النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
فصلٌ في البيع
وإذا باع المسلمُ خمراً، وأَخَذَ ثمنَها، وعليه دينٌ: فإنه يُكره لصاحب
الدَّيْنِ أنْ يأخذَ منه، وإن كان البائعُ نصرانياً : فلا بأسَ به.
ويكره الاحتكارُ في أقواتِ الآدميينَ والبهائمِ، إذا كان ذلك في بلدٍ
يُضِرُّ الاحتكارُ بأهله، وكذلك التلقّي، فأما إذا كان لا يُضِرُّ: فلا بأس به .
قال: (وإذا باع المسلمُ خمراً، وأَخَذَ ثمنَها، وعليه دينٌ: فإنه يُكره
لصاحب الدَّيْن أنْ يأخذَ منه.
وإن كان البائعُ نصرانياً: فلا بأسَ به).
والفرقُ: أن البيعَ في الوجه الأول: قد بَطَلَ؛ لأن الخمرَ ليس بمال
متقوِّمٍ في حقِّ المسلم، فبقيَ الثمنُ على ملكِ المشتري، فلا يَحِلَّ له أَخْذُهُ
من البائع.
وفي الوجه الثاني: صحَّ البيعُ؛ لأنه مالٌ متقوِّمٌ في حقِّ الذميِّ، فمَلَكَه
البائعُ، فَيَحِلُّ الأخذُ منه.
[حكم الاحتكار : ]
قال: (ويكره الاحتكارُ في أقواتِ الآدميينَ والبهائم، إذا كان ذلك في بلدٍ
يُضِرُّ الاحتكارُ بأهله، وكذلك التلقِّي، فأما إذا كان لا يُضِرُّ: فلا بأس به).
والأصلُ فيه: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الجالِبُ مَرزوقٌ، والمحتَكِرُ
ملعونٌ)(١).
(١) سنن ابن ماجه (٢١٥٣)، قال البوصيري في الزوائد: فيه علي بن زيد بن
جدعان، وهو ضعيف. اهـ، ورواه إسحاق بن راهويه، والدارمي (٢٥٨٦)، وعَبْد بن
حميد (المنتخب ٣٣)، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، والبيهقي في شعب الإيمان=

٥٠٢
فصلٌ في البيع
ولأنه تعلَّقَ به حَقُّ العامة، وفي الامتناع عن البيع: إبطالُ حقَهم، وتضييقُ
الأمرِ عليهم، فيكره إذا كان يُضِرُّ بهم ذلك، بأن كانت البلدةُ صغيرةً.
بخلاف ما إذا لم يُضِرَّ، بأن كان المِصْرُ كبيراً؛ لأنه حابسٌ مِلكَه(١) من
غیر إضرارٍ بغيره.
وكذلك التلقّي: على هذا التفصيل؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام
نهى عن تلقَّي الجَلَبِ (٢)، وعن تلقِّ الرُّكْبان(٣).
قالوا: هذا إذا لم يُلِّسِ المتلقّي على التجَّار سعرَ البلدة، فإن لَبَّس:
فهو مكروهٌ في الوجهین(٤)؛ لأنه غادِرٌ بهم.
وتخصيصُ الاحتكارِ بالأقوات، كالحنطة والشعير والتِّبْنِ والقَتّ(٥).
قولُ أبي حنيفة رحمه الله.
(١٠٧٠٠)، كما في نصب الراية ٢٦١/٤، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٣/٣،
وفتح الباري ٣٤٣/٤: إسناده ضعيف، وبلفظ: ((لا يحتكر إلا خاطىء)): في صحيح
مسلم (١٦٠٥).
(١) وضُبطت في نُسخ أخرى: حابسُ ملكِهِ.
(٢) صحيح مسلم (١٥١٩).
(٣) صحيح مسلم (١٥٢١).
(٤) أضرَّ، أو لم يُضِر.
(٥) هي الفِصْفِصة إذا جفّت، وهي الرطبة اليابسة، ويسمىُ البرسيم، والدريس،
ينظر البناية ١٤/ ٥٥٤.

٥٠٣
فصلٌ في البيع
وقال أبو يوسف رحمه الله: كلّ ما أَضَرَّ بالعامة حَبْسُه: فهو احتكارٌ
وإن كان ذهباً أو فضةً أو ثوباً.
وعن محمدٍ رحمه الله أنه قال: لا احتكارَ في الثياب.
فأبو يوسف رحمه الله اعتبرَ حقيقةَ الضرر، إذ هو المؤثّرُ في الكراهة،
وأبو حنيفة رحمه الله اعتبرَ الضررَ المعهودَ المتعارَفَ.
ثم المدة إذا قَصُرَتْ: لا يكونُ احتكاراً؛ لعدم الضرر، وإذا طالتْ:
يكون احتكاراً مكروهاً؛ لتحقُّقِ الضرر.
ثم قيل: هي مقدَّرةٌ بأربعين يوماً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن
احتكر طعاماً أربعينَ ليلةً(١): فقد بَرِئَ من الله، وبرئءَ اللهُ منه))(٢).
وقيل بالشهر؛ لأن ما دونه: قليلٌ عاجلٌ، والشهرُ وما فوقَه: كثيرٌ
آجلٌ، وقد مَرَّ في غيرِ موضعٍ.
ويَقعُ التفاوتُ في المَأْثمِ بين أن يتربَّصَ العِزَّةً(٣)، وبين أن يتربَّصَ
القحطَ، والعياذُ بالله.
(١) وفي نُسخ: يوماً. وقد جاء الحديث هكذا وهكذا.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٢٠٣٩٦)، مسند أحمد (٤٨٨٠)، المستدرك للحاكم
(٢١٦٥)، المعجم الأوسط (٤٨٢٦)، وفي إسناده مقال، كما في فتح الباري
٣٤٨/٤، وينظر البدر المنير ١٦ /٤٦٧، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٣) أي عزَّة الطعام، بأن يكون عزيزاً نادراً.

