النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
في مسائلِ الچِرَاح فيما دون النفس
وإن قَطَعَ أصبعاً، فشُلَّتْ إلى جَنْبها أخرى: فلا قصاصَ في شيءٍ من
ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يُقتَصُّ من الأُولى، وفي الثانية : أرشُها.
بخلاف النفسَيْن؛ لأنَّ أحدَهما ليس من سرایةِ صاحبه.
وبخلاف ما إذا وَقَعَ السِّكِّينُ على الأصبع؛ لأنه ليس فعلاً مقصوداً.
قال: (وإن قَطَعَ أصبعاً، فشُلَّتْ إلى جَنْبِها أخرى: فلا قصاصَ في شيءٍ
من ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ) وزفرُ والحسنُ رحمهم الله: (يُقتَصُّ من
الأُولىُ، وفي الثانية: أرشُها(١)).
والوجهُ من الجانبَيْن(٢) قد ذكرناه.
وروى ابنُّ سَمَاعَةَ عن محمدٍ رحمه الله في المسألة الأولى، وهي(٣) ما
إذا شَجَّ مُوضِحَةً، فَذَهَبَ بصرُه: أنه يجبُ القصاصُ فيهما؛ لأن الحاصلَ
بالسراية: مباشرةٌ(٤)، كما في النفس، والبصرُ يجري فيه القصاصُ.
بخلاف الخلافية الأخيرة(٥)؛ لأن الشَّلَلَ لا قصاصَ فيه.
(١) أي وفي الأصبع الثانية يجب أرشها.
(٢) أي من جانب أبي حنيفة وجانب هؤلاء رحمهم الله.
(٣) وفي نُسخ: وهو.
(٤) يعني بمنزلة المباشرة.
(٥) وهي: إن قطع أصبعاً فشُلَّت إلى جنبها أخرى.

٢٨٢
في مسائلِ الجِرَاح فيما دون النفس
ولو قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ، فَتَبَتَتْ مكانَها أخرى: سقط الأرشُ في قول أبي
حنيفة رحمه الله، وقالا : عليه الأرشُ كاملاً.
فصار الأصلُ عند محمدٍ رحمه الله على هذه الرواية: أن سرايةً ما
يجبُ فيه القصاصُ إلى ما يُمكنُ فيه القصاصُ: يوجبُ الاقتصاصَ، كما لو
آَلَتْ إلى النفس، وقد وَقَعَ الأولُ ظلماً.
ووجهُ المشهور: أن ذهابَ البصر: بطريق التسبيب، ألا يُرى أن الشجَّةَ
بقيتْ موجِبَةً في نفسها، ولا قَوَدَ في التسبيب.
بخلاف السراية إلى النفس؛ لأنه لا تبقى الأُولىُ(١)، فانقلبتِ الثانية مباشرةً.
قال: ولو كَسَرَ بعضَ السِّنِّ، فسَقَطَتْ: فلا قصاصَ، إلا على روايةِ ابنِ
سماعة رحمه الله.
وعن محمد رحمه الله(٢): ولو أوضَحَه مُوضِحَتَيْن، فتآكلتا: فهو على
الروایتیْن هاتَيْن(٣).
قال: (ولو قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ، فَنَبَتَتْ مكانَها أخرى: سقط الأرشُ في قول
أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: عليه الأرشُ كاملاً)؛ لأن الجنايةَ قد تحقَّقَتْ،
والحادِثُ نعمةٌ مبتدأٌ من الله تعالى.
(١) أي لا تبقى الجناية الأُولىُ معتبرةً، فإذا كان كذلك: فانقلبت الجناية الثانية
بطريق المباشرة: فيجب القصاص. البناية ١٦ / ٥٧.
(٢) قوله: وعن محمد رحمه الله: مثبتٌ في نسخة ٩٨١هـ، وكتب فوقها: نسخةٌ.
(٣) أي الرواية المشهورة، التي يجب القصاص في الأولى والدية في الثانية،
ورواية ابن سماعة، التي يجب القصاص فيهما.

