَصَ من ذلك: يكونُ في مالِ الجاني).
والقياسُ فيه: التسويةُ بين القليل والكثيرِ، فيجبُ الكلُّ على العاقلةِ،
كما ذهب إليه الشافعي(١) رحمه الله.
أو التسويةُ في أنْ لا يجبَ على العاقلة شيء، إلا أنَّا تَرَكْناه بما روينا.
وبما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام أوجبَ أرشَ الجنينِ على العاقلة(٢).
وهو نصفُ عُشْرِ بدلِ الرجُل، على ما مَرَّ في الديات.
فما دونَه: يُسلَكُ به مَسلَكَ الأموال؛ لأنه يجبُ بالتحكيمِ، كما يجب
ضمانُ المال بالتقويم، فلهذا كان في مال الجاني؛ أخذاً بالقياس.
قال: (ولا تَعْقِلُ العاقلةُ جنايةَ العبدِ (٣)، ولا ما لَزِمَ بالصُّلْحِ، أو
باعتراف الجاني)؛ لِمَا روینا.
ولأنه لا تناصُرَ بالعبد.
(١) الحاوي الكبير ٣٥٥/١٢.
(٢) تقدم قريباً.
(٣) هكذا: العبد: في نُسخ الهداية، أما نُسخ القدوري ففيها: العبد، وفيها:
العمد، وكلاهما صحیحٌ، وقد جمع بينهما صاحب خلاصة الدلائل ص٢٤٥، وهو
ما أثبته في تحقيقي للقدوري مع اللباب ٤٤٩/٤.

٤٤٣
كتاب المَعَاقِل
إلا أن يُصدِّقوه.
ومَن أقرَّ بقتلٍ خطٍ، ولم يَرفعوا إلى القاضي إلا بعدَ سنين : قُضِيَ عليه
بالدية في ماله، في ثلاث سنينَ من يومِ يُقضى.
والإقرارُ والصلحُ لا يُلزمان العاقلةَ؛ لقصور الولايةِ عنهم.
قال: (إلا أن يُصدِّقوه(١))؛ لأنه ثَبَتَ بتصادقهم(٢)، والامتناعُ كان
لِحَقِّهم، ولهم ولايةٌ على أنفسهم.
قال: (ومَن أقرَّ بقتلِ خطأٍ، ولم يَرفعوا (٣) إلى القاضي إلا بعدَ سِنِيْن:
قُضِيَ عليه بالدية في مالِهِ، في ثلاث سنينَ من يومٍ يُقْضى)؛ لأن التأجيلَ
من وقت القضاء في الثابت بالبينة، ففي الثابت بالإقرار أولى.
ولو تصادَقَ القاتلُ ووليَّ الجنايةِ على أنَّ قاضيَ بلدِ كذا قضى بالدية
على عاقلته بالكوفة بالبينة، وكذَّبتْهما(٤) العاقلةُ: فلا شيءَ على العاقلة؛
لأن تصادُقَهما ليس بحُجَّةٍ عليهم.
ولم يكن عليه شيء في مالِه؛ لأنَّ الديةَ بتصادقهما تقرَّرت على العاقلة
بالقضاء، وتصادُقُهما حُجَّةٌ في حَقَّهما، بخلاف الأول.
(١) أي إلا أن تُصدِّق العاقلةُ المقِرَّ في إقراره: فحينئذٍ يلزمهم تحمُّل العقل.
(٢) أي بتصادق العاقلة.
(٣) وفي نُسخ: ولم يرتفعوا.
(٤) أي القاتل والولي.

٤٤٤
كتاب المَعَاقِل
وإذا جنى الحرُّ على العبدِ، فقَتَلَه خطأً: كان على عاقلته قيمتُه.
إلا أن يكونَ له عطاءً معهم: فحينئذ يلزمُهُ(١) بقَدْر حصَّتِهِ من ذلك؛
لأنه في حَقِّ حصته: مُقِرٌّ على نفسه، وفي حَقِّ العاقلة: مُقِرٌّ عليهم.
قال: (وإذا جنى الحرُّ على العبدِ، فقَتَلَه خطأً: كان على عاقلته قيمتُه)؛
لأنه بدلُ النفس، على ما عُرِفَ من أصلنا.
وفي أحدِ قوليِ الشافعيّ(٢) رحمه الله: تجبُ في مالِهِ؛ لأنه بدلُ المال
عنده، ولهذا يوجبُ قيمتَه بالغةً ما بلغت.
وما دون النفس من العبد: لا تتحمَّلُه العاقلةُ؛ لأنه يُسلَكُ به مَسلَكَ
الأموال عندنا، على ما عُرِفَ.
وفي أحدٍ قوليه (٣): تتحمَّله العاقلةُ، كما في الحُرِّ، وقد مَرَّ من قَبْلُ(٤).
قال أصحابنا(٥) رحمهم الله: إن القاتلَ إذا لم تكن له عاقلةٌ: فالديةُ في
بيت المال؛ لأن جماعةَ المسلمين هم أهلُ نُصْرته، وليس بعضُهم أخصَّ
من بعضٍ بذلك.
(١) وفي نُسخ: تلزمه.
(٢) ذكر في الأم ٢٦١/٣ أنها على العاقلة.
(٣) أي قولي الإمام الشافعي رحمه الله.
(٤) أي في أول فصلٍ بعد باب جناية المملوك. البناية ١٦/ ٢٥١.
(٥) أي أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ رحمهم الله. من حواشي النُّسخ الخطية.