٥٠٤
فصلٌ في البيع
ومَن احتكر غَلَّةَ ضَيْعتِهِ، أو ما جَلَبَه من بلدٍ آخَرَ : فليس بمحتکِرٍ .
وقيل: المدةُ(١): للمعاقبة في الدنيا، أمَّا يأثمُ (٢) وإن قَلَّتِ المدةُ.
والحاصلُ أن التجارةَ في الطعام غيرُ محمودةٍ(٣).
قال: (ومَن احتكر غَلَّةَ ضَيْعتِه، أو ما جَلَبَه من بلدٍ آخَرَ: فليس بمحتكِرٍ).
أما الأولُ(٤): فلأنه خالِصُ حَقِّه، ولم يتعلَّقْ به حَقُّ العامة؛ ألا ترى أنَّ
له أن لا یزرعَ، فکذلک له أن لا یبیعَ.
وأما الثاني: فالمذكور قولُ أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن حَقَّ العامة إنما
يتعلَّقُ بما جُمِعَ في المصر، وجُلِبَ إلى فِنائها.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يكره؛ لإطلاق ما روينا.
وقال محمدٌ رحمه الله: كلَّ ما يُجلَبُ منه إلى المصر في الغالب: فهو
بمنزلة فِناءِ المصر، يَحرُمُ الاحتكارُ فيه؛ لتعلَّقِ حَقِّ العامة به.
بخلاف ما إذا كان البلدُ بعيداً، لم تَجْرِ العادةُ بالحَمْل منه إلى المصر؛
لأنه لم يَتَعلَّقْ به حَقُّ العامة.
(١) أي ضرب المدة في الاحتكار: لأجل المعاقبة في الدنيا بالتعزير.
(٢) قال في البناية ١٤ /٥٥٧: تقديرُهُ: أمَّا الإثمُ: فإنه يأثمُ وإن قلَّتِ المدة، وهذا
تركيبٌ تأباه قواعدُ العربية إلا بالتأويل. اهـ
(٣) يعني بطريق الاحتكار، أما الاسترباح فيه بلا احتكار: فلا بأس به، كذا في
الفوائد الشاهيّة. اهـ البناية ٥٥٧/١٤، والفوائد الشاهية في فروع الحنفية: ذكره في
كشف الظنون ١٢٩٨/٢، ولم يذكر اسم مؤلفه.
(٤) وهو ما إذا احتكر غلة ضيعته.

٥٠٥
فصلٌ في البيع
ولا ينبغي للسُّلطان أن يُسعِّرَ على الناس.
قال: (ولا ينبغي للسُّلطان أن يُسعِّرَ على الناس)؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا تُسَعِّرُوا، فإن اللهَ هو المسعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّازِقُ))(١).
ولأن الثمنَ حَقُّ العاقدِ، فإليه تقديرُه، فلا ينبغي للإمام أن يتعرَّضَ
لِحَقِّه، إلا إذا تعلَّقَ به دَفْعُ ضررِ العامة، على ما نُبَيِّن.
وإذا رُفِعَ إلى القاضي هذا الأمرُ: يأمرُ المحتَكِرَ ببيع ما فَضَلَ عن قُوتِه
وقُوتِ أهلِه، على اعتبار السَّعَة في ذلك، ويَنهاه عن الاحتكار.
فإن رُفِعَ إليه مرةً أخرىُ: حَبَسَه، وعَزَّره على ما يرى؛ زجراً له،
ودَفْعاً للضرر عن الناس.
فإن كان أربابُ الطعام يتحكَّمون، ويتَعَدَّوْن عن القيمة تعدِياً فاحشاً(٢)،
وعَجَزَ القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: فحينئذٍ لا بأسَ به
بمَشورةٍ من أهل الرأي والبصيرة(٣).
فإذا فَعَلَ ذلك، وتعدَّى رجلٌ عن ذلك، وباع بأكثر منه: أجازه
القاضي، وهذا ظاهرٌ عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه لا يَرىُ الحَجْرَ على
الحُرِّ، وكذا عندهما، إلا أنْ يكونَ الحَجْرُ على قومٍ بأعيانهم.
(١) سنن أبي داود (٣٤٥١)، سنن الترمذي (١٣١٤)، وقال: حسن صحيح،
وينظر البدر المنير ١٦ / ٤٧١.
(٢) وهو الذي يبيعه بضعف ما يُباع به. حاشية نسخة ٨٦٠ هـ.
(٣) وفي نُسخ: البصر.