٢٨٣
في مسائلِ الجِرَاح فيما دون النفس
ولو قَلَعَ سِنَّ غيرِهِ، فردَّها صاحبُها في مكانِها، ونَبَتَ عليها اللحمُ :
فعلى القالِعِ الأرشُ بکمالِه.
ومَن نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ، فانتزعَ المَنَزوعةُ سِنُّهُ سِنَّ النازِعِ، فَبَتَتْ سِنُّ
الأول : فعلى الأول لصاحبه : خمسمائة درهمٍ.
وله: أن الجنايةَ انعدمتْ معنىً، فصار كما إذا قَلَعَ سِنَّ صبيٍّ، فَنَبَتَتْ:
لا يجبُ الأرشُ، بالإجماع؛ لأنه(١) لم تَفُتْ عليه منفعةٌ، ولا زينةٌ.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه تجبُ حكومةُ عدل؛ لمكان الألم
الحاصلِ.
قال: (ولو قَلَعَ سِنَّ غيرِهِ، فردَّها صاحبُها في مكانها، ونَبَتَ عليها
اللحمُ: فعلى القائِعِ الأرشُ بكمالِه)؛ لأن هذا مما لا يُعتَدُّ به، إذِ العُروقُ
لا تعودُ.
وكذا (٢) إذا قَطَعَ أُذُنُه، فألصَقَها، فالتَحَمَتْ؛ لأنها لا تعودُ إلى ما
کانت علیه.
قال: (ومَن نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ، فانتزِعَ المَنزوعةُ سِنُّه سِنَّ النازِعِ، فَنَبَتَتْ
سِنُّ الأول: فعلى الأول(٣) لصاحبه: خمسمائة درهمٍ).
(١) وفي نُسخ: ولأنه. مع واو، وبناء على هذا: يكون التعليل مستقلا.
(٢) أي يجب الأرشُ بكماله.
(٣) أي المنزوع الأول.

٢٨٤
في مسائلِ الجِرَاح فيما دون النفس
ولو ضَرَبَ إنسانٌ سِنَّ إنسانٍ، فَتَحَرَّكَتْ: يُستأنَى حَوْلاً.
لأنه تبيَّنَ أنه استوفى بغير حَقٍّ؛ لأن الموجبَ: فسادُ المَنْبتِ، ولم
يَفْسُدْ، حيث نَبَتَت مكانَها أخرى، فانعدمتِ الجنايةُ، ولهذا يُسْتَأْنَى حَوْلاً،
بالإجماع.
وكان ينبغي أن يُنتَظَرَ اليأسُ في ذلك للقصاص، إلا أنّ في اعتبار
ذلك: تضييعَ الحقوقِ، فاكتفينا بالحول؛ لأنه تنبتُ فيه ظاهراً.
فإذا مضى الحولُ، ولم تنبتْ: قضَيْنا بالقصاص.
وإذا نبَتَتْ: تبيَّن أنَّا أخطأنا فيه، والاستيفاء كان بغيرِ حَقٍّ، إلا أنه لا
يجبُ القصاصُ؛ للشبهة، فيجب المالُ.
قال: (ولو ضَرَبَ إنسانٌ سِنَّ إنسانٍ(١)، فتَحَرَّكَتْ: يُستأنَى حَوْلاً)؛
لَيَظهَرَ أثرُ فعلِه.
فلو أجَّله القاضي سَنَةً، ثم جاء المضروبُ(٢) وقد سقطتْ سِنُّه، فاختلفا
قبلَ السَّنَة فيمن(٣) سَقَطَ بضَرْبِه(٤): فالقولُ للمضروب؛ ليكونَ التأجيلُ
مفيداً.
(١) هكذا: إنسانٌ سِنَّ إنسان: في طبعات الهداية القديمة، وفي نُسخ: ضرب
إنسانٌ سنَّه، وفي أخرى: ضرب إنساناً سِنَّه.
(٢) أي قبل تمام السنة.
(٣) وفي نُسخ: فيما.
(٤) أي اختلف الضارب والمضروب، فقال المضروب للضارب: إنما سقطت
من ضَرْبِكَ، وقال الضارب: إنما ضَرَبَكَ آخَرُ.

٢٨٥
في مسائلِ الجِرَاح فيما دون النفس
وهذا بخلاف ما إذا شجَّه مُوضِحَةً، فجاء وقد صارتْ مُتَقِّلةً، فاختلفا:
حيث يكونُ القولُ قولَ الضارب؛ لأن الموضحةَ لا تُورثُ المنقَِّةَ، أما
التحريكُ(١): فيؤثّر في السقوط، فافترقا.
وإن اختلفا (٢) في ذلك بعد السَّنَةِ: فالقولُ للضارب؛ لأنه يُنكِرُ أثرَ
فِعلِهِ، وقد مضى الأجلُ الذي وقّتُه القاضي؛ لظهور الأثرِ، فكان القولَ
للمنکِرِ.
ولو لم تسقطْ(٣): لا شيءَ على الضارِبِ.
وعن أبي يوسف(٤) رحمه الله: أنه تجبُ حكومةُ الألم.
وسنُبِّنُ الوجهیْن بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولو لم تسقطْ، ولكنها اسودَّتْ: يجبُ الأرشُ في الخطأ: على
العاقلة، وفي العمد: في مالِه.
ولا يجبُ القصاصُ؛ لأنه لا يُمكِنُه أن يَضرِبُه ضرباً تَسْوَدَّ منه.
وكذا إذا كَسَرَ بعضَها، واسْوَدَّ الباقي: لا قصاصَ؛ لِمَا ذَكَرْنا.
(١) أي تحريك السِّنِّ.
(٢) أي اختلف الضارب والمضروب في سقوط السن.
(٣) أي السن المتحركة.
(٤) قال في البناية ٦١/١٦: وفي بعض النُّسخ: أبي حنيفة: مكان: أبي يوسف،
والأول أصح.

