النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
وَمَن رَمَى رجلاً عمداً، فَنَفَذَ السهمُ منه إلى آخَرَ، فماتا : فعليه
القصاصُ للأول، والديةُ للثاني على عاقلته.
وقال زفرُ رحمه الله: لا يصحُّ إقرارُه؛ لأنه يلاقي حَقَّ المولى بالإبطال،
فصار كما إذا أقرَّ بالمال.
ولنا: أنه غيرُ متَّهم فيه؛ لأنه مُضِرٌّ به، فيُقبَلُ به(١).
ولأن العبدَ مُبَقَّىَ على أصل الحرية في حَقِّ الدم؛ عملاً بالآدمية،
حتى لا يصحُّ إقرارُ المولىُ عليه بالحدِّ والقصاص، وبطلانُ حَقِّ المولىُ
بطريق الضِّمْن، فلا يُبالَى به.
قال: (وَمَن رَمَى رجلاً عمداً، فَنَفَذَ السهمُ منه إلى آخَرَ، فماتا: فعليه
القصاصُ للأول، والديةُ للثاني علىُ عاقلته).
لأن الأولَ: عمدٌ، والثاني: أحدُ نوعَيِ الخطأ، كأنه رمى إلى صيدٍ،
فأصاب آدمياً، والفعلُ يتعدَّدُ بتعدُّدِ الأثر، والله تعالى أعلم.
(١) أي إقراره.

٢٢٢
فصل
فصلٌ
ومَن قَطَعَ يدَ رَجُلٍ خطاً، ثم قَتَلَه عمداً قبلَ أن تَبرأَ يدُه.
أو قَطَعَ يدَه عمداً، ثم قَتَلَه خطأً .
أو قَطَعَ يدَه خطأً، فَبَرَأتْ يدُه، ثم قَتَلَه خطأً.
أو قَطَعَ يدَه عمداً، فَبَرَأَتْ، ثم قَتَلَه عمداً: فإنه يُؤْخَذُ بالأمرَيْن جميعاً.
فصل
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
قال: (ومَن قَطَعَ يدَ رَجُلٍ خطأً، ثم قَتَلَه عمداً قبلَ أن تَبرأَ يدُه.
أو قَطَعَ يدَه عمداً، ثم قَتَلَه خطأً.
أو قَطَعَ يدَه خطأً، فَبَرَأت(١) يدُه، ثم قَتَلَه خطأً.
أو قَطَعَ يدَه عمداً، فَبَرَأَتْ، ثم قَتَلَه عمداً: فإنه يُؤْخَذُ بالأمرَيْن جميعاً).
والأصلُ فيه: أن الجمعَ بين الحِرَاحات واجبٌ ما أمكنَ؛ تتميماً
للأول(٢)؛ لأن القتلَ في الأعمِّ يقعُ بضَرَبَاتٍ متعاقبةٍ، وفي اعتبار كلِّ ضربةٍ
بنفسها بعضُ الحرج، إلا أنْ لا يُمكِنَ الجمعُ: فَيُعطى كلّ واحدٍ حُكمَ نفسِهِ.
(١) على وزن: قَطَعَ، ويجوز على وزن: سَلِمَ: برئت. مختار الصحاح (برأ).
(٢) أي الجرح الأول.

٢٢٣
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
وإن كان قَطَعَ يدَه عمداً، ثم قَتَلَه عمداً قبل أن تبرأَ يدُه: فإن شاء
الإمامُ قال: اقطعوه، ثم اقتلوه، وإن شاء قال: اقتلوه، وهذا عند أبي
حنيفة رحمه الله.
وقالا : يُقْتَلُ، ولا تُقْطَعُ يِدُه.
وقد تعذَّر الجمعُ في هذه الفصول في الأوَّلَيْن؛ لاختلاف حُكمِ الفعلَيْن،
وفي الآخَرَيْن؛ لتخلّل الْبُرْءِ، وهو قاطِعٌ للسِّرَاية.
حتى لو لم يتخلَّلْ وقد تجانَسَا، بأن كانا خطأَيْن: يُجمَعُ، بالإجماع؛
لإمكان الجمعِ، واكتُفِيَ بدِيَةٍ واحدةٍ.
قال: (وإن كان قَطَعَ يدَه عمداً، ثم قَتَلَه عمداً قبل أن تبرأَ يدُه: فإن شاء
الإمامُ قال: اقطعوه، ثم اقتلوه، وإن شاء قال: اقتلوه، وهذا عند أبي حنيفة
رحمه الله.
وقالا: يُقتَلُ، ولا تُقْطَعُ يدُه)؛ لأن الجمعَ ممكِنٌ؛ لتجانس الفعلَيْن،
وعدمٍ تخلُّلِ الْبُرْءِ، فُيُجمَعُ بينهما.
وله: أن الجمعَ متعذّرٌ، إما للاختلاف بين الفعلَيْن هذين؛ لأن الموجَبَ
القودُ، وهو يَعتمِدُ المساواةَ في الفعل، وذلك بأن يكون القتلُ بالقتل،
والقطعُ بالقطع، وهو متعذّرٌ، أو لأنَّ الحَزَّ يَقطعُ إضافةَ السراية إلى القطع،
حتى لو صَدَرَا من شخصَيْن: يجبُ القَوَدُ علىُ الحَازِّ، فصار كتخلُّلِ الْبُرْء.
بخلاف ما إذا قَطَعَ، وسَرَى؛ لأن الفعلَ واحدٌ.
وبخلاف ما إذا كانا خطأَيْن؛ لأن الموجَبَ الديةُ، وهي بدلُ النفس
من غير اعتبارِ المساواة.