٥٠٦
فصلٌ في البيع
ويُكره بيعُ السلاحِ في أيام الفتنة.
ولا بأس ببيع العصيرِ ممَّن يُعلَمُ أنه يتَّخِذُهُ خمراً.
ومَن باع منهم بما قدَّره الإمامُ: صحَّ؛ لأنه غيرُ مُكرَهٍ على البيع.
وهل يبيعُ القاضي على المحتكِرِ طعامَه من غير رضاه؟ :
قيل: هو على الاختلاف الذي عُرِفَ في بيع مالِ المديون(١).
وقيل: يبيعُ، بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة رحمه الله یریُ الحَجْرَ لدفع ضررٍ
عامٍّ، وهذا كذلك.
قال: (ويُكره بيعُ السلاحِ في أيام الفتنة).
معناه: ممَّن يُعرَفُ أنه من أهل الفتنة؛ لأنه تسبيْبٌ إلى المعصية، وقد
بيَّاه في السِّير.
وإن كان لا يُعرَفُ أنه من أهل الفتنة: لا بأس بذلك؛ لأنه يَحتَمِلُ أن
لا يستعملَه في الفتنة، فلا يُكره بالشك.
قال: (ولا بأس ببيع العصيرِ(٢) ممَّن يُعلَمُ أنه يَتَّخِذُه خمراً)؛ لأن
المعصيةَ لا تُقامُ بعَيْنِه، بل بعد تغيُّرِهِ.
بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة؛ لأن المعصيةَ تقوم بعَيْنه
(١) أي بيع مال المديون المفلس إذا امتنع عن البيع: قال بعضهم: لا يبيع على
مذهب أبي حنيفة، ويبيع على مذهبهما. اهـ البناية ١٤ / ٥٦١.
(٢) أي عصير العنب. مجمع الأنهر ٥٤٨/٢.

٥٠٧
فصلٌ في البيع
ومَن آجَرَ بيتاً ليُتَّخَذَ فيه بيتُ نار، أو كنيسةٌ، أو بِيْعةٌ، أو يُباعَ فيه
الخمرُ بالسَّواد : فلا بأس به، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : لا ينبغي أن يُكرِيَه لشيءٍ من ذلك.
قال: (ومَن آجَرَ بيتاً ليُتَّخَذَ فيه بيتُ نارٍ، أو كنيسةٌ، أو بِيْعةٌ، أو يُباعَ
فيه الخمرُ بالسَّواد: فلا بأس به، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: لا ينبغي أن يُكرِيَه لشيءٍ من ذلك)؛ لأنه إعانةً على المعصية.
وله: أن الإجارةَ تَرِدُ على منفعةِ البيت، ولهذا تجبُ الأجرةُ بمجرد
التسليم، ولا معصيةَ فيه، وإنما المعصيةُ بفعلِ المستأجر، وهو مختارٌ فيه،
فقَطَعَ نسبتَه عنه.
وإنما قيَّده بالسَّواد: لأنهم لا يُمكّنون من اتخاذ البِيَعِ والكنائسِ،
وإظهارِ بَيْعِ الخمور والخنازير في الأمصار؛ لظهور شعائرِ الإسلامِ فيها (١)،
بخلاف السَّوَاد.
قالوا (٢): هذا كان في سَوَاد الكوفة؛ لأن غالبَ أهلِها أهلُ الذمة، فأما
في سَوَادنا: فأعلامُ الإسلامِ فيها ظاهرةٌ، فلا يُمَكَّنونَ فيها(٣) أيضاً، وهو
الأصحَّ.
(١) أي الأمصار.
(٢) أي المشايخ رحمهم الله.
(٣) أي في أمصارنا. حاشية نسخة ٩٨١هـ، لكن في حاشية نسخة ٧٣٨هـ قال:
أي في السَّواد.

٥٠٨
فصلٌ في البيع
ومَن حَمَلَ لذِمِّيِّ خمراً: فإنه يَطيبُ له الأجرُ عند أبي حنيفة رحمه
الله، وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله : يكره له ذلك.
ولا بأس ببيع بناءِ بيوتٍ مكَّةَ، ويكره بيعُ أرضِها.
قال: (ومَن حَمَلَ لذِمِّيِّ خمراً: فإنه يَطيبُ له الأجرُ عند أبي حنيفة
رحمه الله، وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: يكره له ذلك)؛ لأنه
إعانةٌ على المعصية.
وقد صحَّ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لَعَنَ في الخمر عشراً:
حاملَها، والمحمولَةَ إليه (١).
وله: أن المعصيةَ في شُرْبِها، وهو فِعْلُ فاعلِ مختارِ، وليس الشربُ
من ضرورات الحَمْلِ، ولا يُقصَدُ به.
والحديثُ: محمولٌ على الحملِ المقرونِ بقصد المعصية.
قال: (ولا بأس ببيع بناءِ بيوتِ مكَّةَ، ويكره بيعُ أرضِها(٢))، وهذا عند
أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: لا بأس ببيع أرضِها أيضاً، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة رحمه الله؛
لأنها مملوكة لهم؛ لظهور الاختصاصِ الشرعيِّ بها، فصار كالبناء.
(١) سنن أبي داود (٣٦٧٤)، سنن الترمذي (١٢٩٥)، سنن ابن ماجه (٣٣٨١)،
وصححه ابن حبان (٥٣٥٦).
(٢) وفي نُسخ: أراضيها. اهـ، قلت: قد يملك الإنسانُ البناءَ، ولا يملك الأرضَ
التي بُني عليها.