٢٨٦
في مسائلِ الجِرَاح فيما دون النفس
ومَن شَجَّ رجلاً، فالتحمَتِ الشجَّةُ، ولم يَبْقَ لها أثرٌ، ونَبَتَ الشعرُ:
سَقَطَ الأرشُ عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقال أبو يوسف رحمه الله : يجبُ عليه أَرْشُ الألمِ.
وقال محمدٌ رحمه الله : عليه أجرةُ الطبيبِ .
وكذا(١) لو احْمَرَّ(٢)، أو اخْضَرَّ.
ولو اصْفَر(٣) : فيه روايتان.
قال: (ومَن شَجَّ رجلاً، فالتحمَتِ الشجَّةُ، ولم يَبْقَ لها أثرٌ، ونَبَتَ
الشعرُ: سَقَطَ الأرشُ عند أبي حنيفة رحمه الله)؛ لزوال الشَّيْن الموجبِ.
(وقال أبو يوسف رحمه الله: يجبُ عليه أَرْشُ الألم)، وهو حكومةُ
عَدْل، لأنَّ الشَّيْنَ الموجبَ وإنْ زال: فالألمُ الحاصلُ ما زال، فيجبُ
تقویمُه.
(وقال محمدٌ رحمه الله: عليه أجرةُ الطبيبِ)؛ لأنه إنما لَزِمَه أجرُ
الطبيب، وثمنُ الدواء بفعله، فصار كأنه أَخَذَ ذلك من ماله.
(١) أي لا قصاص.
(٢) وفي نُسخ: لو احمرَّت أو اخضرَّت، ولو اصفرَّت.
(٣) وفي نُسخ بدون ذكر الاصفرار، وفي نُسخ: احمرَّ أو اخضرَّ أو اصفرَّ: ففيه
روايتان، ومما يرجح ما أثبتُّه ذِكْرُ العيني في البناية ٦١/١٦ الروايتين في الاصفرار
فقط.

٢٨٧
في مسائلِ الجراح فيما دون النفس
ومَن ضَرَبَ رجلاً مائةَ سَوْطٍ، فجَرَحَتْه، فَبَرَأَ منها: فعليه أَرْشُ
الضرب .
ومَن قَطَعَ يدَ رَجُلٍ خطاً، ثم قَتَلَه خطأً قبلَ البُرْءِ: فعليه الديةُ، وسَقَطَ
أرشُ الیدِ .
ومَن جَرَحَ رجلاً جراحةً : لم يُقْتَصَّ منه حتى يَبْرَأَ.
إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يقول: إن المنافعَ على أصلِنا لا تتقوَّمُ إلا
بعقدٍ أو بشُّبْهته، ولم يوجدْ في حقِّ الجاني، فلا يَغرَمُ شيئاً.
قال: (ومَن ضَرَبَ رجلاً مائةَ سَوْطٍ، فجَرَحَتْه، فَبَرَأَ منها: فعليه أَرْشُ
الضرب)، معناه: إذا بقِيَ أثرُ الضرب.
فأما إذا لم يَبْقَ أثرُهُ: فهو على اختلافٍ قد مضىُ في الشجَّةِ المُلتحِمَةِ(١).
قال: (ومَن قَطَعَ يدَ رَجُلٍ خطأً، ثم قَتَلَه خطأً قبلَ البُرْءِ: فعليه الديةُ،
وسَقَطَ أرشُ اليدِ)؛ لأن الجنايةَ من جنسٍ واحدٍ، والموجَبُ واحدٌ، وهو
الديةُ، وإنها بدلُ النفس بجميع أجزائها، فدخل الطرفُ في النفس، كأنه
قَتَلَه ابتداءً.
قال: (ومَن جَرَحَ رجلاً جراحةً: لم يُقْتَصَّ منه حتى يَبْرَأَ).
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: يُقتصُّ منه في الحال؛ اعتباراً بالقصاص
في النفس، وهذا لأن الموجبَ قد تحقَّقَ، فلا يُعطَّلُ.
(١) أي في المسألة التي قبلها.
(٢) التهذيب ١١٩/٧.