٤٤٥
كتاب المَعَاقِل
وابنُ المُلَاعَنَة : تَعقِلُهُ عاقلةُ أُمِّه.
فإن عَقَلُوا عنه، ثم اذَّعاه الأبُ: رجعتْ عاقلةُ الأُمِّ بما أدَّت على عاقلةٍ
الأب، في ثلاثِ سنينَ من يومٍ يَقضي القاضي لعاقلةِ الأُمِّ على عاقلة الأب.
ولهذا لو مات(١): كان ميراثُه لبيت المال، فكذا ما يلزمُه من الغرامة:
يلزمُ بيتَ المال.
وعن أبي حنيفة رحمه الله روايةٌ شاذةٌ: أن الديةَ في مالِه.
ووجهُهُ: أن الأصلَ أن تجبَ الديةُ على القاتل؛ لأنه بدلُ متَلَفٍ،
والإتلافُ منه، إلا أن العاقلةَ تتحمَّلُها؛ تحقيقاً للتخفيف، على ما مَرَّ،
وإذا لم تكن له عاقلةٌ: عاد الحكمُ إلى الأصل.
قال: (وابنُ المُلَاعَنَة: تَعقِلُهُ عاقلةُ أُمِّه)؛ لأنَّ نسبَه ثابتٌ منها، دونَ
الأب.
قال: (فإن عَقَلُوا عنه، ثم ادَّعاه الأبُ: رجعتْ عاقلةُ الأُمِّ بما أدَّت
على عاقلةِ الأب، في ثلاثِ سنينَ من يومٍ يَقضي القاضي لعاقلةِ الأَمِّ على
عاقلة الأب).
لأنه تبيَّنَ أن الديةَ واجبةٌ عليهم؛ لأن عند الإكذابِ: ظَهَرَ أن النسبَ لم
يَزَلْ كان ثابتاً من الأب، حيث بَطَلَ اللعانُ بالإكذاب، ومتىُ ظَهَرَ من
الأصل: فقَوْمُ الأمِّ تحمَّلوا ما كان واجباً على قَوْمِ الأبِ، فيرجعون عليهم؛
لأنهم مضطرُّون(٢) في ذلك.
(١) ولم يترك وارثاً.
(٢) والمضطرُّ يرجع كمعير الرهن.

٤٤٦
كتاب المَعَاقِل
وكذلك إن مات المكاتَبُ عن وفاءٍ، وله ولدٌ حُرٌّ مسلمٌ، فلم يُؤدِّ
كتابتَه حتى جنىُ ابنُه، وعَقَلَ عنه قومُ أمِّه، ثم أُدِّتِ الكتابةُ.
وكذلك رجلٌ أَمَرَ صبيّاً بقتل رجُلٍ، فقَتَلَه، فضُمِّنَت عاقلةُ الصبيِّ
الديةَ : رجعتْ بها على عاقلةِ الآمِرِ إن كان الأمرُ ثَبَتَ بالبينة، وفي مالِ الآمِر
إن كان ثبت بإقراره، في ثلاث سنينَ من يومٍ يقضي بها القاضي على الآمر،
أو على عاقلته.
قال: (وكذلك إن مات المكاتَبُ عن وفاءِ، وله ولدٌ حُرُّ مسلمٌ، فلم
يُؤدّ(١) كتابتَه حتى جنىُ ابنُه، وعَقَلَ عنه قومُ أمِّه، ثم أُدِّيتِ الكتابةُ (٢))؛
لأنه عند الأداءِ يَتَحوَّلُ وَلاؤه إلى قومٍ أبيه من وقت حريةِ الأبِ، وهو آخِرُ
جزءٍ من أجزاءٍ حياته، فتبيَّنَ أن قومَ الأمِّ عَقَلُوا عنهم، فيرجعون عليهم.
قال: (وكذلك رجلٌ أَمَرَ صبيّاً بقتل رجُلٍ، فقتَلَه، فضَمِنَت عاقلةُ الصبيِّ
الديةَ: رجعتْ بها على عاقلةِ الآمِرِ إن كان الأمرُ ثَبَتَ بالبينة، وفي مالِ الآمِر
إن كان ثبت بإقراره، في ثلاثٍ سنينَ من يومٍ يقضي بها القاضي على الآمر،
أو على عاقلته)(٣)؛ لأن الديات تجبُ مؤجَّلةً بطريق التيسير.
(١) وفي نُسخ: تُؤدّ.
(٢) هذه المسألة مثبتةٌ على أنها من بداية المبتدي في نسخة ١٠٨٢ هـ، دون
غيرها مما لديَّ من النُّسخ المميّزة للمتن عن شرح الهداية.
(٣) هذه المسألة مثبتة على أنها من بداية المبتدي في نسخة ١٠٨٢ هـ، دون
غيرها مما لديَّ من النُّسخ المميزة.