٢٢٤
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
ومَن ضَرَبَ رجلاً مائةَ سَوْطٍ، فَبَرَأَ من تسعين، ومات من عشرةٍ : ففيه
دیةٌ واحدةٌ.
وإن ضَرَبَ رجلاً مائةَ سَوْطٍ، وجَرَحَتْه، وبقِيَ له أثرٌ : تجبُ حُكومةٌ
العدل أيضاً.
ولأن أَرْشَ اليدِ إنما يجبُ عند استحكام أثرِ الفعل، وذلك بالحَزِّ
القاطع للسراية، فَيَجتمِعُ ضمانُ الكلِّ وضمانُ الجزءِ في حالةٍ واحدةٍ، ولا
يجتمعان(١)، أما القطعُ والقتلُ قصاصاً: يجتمعان.
قال: (ومَن ضَرَبَ رجلاً مائةَ سَوْطٍ، فَبَرَأَ من تسعين، ومات من
عشرةٍ (٢): ففيه ديةٌ واحدةٌ)؛ لأنه لَمَّا بَرَأَ منها: لا تبقى معتبرةً في حَقِّ
الأرش وإنْ بقيتْ معتبرةً في حَقِّ التعزير، فبقِيَ (٣) الاعتبارُ للعشرة.
وكذلك كلّ جراحةٍ اندمَلَتْ، ولم يبقَ لها أثرٌ، على أصل أبي حنيفة
رحمه الله.
وعن أبي يوسف رحمه الله: في مثله حكومةُ عَدْل.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه تجبُ أجرةُ الطبيب، وثمنُ الأدوية.
قال: (وإن ضَرَبَ رجلاً مائةَ سَوْطٍ، وجَرَحَتْه، وبقِيَ له أثرٌ: تجبُ
حُكومةُ العدل أيضاً)؛ لبقاء الأثرِ، والأَرْشُ إنما يجبُ باعتبار الأثرِ في النفس.
(١) أي والحال أنهما لا يجتمعان.
(٢) ومعنى هذا: أنه ضَرَبَه في موضعٍ تسعين، وفي موضعٍ عشرةً، فبرأ موضعُ
التسعين، ولم يبرأ موضع العشرة. البناية ١٥ / ٤٢١.
(٣) وفي نُسخ: فتعيَّن.

٢٢٥
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
ومَن قَطَعَ يدَ رجلٍ، فعَفَا المقطوعةُ يدُه عن القطع، ثم مات من
ذلك : فعلى القاطعِ الديةَ في ماله.
وإن عَفَا عن القطع وما يحدُثُ منه، أو عن الجناية، ثم مات من
ذلك : فهو عَفْوٌ عن النفس .
ثم إن كان خطأً: فهو من الثلث، وإن كان عمداً: فهو من جميع
المال، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : إذا عَفَا عن القطع : فهو عفوٌ عن النفس أيضاً.
قال: (ومَن قَطَعَ يدَ رجلٍ، فعَفَا المقطوعةُ يدُه عن القطع، ثم مات من
ذلك: فعلى القاطعِ الديةُ في ماله.
وإن عَفَا عن القطع وما يحدُثُ منه، أو عن الجناية، ثم مات من
ذلك: فهو عَفْوٌ عن النفس.
ثم إن كان (١) خطأً: فهو من الثلث، وإن كان عمداً: فهو من جميع
المال، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: إذا عَفَا عن القطع: فهو عفوٌ عن النفس أيضاً).
وعلى هذا الاختلاف: إذا عَفَا عن الشَّجَّةِ، ثم سَرَى إلى النفس، ومات.
لهما: أن العفوَ عن القطع عفوٌ عن موجَبِهِ، وموجَبُه: القطعُ لو اقتصر،
أو القتلُ: إذا سرى، فكان العفوُ عنه عفواً عن أحدٍ موجَبَيْه أيِّهما كان.
(١) أي القطع.