٢٨٨
في مسائلِ الحِرَاح فيما دون النفس
93
وكلَّ عمدٍ سَقَطَ القصاصُ فيه بشُبهةٍ : فالديةُ في مال القاتل، وكلّ
أَرْشٍ وَجَبَ بالصُّلْحِ : فهو في مال القاتل.
وإِذا قَتَلَ الأبُ ابنَه عمداً : فالديةُ في مالِه، في ثلاثِ سنين.
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((يُسْتَأَنى في الجراحات سَنَةً) (١).
ولأن الجراحات يُعتبرُ فيها مَالُها، لا حالُها؛ لأن حكمَها في الحال غيرُ
معلومٍ، فلعلَّها تسري إلى النفس، فيظهرُ أنه قَتْلٌ، وإنما يَستَقِرُّ الأمرُ بالبُرْء.
قال: (وكلَّ عمدٍ سَقَطَ القصاصُ فيه بشُبهةٍ: فالديةُ في مال القاتل،
وكلَّ أَرْشِ وَجَبَ بالصُّلْحِ: فهو في مال القاتل).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تَعقِلُ العواقِلُ عمدا)(٢). الحديث.
وهذا عمدٌ، غيرَ أنَّ الأولَ يجبُ في ثلاث سنين؛ لأنه مالٌ وَجَبَ
بالقتل ابتداء، فأشبه شِبْهَ العمد، والثاني يجبُ حالاً؛ لأنه مالٌ وَجَبَ
بالعقد، فأشبَهَ الثمنَ في البيع.
قال: (وإذا قَتَلَ الأبُ ابنَه عمداً: فالديةُ في مالِه، في ثلاثٍ سنين).
(١) سنن البيهقي (١٦١١٣)، الدراية ٢٧٩/٢.
(٢) قال في منية الألمعي ص ٤٠٩: ذَكَرَهَ رزين العبدري مرفوعاً إلى النبي صلى
الله عليه وسلم، وعنه ابنُ الأثير في جامع الأصول ١٨٢/٥)». اهـ، أما في نصب الراية
٣٧٩/٤، فقال: غريب مرفوعاً، وقال في الدراية ٢٨٨/٢: لم أجده.
قال في الدراية ٢٨٠/٢: لم أره مرفوعاً، ورواه محمد بن الحسن في الآثار
موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما، ونقل العلامة قاسم في التعريف والإخبار
١٤٧/٤ عن ابن عبد البر أنه لا مخالف له من الصحابة رضي الله عنهم.

٢٨٩
في مسائلِ الچِرَاح فیما دون النفس
وكلّ جنايةٍ اعتَرَفَ بها الجاني : فهيَ في مالِه، ولا يُصدَّقُ على عاقلِتِهِ.
وعمدُ الصبيِّ، والمجنونِ : خطأٌ، وفيه الديةُ على العاقلة.
وقال الشافعيّ(١) رحمه الله: تجبُ حالَّةً؛ لأن الأصلَ أنَّ ما يجبُ
بالإتلاف: يجبُ حالاً، والتأجيلُ للتخفيف في الخاطىء، وهذا عامدٌ، فلا
يَستَحِقَّه.
ولأنَّ المالَ وَجَبَ جَبْراً(٢) لِحَقِّه، وحَقُّه في نفسِهِ حالٌّ، فلا ينجبرُ
بالمؤجَّل.
ولنا: أنه مالٌ واجبٌ بالقتل، فيكون مؤجَّلاً، كدية الخطأ، وشِبْهِ
العمد، وهذا لأن القياسَ يأبىُ تقوُّمَ الآدميِّ بالمال؛ لعدم التماثل، والتقويمُ
ثَبَتَ بالشرع، وقد وَرَدَ به مؤجَّلاً، لا معجَّلاً، فلا يُعدَلُ عنه، لا سيما إلى
زيادةٍ، ولَمَّا لم يَجُزِ التغليظُ باعتبار العمديةِ قَدْراً: لا يجوز وَصْفاً.
قال: (وكلّ جنايةٍ اعتَرَفَ بها الجاني: فهيَ في مالِه، ولا يُصدَّقُ على
عاقلتِهِ)؛ لِمَا روينا.
ولأنَّ الإقرارَ لا يَتعدَّى المقِرَّ؛ لقصور ولايتِه عن غيره، فلا يَظهرُ في
حَقِّ العاقلة.
قال: (وعمدُ الصبيِّ، والمجنونِ: خطأٌ، وفيه الديةُ على العاقلة).
(١) المجموع ١٩ / ١٥٠.
(٢) وفي نُسخ: جُبْراناً.