٤٤٧
كتاب المَعَاقِل
قال رضي الله عنه: ها هنا عدةٌ من المسائل ذَكَرَها محمدٌ رحمه الله
متفرِّقةً، والأصلُ الذي تُخرَّجُ عليه أن يُقال:
حالُ القاتلِ إذا تبدَّل حُكماً، فانتقل ولاؤه (١) إلى وَلاءٍ بسببِ أمرٍ
حادثٍ: لم تنتقلْ جنايتُه عن الأُولى، قُضِيَ بها أو لم يُقْضَ.
وإن ظهرتْ حالةٌ خفيَّةٌ، مثلُ دِعوة ولدِ المُلاعَنَة: حُوِّلتِ الجنايةُ إلى
م
الأخرىُ، وَقَعَ القضاءَ بها، أو لم يَقَعْ.
ولو لم يختلفْ حالُ الجاني، ولكنَّ العاقلةَ تبدَّلتْ: كان الاعتبارُ في
ذلك لوقت القضاء.
فإن كان قُضِيَ بها علىُ الأُولىُ: لم تنتقلْ إلى الثانية.
وإن لم يكن قُضِيَ بها على الأُولىُ: فإنه يُقضَى بها على الثانية.
وإذا كانت العاقلةُ واحدةً، فلَحِقَها زيادةٌ أو نقصانٌ: اشتركوا في حُكم
الجنايةِ قبلَ القضاء وبعدَه، إلا فيما سَبَقَ أداؤه.
فمَنْ أَحْكمَ هذا الأصلَ متأمِّلاً: يُمكِّنُه التخريجُ فيما وَرَدَ عليه من
النظائر والأضدادِ، والله الموفّق.
(١) وفي نُسخ: فانتقل ولاءً.

٤٤٨
کتاب الوصايا
کتاب الوصايا
باب في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
وما يُستَحَبُّ منه، وما يكونُ رجوعاً عنه
الوصيةُ غيرُ واجبةٍ، وهي مستحبَّةٌ .
کتاب الوصايا
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
وما يُستَحَبُّ منه، وما يكونُ رجوعاً عنه
قال: (الوصيةُ غيرُ واجبةٍ، وهي مستحبَّةٌ).
والقياسُ يأبىُ جوازَها؛ لأنه تمليكٌ مضافٌ إلى حالِ زوالٍ مالكيَّتِه.
ولو أُضيف (١) إلى حال قيامِها، بأن قيل: ملَّكتُكَ غداً: كان باطلاً، فهذا
أولى.
إلا أنَّا استَحْسَنَّاها؛ لحاجةِ الناسِ إليها، فإن الإنسانَ مغرورٌ بأمَلِهِ، مُقَصِّرٌ
في عمله، فإذا عَرَضَ له المرضُ، وخاف البَيَاتَ(٢): يَحتاجُ إلى تلافي بعضِ ما
فَرَطَ(٣) منه من التفريط بمالِه، على وجهٍ لو مضى فيه: يتحقّقُ مَقْصِدَه المآلي،
(١) أي التمليك.
(٢) أي الهلاكَ والموتَ. البناية ٢٥٨/١٦، وفي نُسخ: الممات.
(٣) أي سبق. وضُبطت في نُسخ بتشديد الراء: فرَّط.