٢٢٦
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
ولأن اسمَ القطع يتناولُ الساريَ والمقتصرَ، فيكون العفوُ عن القطع:
عفواً عن نوعَيْه، وصار كما إذا عفا عن الجناية: فإنه يتناولُ الجنايةَ الساريةَ
والمقتصرةَ، كذا هذا.
وله: أن سببَ الضمان قد تحقَّق، وهو قتلُ نفسٍ معصومةٍ متقوِّمةٍ،
والعفوُ لم يتناوَلْه(١) بصريحه؛ لأنه عفا عن القطع، وهو (٢) غيرُ القتل،
وبالسِّرَاية تبيَّن أن الواقعَ قَتْلٌ، وحَقُّه فيه، ونحن نوجِبُ ضمانَه.
وكان ينبغي أن يجبَ القصاصُ، وهو القياسُ؛ لأنه هو الموجَبُ
للعمد، إلا أن في الاستحسان تجبُ الديةُ؛ لأن صورةَ العفو أورثَتْ
شُبْهَةً، وهي دارِئةٌ للقَوَد.
ولا نسلِّمُ أنَّ السَّريَ نوعٌ من القطع، وأن السِّرايةَ صفةٌ له، بل
الساري: قَتْلٌ من الابتداء.
وكذلك لا موجَبَ له من حيثُ كونُه قطعاً، فلا يتناولُه العفو.
بخلاف العفوِ عن الجناية؛ لأنه اسمُ جنسٍ.
وبخلاف العفو عن الشجَّةِ، وما يحدُثُ منها؛ لأنه صريحٌ في العفو
عن السراية والقتلٍ.
(١) أي القتل.
(٢) أي القطع.

٢٢٧
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
وإِذا قَطَعَتِ المرأةُ يدَ رَجُلٍ، فتزوَّجها على يدِهِ، ثم مات: فلها مهرُ
مثلِها، وعلى عاقِلَتِها الديةُ إن كان خطأً، وإن كان عمداً: ففي مالِها.
ولو كان القطعُ خطأً: فقد أجراه مُّجرى العمدِ في هذه الوجوه، وفاقاً
وخلافاً، آذَنَ بذلك إطلاقُهُ(١)، إلا أنه إنْ كان خطأً: فهو من الثلث، وإن
كان عمداً: فهو من جميع المال؛ لأن موجَبَ العمد القودُ، ولم يتعلَّقْ به
حَقُّ الورثة؛ لِمَا أنه ليس بمالٍ، فصار كما إذا أوصى بإعارةِ أرضِهِ.
أما الخطأُ: فموجبُه المالُ، وحقُّ الورثة يتعلَّق به، فيُعتَبرُ من الثُث.
قال: (وإذا قَطَعَتِ المرأةُ يدَ رَجُلٍ، فتزوَّجها على يدِهِ، ثم مات: فلها
مهرُ مثلِها، وعلى عاقِلَتِها الديةُ إن كان خطأً، وإن كان عمداً: ففي مالِها).
وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله، لأن العفوَ عن اليد إذا لم يكن عفواً عما
يحدُثُ عنه عنده: فالتزوُّجُ على اليد لا يكون تزوُّجاً على ما يَحدُثُ منه.
ثم القطعُ إذا كان عمداً: يكون هذا تزوُّجاً على القصاص في الطرف،
وهو ليس بمال، فلا يَصلُحُ مهراً، لا سيما على تقدير السقوطِ، فيجبُ مهرُ
المِثْلِ.
وعليها الديةُ في مالِها؛ لأن التزوُّجَ وإن كان يتضمَّنُ العفوَ على ما نُبِيِّنُ
إن شاء الله تعالى(٢)، لكنْ عن القصاص في الطَّرَفِ في هذه الصورة.
(١) أي إطلاق محمد في الجامع الصغير، حيث قال: ومَن قطع يدَ رجل، فعفا
المقطوعةُ یدُه. اهـ البناية ٤٢٤/١٥.
(٢) في الصفحة القادمة عند قوله: ولا شيء له عليها؛ لأنه لَمَّا جعل ...

٢٢٨
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
ولو تزوَّجها على اليد وما يَحدُثُ منها، أو على الجناية، ثم مات من
ذلك، والقطعُ عمدٌ: فلها مهرُ مثلها، ولا شيء له عليها .
وإذا سَرَى: تبيَّن أنه قَتْلُ النفس، ولم يتناوله العفوُ، فتجبُ الديةُ،
وتجبُ في مالِها؛ لأنه عمدٌ.
· والقياسُ أن يجبَ القصاصُ، على ما بيَّنَاه.
وإذا وَجَبَ لها مهرُ المثل، وعليها الديةُ: تقع المُقَاصَّةُ إن كانا على
السواء، وإن كان في الدية فَضْلٌ: تَرُدُّه على الورثة، وإن كان في المهر
فضلٌ: تردُّه الورثةُ عليها.
وإذا كان القطعُ خطأً: يكون هذا تزوُّجاً على أَرْشِ اليد.
وإذا سرى إلى النفس: تبيَّنَ أنه لا أَرْشَ لليد، وأنَّ المسمَّىُ معدومٌ،
فيجبُ مهرُ المثل، كما إذا تزوَّجها على ما في اليد، ولا شيءَ فيها.
ولا يتقاصَّان؛ لأن الديةَ تجبُ على العاقلةِ في الخطأ، والمهرُ لها.
قال: (ولو تزوَّجها على اليد وما يَحدُثُ منها، أو على الجناية، ثم
مات من ذلك، والقطعُ عمدٌ: فلها مهرُ مثلها)؛ لأن هذا تزوَّجٌ على
القصاص، وهو لا يَصلُحُ مهراً، فقد رضيَ بسقوطه؛ فيجبُ مهرُ المثل
علىُ ما بَيَّنَّاه، وصار كما إذا تزوجها على خمرٍ أو خنزيرٍ.
(ولا شيءَ له عليها)؛ لأنه لَمَّا جَعَلَ القصاصَ مهراً: فقد رضِيَ
بسقوطه بجهة المهر، فيسقطُ أصلاً، كما إذا أسقط القصاصَ بشرط أن
يصيرَ مالاً، فإنه يسقطُ أصلاً.