٢٩٠
في مسائلِ الجِرَاح فيما دون النفس
وكذا كلّ جنايةٍ موجَبُها خمسمائةٍ، فصاعداً.
93
والمعتوهُ: كالمجنون.
وقال الشافعيّ(١) رحمه الله: عَمْدُه(٢) عمدٌ، حتى تجبُ الديةُ في مالِه
حالَّةً؛ لأنه عمدٌ حقيقةً، إذِ العمدُ هو القصدُ، غيرَ أنه تخلَّفَ عنه أحدُ
حُكمَيْه، وهو القصاصُ، فينسحِبُ عليه حُكمُهُ الآخَرُ، وهو الوجوبُ في ماله.
ولهذا تجبُ الكفارةُ به، ويُحرَمُ عن الميراث، على أصله؛ لأنهما
يتعلّقان بالقتل.
ولنا: ما رُوي عن عليٍّ رضي الله عنه أنه جَعَلَ عَقْلَ المجنونِ على
عاقلته، وقال: عمدُه وخطؤه: سواءٌ (٣).
ولأن الصِّبِيَّ مَظِنَّةُ المَرْحَمَة، والعاقلُ الخاطىءُ لَمَّا استحقَّ التخفيفَ،
حتى وجبتِ الديةُ على العاقلة: فالصبيُّ وهو أعذَرُ أَوْلى بهذا التخفيف.
ولا تُسلِّمُ تحقُّقَ العمدية، فإنها تترتَّبُ على العلمِ، والعلمُ: بالعقل،
والمجنونُ: عديمُ العقلِ، والصبيُّ: قاصرُ العقلِ، فأَنَّى يَتحقَّقُ منهما
القصدُ، فصارا کالنائم.
(١) روي عنه قولان مصححان. الحاوي الكبير ٣٤٧/٨.
(٢) أي عمد كلّ من الصبي والمجنون والمعتوه. البناية ٦٨/١٦.
(٣) سنن البيهقي ١٠٤/٨، وينظر الدراية ٢٨٠/٢.

٢٩١
في مسائلِ الحِرَاح فیما دون النفس
وحِرمانُ الميراث: عقوبةٌ، وهما ليسا من أهل العقوبة.
والكفارةُ كاسمها: ستَّارةٌ(١)، ولا ذنب(٢) تستُرُهُ، لأنهما(٣) مرفوعًا
القلمِ، والله تعالى أعلم.
(١) أي للذنوب في الآخرة. بدائع الصنائع ١١٠/٥.
(٢) أي لا ذنبَ فيهما.
(٣) أي الصبي والمجنون.
وفي نُسخة ٧٣٨هـ: ولأنهما. مع زيادة الواو. قلت: وعليه فيكون هذا دليلاً
آخَرَ، وهو أنهما مرفوعٌ عنهما القلم في إيجاب الكفارة، ويكون الشطر الأول من الرد
على الشافعي، وهو أن الكفارة: سَتَّرةٌ: دليل عقلي، ويتلوه الدليلُ الآخَر من السُّنَّة.
ثم وجدت في تبيين الحقائق ١٣٩/٦ ما يؤيد هذا التوجيه مع الواو، حيث قال:
ولا ذنب لهم لتستره، ولأنهم مَرْفُوعو القلم. اهـ، والحمد لله.

٢٩٢
فصلٌ في الجَنِین
فصلٌ في الجَنِين
وإذا ضَرَبَ بَطْنَ امرأةٍ، فَأَلْقَتْ جنيناً مَيْتاً: ففيه غُرَّةٌ، والغُرَّةُ نصفُ
عُشْرِ الدية.
قال رضيَ اللهُ عنه: معناه: ديةُ الرَّجُل، وهذا في الذَّكَر، وفي الأُنثَى:
عُشْرُ ديةِ المرأة، وكلٌّ منهما خمسمائة درهمٍ .
فصلٌ في الجَنِين
قال: (وإذا ضَرَبَ بَطْنَ امرأةٍ، فَأَلْقَتْ جنيناً مَيْتاً: ففيه غُرَّةٌ، والغُرَّةُ
نصفُ عُشْرِ الدية.
قال رضيَ الله عنه: معناه: ديةُ الرَّجُل، وهذا في الذَّكَر، وفي الأُنثى:
عُشْرُ ديةِ المرأة، وكلّ منهما خمسمائة درهمٍ).
والقياسُ: أن لا يجبَ شيءٌ؛ لأنه لم يُتَقَّنْ بحياته، والظاهرُ لا يصلُحُ
حُجَّةً للاستحقاق.
وَجْهُ الاستحسانِ: ما رُوي أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: ((في
الجنينِ غُرَّةٌ: عبدٌ أو أمةٌ، قيمتُه خمسمائة)) (١).
(١) صحيح البخاري (٥٧٥٨)، صحيح مسلم (١٦٨١)، بدون لفظ: ((قيمتها
خمسمائة درهم))، ويلفظ المؤلف: غريبٌ، كما في نصب الراية ٣٨١/٤.