٥٠٩
فصلٌ في البيع
ولأبي حنيفة رحمه الله: قوله عليه الصلاة والسلام: ((ألا إنَّ مكةً
حرامٌ، لا تُباعُ رِباعُها، ولا تُورَثُ))(١).
ولأنها حُرَّةٌ(٢) محترَمةٌ؛ لأنها فِناءُ الكعبة، وقد ظهر آيةُ أثرِ التعظيم
فيها، حتى لا يُنَفَّرُ صيدُها، ولا يُختَلَى خَلاها، ولا يُعضَدُ شوكُها، فكذا
في حقِّ البيع، بخلاف البناء؛ لأنه خالِصُ ملكِ الباني.
ويكره إجارتُها أيضاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن آجَرَ أرضَ
مكةَ: فكأنما أَكَلَ الربا))(٣).
ولأن أراضي مكةَ تسمى: السوائبَ(٤) على عهدِ رسول الله عليه
الصلاة والسلام(٥)، مَن احتاج إليها: سكنَها، ومَن استغنى عنها: أسكن
غيره.
ومَن وَضَعَ درهماً عند بقَّال يأخذُ منه ما شاء: يكره له ذلك؛ لأنه
(١) سنن الدارقطني (٣٠١٤)، المستدرك (٢٣٢٦)، وله عدة طرق بألفاظ
متقاربة تنظر في الدراية ٣٥/٢.
(٢) أي لأن مكة خالصةٌ لله تعالى. البناية ١٤ / ٥٧٢.
(٣) ينظر الدراية ٢٣٥/٢ وأن هذا اللفظ حُرِّف من: ((مَن أكل من أجر بيوت مكة
شيئاً: فإنما يأكل ناراً))، وأنه رواه محمد بن الحسن في الآثار، والحاكم في المستدرك
وغيرهما، وينظر البناية ١٤ / ٥٧٢.
(٤) جَمْع: سائبة، أي التي لا مالكَ لها، ينتفع بها مَن يشاء.
(٥) سنن ابن ماجه (٣١٠٧)، قال في الزوائد: إسناده صحيح، الدراية ٢٣٧/٢.

٥١٠
فصلٌ في البيع
مَلَّكَه قرضاً جَرَّ به نفعاً، وهو أن يأخذَ منه ما شاء حالاً فحالاً، ونهى
رسولُ الله عليه الصلاة والسلام عن قَرْضِ جَرَّ نفعاً (١).
وينبغي أن يستودِعَه، ثم يأخذَ منه ما شاء جزءاً فجزءاً؛ لأنه وديعةٌ،
وليس بقَرْضٍ، حتى لو هَلَكَ: لا شيءَ علىُ الآخِذِ، والله تعالى أعلم.
(١) مسند الحارث (٤٣٧) بلفظ: ((كل قرض جرَّ منفعة فهو رباً))، سنن البيهقي
(١٠٩٣٣)، وذكره عبد الحق في أحكامه، وأعلَّه بسِوار بن مصعب، وقال: إنه
متروك، كما في نصب الراية ٦٠/٤، والتلخيص الحبير ٣٤/٣، ونقل المناوي في
فيض القدير ٢٨/٥ عن السخاوي: أن إسناده ساقط.
وقد وردت عدة آثار عن الصحابة رضي الله عنهم بمعناه، منها ما في المصنَّف
لابن أبي شيبة (٢١٠٧٧)، عن عطاء قال: ((كانوا يكرهون كل قرض جَرَّ منفعة)).
وقال الشيخ محمد حجازي ت ١٠٣٥ هـ، في شرحه الكبير (١٢ مجلداً) على
الجامع الصغير للسيوطي، المسمىُ: ((فتح المولىُ النصير))، قال عنه: حديث حسنٌ
لغيره، كما نقل هذا عنه تلميذه العزيزي (علي بن أحمد، ت ١٠٧٠ هـ) في شرحه:
السراج المنير على الجامع الصغير للسيوطي ٩٣/٣، وينظر إعلاء السنن ١٤ /٤٩٩.