٢٢٩
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
وإن كان خطأً: يُرفَعُ عن العاقلة مقدارُ مهرٍ مثلِها، ولهم ثُلُثُ ما تَرَكَ
المیتُ وصیةً.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : كذلك الجوابُ فيما إذا تزوَّجها
علی الید .
قال: (وإن كان خطأً: يُرفَعُ عن العاقلة مقدارُ مهرِ مثلِها، ولهم ثَلَثَ ما
تَرَكَ الميتُ وصيةً).
لأن هذا تزوُّجٌ على الدية، وهي تصلُحُ مهراً، إلا أنه يُعتبرُ بقَدْرِ مهرِ
المثلِ من جميع المال؛ لأنه مريضٌ مرضَ الموتِ، والتزوَّجُ من الحوائج
الأصلية، ولا يصحُّ في حَقِّ الزيادة على مهر المثل؛ لأنه مُحاباةٌ، فيكونُ
وصيةً، فيُرفَعُ عن العاقلة؛ لأنهم يتحمّون عنها، فمن المُحَالِ أن ترجعَ(١)
علیھم بموجَبٍ جنایتها.
وهذه الزيادةُ وصيةٌ لهم؛ لأنهم من أهل الوصية؛ لِمَا أنهم ليسوا
بقَتَلَةٍ، فإن كانت تخرجُ من الثلثِ: تسقطُ، وإن لم تكن تخرجُ من الثلث:
يسقطُ ثلثُه(٢).
(وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: كذلك الجوابُ فيما إذا تزوَّجها
على اليد)، لأن العفوَ عن اليد عفوٌ عمَّا يَحدُثُ منها عندهما، فاتَّفَقَ
جوابُهما في الفصلَيْن.
(١) أي المرأة.
(٢) أي ثلث ما زاد على مهر المثل إلى تمام الدية.

٢٣٠
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
ومَن قُطعت يدُه، فاقتُصَّ له من اليد، ثم مات : فإنه يُقْتَلُ المُقْتَصُّ منه.
ومَن قُتِلَ ولُّه عمداً، فقَطَعَ يدَ قاتِلِه، ثم عفا، وقد قُضِيَ له بالقصاص
أو لم يُقْضَ : فعلى قاطعِ اليدِ ديةُ اليد عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : لا
شيء عليه.
قال: (ومَن قُطعت يدُه، فاقتُصَّ له من اليد، ثم مات: فإنه يُقْتَلُ
المُقْتَصُّ منه)؛ لأنه بالسراية تبيَّنَ أن الجنايةَ كانت قَتْلَ عمدٍ، وحَقُّ
و
المُقْتَصِّ له: القَوَدُ، واستيفاءَ القطع لا يوجبُ سقوطَ القَوَدِ، كمَن كان له
القَوَدُ إذا استوفىُ طَرَفَ مَن عليه القَوَد.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يسقطُ حَقَّه في القصاص؛ لأنه لَمَّا
أقدم على القطع: فقد أبرأه عمَّا وراءَه.
ونحن نقول: إنما أقدم على القطع ظنَّاً منه أنَّ حَقَّه فيه، وبعد السرايةِ
تبيَّن أن حقّه في القَوَدَ، فلم يكن مُبْرِئاً عنه بدون العلم به.
قال: (ومَن قُتِلَ وليُّه عمداً، فقَطَعَ يدَ قاتِلِه، ثم عفا، وقد قُضِيَ له
بالقصاص أو لم يُقْضَ: فعلى قاطعِ اليدِ ديةُ اليد عند أبي حنيفة رحمه الله،
وقالا: لا شيء عليه).
لأنه استوفى حَقَّه، فلا يَضمنُه، وهذا لأنه استَحَقَّ إتلافَ النفس
بجميع أجزائها، ولهذا لو لم يَعفُ: لا يضمنُه.
وكذا إذا سَرَى وما بَرَأَ، أو ما عفا وما سَرَىُ، أو قَطَعَ، ثم حَزَّ رقبتَه
قبلَ الْبُرْءِ أو بعدَه، وصار كما إذا كان له قصاصٌ في الطَّرَف، فقَطَعَ
أصابعَه، ثم عفا: لا يضمنُ الأصابعَ.