٤٤٩
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ولو أنهضَهَ البرءَ: يَصرِفُه إلى مَطْلَبِه الحالي، وفي شَرْع الوصيةِ: ذلك(١)،
فَشَرَعْناه، ومثلُه في الإجارة بيَّنَّاه.
وقد تبقَى المالكيةُ(٢) بعد الموت؛ باعتبار الحاجةِ، كما في قَدْرِ التجهيز،
والدّْنِ.
وقد نَطَقَ به الكتابُ، وهو قولُه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِی بِهَا أَوْ
دَيِّنٍ﴾. النساء / ١١.
والسُّنَّةُ، وهو قولُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالىُ تَصَدَّقَ
عليكم بثلُثِ أموالِكم في آخِرِ أعمارِكم؛ زيادةً لكم في أعمالِكم، تَضَعُونَها
حيثُ شئتُم))(٣).
أو قال: ((حيثُ أحَبْتُم)).
وعليه إجماعُ الأُمَّةُ.
(١) أي تلافي بعض ما فرط منه.
(٢) أي في الوصية.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن قريبٌ منه في سنن ابن ماجه (٢٧٠٩)، قال
البوصيري في زوائده: في إسناده طلحة بن عمرو الحضرمي، ضعَّفه غير واحد. اهـ،
سنن الدارقطني (٤٢٨٩)، المعجم الكبير (٩٤).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧٠٩٣): إسناده حسن، وقال ابن حجر في بلوغ
المرام ١٠٧/٣: أخرجه أحمد (٢٧٤٨٢)، والبزار (٤١٣٣) من حديث أبي الدرداء،
وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وكلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضاً. اهـ،
وينظر نصب الراية ٣٩٩/٤، التعريف والإخبار ١٥٠/٤.

٤٥٠
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ولا تجوزُ بما زادَ علىُ الثلُثِ .
ثم تصحُّ للأجنبيِّ في الثّلُثِ من غير إجازةِ الورثة؛ لِمَا رويناه، وسنبيِّنُ
ما هو الأفضلُ فیه(١) إن شاء الله تعالی.
قال: (ولا تجوزُ بما زادَ على الثُلُثِ).
لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سعد بن أبي وقّاصٍ رضي
الله عنه: ((الثلُثُ، والثلُثُ كثيرٌ))(٢)، بعد ما نفى وصيتَه بالكلَ، والنصف.
ولأنه حَقُّ الورثة، وهذا لأنه انعقدَ سببُ الزوال إليهم، وهو (٣) استغناؤه
عن المال، فأوجب تعلُّقَ حَقِّهم به، إلا أن الشرعَ لم يُظهِرْه في حَقِّ الأجانب
بقدر الثلث؛ ليتداركَ تقصيرَه، على ما بينَّاه.
وأظهرَه في حقِّ الورثة؛ لأن الظاهرَ أنه لا يَتصدَّقُ به عليهم؛ تحرُّزاً عما
يَتَّفِقُ من الإيثار، على ما نُبِّنُه.
وقد جاء في الحديثِ: ((الحَيْفُ(٤) في الوصية: من أكبرِ الكبائر))(٥).
(١) أي في فعل الوصية أو في قَدْرِها.
(٢) صحيح البخاري (١٢٩٥)، صحيح مسلم (١٦٢٨).
(٣) أي الميت.
(٤) وفي نُسخ: الجَنَف. ومعناه: الميل، وأما الحيف: فهو الجَوْر والظُّلم.
(٥) قال في نصب الراية ٢٠١/٤: غريب، ثم ذكر أنه أخرجه ابن مردويه في
التفسير بلفظ: ((الحيف في الوصية: من الكبائر))، ونقل عن البيهقي (١٢٥٨٧) قال:
الصحيح وقفه، ورَفْعُه ضعيف. اهـ، وقال العلامة قاسم في منية الألمعي ص٤١٠ :
على أن الموقوف في هذا له حكم المرفوع. اهـ، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه
في التفسير (٢٦٠)، الأحاديث المختارة للمقدسي (٤٠٠)، وينظر الدراية ٢٨٩/٢.

٤٥١
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
إلا أن تُجیزها الورثةُ بعد موته وهم کبارٌ.
وفسَّروه بالزيادة على الثلُثِ، وبالوصية للوارث.
قال: (إلا أن تُجيزَها (١) الورثةُ بعد موته وهم كبارٌ)؛ لأن الامتناعَ
لِحَقُّهم، وهم أسقطوه
ولا مُعتَبَرَ بإجازتهم في حالٍ حياتِه؛ لأنها: قبلَ ثبوتِ الحَقِّ، إذِ الحَقُّ
يثبتُ عند الموت، فکان لهم أن یردُّوه بعد وفاته.
بخلاف ما بعد الموت؛ لأنه: بعدَ ثبوتِ الحقِّ، فليس لهم أن يرجعوا
عنه؛ لأن الساقطَ مُتْلاش، غايةُ الأمر أنه يَستندُ عند الإجازة، لكنَّ الاستنادَ
يَظھرُ في حقِّ القائم، وهذا قد مضى وتلاشى.
ولأن الحقيقةَ تثبتُ عند الموتِ، وقبلَه يثبتُ مجرَّدُ الحقِّ، فلو استند
من كلِّ وَجْهٍ: ينقلبُ حقيقةً قبلَه، والرضا ببطلان الحقِّ: لا يكونُ رضاً
ببطلان الحقيقة.
وكذلك إن كانتِ الوصيةُ للوارثِ، وأجازتِ البقيةُ: فحُكْمُهُ ما ذكرناه.
ءِ
وكلّ ما جاز بإجازةِ الوارثِ: يتملَّكُه المُجازُ له من قِبَلِ الموصي عندنا.
وعند الشافعي(٣) رحمه الله: من قِبَلِ الوارث.
والصحيحُ قولُنا؛ لأنَّ السببَ صَدَرَ من الموصي، والإجازةُ: رَفْعُ
المانعِ، وليس من شَرْطِهِ القبضُ، فصار كالمرتهن إذا أجاز بيعَ الراهن.
(١) أي الزيادة على الثلث. وفي نُسخ: تُجيزَه.
(٢) له قولان. الحاوي الكبير ١٩٥/٨.