٥١١
مسائلُ متفرِّقٌ
مسائلُ متفرّقةٌ
ويكره التعشيرُ، والنَّقْطُ في المصحف.
مسائلٌ متفرّقةٌ
قال: (ويكره التعشيرُ(١)، والنَّقْطُ (٢) في المصحف)؛ لقول ابن مسعود
رضي الله عنه: ((جَرِّدوا القرآنَ))(٣)، ويُروى: ((جَرِّدوا المصاحف)) (٤).
وفي التعشير، والنَّقْطِ: تَرْكُ التجريد.
ولأن التعشيرَ يُخِلُّ بحفظِ الآي، والنَّقْطَ بحفظ الإعرابِ اتَّكالاً عليه،
فيكره.
قالوا: في زماننا لا بدَّ للعجم من دلالةٍ(٥)، فتَرْكُ ذلك إخلالٌ بالحفظ،
وهِجرانٌ للقرآن، فيكونُ حَسَناً(٦).
(١) هو التعليم على كل عشر آيات، وتمييزها عن غيرها، ونحو هذا.
(٢) أي نَقْطُ الحروف بالنُّقَط؛ لتمييز العين عن القاف مثلاً، ويشمل النَّقْطُ:
وَضْعُ الحركات على الحروف، وضَبْطُها.
(٣) مصنف عبد الرزاق (٧٩٤٤) مصنف ابن أبي شيبة (٨٥٤٩)، سنن النسائي
الكبرى (١٠٧٣٤)، المستدرك (٣٤٧)، فضائل القرآن لأبي عبيد ص٢٣٩.
(٤) قال في نصب الراية ٢٦٩/٤ : رواية غريبة.
(٥) أي تدل على الإعراب.
(٦) أي حسناً في كلُّ من التعشير والنقط.

٥١٢
مسائلُ متفرّقةٌ
ولا بأسَ بتَحليةِ المصحفِ .
ولا بأس بأن يَدخلَ أهلُ الذَّمَّةِ المسجدَ الحرامَ.
قال: (ولا بأسَ بتَحليةِ المصحفِ)؛ لِمَا فيه من تعظيمِهِ، وصار كنَقْش
المسجد وتزيينه بماء الذهب، وقد ذكرناه من قبل(١).
قال: (ولا بأس بأن يَدخلَ أهلُ الذَّمَّةِ المسجدَ الحرامَ).
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: يكره ذلك.
وقال مالك(٣) رحمه الله: يكره في كلِّ مسجد.
للشافعيِّ رحمه الله: قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ
اَلْمَسْجِدَ اُلْحَرَامَ بَعَدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. التوبة/ ٢٨.
ولأن الكافرَ لا يخلو عن جَنَابةٍ؛ لأنه لا يغتسلُ اغتسالاً يُخرجُه عنها،
والجُنُّبُ يُجَنَّبُ المسجدَ.
وبهذا يَحتَجُّ مالكٌ رحمه الله، والتعليلُ بالنجاسة عامٌّ، فَيَنتظمُ
المساجدَ كلَّها.
ولنا: ما رُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل وفدَ ثُقِيفٍ في مسجده،
س. و (٤)
وهم كفَّارٌ(٤).
(١) في كتاب الصلاة، قبل باب صلاة الوتر.
(٢) بل نصَّ أنه لا يُمكَّن. المجموع ١٧٤/٢.
(٣) ينظر الإشراف للقاضي عبد الوهاب ٢٨٦/١.
(٤) سنن أبي داود (٣٠٢٦)، وسكت عنه، صحيح ابن خزيمة (١٣٢٨)، مسند =

٥١٣
مسائلُ متفرّقةٌ
ويكره استخدامُ الخِصْیان.
ولا بأس بخِصاءِ البهائم، وإنزاءِ الحمير على الخيل.
ولا بأس بعيادةِ اليهوديِّ، والنصراني.
31
ولأن الخُبْثَ في اعتقاده، فلا يؤدِّي إلى تلويثِ المسجدِ.
والآيةُ: محمولةٌ على الحضور استيلاءَ واستعلاءً(١)، أو طائفِيْنَ عراةً،
كما كانت عادتُهم في الجاهلية.
قال: (ويكره استخدامُ الخِصْيان)؛ لأن الرغبةَ في استخدامهم حَثّ
للناسِ على هذا الصنيع، وهو مُثْلَةٌ مُحَرَّمَةٌ.
قال: (ولا بأس بخِصاءِ البهائم، وإنزاءِ الحمير على الخيل)؛ لأن في
الأولِ منفعةً للبهيمة، والناس(٣).
وقد صحَّ أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام ركِبَ البَغْلَةَ(٣)، فلو كان هذا
الفعلُ(٤) حراماً: لَمَا رَكِبَها؛ لِمَا فيه من فَتْحِ بابه(٥).
قال: (ولا بأس بعيادةِ اليهوديِّ، والنصرانيِّ)؛ لأنه نوعُ بِرِّ في حَقِّهم،
وما نُهينا عن ذلك.
أحمد (١٧٩١٣)، وينظر الدراية ٢٣٧/٢.
(١) أي مستولين عليها، مستعلين على أهل الإسلام. البناية ١٤ / ٥٨٢.
(٢) منفعة البهيمة: سِمَنُها، ومنفعة الناس: إزالة جماحها وشماسها. البناية ٥٨٥/١٤.
(٣) صحيح البخاري (٢٨٧٤)، صحيح مسلم (١٧٧٦).
(٤) أي إنزاء الحمير على الخيل، حيث ينتج عنه البغلة.
(٥) أي فتح باب هذا الفعل، وهو إنزاء الحمير على الخيل.