٢٣١
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
ومَن له القصاصُ في الطرفِ، إذا استوفاه، ثم سَرَىُ إلى النفسِ،
ومات : يضمنُ ديةَ النفس عند أبي حنيفة رحمه الله.
وله: أنه استوفىُ غيرَ حَقِّه؛ لأنَّ حَقَّه في القتل، وهذا قَطْعُ وإبانةً في
الأصل، وكان القياسُ أنْ يجبَ القصاصُ، إلا أنه سَقَطَ للشبهة، فإنَّ له أن
يُتْلِفَهِ تَبَعاً، وإذا سقط: وَجَبَ المالُ.
وإنما لا يجبُ في الحال: لأنه يحتملُ أنْ يصيرَ قَتْلاً بالسِّراية، فيكونُ
مستوفياً حَقَّه، ومِلْكُ القصاصِ في النفس ضروريٌّ، لا يَظهَرُ إلا عند
الاستيفاءِ أو العفوِ أو الاعتياضِ؛ لِمَا أنه تصرُّفٌ فيه، فأما قبلَ ذلك: لم
يَظهرْ؛ لعدم الضرورة، بخلاف ما إذا سَرَىُ؛ لأنه استيفاء.
وأما إذا لم يَعْفُ، وما سَرَىُ:
قلنا: إنما تبيَّنُ كونُه قطعاً بغير حقٍّ بالبُرْء، حتى لو قَطَعَ وما عَفَا،
وبَرَأَ: الصحيحُ أنه على هذا الخلاف.
وإذا قَطَعَ، ثم حَزَّ رقبتَه قبلَ البُرْءِ: فهو استيفاء.
ولو حَزَّ بعد البُرْء: فهو على هذا الخلاف، هو الصحيحُ.
والأصابعُ وإن كانت تابعةً قياماً بالكفِّ، فالكفُّ تابعةٌ لها غَرَضاً،
بخلاف الطَّرَف؛ لأنها تابعةٌ للنفس من كلِّ وجهٍ.
قال: (ومَن له القصاصُ في الطرفِ، إذا استوفاه، ثم سَرَىُ إلىُّ
النفسِ، ومات: يضمنُ ديةَ النفس عند أبي حنيفة رحمه الله.

٢٣٢
في بيان حُكْم الفعلَيْن في الجناية
وقالا : لا يضمنُ.
وقالا: لا يضمنُ)؛ لأنه استوفىُ حَقّه، وهو القطعُ، ولا يُمكنُ التقييدُ
بوصفِ السلامة؛ لِمَا فيه من سَدِّ بابِ القصاص، إذِ الاحترازُ عن السراية
ليس في وُسْعِهِ، فصار كالإمام(١)، والبَزَّاغِ، والحَجَّامِ، والمأمورِ بقطع اليد.
وله: أنه قَتْلٌ بغير حَقٌّ؛ لأنَّ حَقَّه: في القطع، وهذا وَقَعَ قَتْلاً، ولهذا
لو وَقَعَ ظُلْماً: كان قَتْلاً.
ولأنه جُرْحٌ أفضى إلىُ فَوَاتِ الحياةِ في مُجْرَى العادة، وهو مسمَّى
القتلِ، إلا أن القصاصَ سَقَطَ للشبهة، فوَجَب المالُ.
بخلاف ما استشهدا به من المسائل؛ لأنه مكلّفٌ فيها بالفعل، إما
تَقَلُّداً، كالإمام، أو عَقْداً، كما في غيرِهِ منها.
والواجباتُ لا تتقيَّدُ بوَصْفِ السلامة، كالرَّمْي إلى الحربيِّ، وفيما نحنُ
فيه: لا التزام(٢)، ولا وجوبَ، إذ هو مندوبٌ إلى العفو، فيكونُ من باب
الإطلاق(٣)، فأشبَهَ الاصطيادَ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) أي القاضي إذا قطع يد السارق، فمات من ذلك: لا يضمن الدية.
(٢) وفي نُسخ: لا إلزام.
(٣) أي الإباحة

باب
٢٣٣
باب
الشهادة في القتل
ومَن قُتِلَ وله ابنان حاضِرٌ وغائبٌ، فأقام الحاضِرُ البَيِّنَةَ على القتل، ثم
قَدِمَ الغائبُ: فإنه يُعيدُ البِّنةَ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لا يعيدُها.
وإن كان خطأً: لم يُعِدْها، بالإجماع.
وكذلك الدَّيْنُ يكونُ لأبيهما على الآخَرَ.
باب
الشهادة في القتل
قال: (ومَن قُتِلَ وله ابنانِ حاضِرٌ وغائبٌ، فأقام الحاضِرُ البيِّنَةَ على
القتل، ثم قَدِمَ الغائبُ: فإنه يُعيدُ البَيِّنَةَ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لا
یعیدُها.
وإن كان خطأً: لم يُعِدْها، بالإجماع.
وكذلك الدَّيْنُ يكونُ لأبيهما على الآخَرَ (١)).
لهما في الخلافية: أن القصاصَ طريقُه طريقُ الوراثةِ، كالدَّيْن، وهذا
لأنه عِوَضٌ عن نفسِه، فيكونُ المِلكُ فيه لمَن له الملكُ في المعوّض، كما
في الدیة.
(١) أي لا يُكلَّف إعادة البينة بالإجماع.

