النص المفهرس

صفحات 1-20

ر
2
(شَرَُّ بِدَايَةِ المِبْتَدِيْ)
لِلإِمَامِ عَليّبْن أَبَي ◌َكْ المَرَغِينَاني
(٥١١ هـ - ٥٩٣هـ)
حُقِّقَ عَلى أَكْثَمِنْ عِشْرِينَ نُشِخَةٍ خَطَيَّةٍ
تحميں
أ.د. سَائِد بكداش
المُجَلُّ الشَّائعُ
دَارُ السَّرة

نَسِ اللَّهَالرُّ عَنْ الرَّحْمِ
طِرَازاً لَذْهَبِنا الْمُذْهَبِ
هدایتنا هذه قد غَدَتْ
فألفافُها دُرَرُ كُلُها وما مِثُهَا قَطُّ فِي مَذْهَبٍ
(زُيِّنَت بهذَيْن البيتَيْنِ غُرَّةُ نسخة ٧٣٢هـ)

الْهُدَايَةُ
(شَرَحُ بِدَايَةِ الْمُتَدِّيّ)
٧

جميع الحقوق محفوظة لِلُحقِّق
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٤٠ هـ -٢٠١٩م
دَارُ السََّةِ - المَدِيْنَةُ المُغَوَّرَةُ
يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى الْعِنَوَانِ التَّالى:
البَرِيْدُ الإلكتروني: SRAJ1000@hotmail.com
جوال : ٠٠٩٦٦٥٠٥٣١٣٣٢٠

٥
كتاب الأَشْرِبَة
كتاب الأَشْرِبَة
الأشربةُ المُحَرَّمةُ أربعةٌ :
الخمرُ، وهي عصيرُ العنبِ إذا غَلَىُ واشتَدَّ، وقَذَفَ بالزَّبَد، من غير أن
يُطَبَخ : يَحْرُمُ قليلُها وكثيرُها .
والعصيرُ إذا طُبخَ حتى ذهبَ أقلُّ من ثُلُثَيْهِ، وهو الطَّلَاءُ المذكورُ في
(الجامع الصغير))، ونقيعُ التمرِ، وهو السَّكَرُ، ونقيعُ الزبيبِ إذا اشتَدَّ وغَلَى.
كتاب الأَشْرِبَة
قال: سُمَِّ بها، وهي: جَمْعُ: شَرابٍ: لِمَا فيه من بيانِ حُكْمِها.
قال: (الأشربةُ المُحَرَّمةُ أربعةٌ:
١ - الخمرُ، وهي عصيرُ العنب إذا غَلَىُ واشتَدَّ(١)، وقَذَفَ بالزَّبَد، من
غير أن يُطْبَخ: يَحرُمُ قليلُها وكثيرُها(٢).
٢ - والعصيرُ إذا طُبِخَ حتى ذهبَ أقلُّ من ثُلُثَيْهِ، وهو الطِّلاءُ المذكورُ
في ((الجامع الصغير(٣)).
٣- ونقيعُ التمرِ، وهو السَّكَرُ.
٤ - ونقيعُ الزبيبِ إذا اشتَدَّ وغَلَىْ).
(١) أي إذا حصل فيه قوة الإسكار.
(٢) قوله: من غير أن يُطبَخ: يَحرُمُ قليلُها وكثيرُها: مثبتٌ في بداية المبتدي ص
٦٥٦، وأيضاً في نسخة ١٠٣٨ هـ، ونسخة مكتبة السليمانية برقم ٦٤٤.
(٣) ص٢٣٦.