٥١٤
مسائلُ متفرّقةٌ
ويكره أن يقولَ الرجلُ في دُعائه : أسألُكَ بمَعْقِد العِزِّ مِن عَرْشِكَ.
وصَحَّ أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام عاد يهودياً مَرِضَ بجوارِهِ (١).
قال: (ويكره أن يقولَ الرجلُ في دُعائه: أسألُكَ بمَعْقِد العِزّ(٢) مِن عَرْشِكَ).
وللمسألة عبارتان: هذه، و: مَقْعَد العِزِّ.
ولا ريبَ في كراهة الثانية؛ لأنه من القعود.
وكذا الأُولىُ؛ لأنه يُوهِمُ تعلُّقَ عِزِّه بالعرش، وهو مُحدَثُ(٣)، والله
تعالى بجميع صفاتِه قدیمٌ.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا بأسَ به، وبه أَخَذَ الفقيهُ أبو الليث
رحمه الله؛ لأنه مأثورٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام(٤)، رُوي أنه كان
من(٥) دُعائه: ((اللهم إني أسألُكَ بمَعْقِدِ العِزِّ من عرشك؛ ومنتهى الرحمةِ
(١) الآثار لمحمد ٣٦٤/١، وينظر الدراية ٢٣٨/٢، البناية ٥٨٨/١٤.
(٢) أي موضع عَقْده. البناية ٥٨٩/١٤، أي معقودٌ به.
(٣) لكن صفة العِزِّ ثابتةٌ لله تعالى أزلاً وأبداً، فلا توهُّم. وينظر ما علَّقه قاضي
زاده بطولٍ في نتائج الأفكار ٤٩٨/٨، وينبّه هنا إلى أن أبا حنيفة إنما كره ذلك: دفعاً
لتوهم المعتزلة، وقد ظهرت فتتُّهم آنذاك.
(٤) الدعوات الكبير للبيهقي (٤٤٣) مرفوعاً، الأسماء والصفات للبيهقي
(٢٥٠)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٢/٢٥، من دعاء الصحابية قَيْلة بنت
مخرمة، بإسناد حسن، كما في مجمع الزوائد ١٠/ ١٢٥.
أما ابن الجوزي فذكره في الموضوعات ٦٣/٢، وأنكر ثبوته العينيُّ في البناية
٥٩٠/١٤.
(٥) وفي نُسخ: في دعائه. البناية ١٤ / ٥٩٠.

٥١٥
مسائلُ متفرّقةٌ
ويكره اللِّعَبُ بالشِّطْرَنِج، والنَّرْدِ، والأربعةَ عَشَرَ، وكلٌّ لَهْو.
من كتابك، وباسمك الأعظم، وجَدِّكَ (١) الأعلى، وكلماتك التامة)).
ولكنا نقول: هذا خبرٌ واحدٌ، فكان الاحتياطُ في الامتناع.
ويكره (٢) أن يقولَ الرجلُ في دعائه: بحَقِّ فلانٍ، أو بحَقِّ أنبيائك
ورُسُلِك؛ لأنه لا حَقَّ للمخلوقِ على الخالق(٣).
قال: (ويكره اللَّعَبُ بالشِّطْرَنج، والنَّرْدِ، والأربعةَ عَشَرَ (٤)، وكلّ
لَهْوِ)؛ لأنه إن قامَرَ بها: فالمَيْسِرُ حرامٌ بالنص(٥)، وهو اسمٌ لكلّ قمارِ،
وإن لم يُقامِرْ: فهو عَبَثٌ ولَهْوٌّ.
وقال عليه الصلاة والسلام: (لَهْوُ المؤمن باطلٌ إلا الثلاثَ: تأديبُه
الفرسِهِ، ومناضلتُه عن قَوْسِهِ، وملاعبتُه مع أهله))(٦).
(١) أي حظك الأعلى. حاشية نسخة ٧٩٧هـ، وفي حاشية نسخة ٧٤٢هـ،
وغيرها: أى عظمتك الأعلى.
(٢) ولم يخالف في هذا أبو يوسف، بخلاف المسألة الأولى: بمعقد العز، كما
أفاده الإتقاني. ينظر ابن عابدين ٦ / ٣٩٧.
(٣) وينظر ما نقله ابن عابدين في حاشيته ٣٩٧/٦ عن التتارخانية والطحطاوي
في جواز ذلك، وأنه جاءت آثارٌ في ذلك.
(٤) نوعٌ من لَعِب اليهود.
(٥) أي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِحْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَاجْتَنِبُوهُ﴾. المائدة / ٩٠.
(٦) سنن أبي داود (٢٥١٣)، وسكت عنه، سنن الترمذي (١٦٣٧)، ونقل
العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٤٠٦/٣ عن ابن حجر أن إسناده حسن.