٢٣٤
الشهادة في القتل
فإن كان أقام القاتلُ البَيِّنةَ أن الغائبَ قد عفا: فالشاهدُ خصمٌ، ويسقطُ
القصاصُ.
وكذلك عبدٌ بين رجلَيْن.
ولهذا لو انقلب مالاً: يكونُ للميت، ولهذا يَسقطُ بعَفْوِهِ بعد الجَرْحِ
قبلَ الموت، فينتَصِبُ أحدُ الورثةِ خصماً عن الباقين، كما قلنا في الدَّين.
وله: أن القصاصَ طريقُهُ الخلافةُ، دونَ الوراثة؛ ألا ترى أن ملكَ
القصاصِ يَثْبُتُ بعد الموت، والميتُ ليس من أهله، بخلاف الدينِ
والديةٍ؛ لأنه من أهلِ الملكِ في الأموال، كما إذا نَصَبَ شبكةً، فتعقَّل(١)
بھا صيدٌ بعد موته: فإنه یملِگه.
وإذا كان طريقُه الإثباتُ ابتداءً: لا يَنتصِبُ أحدُهم خصماً عن الباقين،
فيُعیدُ البينةَ بعد حضوره.
قال: (فإن كان أقام القاتلُ البَيِّنةَ أن الغائبَ قد عفا: فالشاهدُ خصمٌ،
ويسقطُ القصاصُ)؛ لأنه ادَّعى على الحاضر سقوطَ حَقَّه في القصاص إلى
مال، ولا يُمكنُه إثباتُه إلا بإثبات العفو عن الغائب، فَيَنتصِبُ الحاضرُ
خصماً عن الغائب.
قال: (وكذلك عبدٌ بين رجلَيْنِ) قُتِلَ عمداً، وأحدُ الرجلَيْن غائبٌ: فهو
على هذا؛ لِمَا بيَّنَّاه.
(١) وفي نُسخ: وتعلَّق.

٢٣٥
الشهادة في القتل
فإن كان الأولياءُ ثلاثةً، فشهد اثنان منهم على آخَرَ أنه قد عفا :
فشهادتُهما باطلةٌ، وهو عَفْوٌ منهما.
فإن صدَّقَهما القاتلُ : فالديةُ بينهم أثلاثاً.
وإن كذَّبهما: فلا شيءَ لهما، وللآخَر ثلثُ الدية.
قال: (فإن كان الأولياءَ ثلاثةً، فشهد اثنان منهم على آخَرَ أنه قد عفا:
فشهادتُهما باطلةٌ، وهو عَفْوٌ منهما)؛ لأنهما يَجُرَّان بشهادتهما إلى أنفسِهِما
مَغْتَماً، وهو انقلابُ القَوَدِ مالاً.
قال: (فإن صدَّقَهما القاتلُ: فالديةُ بينهم أثلاثاً).
معناه: إذا صدَّقهما وحدَه، دونَ المشهودِ عليه؛ لأنه لَمَّا صدَّقَهما: فقد
أقرَّ بثلثي الدية لهما، فصحَّ إقرارُه، إلا أنه يدَّعي سقوطَ حَقِّ المشهودِ
عليه، وهو يُنكِرُ، فلا يُصدَّقُ، ويَغْرَمُ نصيبَه.
قال: (وإن كذَّبهما (١): فلا شيءَ لهما (٢)، وللآخَرَ(٣) ثلثُ الدية).
معناه: إذا كذَّبَهما المشهودُ عليه أيضاً(٤)، وهذا لأنهما أقرَّا على
أنفسِهما بسقوط القصاص، فقُبَلَ، وادَّعيا انقلابَ نصيبهما مالاً: فلا يُقبَلُ
(١) أي القاتل، ويحتمل: إن كذبهما المشهودُ عليه. ينظر البناية ٤٣٦/١٥.
(٢) أي الشاهدين.
(٣) وهو المشهود عليه.
(٤) قال العيني في البناية ٤٣٦/١٥: وفي بعض النُّسخ: إذا كذَّبهما القاتل أيضاً،
وأشار إلى هذا الفرق أيضاً صاحب نسخة ١٠٣٨ هـ.