٦
كتاب الأَشْرِبَة
أما الخمرُ، فالكلامُ فيها في عشرة مواضع:
١ - أحدُها: في بيان ماهِيَّتِها(١)، وهي النِّيْءُ من ماءِ العنبِ خاصةً إذا
صار مُسْكِراً، وهذا عندنا، وهو المعروفُ عند أهل اللغة، وأهلِ العلم(٢).
وقال بعضُ الناس(٣): هو (٤) اسمٌ لكلّ مُسكِرٍ؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((كلّ مُسْكِرٍ خمرٌ))(٥).
وقولِه عليه الصلاة والسلام: ((الخمرُ من هاتَيْن الشجرتَيْن))، وأشار إلى
الكَرْمةِ، والنَّخْلة(٦).
ولأنه مشتَقٌّ من مُخامَرَةِ العقلِ، وهو موجودٌ في كلِّ مسكِرٍ.
ولنا: أنه اسمٌ خاصٌّ بإطباق أهلِ اللغة فيما ذكرناه(٧)، ولهذا اشتَهَرَ
استعماله فيه، وفي غيره: غیرُه.
ولأن حُرمةَ الخمرِ قطعيةٌ، وهي في غيره ظنِّةٌ.
(١) وفي نُسَخ: مائيتها. وهي بمعنى واحد. البناية ٧٥/١٥.
(٢) أراد بهم الفقهاء.
(٣) أراد بهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وأهل الظاهر. البناية ٧٦/١٥.
(٤) أي الخمر. قلت: الخمر تذكَّرُ وتؤنَّث، فيقال: هو، وهي. المصباح المنير.
(٥) صحيح مسلم (٢٠٠٣).
(٦) صحيح مسلم (١٩٨٥).
(٧) أي في النِّيْءٍ من ماء العنب.

٧
كتاب الأَشْرِبَة
.
وإنما سُمِّيَ خمراً: لتخمُّره، لا لمُخامَرَتِهِ العقلَ.
على أنَّ ما ذَكَرْتُم: لا ينافي كونَ الاسمِ خاصاً فيه، فإن النَّجْمَ: مشتقٌّ
من: النجوم(١)، وهو الظهورُ، ثم هو اسمٌ خاصٌّ للنَّجْم المعروف(٢)، لا
لكلِّ مَا ظَهَرَ، وهذا كثيرُ النظِيْر.
والحديثُ الأولُ(٣) : طَعَنَ فيه يحيى بنُ معينٍ(٤) رحمه الله.
والثاني(٥): أُريدَ به بيان الحُكُمُ؛ إذ هو اللائقُ بمَنَصِبِ الرسالة.
٢ - والثاني: في حَدِّ ثبوت هذا الاسم.
وهذا الذي ذَكَرَه في ((الكتاب(٦)): قولُ أبي حنيفة رحمه الله.
وعندهما: إذا اشتدَّ وغَلَىُ(٧)، ولا يُشترَطُ القذفُ بالزَّبَد؛ لأن الاسمَ
يثبتُ به، وكذا المعنىُ المُحرِّمُ(٨) بالاشتداد، وهو المؤثّرُ في الفساد.
(١) قوله: النجوم، وهو: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٢) وهو: الثُّرَيَّا. البناية ٧٨/١٥، حاشية سعدي على الهداية.
(٣) أي حديث: كل مسكر خمرٌ، وينظر البناية ١٥ /٧٨ لبيان ما قيل فيه.
(٤) البغدادي، إمام الجرح والتعديل، الحافظ المتقن، المتوفى سنة ٢٣٣هـ.
(٥) أي الحديث الثاني وهو: ((الخمرُ من هاتين الشجرتين))، وينظر البناية ٧٨/١٥.
(٦) أي مختصر القدوري.
(٧) أي صار مسكراً، وفي طبعات الهداية القديمة: إذا اشتد: صار خمراً.
(٨) وهو السُّكْر.