٥١٦
مسائلُ متفرّقةٌ
ولا بأسَ بقبول هديةِ العبدِ التاجرِ، وإجابةِ دَعوتِهِ، واستعارةٍ دابتِهِ،
وتكره كِسوتُه الثوبَ، وهديتُه الدراهمَ والدنانيرَ .
وقال بعضُ الناس: يباحُ اللَّعِبُ بالشِّطْرنج؛ لِمَا فيه من تشحيذٍ
الخواطرِ، وتَذْكيةِ الأفهام، وهو مَحْكيٌّ عن الشافعي(١) رحمه الله.
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَن لَعِبَ بالشِّطْرنجِ، والنَّرْدِشِير:
فكأنما غَمَسَ يدَه في دمِ الخنزير))(٢).
ولأنه نوعُ لَعِبٍ يَصُدُّ عن ذِكْر الله، وعن الجُمَع والجماعات، فيكونُ
حراماً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما ألهاك عن ذِكْرِ الله: فهو مَيْسِرٌ)(٣).
ثم إن قامر به: تسقطُ عدالتُه، وإن لم يقامِرْ: لا تسقطُ؛ لأنه متأوِّلٌ فيه.
وكره أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله التسليمَ عليهم؛ تحذيراً لهم.
ولم يرَ أبو حنيفة رحمه الله به بأساً؛ ليَشْغَلَهم عمَّا هم فيه.
قال: (ولا بأسَ بقبول هديةِ العبدِ التاجرِ، وإجابةِ دَعوتِهِ، واستعارةٍ
دابته، وتكره كِسوتُه الثوب(٤)، وهديتُه الدراهمَ والدنانيرَ).
(١) يكره تنزيهاً عند الشافعي. الحاوي الكبير ١٧٧/١٧، أسنى المطالب ٣٤٣/٤.
(٢) في صحيح مسلم (٢٢٦٠) بدون لفظ: الشطرنج، وورد فيه أحاديث واهية،
كما في الدراية ٢٤٠/٢.
(٣) قال في الدراية ٢/ ٢٤٠: لم أره مرفوعاً، وإنما هو عن القاسم بن محمد.
(٤) أي تمليك العبد التاجر الثوب.

٥١٧
مسائلُ متفرّقةٌ
وهذا استحسان، وفي القياس: كلّ ذلك باطلٌ؛ لأنه تبرٌُّ، والعبدُ
ليس من أهله.
وَجْهُ الاستحسان: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قَبلَ هديةَ سلمانَ
رضي الله عنه حين كان عبداً(١).
وقَبِلَ هديةَ بَرِيرةَ رضي الله عنها، وكانت مكاتَبَةً(٢).
وأجاب رَهْطٌ من الصحابة رضي الله عنهم دعوةَ مولى أبي أَسِيد(٣)،
.(٤)
وكان عبداً (٤).
ولأن في هذه الأشياءِ ضرورةً لا يجدُ التاجرُ بُدَّاً منها، ومَن مَلَكَ
شيئاً: يَملكُ ما هو من ضروراته.
(١) الطبقات لابن سعد ٧٥/٤، الأموال لأبي عبيد (٦٧٢)، الدراية ٢٤٠/٢.
(٢) صحيح مسلم (١٠٧٤).
(٣) بفتح الهمزة وكسر السين، ويقال: بضم الهمزة وفتح السين. ينظر البناية
٦٠٦/١٤.
(٤) قال في نصب الراية ٢٨٢/٤: غريب، ولم يخرجه في الدراية ٢٤٢/٢، قال
وفي الباب حديثٌ مرفوعٌ أنه صلى الله عليه وسلم كان يُجيب دعوة المملوك، أخرجه
الترمذي (١٠١٧) وابن ماجه (٢٢٩٦) والحاكم (٣٧٣٤)، وفيه: مسلم بن كيسان
الأعور، وهو ضعيف.
واستدرك العلامة قاسم عليهما في منية الألمعي ص ٤٠٧ وأن محمداً رواه في
الأصل.

٥١٨
مسائلُ متفرّقةٌ
ومَن كان في يدِهِ لَقِيطٌ لا أبَ له : فإنه يجوزُ قَبْضُهُ الهبةَ، والصدقةَ له.
ولا ضرورةَ في الكسوةِ، وإهداءِ الدراهم، فبقيَ على أصل القياس.
قال: (ومَن كان في يدِهِ لَقِيطٌ لا أبَ له: فإنه يجوزُ قَبْضُهُ(١) الهبةَ،
والصدقةً له).
وأصل هذا: أن التصرَّفَ على الصغار أنواعٌ ثلاثةٌ:
نوعٌ هو من باب الولاية، لا يملكُه إلا مَن هو وليّ، كالإنكاح،
والشراء والبيع لأموال القِنْية؛ لأن الوليّ هو الذي قام مَقَامَه بإنابة الشرع.
ونوعٌ آخَرُ: ما كان من ضرورةِ حال الصغارِ، وهو شراء ما لا بدَّ
للصغير منه، وبيعُه وإجارةُ الأَظار للصغار(٢)، وذلك جائزٌ ممَّن يَعُولُه
ويُنفِقُ عليه، كالأخِ والعمِّ والأمِّ والملتقِطِ إذا كان في حِجْرهم.
وإذا مَلَكَ هؤلاء هذا النوعَ: فالوليُّ أَوْلِىُ به، إلا أنه لا يُشترطُ في حقِّ
الولي أن يكون الصبيُّ في حِجْره.
ونوعٌ ثالثٌ: ما هو نَفْعٌ مَحْضٌ، كقبول الهبةِ والصدقةِ والقبض، فهذا
كلُّه يملكُهُ الملتقِطُ والأخُ والعمُّ والصبيُّ بنفسه إذا كان يَعقلُه(٣)؛ لأن
اللائقَ بالحكمة: فَتْحُ بابِ مثلِه؛ نظراً للصبي، فَيَملكُ بالعقل والولايةِ
والحَجْر، وصار بمنزلة الإنفاق.
(١) أي قبض الملتقِط الهبة للَّقيط.
(٢) وفي نُسخ: وإجارة لأظآر، وفي أخرى: وإجارة الصغار، وتمَّ تخطئة
الأخيرة. ينظر البناية ١٤/ ٦٠٧ نقلاً عن الإتقاني.
(٣) وفي نُسخ: يعقل.