٤٥٢
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ولا تجوزُ للقاتل عامداً كان أو خاطئاً بعد أن كان مباشراً.
قال: (ولا تجوزُ(١) للقاتل عامداً كان أو خاطئاً بعد أن كان مباشراً)؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا وصيةَ للقاتل))(٢).
ولأنه استعجلَ ما أخَّره الله تعالى، فيُحرَمُ الوصيةَ كما يُحرَمُ الميراثَ.
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: تجوزُ للقاتل.
وعلى هذا الخلاف: إذا أوصى لرجلٍ، ثم إنه قَتَلَ الموصي: تبطُلُ
الوصيةُ عندنا.
وعند الشافعي(٤) رحمه الله: لا تبطل.
والحجةُ عليه في الفصلَيْن ما بيَّنَاه.
ولو أجازَتْها الورثةُ: جاز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
(١) أي الوصية.
(٢) بلفظ: ((ليس لقاتلٍ وصية)): سنن الدارقطني (٤٥٧١)، وقال: مبشر بن
عبيد: متروك الحديث، يضع الحديث، المعجم الأوسط (٨٢٧١)، سنن البيهقي
(١٢٦٥٢) وقال: تفرد به مبشر بن عبيد الحمصي، وهو منسوب إلى وضع الحديث،
وإنما ذكرت هذا الحديث لتعرف روايته. اهـ، قال في التلخيص الحبير ٩٢/٣: إسناده
ضعيف جداً، ومداره على مبشر بن عبيد، وقد اتهموه بوضع الحديث. اهـ
وقال في مجمع الزوائد ٢١٤/٤ (٧١٠٣): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه
بقية، وهو مدلس، وينظر إعلاء السنن ٣٠٩/١٨.
(٣) له قولان. الحاوي الكبير ١٩١/٨.
(٤) ينظر الحاوي ١٩٢/٨.

٤٥٣
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ولا تجوزُ لوارثه.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا تجوز؛ لأن جنايتَه باقية، والامتناعُ كان
لأجلها.
ولهما: أن الامتناعَ لحَقِّ الورثةِ؛ لأن نَفْعَ بُطْلانِها يعودُ إليهم، كنفع
بطلانِ الميراث، ولأنهم لا يَرْضَوْنها للقاتل، كما لا يَرْضَوْنها لأحدِهم.
قال: (ولا تجوزُ لوارثه)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالى
أعطى كلَّ ذِي حَقِّ حَقَّه، ألا لا وصيةَ للوارث))(١).
ولأنه يتأذَّى البعضُ بإيثار البعضِ، ففي تجويزِهِ: قطيعةُ الرَّحِم.
ولأنه حَيْفُ(٢)؛ بالحديث الذي رويناه(٣).
ويُعتبرُ كونُه وارثاً أو غيرَ وارثٍ: وقتَ الموتِ، لا وقتَ الوصيةِ؛ لأنه
تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت، وحُكْمُه يثبتُ بعدَ الموت.
والهبةُ من المريض للوارث في هذا: نظيرُ الوصية؛ لأنها وصيةٌ حُكماً،
حتى تُنفَّذُ من الثلث.
وإقرارُ المريض للوارث: على عكسِه؛ لأنه تصرُّفٌ في الحال، فيُعتبرُ
ذلك وقت الإقرار.
(١) سنن أبي داود (٢٨٧٠)، سنن الترمذي (٢١٢٠)، وقال: حديث حسن
صحيح، وقال في الدراية ٢٩٠/٢: إسناده قوي، وينظر التعريف والإخبار ١٥٥/٤.
(٢) وفي نُسخ: جَنَفٌ.
(٣) قبل قليل.