٢٣٦
الشهادة في القتل
إلا بحُجَّةٍ، وينقلبُ نصيبُ المشهودِ عليه مالاً، لأنَّ دعواهما العفوَ عليه،
وهو يُنكِرُ.
بمنزلة ابتداءِ العفوِ منهما في حَقِّ المشهود عليه؛ لأنَّ سقوطَ القَوَدِ
یضافُ إليهما.
وإِن صدَّقَهما المشهودُ عليه وحدَه: غَرِمَ القاتلُ ثلثَ الدية للمشهود
عليه، وهو الأصحُّ؛ لإقراره له بذلك، ولكنه يُصرَفُ(١) ذلك إلى
الشاهدين، وهذا الذي ذكرنا استحسانٌ.
والقياسُ أن لا يلزمَه شيء، لا القصاصُ ولا المالُ؛ لأن ما ادَّعاه
الشاهدان على القاتل من المالِ بواسطة العفو: لم يثبتْ؛ لإنكاره، وبطلانِ
الشهادة، وما أقرَّ به القاتل للمشهود عليه من القصاص: فقد بَطَلَ
بتكذيبه(٢)؛ بتصديق الشاهد في العفو.
(١) من هنا من قوله: ((ولكنه يُصرَف .... إلى قوله في الصفحة القادمة: كذا هذا))،
نحو ثلاثة عشرة سطراً: مثبتٌ في نُسخ كثيرة، وغير مثبتٌ في نُسخٍ أخرى، وكذلك
غير مثبتة في طبعات الهداية القديمة، وقد نبَّه شرَّاح الهداية إلى ذلك، ينظر العناية
١٩٧/٩، والبناية ٤٣٧/١٥، قلت: وهذا هو حالُ النُّسَخ التي هي عندي، وقد نقلت
نصَّ الزيادة من النسخة السلطانية بتاريخ ١٠٤٠ هـ.
(٢) بتكذيب المشهود عليه القاتلَ في إنكاره العفو، يعني لَمَّا صدَّق المشهود عليه
الشاهدين: صار تصديقه تكذيباً منه للقاتل في إنكاره العفو بعد. البناية ١٥ /٤٣٧.

٢٣٧
الشهادة في القتل
وجهُ الاستحسان: أن القاتلَ بتكذيبه الشاهدَيْن: أقرَّ للمشهود عليه
بُثُلُثِ الدية؛ لزعمه أن القصاصَ سقط بدعواهما العفوَ عن(١) الغائب(٢)،
وانقلب نصيبُه مالاً.
والغائبُ(٣) لَمَّا صدَّق الشاهدَيْن في العفو: فقد زعم أن نصيبَهما
انقلب مالاً، فصار مُقِرَّاً لهما (٤) بما أقرَّ به القاتلُ(٥) له (٦) وزيادة، فيجوز
إقرارُه لهما بما أقرَّ له القاتلُ به.
بمنزلة ما لو أقرّ(٧) لرجلٍ بألفِ درهمٍ، فقال المقَرُّ له: هذه الألفُ
ليست لي، ولكنها لفلانٍ: جاز، وصار الألفُ لفلانٍ، كذا هذا(٨).
وفي ((الجامع الصغير(٩)): أن هذا الثلثَ للشاهدين، لا للمشهود
(١) وفي نُسخ: على.
(٢) وفي نُسخ: الثالث، وفي أخرى: المشهود عليه.
(٣) وفي نُسخ: والمشهود عليه.
(٤) أي للشاهدين.
(٥) وهو ثلث الدية.
(٦) أي للثالث.
(٧) أي أقرَّ رجلٌ لرجلٍ.
(٨) قال العيني ٤٣٧/١٥: حاصله: أن مَن أقرَّ لإنسان بشيءٍ، فأقر المقَرُّ له
لغيره: لا يصيرُ رداً للإقرار، ولكن يتحول الحق إلى المقَرِّ له الثاني. اهـ
(٩) هذا النقل عن الجامع الصغير مثبتٌ في نسخٍ، ومنها نسخة برقم ٦٤٤
السليمانية، دون أخرى، ولم أقف عليه في الجامع الصغير المطبوع.

٢٣٨
الشهادة في القتل
وإذا شَهِدَ الشهودُ أنه ضَرَّبَه، فلم يَزَلْ صاحبَ فراشٍ حتى مات :
فعليه القَوَدُ إذا كان عمداً.
وإذا اختَلَفَ شاهدا القتلِ في الأيامِ، أو في البلدان، أو في الذي كان
به القتلُ : فهو باطلٌ.
عليه، وهو الأصح.
قال: (وإذا شَهِدَ الشهودُ أنه ضَرَبَه، فلم يَزَلْ صاحبَ فراشٍ حتى
مات: فعليه القَوَدُ إذا كان عمداً)؛ لأن الثابتَ بالشهادة: كالثابت معاينةً،
وفي ذلك القصاصُ، على ما بيَّنَاه(١).
والشهادةُ علىُ قَتْلِ العمد تتحقّقُ على هذا الوجه؛ لأن الموتَ بسبب
الضرب إنما يُعرَفُ إذا صار بالضرب صاحبَ فراشٍ حتى مات.
وتأويلُه: إذا شهدوا أنه ضَرَبَه بشيءٍ جارِحٍ.
قال: (وإذا اختَلَفَ شاهدا القتلِ في الأيامِ، أو في البلدان، أو في
الذي كان به القتلُ: فهو باطلٌ)؛ لأن القتلَ لا يُعادُ، ولا يُكرَّر، والقتلُ في
زمانٍ أو في مكانٍ: غيرُ القتلِ في زمانٍ أو في مكانٍ آخَرَ، والقتلُ بالعصا:
غيرُ القتل بالسلاح؛ لأن الثاني: عمدٌ، والأولَ: شبهُ العمد، وتختلفُ
أحكامُهما، فكان على كلِّ قَتْلٍ شهادةُ فَرْدٍ.
(١) في القتل العمد.