٥١٩
مسائلُ متفرّقةٌ
ولا يجوز للملتقِط أن يؤاجرَه.
ويجوزُ للأُمِّ أن تُؤْاجرَ ابنَها إذا كان في حِجْرِها، ولا يجوزُ ذلك للعمِّ.
ويكره أن يَجعلَ الرجلُ في عُنُقِ عبدِه الرَّايَةَ.
ولا يكره أن يُقبِّده.
قال: (ولا يجوز للملتقِط أن يؤاجرَه.
ويجوزُ للأُمِّ أن تُؤاجرَ ابنَها إذا كان في حِجْرُها.
ولا يجوزُ ذلك للعمّ)؛ لأن الأمَّ تملِكُ إتلافَ منافعِه باستخدامه، ولا
كذلك الملتقِطُ والعمّ.
ولو آجَرَ الصبيُّ نفسَه: لا يجوز؛ لأنه مَشُوبٌ بالضرر، إلا إذا فَرَغَ من
العمل؛ لأن عند ذلك تمخَّصَ نفعاً، فيجبُ المسمى.
وهو نظيرُ العبدِ المحجور یُؤاجرُ نفسَه، وقد ذكرناه.
قال: (ويكره أن يَجعلَ الرجلُ في عُنُقِ عبدِهِ الرَّايَةَ)، ويُروىُ: الدايةَ،
وهو الطَّوْقُ الحديدُ الذي يَمنعُه من أن يُحرِّكَ رأسَه، وهو معتادٌ بين
الظَّلَمة؛ لأنه عقوبةُ أهل النار، فيُكره كالإحراق بالنار.
قال: (ولا يكره أن يُقَيِّدَه)؛ لأنه سنَّةُ المسلمين في السُّفهاءِ وأهلِ
الدَّعارة(١)، فلا يكره في العبد؛ تحرُّزاً عن إباقه، وصيانةً لماله.
(١) أي أهل الفساد والخُبْث.

٥٢٠
مسائلُ متفرّقةٌ
ولا بأس بالحُقْنة .
ولا بأسَ برِزْقِ القاضي من بيت المال.
قال: (ولا بأس بالحُقْنة)، يريد بها(١) التداوي(٢)؛ لأن التداويَ مباحٌ،
بالإجماع، وقد ورد بإباحته(٣) الحديث (٤).
ولا فَرْقَ بين الرجالِ والنساء، إلا أنه لا ينبغي أن يُستعمَلَ المُحَرَّمُ،
كالخمر ونحوها؛ لأن الاستشفاءَ بالمُحَرَّم: حرامٌ.
قال: (ولا بأسَ برِزْقِ القاضي من بيت المال)؛ لأنه عليه الصلاة
والسلام بَعَثَ عَتَّابَ بن أَسِيد رضي الله عنه إلى مكةَ، وفَرَضَ له، وبَعَثَ
علياً رضي الله عنه إلى اليمن، وفَرَضَ له(٥).
ولأنه مَحْبُوسٌ لِحَقّ(٦) المسلمين، فتكونُ نفقتُه في مالِهم، وهو مالٌ
(١) وفي نُسخ: به. قال في البناية ٦١٠/١٤: وإنما ذكّر الضمير في: به: على
تأويل الاحتقان.
(٢) احترازاً عما إذا أراد بها التسمين: فلا يباح. البناية ١٤ / ٦١٠.
(٣) أي التداوي.
(٤) يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((تداوَوْا، فإنَّ الله لم ينزل داءً إلا أنزل له
دواءً)): سنن الترمذي (٢٠٣٨)، وقال: حسن صحيح، سنن أبي داود (٣٨٥٥)،
وصححه ابن حبان (٦٠٦١)، الدراية ٢٤٢/٢.
(٥) قال في نصب الراية ٢٨٦/٤، وفي الدراية ٢ /٢٤٢ عن الأثرين: لم أجد أنه
فَرَضَ لهما، وينظر البناية ١٤ / ٦١٤.
(٦) وفي نُسخ: بحقٍّ.