٤٥٤
بابٌ في صفة الوصيَّة، ما يجوزُ من ذلك
إلا أنْ تُجيزَها الورثةُ.
ويجوزُ أن يوصِيَ المسلمُ للكافر، والكافرُ للمسلم.
وفي ((الجامع الصغير)) : الوصيةُ لأهل الحرب باطلةٌ.
وقَبولُ الوصيةِ : بعدَ الموت، فإن قَبِلَها الموصَىُّ له في حالٍ ......
قال: (إلا أنْ تُجيزَها الورثةُ)، ويُروى هذا الاستثناء فيما رويناه(١).
ولأن الامتناعَ لِحَقِّهم، فتجوزُ بإجازتهم.
ولو أجاز بعضٌ، وردَّ بعضٌ: تجوزُ على المجيز بقَدْر حصته؛ لولايته
عليه، وبَطَلَ في حَقِّ الرادِّ.
قال: (ويجوزُ أن يوصِيَ المسلمُ للكافر، والكافرُ للمسلم).
فالأوَّل: لقوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾. الآية.
الممتحنة /٨.
والثاني: لأنهم بعقد الذمة: ساوَوا المسلمينَ في المعاملات، ولهذا
جاز التبرُّعُ من الجانبَيْن في حالةِ الحياة، فكذلك بعد الممات.
(وفي (الجامع الصغير(٢)): الوصيةُ لأهل الحرب باطلةٌ)؛ لقوله تعالى:
إِنَّمَا يَنْهَاكُمِ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾. الآية. الممتحنة/٩.
قال: (وقَبولُ الوصيةِ: بعدَ الموت، فإن قَبلَها الموصَى له في حالِ
(١) في حديث: ((ألا لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة)): في سنن الدار قطني
(٤١٥٠)، قال في الدراية ٢٩٠/٢: رجاله لا بأس بهم.
(٢) ص٢٥٧.

٤٥٥
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
حياته، أو ردَّها : فذلك باطلٌ.
ويُستحبُّ أنْ يوصِيَ الإنسانُ بدون الثُلُثِ .
حياته(١)، أو ردّها: فذلك باطلٌ)؛ لأنَّ أوانَ ثبوتِ حُكْمِهِ بعد الموتِ؛
لتعلَّقه به، فلا يُعتبرُ قبلَه، كما لا يُعتبرُ قبلَ العقد.
قال: (ويُستحبُّ أنْ يوصِيَ الإنسانُ بدون الثلُثِ)، سواءٌ كانتِ الورثةُ
أغنياءَ أو فقراءَ؛ لأن في التنقيصٍ (٢): صلةَ القريبِ(٣)؛ بتَرْك ما(٤) لَه عليهم.
بخلاف استكمالِ الثلُثِ؛ لأنه استيفاءُ تَمَامٍ حقِّه، فلا صلةَ، ولا مِنَّةَ(٥).
ثم الوصيةُ بأقلَّ من الثلُث أَوْلِىُ، أم تَرُكُها؟
قالوا: إن كانتِ الورثةُ فقراءَ، ولا يستغنون بما يَرِثُونَ: فَالتَّرْكُ أَوْلى؛
لِمَا فيه من الصدقةِ على القريب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أفضلَ
الصدقةِ: علىُ ذِي الرَّحِمِ الكاشِحِ(٦))(٧).
(١) وفي نُسخ: حال الحياة.
(٢) عن الثلث.
(٣) أي أقارب الورثة.
(٤) ما: اسم موصول.
(٥) أي إذا استوفى الموصي تمامَ حقُّه الذي هو الثلث: لا يبقى له مِنَّةٌ على
ورثته، ولا إيثار بالصلة. البناية ١٦ / ٢٧٣.
(٦) الذي يُخفي عداوتَه في كَشْحه، والكَشْح: هو ما بين الخاصرة إلى الضِّلَع،
أي يخفيها في نفسِهِ، وإنما الصدقةُ عليه أفضل: لِمَا فيه من مخالفةِ النَّفْس وقَهْرِها،
ولا كذلك في ذي الرحم الصديق. البناية ١٦/ ٢٧٣.
(٧) المستدرك للحاكم (١٤٧٥)، مسند أحمد (٢٣٥٣٠)، قال ابن طاهر :=