٨
كتاب الأَشْرِبَة
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الغَلَيَانَ: بدايةُ الشدة، وكمالُها(١): بقذفِ
الزَّبَدِ وسكونه(٢)؛ إذ به يتميّزُّ الصافي من الكَدِرِ.
وأحكامُ الشرع قطعيةٌ(٣)، فتُناطُ بالنهاية، كالحَدّ(٤)، وإِكفارٍ
المُستَحِلُّ، وحُرمةِ البيع.
وقيل: يُؤْخَذُ في حُرمة الشُّرب بمجرد الاشتداد؛ احتياطاً(٥).
٣- والثالثُ: أنَّ عينَها حرامٌ، غيرُ معلول بالسُّكْر، ولا موقوفٌ عليه.
ومن الناسِ مَن أنكر حُرمةَ عينها، وقال: إن السُّكْرَ (٦) منها حرامٌ؛ لأن
به يحصلُ الفسادُ، وهو الصدُّ عن ذِكْر الله.
وهذا(٧) كُفْرٌّ؛ لأنه جحودُ الكتاب، فإنه تعالىُ سمَّه(٨) رِجْساً،
والرِّجْسُ: ما هو محرَّمُ العينِ.
(١) وفي نُسخ: بالنصب: كمالَها، أي كَمَال الشدة، وفي نُسخ: كَمَاله. بالتذكير.
(٢) أي سكون الغليان.
(٣) أي أُمَّهات أحكام الشرع قطعيةٌ، لا مجالَ للظن والاحتمال فيها، فتعلَّق بالنهاية
وهو قذف الزبد؛ لأن في النقصان: شبهةَ العدم، والحدود تدرأ بالشبهات. البناية ٨٠/١٥.
(٤) أي حد الخمر، وإكفار مستحِلُّ الخمر، وحرمة بيع الخمر.
(٥) يعني وفي الحد يؤخذ بقذف الزبد احتياطاً.
(٦) وفي نُسخ: المسكر.
(٧) أي هذا القول. البناية ١٥/ ٨١.
(٨) أي سمى الخمر.

٩
كتاب الأَشْرِبَة
وقد جاءت السُّنَّةُ متواترةً أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام حرَّم الخمر(١).
وعليه انعقد إجماعُ الأُمَّة.
ولأن قليلَه يدعو إلى كثيرِه، وهذا من خواصِّ الخمر، ولهذا تزدادُ
لشاربه اللَّذَّةُ بالاستكثار منه، بخلاف سائر المَطعومات.
ثم هو غيرُ معلولٍ عندنا، حتى لا يَتَعدَّى حكمُه إلى سائر المسكرات.
والشافعي(٢) رحمه الله يُعدِّيِه إليها، وهذا بعيدٌ؛ لأنه خلافُ السُّنّة
المشهورة، وتعليلٌ لتعدية الاسم، والتعليلُ في الأحكام، لا في الأسماء.
٤- والرابعُ: أنها نَجسةٌ نجاسةً غليظةً، كالبول؛ لثبوتها بالدلائل
القطعية، على ما بيَّنَّاه.
٥- والخامسُ: أنه يُكْفَرُ مُستَحِلُّها؛ لإنكاره الدليلَ القطعيَّ، وهو
الكتابُ، وإجماعُ الصحابةِ رضي الله عنهم.
٦- والسادسُ: سقوطُ تقوُّمِها في حَقِّ المسلم، حتى لا يَضمَنُ مُتْلِفُها
وغاصبُها، ولا يجوزُ بيعُها؛ لأن اللهَ تعالىُ لَمَّا نجَّسَها: فقد أهانها، والتقوَّمُ
يُشعِرُ بعِزَّتها.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن الذي حرَّمَ شُرْبَها: حرَّمَ بِيعَها، وأَكْلَ
ثمنها))(٣).
(١) صحيح مسلم (١٥٧٩)، وينظر الدراية ٢٤٧/٢، البناية ١٥/ ٨٢.
(٢) نهاية المطلب ١٧ / ٣٢٥.
(٣) صحيح مسلم (١٥٧٩).