٢٣٩
الشهادة في القتل
وإذا قال أحدُهما: قَتَلَه بعصاً، وقال الآخَرُ: لا أدري بأيَّ شيءٍ
قَتَّلَه : فهو باطلٌ.
وإن شَهِدَاً أنه قَتَلَه، وقالا: لا ندري بأيِّ شيءٍ قَتَلَه: ففيه الديةُ؛
استحساناً .
قال: (و) كذا (إذا قال أحدُهما: قَتَلَه بعصاً، وقال الآخَرُ: لا أدري
بأيَّ شيءٍ قَتَلَه: فهو باطلٌ)؛ لأن المطلَقَ يُغايرُ المقيَّدَ.
قال: (وإن شَهِدَاً أنه قَتَلَه، وقالا: لا ندري بأيِّ شيءٍ قَتَلَه: ففيه الديةُ؛
استحساناً).
والقياسُ: أن لا تُقَبَلَ هذه الشهادةُ؛ لأن القتلَ(١) يختلف باختلاف
الآلة، فجُهلَ المشهودُ به.
وجهُ الاستحسان: أنهم شهدوا بقَتْلِ مطلَقٍ، والمطلَقُ ليس بمُجْمَلٍ،
فيجب أقلُّ موجَبَيْه، وهو الدیةُ.
ولأنه يُحمَلُ إجمالُهم في الشهادة على إجمالِهم بالمشهود عليه؛ سَتْراً عليه.
وأوَّلُوا كذبَهم في نفي العلم: بظاهر ما وَرَدَ بإطلاقه في إصلاحِ ذاتِ
البَيْن(٢)، وهذا في معناه، فلا يثبتُ الاختلافُ بالشك.
(١) وفي نُسخ: الفعل. وكُتب عليها في النُّسخ: أي القتل.
(٢) مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة
والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البَيْن)): في سنن أبي داود (٤٩١٩)، سنن
الترمذي (٢٥٠٩)، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٥٠٩٢)، الدراية
٢٧٠/٢.

٢٤٠
الشهادة في القتل
وإذا أقرَّ رجلان كلّ واحدٍ منهما أنه قَتَلَ فلاناً، فقال الوليّ : قتلتُمَاه
جميعاً : فله أن يَقْتُلَهما جميعاً.
وإن شهدوا على رجلٍ أنه قَتَلَ فلاناً، وشَهِدَ آخَرون على آخَرَ بقَتْلِه،
وقال الوليّ : قتلتماه جميعاً : بَطَلَ ذلك كلُّه.
وتجبُ الديةُ في مالِهِ؛ لأن الأصلَ في الفعل: العمدُ، فلا تلزمُ العاقلةَ.
قال: (وإذا أقرَّ رجلان كلَّ واحدٍ منهما أنه قَتَلَ فلاناً، فقال الوليّ:
قتلتُمَاه جميعاً: فله أن يَقْتُلَهما جميعاً.
وإن شهدوا على رجلٍ أنه قَتَلَ فلاناً (١)، وشَهدَ آخَرون على آخَرَ
و
بقَتْلِهِ(٢)، وقال الوليّ: قتلتماه جميعاً: بَطَلَ ذلك كلُّه).
والفَرْقُ: أن الإقرارَ والشهادةَ يتناولُ كلَّ واحدٍ منهما وجودَ كلَّ القتلِ،
ووجوبَ القصاص، وقد حَصَلَ التكذيبُ في الأوَّل: من المُقَرَّ له، وفي
الثانية: من المشهود له، غيرَ أنَّ تكذيبَ المُقَرِّ له المُقِرَّ في بعضِ ما أقرَّ به:
لا يُبطِلُ إقرارَه في الباقي.
وتكذيبُ المشهودِ له الشاهدَ في بعضِ ما شَهِدَ به: يُطِلُ شهادته
أصلاً؛ لأن التكذيبَ تفسيقٌ، وفِسْقُ الشاهدِ يَمنَعُ القبولَ، أما فِسْقُ المُقِرِّ:
لا يمنعُ صحةَ الإقرار، فافترقا، والله سبحانه وتعالى أعلمُ بالصواب.
(١) وفي نُسَخ: أنه قَتَلَه.
(٢) وفي نُسخ: أنه قَتَلَه.
الهداية شرح بداية المبتدي — pages 221-240 | ScribeTools Library