٤٥٦
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
والموصَىُّ به : يُملَكُ بالقَبول.
ولأنَّ فيه رعايةَ حقِّ الفقراءِ والقرابة جميعاً.
وإن كانوا أغنياءَ، أو يستغنون بنصيبهم: فالوصيةُ أَوْلى؛ لأنه تكونُ
صدقةً على الأجنبي، والتركُ: هبةٌ من القريب.
والأُولى(١): أَوْلِى؛ لأنه يُبْتغَى بها وجهُ الله تعالى.
وقيل: في هذا الوجه(٢): يُخيَّرُ؛ لاشتمال كلِّ واحدٍ منهما على
فضيلةٍ، وهو الصدقةُ أو الصلةُ، فيتخيَّرُ بين الخَيْرَيْن.
قال: (والموصى به: يُملَكُ بالقَبول).
خلافاً لزفر رحمه الله، وهو أحدُ قولَي الشافعي(٣) رحمه الله.
هو(٤) يقولُ: إن الوصيةَ أختُ الميراثِ، إذْ كلّ منهما خلافةٌ(٥)؛ لِمَا
أنه انتقالُ (٦)، ثم الإرثُ يثبتُ من غير قَبول، فكذا الوصية.
ولنا: أن الوصيةَ إثباتُ ملكٍ جديدٍ ، ولهذا لا يَرُدُّ الموصى له بالعيب،
إسناده صحيح، كما في التعريف والإخبار ١٥٩/٤، والدراية ٢٩٠/٢.
(١) أي الوصية، وهي الصدقة على الأجنبي
(٢) وهو ما إذا كانت الورثة أغنياءَ، أو يستغنون بنصيبهم.
(٣) والمعتمد يملك مطلقاً. البيان للعمراني ٣٧٠/٣، نهاية المحتاج ٢٤٣/٣.
(٤) أي الإمام زفر. البناية ٢٧٥/١٦.
(٥) أي بعد الموت.
(٦) أي أن كل واحد من الإرث والوصية انتقالٌ للملك.

٤٥٧
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي: أن يموتَ الموصِي، ثم يموتَ الموصَى
له قبلَ القَبول، فيدخلُ الموصى به في ملكِ ورثته.
ولا يُرَدُّ عليه بالعيب، ولا يَملِكُ أحدٌ إثباتَ الملك لغيره إلا بقبوله.
أما الوِرَاثَةُ: فخلافةٌ، حتى تثبتُ فيها هذه الأحكامُ، فيثبتُ جَبْراً من
الشرع من غير قَبول.
قال: (إلا في مسألةٍ واحدةٍ (١)، وهي: أن يموتَ الموصي، ثم يموتَ
الموصى له قبلَ القَبولِ، فَيَدخلُ الموصى به في ملكِ ورثته(٢))؛ استحساناً.
والقياسُ: أن تبطلَ الوصيةُ؛ لِمَا بَيًَّا أن الملكَ موقوفٌ على القبول،
فصار كموت المشتري قبلَ قبوله بعد إيجابِ البائع(٣).
وَجْهُ الاستحسان: أن الوصيةَ من جانب الموصي قد تمَّتْ بموته تماماً
لا يَلحقُه الفسخُ من جهته، وإنما توقّفتْ لِحَقِّ الموصَى له، فإذا مات(٤):
دَخَلَ في ملكِهِ(٥)، كما في البيع المشروط فيه الخيارُ للمشتري إذا مات قبلَ
الإجازة(٦).
(١) يعني القبولُ في هذه المسألة الواحدة ليس بشرط، كما قالا. حاشية نسخة
٧٣٨هـ.
(٢) أي ورثة الموصى له، فيملك الموصى له بدون القبول. من حواشي النُّسَخ.
(٣) فيرجع الموصى به إلى ورثة الموصي.
(٤) أي الموصى له.
(٥) أي الموصى له.
(٦) أي يدخل المبيع في ملك ورثة المشتري.

٤٥٨
بابٌ في صفة الوصيَّة، ما يجوزُ من ذلك
و
ومَن أوصىُ وعليه دَيْنٌ يُحيطُ بمالِه: لم تَجُزِ الوصيةُ، إلا أن يُبْرِئه الغرماء.
ولا تصحُّ وصيةُ الصبيِّ.
قال: (ومَن أوصىُ وعليه دَيْنٌ يُحيطُ بمالِه: لم تَجُزِ الوصيةُ)؛ لأن
الدَّيْنَ مقدَّمٌ على الوصية؛ لأنه أهمُّ الحاجتَيْن، فإنه فرضٌ، والوصيةُ
تبرُّعٌ، وأبداً يُبدَأُ بالأهمِّ، فالأهم.
(إلا أن يُبرئه الغرماءُ (١))؛ لأنه لم يبقَ الدَّيْنُ، فتُنفَّذُ الوصيةُ على الحدِّ
المشروع(٢)؛ لحاجته إليها.
قال: (ولا تصحُّ وصيةُ الصبيِّ).
وقال الشافعيُ(٣) رحمه الله: تصحُّ إذا كان في وجوه الخير؛ لأن عمر
رضي الله عنه أجاز وصيةَ يَفَاعِ(٤) - أو يافِعِ(٥) - وهو الذي راهَقَ الحَلَمَ.
ولأنه نَظَرٌ له؛ بصَرْفِهِ إلى نفسِهِ في نَيْلِ الزُّلْفَىُ (٦)، ولو لم تُنَفَّذْ: يبقىُ
(٧)
على غيرِه(٧).
(١) أي من الدین.
(٢) أي بقدر الثلث.
(٣) له قولان، وقد اختلف في التصحيح. نهاية المطلب ٢٩٨/١١، روضة
الطالبين ٦ / ٩٧.
(٤) أي أجاز وصية غلامٍ قارَبَ الحُلُمَ.
(٥) موطأ مالك ٧٦٢/٢، الدراية ٢٩١/٢، ويافع، ويفاع: بمعنى واحد.
(٦) أي القُرْب إلى الله تعالى.
(٧) أي يبقىُ مالُه على غيرِ الصبي، ولو نُقِّذَت وصيتُه: يبقىُ مالُه على نفسه،
حيث يكون له الثواب بالوصية بماله، فكانت الوصيةُ أولى.