١٠
كتاب الأَشْرِبَة
واختلفوا في سقوط ماليّتها(١)، والأصحُّ أنها مالٌ(٢)؛ لأن الطِّبَاعَ تميلُ
إليها، وتَضِنُّ بها(٣).
ومَن كان له على مسلمٍ دَيْنٌ، فأوفاه من ثمنٍ خمرٍ: لا يَحِلُّ له أن
يأخذَه، ولا للمديون أن يُؤدِّيَه؛ لأنه ثمنُ بيعٍ باطلٍ، وهو غَصْبٌ في يده،
أو أمانةٌ، على حَسَبِ ما اختلفوا فيه، كما في بيع الميتة.
ولو كان الدَّينُ على ذميٌّ: فإنه يُؤدِّيْه من ثمنِ الخمر، والمسلمُ
الطالِبُ يَستوفيه؛ لأن بيعَها فيما بينهم جائزٌ.
٧- والسابعُ: حُرْمةُ الانتفاع بها؛ لأن الانتفاعَ بالنجَسِ حرامٌ.
ولأنه واجبُ الاجتناب، وفي الانتفاع به: اقترابٌ.
٨- والثامنُ: أنْ يُحَدَّ شاربُها وإن لم يَسكَرْ منها؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((مَن شَرِبَ الخمرَ: فاجلِدُوه، فإن عاد: فاجلِدُوه، فإن عاد:
فاجلِدُوه، فإن عاد: فاقتلوه))(٤).
(١) أي مالية الخمر.
(٢) لكن غير متقوِّم.
(٣) أي تبخل بها، وهذا هو حقيقة المال.
(٤) سنن الترمذي (١٤٤٤)، سنن أبي داود (٤٤٨٢)، وصححه بن حبان
(٤٤٤٧)، وله طرق عديدة، ينظر نصب الراية ٣٤٦/٣.

١١
كتاب الأَشْرِبَة
إلا أنَّ حُكْمَ القتلِ قد انتَسَخَ، فبقِيَ الجَلْدُ مشروعاً، وعليه انعقد
إجماعُ الصحابة(١) رضي الله عنهم، وتقديرُه ذكرناه في الحدود.
٩ - والتاسعُ: أن الطبخَ لا يُؤْثِّرُ فيها(٢)؛ لأنه(٣) للمنع من ثبوت الحُرمة،
لا لرفعها بعد ثبوتها، إلا أنه لا يُحَدُّ فيه(٤) ما لم يَسكَرْ منه، على ما قالوا(٥)؛
لأن الحدَّ بالقليل: في النِّيْءٍ خاصةً(٦)، لِمَا ذكرناه، وهذا قد طُبخَ.
١٠ - والعاشرُ: جوازُ تخليلها.
وفيه خلافُ الشافعي(٧) رحمه الله، وسنذکرُه من بعد إن شاء الله تعالى.
هذا هو الكلامُ في الخمر.
(١) أشار إليه الترمذي عقب حديث (١٤٤٤)، لكن قال في الدراية ٢٤٨/٢: وقد
تُعقب بأن عبد الله بن عمرو يقول بقتله، وأن الحسن البصري كان يفتي بقوله.
(٢) أي في الخمر.
(٣) أي الطبخ.
(٤) أي إلا أن الشأن أنه لا يُحدُّ في المطبوخ من الخمر ما لم يسكر منه. البناية
١٥/ ٩٥.
(٥) أي على ما قال المشايخ رحمهم الله. البناية ١٥ /٩٥.
(٦) أي لا في المطبوخ؛ لأن أثر الطبخ في إزالة صفة الإسكار، والخمر حرامٌ،
وموجبٌ للحد بعينها، لا لإسکارها.
(٧) الحاوي الكبير ١١٢/٦.