٢٩٣
فصلٌ في الجَنِین
ويُروىُ: ((أو خمسمائة))(١).
فَتَرَكْنا القياسَ بِالأَثَر.
(٣)
وهو حُجَّةٌ على مَن قدَّرَها بستِّمائةٍ، نحوُ مالكٍ (٢)، والشافعيّ
رحمهما الله.
وهيَ على العاقلة عندنا إذا كانت خمسمائة درهم.
وقال مالكُ(٤) رحمه الله: تجبُ(٥) في مالِه؛ لأنها(٦) بدلُ الجزء(٧).
ولنا: أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالغُرَّة على العاقلة(٨).
(١) أي بلفظ: ((عبدٌ أو أمةٌ أو خمسمائة))، وهو في المعجم الكبير للطبراني
(٥١٤)، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٠٠/٦: فيه: المنهال بن خليفة: وثّقه
أبو حاتم، وضعَّفه جماعةٌ، وبقية رجاله: ثقاتٌ)). اهـ
(٢) التلقين ص ١٥١.
(٣) قدَّرها الشافعية بخمسين ديناراً. الحاوي الكبير ١١٧/١٢.
(٤) شرح الخرشي على خليل ٣٢/٨.
(٥) لفظ: تجب: مثبتٌ في النسخة التي مع البناية ١٦ / ٧٢.
(٦) أي الغرَّة، وفي نُسخ: لأنه، وذكَّر الضمير باعتبار المذكور. البناية ١٦/ ٧٢.
(٧) أي جزء الأم.
(٨) مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٢٨٩)، سنن أبي داود (٤٥٦٨)، الدراية
٢٨١/٢.

٢٩٤
فصلٌ في الجِنِين
ولأنها(١) بدلُ النفس، ولهذا سمَّاها عليه الصلاة والسلام: ديةً، حيث
قال: ((دُوْهُ) (٢)، فقالوا: أنَدِيْ مَن لا صاحَ، ولا استَهَلَّ؟!(٣). الحديث.
إلا أنَّ العواقِلَ لا تعقِلُ ما دونَ خمسمائةٍ.
وتجبُ في سَنَةٍ.
وقال الشافعيّ(٤) رحمه الله: في ثلاثِ سنين؛ لأنها بدلُ النفس، ولهذا
يكون(٥) موروثاً بين ورثته.
ولنا: ما رُوي عن محمد بن الحسن رحمه الله أنه قال: بَلَغَنا أنَّ رسولَ
الله عليه الصلاة والسلام جَعَلَ الغُرَّةَ(٦) على العاقلة في سَنَةٍ(٧).
ولأنه إن كان بدلَ النفسِ، من حيث إنه نَفْسٌ علىُ حِدَةٍ، فهو بدلُ
العضو، من حيثُ الاتصالُ بالَأُمِّ، فعَمِلْنا بالشَّبَه الأوَّل في حَقِّ التوريث،
(١) أي الغرَّة، وفي نُسخ: لأنه، وذكَّر الضمير باعتبار المذكور. البناية ١٦/ ٧٢.
(٢) أي أدُّوا الديةَ إليه. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.
(٣) صحيح مسلم (١٦٨٢)، الدراية ٢٨١/٢.
(٤) المهذب ٣٢٩/٢.
(٥) أي بدل النفس.
(٦) لفظ: الغرة: مثبتٌ في نسخةٍ نفيسة ملكها وقابلها العلماء بتاريخ ٧٩٨هـ،
وسقط هذا اللفظ من بقية النسخ، ومن طبعات الهداية القديمة.
(٧) الأصل للإمام محمد ٥٥٧/٦، قال في الدراية ٢٨١/٢: لم أجد مَن وَصَلَه.