٤٥٩
بابٌ في صفة الوصيّة، ما يجوزُ من ذلك
ولنا: أنه تبرُّعٌ، والصبيُّ ليس من أهل التبرُّع.
ولأنَّ قولَه غيرُ مُلزِمٍ، وفي تصحيحِ وصيتِهِ: قولَ بإلزام قولِه.
والأثر(١): محمولٌ على أنه كان قريبَ العهدِ بالحُلُم مجازاً (٢)، أو
كانت وصيتُه في تجهيزِه وأَمْرِ دَفْنه، وذلك جائزٌ عندنا، وهو يُحرِزُ الثوابَ
بالتركِ على ورثته، كما بيَّنَّاه.
والمعتبرُ في النفعِ والضرر: النظرُ إلى أوضاع التصرفات، لا إلى ما
يَتَّفِقُ بحُكم اتفاقِ الحال.
قال الشيخ رحمه الله: اعتبرْهُ(٣) بالطلاق، فإنه(٤) لا يَملكُه ولا وصيُّه
وإن كان يتفِقُ نافعاً في بعض الأحوال.
وكذا(٥) إذا أوصى، ثم مات بعد الإدراك: لعدم الأهليةِ وقتَ المباشرة.
وكذا إذا قال: إذا أدركتُ فَثُلُثُ مالي(٦) لفلانٍ وصيةً؛ لقصورِ أهليتِه،
فلا يملكُه تنجيزاً وتعليقاً، كما في الطلاق والعتاق.
(١) أي قول عمر رضي الله عنه.
(٢) أي يكون بالغاً بطريق المجاز. حاشية نسخة ١٣٨هـ.
(٣) بكسر الباء، كما في النُّسخ الخطية، أي يقيس المصنِّف رحمه الله الوصيةَ
بالطلاق، فقد أورد المصنّف هذا کمثال على ما ذَكَر.
(٤) أي الصبي.
(٥) أي لا تصح الوصية.
(٦) وفي نُسخ: فثلُثِي لفلانٍ وصيةً.

٤٦٠
بابٌ في صفة الوصيَّة، ما يجوزُ من ذلك
والمكاتَبِ وإِن تَرَكَ وفاءً.
وتجوزُ الوصيةُ للحَمْلِ، وبالحَمْلِ إذا وُضِعَ لأقلَّ من ستة أشهرٍ من
وقتِ الوصية .
بخلاف العبدِ والمكاتَب؛ لأن أهليَّتَهما مستتِمَّةً(١)، والمانعُ حَقُّ
المولی، فتصحُّ إضافته إلى حال سقوطه.
قال: (و) لا تصحُّ وصيةُ (المكاتَب وإن تَرَكَ وفاءً)؛ لأنَّ مالَه لا يَقبلُ
التبرُّعَ.
وقيل: على قول أبي حنيفة رحمه الله لا تصح.
وعندهما: تصحُّ؛ ردّاً لها (٢) إلى مكاتب يقول: كلّ مملوكٍ أملِكُه فيما
ءِ
أستقبلُ فهو حرٌّ، ثم عَتَقَ، فمَلَكَ.
والخلافُ فيها معروفٌ، عُرِفَ في موضعه(٣).
قال: (وتجوزُ الوصيةُ للحَمْلِ، وبالحَمْلِ إذا وُضِعَ لأقلّ من ستة أشهر
من وقتِ الوصية).
أما الأولُ: فلأنَّ الوصيةَ استخلافٌ من وجهٍ؛ لأنه يجعلُه خليفةً في
(١) أي تامةٌ.
(٢) أي قياساً لها على مسألة كذا.
(٣) في باب الحنث في ملك المكاتب والمأذون من أيمان الجامع الكبير
ص٥٩، ونصَّ هناك في هذه المسألة أنه لم يعتق عند أبي حنيفة، وعَتَقَ عندهما.
البناية ١٦ / ٢٨١.