١٢
كتاب الأَشْرِبَة
* وأما العصيرُ(١) إذا طُبخَ حتى يَذهبَ أقلّ من ثُلُثَيْهِ، وهو المطبوخُ
أدنىُ طَبْخةٍ، ويُسمى: الْبَاذَقَ.
والمُنَصَّفُ: وهو ما ذَهَبَ نصفُه بالطبخ.
فكلٌّ ذلك حرامٌ عندنا إذا غَلَى واشتدَّ وقَذَفَ بالزّبَد.
أو إذا اشتدَّ: على الاختلاف(٢).
وقال الأوزاعي(٣) رحمه الله: إنه مباحٌ، وهو قولُ بعض المعتزلة(٤)؛
لأنه مشروبٌ طيِّبٌ، وليس بخمرٍ.
ولنا: أنه رقيقٌ مُلِذَّ مُطْرِبٌ، ولهذا يجتمعُ عليه الفُسَّاقُ، فَيَحرُمُ شُرْبُه؛
دَفْعاً للفساد المتعلَّقِ به.
* وأما نَقِيعُ التمر، وهو السَّكَرُ، وهو النِّيْءَ من ماءِ التمر، أي الرُّطَب:
فهو حرامٌ مكروهٌ(٥).
(١) وهو النوع الثاني من الأشربة المحرمة، أي وأما عصير العنب.
(٢) أي المذكور بين الإمام وصاحبيه في اشتراط القذف بالزبد.
(٣) عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام، ت ١٥٧هـ.
(٤) وهو بشر بن غياث المريسي (ت ٢١٨ هـ)، وقول أهل الظاهر. البناية ١٥ /٩٨.
(٥) أردف الحرام بالمكروه: ليُعلَم أن درجة حُرمته أدنى من درجة حرمة الخمر؛
لأن حرمة السَّكَر اجتهاديةٌ، وحرمةَ الخمر بالإجماع قطعيةٌ، ولهذا لا يُكفَرُ مُستَحِلّ
السَّكَر، ويُكفَر مُستَحِلُّ الخمر . البناية ١٥/ ٩٩.

١٣
كتاب الأَشْرِبَة
وقال شريكُ بن عبد الله (١) رحمه الله: إنه مباحٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يَتَّخِذُونَ
مِنَّهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. النحل / ٦٧.
امتَنَّ به علينا، وهو بالمُحَرَّم لا يتحقَّقُ.
ولنا: إجماعُ الصحابة رضي الله عنهم.
ويدلَّ عليه ما رويناه من قبل(٢).
والآيةُ: محمولةٌ على الابتداء، إذ(٣) كانت الأشربةُ مباحةً كلُّها.
وقيل: أراد به التوبيخَ.
معناه، والله أعلم: تتخذون منه سكَراً، وتَدَعُون رزقاً حسناً؟!
* وأما نَقِيعُ الزبيب (٤): وهو النِّيْءَ من ماء الزبيب: فهو حرامٌ إذا اشتدَّ
٩
وغَلَى.
ويتأنَّى فيه خلافُ الأوزاعيِّ رحمه الله، وقد بيًّا المعنى من قبل.
إلا أن حُرمةَ هذه الأشربةِ: دونَ حرمةِ الخمر، حتى لا يُكفَرُ مُستَحِلُّها،
ويُكفَرُ مُستحِلَّ الخمر؛ لأن حرمتَها اجتهاديةٌ، وحُرمةَ الخمرِ قطعيةً.
(١) النخعي الكوفي، من أصحاب أبي حنيفة، ت ١٧٧ هـ.
(٢) وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((الخمر من هاتين الشجرتين))، وأشار إلى
الكرمة والنخلة، وتقدم تخريجه قريباً.
(٣) وفي نُسخ: وكانت.
(٤) وهو النوع الرابع من الأشربة المحرَّمة بحسب تقسيم المصنّف لها.

١٤
كتاب الأَشْرِبَة
وقال في ((الجامع الصغير)): وما سوى ذلك من الأشربة : فلا بأسَ به.
ولا يجبُ الحَدُّ بشُرْبها حتى يَسْكَرَ، ويجبُ بشُرْب قطرةٍ من الخمر.
ونجاستُها خفيفةٌ في روايةٍ، وغليظةٌ في أخرى، ونجاسةُ الخمرِ غليظةٌ
روايةً واحدةً.
ويجوزُ بيعُها (١)، ويَضمَنُ متلِفُها عند أبي حنيفة رحمه الله.
خلافاً لهما فيهما(٢)؛ لأنه مالٌ متقوِّمٌ، وما (٣) شَهدتْ دلالةٌ قطعيةٌ
بسقوط تقوُّمِها (٤)، بخلاف الخمر.
غيرَ أنَّ عنده(٥) تجبُ قيمتُها، لا مِثلُها، على ما عُرِف.
ولا يُنْتَفَعُ بها(٦) بوجهٍ من الوجوه؛ لأنها محرَّمٌ.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يجوزُ بيعُها إذا كان الذاهبُ بالطبخ
أكثرَ من النصف، دون الثلثين.
(وقال في ((الجامع الصغير(٧)): وما سوى ذلك من الأشربة: فلا بأسَ به).
(١) أي بيع الأشربة المذكورة، سوى الخمر، لكن مع الكراهة.
(٢) أي في جواز البيع والتضمين.
(٣) ما: نافية.
(٤) أي قيمة هذه الأشربة عند الإتلاف.
(٥) أي الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
(٦) أي بالأشربة المذكورة.
(٧) ص٢٣٦.