٢٩٥
فصلٌ في الجَنِین
فإن ألقَتْه حيّاً، ثم مات: ففيه الديةُ كاملةً.
وبالثاني في حَقِّ التأجيل إلى سَنَةٍ؛ لأن بدلَ العضو إذا كان ثُلُثَ الديةِ، أو
أقلَّ: أكثرُ(١) من نصف العُشْرِ: يجبُ في سَنَةٍ.
بخلاف أجزاء الديةِ؛ لأن كلّ جزءٍ منها على مَن وَجَبَ: يجبُ في
ثلاث سنین.
ويستوي فيه(٢) الذَّكَرُ والأنثى؛ لإطلاق ما روينا.
ولأنَّ في الحيَّيْن(٣) إنما ظَهَرَ التفاوتُ(٤): لتفاوت معاني الآدميةِ، ولا
تفاوتَ في الجنينَيْن(٥)، فيُقدَّرُ بمقدارٍ واحدٍ، وهو خمسمائةٍ.
قال: (فإن ألقَتْه حيّاً، ثم مات: ففيه الديةُ كاملةً)؛ لأنه (٦) أَتلَف حيّاً
بالضرب السابق.
(١) لفظ: أكثر: بدون الواو العاطفة في أوله هو الصحيح من النُّسخ، وفي
بعضها: وأكثر، وفي أخرى: أو أكثر، وفي بعضها: مع أكثر، وكلها غير صحيحٍ؛ لأن
المرادَ: أن يكون الأقل من ثلث الدية: أكثر من نصف العشر. البناية ١٦/ ٧٤.
(٢) أي في وجوب قدر الغرة.
(٣) أراد بهما الولدَيْن المنفصلَيْن الحيَّيْن أحدهما ذكرٌ، والآخر أنثى. البناية
٧٤/١٦، وفي نسخة ٧٩٨هـ كُتب أن هناك نسخة: الحي. بالإفراد.
(٤) أي في الدية بين الذكر والأنثى.
(٥) وفي نُسخ: الجنين. بالإفراد.
(٦) أي الضارب الجاني.

٢٩٦
فصلٌ في الجَنِین
وإن ألقَتْه ميتاً، ثم ماتتِ الأُمُّ: فعليه ديةٌ كاملةٌ بقتل الأُمِّ، وغُرَّةٌ
بإلقائها .
وإن ماتَتِ الأمُّ من الضَّرْبَةِ، ثم خَرَجَ الجنينُ بعد ذلك حيَّاً، ثم مات :
فعليه ديةٌ في الأمِّ، ودیةٌ في الجنين.
وإن ماتتْ الأمُّ، ثم ألقَتْه ميتاً: فعليه ديةٌ في الأمِّ، ولا شيءَ في
الجنين .
قال: (وإن ألقَتْه ميتاً، ثم ماتتِ الأُمُّ: فعليه ديةٌ كاملةٌ بقتل الأُمِّ، وغُرَّةٌ
بإلقائها).
وقد صحَّ أنه عليه الصلاة والسلام قضى في هذا بالدية، والغُرَّةِ(١).
قال: (وإن ماتَتِ الأمُّ من الضَّرْبَةِ، ثم خَرَجَ الجنينُ بعد ذلك حيّاً، ثم
مات: فعليه ديةٌ في الأمِّ، وديةٌ في الجنين)؛ لأنه قاتِلُ شخصَيْن.
قال: (وإن ماتتْ الأمُّ، ثم ألقَتْه ميتاً: فعليه ديةٌ في الأمِّ، ولا شيءَ في
الجنین).
وقال الشافعي (٢) رحمه الله: تجبُ الغُرَّةُ في الجنين؛ لأن الظاهرَ موتُه
بالضرب، فصار كما إذا ألقَتْه ميتاً، وهي حيَّةً.
(١) سنن أبي داود (٤٥٧٤)، سنن ابن ماجه (٢٦٤١)، وصححه ابن حبان
(٦٠٢١)، الدراية ٢/ ٢٨٢.
(٢) الوسيط ٦٩٩/٢.

٢٩٧
فصلٌ في الجَنِين
وما يجبُ في الجنين : فهو موروثٌ عنه.
ولا يرثُه الضارِبُ، حتى لو ضَرَبَ بطنَ امرأتِه، فألقتِ ابنَه ميتاً : فعلى
عاقلةِ الأبِ غُرَّةٌ، ولا يرثُ منها.
وفي جنينِ الأَّمَةِ إذا كان ذَكَراً: نصفُ عُشْرِ قيمتِه لو كان حيَّاً، وعُشْرُ
قیمتِه لو کان أُنثى.
ولنا: أن موتَ الأمِّ أحدُ سَبَبَيْ موتِه(١)؛ لأنه يَختنق بموتها، إذ تنفّسُه
93
بتنفّسِها، فلا يجبُ الضمانُ بالشك.
قال: (وما يجبُ في الجنين: فهو موروثٌ عنه)؛ لأنه بدلُ نفسِهِ، فَيَرِثُه
ورثتُه.
قال: (ولا يرثُه الضارِبُ، حتى لو ضَرَبَ بطنَ امرأتِه، فألقتِ ابنَه ميتاً:
فعلى عاقلةِ الأب غُرَّةٌ، ولا يرثُ منها)؛ لأنه قاتِلٌ بغير حقٍّ مباشرةً، ولا
ميراثَ للقاتل.
قال: (وفي جنينِ الأَمَةِ إذا كان ذَكَراً: نصفُ عُشْر قيمتِه لو كان حيَّاً،
وعُشْرُ قيمتِه لو كان أُنثى).
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: فيه عُشْرُ قيمةِ الأَمِّ؛ لأنه جزء منها من
وجهٍ، وضمانُ الأجزاء يؤخَذُ مقدارُها من الأصل.
(١) والسبب الآخر الضرب.
(٢) الأم ٢١٠/٢.