١٥
كتاب الأَشْرِبَة
وكان أبو يوسف رحمه الله يقول : ما كان من.
قالوا (١): هذا الجوابُ: على هذا العموم، والبيانُ(٢) لا يوجدُ في غيره.
وهو نصٌّ على أنَّ ما يُتَّخذُ من الحنطةِ والشعيرِ والعسلِ والذُّرَةِ: حلالٌ
عند أبي حنيفة رحمه الله، ولا يُحَدُّ شاربُه عنده وإن سكِرَ منه(٣).
ولا يقعُ طلاقُ السكران منه؛ لأنه بمنزلة النائم، ومَن(٤) ذَهَبَ عقلُه
بالبَنْجِ والدواء، ولبنِ الرِّمَاك(٥).
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه(٦) حرامٌ، ويُحَدُّ شاربُه إذا سكِرَ منه، ويقعُ
طلاقُه إذا سكِرَ منه، كما في سائر الأشربة المُحَرَّمة.
وقال فيه(٧) أيضاً: (وكان أبو يوسف رحمه الله يقول: ما كان من
(١) أي شُرَّاح الجامع الصغير.
(٢) أي هذا التصريح لا يوجد في غير الجامع الصغير.
(٣) أي وإن سكر من المتَّخذ من هذه الأشياء، وفي البناية ٣٩٣/١١ عن تحفة
الفقهاء ٥٦٣/٣ هذا هو الصحيح من الرواية. اهـ، لكن قال سعدي في حاشيته على
الهداية: والصحيح أنه يُحَدُّ عنده، كما في المثلّث. نصَّ عليه عصام. تمرتاشي. اهـ
(٤) عطفٌ على النائم، أي وبمنزلة مَن ذهب عقله.
(٥) جمع: رمكة: الأنثى من الخيل.
(٦) أي المتخذ من الحنطة والشعير والعسل ونحوها.
(٧) أي في الجامع الصغير ص٢٣٦. كما في البناية ١٠٧/١٥، حاشية سعدي
على الهداية.

١٦
كتاب الأَشْرِبَة
الأشربة يبقى بعد ما يبلُغُ عشرةَ أيامٍ، ولا يَفسُدُ: فإني أَكرَهُه، ثم رَجَعَ إلى
قول أبي حنيفة رحمه الله.
الأشربة يبقى بعد ما يبلُغُ عشرةَ أيامٍ(١)، ولا يَفسُدُ: فإني أَكرَهُه، ثم رَجَعَ
إلى قول أبي حنيفة رحمه الله).
وقولُهُ الأولُ: مثلُ قولِ محمدٍ رحمه الله: إن كلَّ مسكِرٍ حرامٌ، إلا أنه
تفرَّد بهذا الشرط(٢).
ومعنى قوله: يَبلُغُ: يَغلي ويشتدُّ.
ومعنى قوله: ولا يَفسُدُ: لا يَحمُضُ.
ووجهُهُ: أنَّ بقاءَه هذه المدةَ من غير أن يَحمُضَ دلالةُ قوَّتِه وشدتِهِ،
فكان آيةَ حُرمتِهِ.
ومثلُ ذلك مَرويٌّ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما(٣).
وأبو حنيفة رحمه الله يَعتبرُ حقيقةَ الشدة، على الحدِّ الذي ذكرناه فيما
يَحْرُمُ أصلُ شرِبِهِ، وفيما يَحْرُمُ السُّكْرُ منه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وأبو يوسف رحمه الله رَجَعَ إلى قولِ أبي حنيفة رحمه الله، فلم يُحرِّمْ
كلَّ مسكرٍ، وَرَجَعَ عن هذا الشرط أيضاً.
(١) أي يغلي ويشتد، كما سيأتي بعد قليل في كلام المصنف.
(٢) أي شَرْط ألا يفسد.
(٣) ينظر الدراية ٢٤٩/٢.

١٧
كتاب الأَشْرِبَة
وقال في ((المختصر)): ونبيذُ التمر والزبيب إذا طُبِخَ كلّ واحدٍ منهما
أدنىُ طَبْخةٍ: حلالٌ وإن اشتدَّ إذا شَرِبَ منه ما يَغِلِبُ على ظنِّه أنه لا
يُسكِرُهُ، من غير لَهْوِ ولا طَرَبِ.
ولا بأسَ بالخَلِيطَيْن.
قال: (وقال في ((المختصر (١): ونبيذُ التمرِ والزبيبِ إذا طُبِخَ كلُّ واحدٍ
منهما أدنىُ طَبْخةٍ: حلالٌ وإن اشتدَّ إذا شَربَ منه ما يَغْلِبُ علىُ ظِّه أنه لا
يُسكِرُهُ، من غير لَهْو ولا طَرَبٍ(٢))، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف
رحمهما الله.
وعند محمدٍ والشافعيّ(٣) رحمهما الله: حرامٌ.
والكلامُ فيه: كالكلام في المُثَلَّث العِنَبيّ(٤)، ونذكره إن شاء الله تعالى.
قال: (ولا بأسَ بالخَلِيطَيْن(٥))؛ لِمَا رُوي عن ابن زياد أنه قال: سقاني
(١) أي مختصر القدوري.
(٢) لأن شُرب نبيذ التمر والزبيب لأجل اللهو والطرب: حرامٌ بالإجماع.
والطَّرَبُ هو: خِفَّةٌ تُصيب الإنسان لشدة حزن أو فرح. الدر المختار ٤٥٣/٦،
نقلاً عن المختار، قلت: المراد مختار الصحاح، لا المختار للموصلي، وكذلك نقله
في البناية ١٩/٧ عن المختار.
(٣) إعانة الطالبين ١١٠/١.
(٤) وهو عصير العنب إذا طُبخ حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثُه: فهذا حلالٌ عند أبي
حنيفة وأبي يوسف وإن اشتد، وحرامٌ عند محمد والأئمة الثلاثة. البناية ١١٠/١٥.
(٥) الخليطان: عبارةٌ عن نقيع التمر ونقيع الزبيب، يخلطان، فيُطبخ بعد ذلك
أدنى طبخة، ويُترك إلى أن يغلي ويشتد. البناية ١٢/ ٣٧٢.

١٨
كتاب الأَشْرِبَة
ونبيذُ العَسَلِ والقِّيْنِ، ونبيذُ الحنطةِ والذَّرَةِ والشعيرِ: حلالٌ وإن لم
يُطبخْ.
ابنُ عمرَ رضي الله عنهما شَرْبةً ما كِدْتُ أهتدي إلى منزلي (١)، فغَدَوْتُ إليه
من الغد، فأخبرتُه بذلك، فقال: ما زِدْناكَ علىُ عَجْوةٍ وزبيبٍ (٢).
وهذا نوعٌ(٣) من الخليطَيْن، وكان مطبوخاً؛ لأن المَرْويَّ عنه حُرمةٌ
نقيع الزبيب، وهو النِّيْءٌ منه.
وما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الجَمْع بين التمر والزبيب،
والزبيب والرُّطَب، والرُّطَب والبُسْر(٤): محمولٌ على حالة الشدَّةِ، وكان
ذلك في ابتداء الإسلام(٥).
قال: (ونبيذُ العَسَلِ والتَّيْنِ، ونبيذُ الحنطةِ والذُّرَةِ والشعيرِ: حلالٌ(٦)
وإن لم يُطبَخْ)، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، إذا كان
يَشربُه من غير لَهْوِ وطَرَبٍ.
(١) وفي نُسخ: أهلي.
(٢) قال في الدراية ٢٤٩/٢: أخرجه محمد بن الحسن في الآثار.
(٣) لفظ: نوعٌ: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٤) صحيح مسلم (١٩٩٠).
(٥) وفي غالب النسخ: في الابتداء. قال في البناية ١١٤/١٥: أي ابتداء الإسلام.
وكتب في حاشية نسخة ٧٩٧هـ: أي في ابتداء التحريم.
(٦) وفي نسخة ٦٣٣ هـ من بداية المبتدي: حلالٌ إذا اشتد وإن لم يُطبخ.