٢٩٨
فصلٌ في الجَنِین
فإن ضُرِبَتْ، فأعتقَ المولى ما في بطنِها، ثم ألقَتْه حيّاً، ثم مات: ففيه
قيمتُه حيَّاً.
ولا تجبُ الديةُ وإن مات بعد العِثْقِ .
ولنا: أنه بدلُ نفسه؛ لأنَّ ضمانَ الطَّرَفِ لا يجبُ إلا عند ظهورِ
النقصانِ في الأصل، ولا معتبرَ به في ضمانِ الجنين، فكان بدلَ نفسه،
فيُقدَّرُ بها.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يجبُ ضمانُ النقصانِ لو انتقصتِ الأمُّ؛
اعتباراً بجنين البهائم.
وهذا لأن الضمانَ في قَتْلِ الرقيق: ضمانُ مالِ عنده، على ما نذكُرُ إِن
شاء الله تعالى(١)، فصحَّ الاعتبارُ على أصله.
قال: (فإن ضُرِبَتْ، فأعتقَ المولىُ ما في بطنِها، ثم ألقَتْه حيًّاً، ثم
مات: ففيه قيمتُه حيّاً.
ولا تجبُ الديةُ وإن مات بعد العِثْقِ)؛ لأنه قَتَلَه بالضرب السابق، وقد
كان في حالة الرِّقِّ، فلهذا تجبُ القيمةُ، دون الدية.
وتجب قيمتُهُ حيًّاً؛ لأنه بالضرب صار قاتِلاً إياه، وهو حيٌّ، فَنَظَرْنا
إلى حالتَيِ السببِ والتلف.
(١) في باب جناية المملوك، في أول الفصل الذي بعده، في مسألة قتل العبد
خطأً بقوله: لهما: أن الضمان بدل المالية. البناية ٧٧/١٦.

٢٩٩
فصلٌ في الجَنِين
ولا كفارةَ في الجنين .
وقيل: هذا عندهما، وعند محمد رحمه الله: تجبُ قيمتُه حياً ما بين
كونه مضروباً إلى كونه غيرَ مضروبٍ؛ لأن الإعتاقَ قاطِعٌ للسراية، على ما
يأتيك من بعدُ إن شاء الله تعالى(١).
قال: (ولا كفارةً في الجنين) عندنا.
وعند الشافعيّ(٢) رحمه الله: تجبُ؛ لأنه نَفْسٌ من وجهٍ، فتجبُ
الكفارةُ؛ احتياطاً.
ولنا: أن الكفارةَ فيها معنى العقوبة، وقد عُرفتْ(٣) في النفوس
المطلَقةِ(٤)، فلا تتعدَّها(٥)، ولهذا لم يجبْ كلُّ البدل.
قالوا: إلا أنْ يشاءَ ذلك؛ لأنه ارتكب محظوراً، فإذا تقرَّبَ إِلى الله
تعالى: كان أفضلَ له، ويَستغفرُ اللهَ مما قد صَنَعَ.
والجنينُ الذي قد استبانَ بعضُ خَلْقِهِ: بمنزلةِ الجنينِ التامٌّ في جميع
هذه الأحكام؛ لإطلاق ما روینا.
(١) في باب جناية المملوك، في مسألة من قطع يد عبده فأعتقه المولى، ثم مات
من ذلك.
(٢) الحاوي الكبير ٣٩١/١٢.
(٣) أي عُرفت العقوبة وهي الكفارة بالنص. حاشية سعدي.
(٤) أي الكاملة.
(٥) أي إلى غير المطلقة، وهو الجنين.

٣٠٠
فصلٌ في الجَنِین
ولأنه ولدٌ في حَقِّ أُموميةِ الولدِ، وانقضاءِ العِدَّةِ، والنفاسِ، وغيرِ
ذلك، فكذا في حقِّ هذا الحكم.
ولأنه بهذا القَدْرِ: يتميَّزُ مِن العَلَقَة والدم، فكان نَفْساً، والله تعالى
أعلم.