١٩
كتاب الأَشْرِبَة
.
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الخمرُ من هاتَيْن الشجرتين))، وأشار إلى
الكَرْمة والنخلة(١).
خصَّ التحريمَ بهما(٢)، والمرادُ بيانُ الحكم(٣).
ثم قيل: يُشترَطُ الطبخُ فيه لإباحته، وقيل: لا يشترطُ، وهو المذكور
في ((الكتاب(٤))؛ لأن قليلَه لا يدعو إلى كثيرِه كيف ما كان(٥).
وهل يُحَدُّ في المتَّخَذِ من الحبوب إذا سكِرَ منه؟
قيل: لا يُحَدُّ، وقد ذكرنا الوجهَ من قبل(٦).
قالوا: والأصحُ أنه يُحَدُّ، فإنه رُوي عن محمدٍ رحمه الله فيمن سكِرَ
من الأشربة: أنه يُحَدُّ من غير تفصيلٍ (٧).
وهذا لأن الفُسَّاقَ يجتمعون عليه في زماننا اجتماعَهم على سائر
الأشربة، بل فوق ذلك.
(١) صحيح مسلم (١٩٨٥).
(٢) أي بالكرمة والنخلة، فبقي ما وراءهما على أصل الإباحة.
(٣) لا بيان اللغة.
(٤) أي مختصر القدوري. البناية ١١٦/١٥.
(٥) مطبوخاً أو غيرَ مطبوخ.
(٦) وهو أن حرمته ليست بدليل قطعي. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.
(٧) بين المطبوخ وغيره. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.

٢٠
كتاب الأَشْرِبَة
وعصيرُ العِنَبِ إذا طُبِخَ حتى ذَهَبَ ثلثاه، وبقِيَ ثلثُه: حلالٌ وإن اشتدَّ.
وكذلك المُتَّخذُ من الألبان إذا اشتدَّ: فهو على هذا(١).
وقيل: إن المتَّخذَ من لبنِ الرِّماك: لا يَحِلّ عند أبي حنيفة رحمه الله؛
اعتباراً بلَحْمِهِ؛ إذ هو متولِّدٌ منه.
قالوا: والأصحُ أنه يَحِلُّ؛ لأن كراهةَ لحمِهِ: لِمَا أن في إباحته من قَطْعِ
مادةِ الجهادِ، أو لاحترامِهِ، فلا يَتعدَّى إلى لبنه.
قال: (وعصيرُ العِنَبِ إذا طُبِخَ حتى ذَهَبَ ثلثاه، وبقِيَ ثلثُه: حلالٌ وإن
اشتدّ)، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ، ومالكُ(٢)، والشافعيّ(٣) رحمهم الله: حرامٌ.
وهذا الخلافُ فيما إذا قُصِدَ به التقوِّي، أما إذا قُصِدَ به التلهِّي: لا
يَحِلّ بالاتفاق(٤).
وعن محمدٍ رحمه الله: مثلُ قولهما.
وعنه: أنه کره ذلك.
وعنه: أنه توقَّفَ فیه.
(١) أي على اختلاف الروايتين: قيل: يُحدُّ، وقيل: لا يُحد.
(٢) التلقين ص ٨٠.
(٣) العزيز ٢٧٥/١١.
(٤) لأن التلهي حرام، وما يؤدي إلى الحرام: حرامٌ. حاشية نسخة ٧٣٨هـ