النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ ما تجبُ فيه الشفعة، وما لا تجبُ فيه ومَن ابتاع داراً شراءً فاسداً : فلا شفعةً فيها. فإن سَقَطَ حقُّ الفسخِ: وَجَبَتِ الشفعةُ. قال: (ومَن ابتاع داراً شراءً فاسداً: فلا شفعةَ فيها). أما قبلَ القبض: فلعدم زوالِ ملكِ البائع. وأما بعدَ القبضِ: لاحتمال الفسخ، وحقُّ الفسخِ ثابتٌ بالشرع لدفع الفساد، وفي إثبات حقِّ الشفعة: تقريرُ الفساد، فلا يجوز. بخلاف ما إذا كان الخيارُ للمشتري في البيع الصحيح؛ لأنه صار أخصَّ به تصرُّفاً، وفي البيع الفاسد: ممنوعٌ عنه. قال: (فإن سَقَطَ حقُّ الفسخ: وَجَبَتِ الشفعةُ)؛ لزوال المانع. وإن بيعتْ دارٌ بجَنْبِها، وهي في يدِ البائع بعدُ: فله الشفعةُ؛ لبقاء ملکِهِ. وإن سلَّمَها إلى المشتري: فهو شفيعُها؛ لأن المِلكَ له. ثم إن سلَّمَ البائعُ قبلَ الحُكم بالشفعة له: بَطَلَتْ شفعتُه، كما إذا باع. بخلاف ما إذا سَلَّم بعدَه؛ لأن بقاءَ مِلْكِهِ في الدار التي يَشفعُ بها بعد الحكم بالشفعة ليس بشرطٍ ، فتبقى المأخوذةُ بالشفعة على ملکه. وإن استردَّها البائعُ من المشتري قبلَ الحكم بالشفعة له: بطلت؛ لانقطاع ملكِهِ عن التي يَشفعُ بها قبلَ الحكم بالشفعة. وإن استردَّها بعدَ الحكم: بقيتِ الثانيةُ على ملكِهِ؛ لِمَا بَيَّنَا. ٣٠٢ ما تجبُ فيه الشفعة، وما لا تجبُ فيه وإذا اقتسم الشركاء العقارَ : فلا شفعةَ لجارِهم بالقسمة . وإذا اشترى داراً، فسلَّم الشفيعُ الشفعةَ، ثم ردَّها المشتري بخيارِ رؤيةٍ، أو شَرْطٍ، أو بعيبٍ بقضاءِ قاضٍ : فلا شفعةً للشفيع. وإن ردَّها بعيبٍ بغير قضاءٍ، أو تقايلا البيعَ : فللشفيع الشفعةُ. قال: (وإذا اقتسم الشركاء العقارَ: فلا شفعةَ لجارِهم بالقسمة). لأن القسمةَ: فيها معنى الإفرازِ، ولهذا يجري فيها الجَبْرُ، والشفعةُ ما شُرعتْ إلا في المبادلة المطلقة. قال: (وإذا اشترى داراً، فسلَّم الشفيعُ الشفعةَ، ثم ردَّها المشتري بخيارِ رؤيةٍ، أو شَرْطٍ، أو بعيبٍ بقضاءِ قاضٍ: فلا شفعةً للشفيع). لأنه فَسْخٌ من كلِّ وجهٍ، فعاد إلى قديمٍ ملكِهِ، والشفعةُ في إنشاء العقد. ولا فَرْقَ في هذا بين القبض، وعدمِهِ. قال: (وإن ردَّها بعيبٍ بغير قضاءٍ، أو تقايلا البيعَ: فللشفيع الشفعةُ)؛ لأنه فَسْخٌ في حَقُّهما؛ لولايتهما على أنفسهما، وقد قَصَدَا الفسخَ، وهو بيعٌ جديدٌ في حقِّ ثالثٍ؛ لوجود حدِّ البيع، وهو مبادلةُ المال بالمال بالتراضي، والشفيعُ ثالثٌ. ومرادُه: الردُّ بالعيب بعدَ القبض؛ لأن قبلَه: فسخٌ من الأصلِ وإن كان بغير قضاء، على ما عُرف. ٣٠٣ ما تجبُ فيه الشفعة، وما لا تجبُ فيه وفي ((الجامع الصغير)) : ولا شفعةَ في قسمةٍ، ولا خيارِ رؤيةٍ، وهو بكسر الراء. (وفي ((الجامع الصغير(١)): ولا شفعةَ في قسمةٍ، ولا خيارِ رؤيةٍ، وهو بكسر الراء (٢))، ومعناه: لا شفعةَ بسبب الردِّ بخيارِ الرؤية؛ لِمَا بَيَّنَّه. ولا تصحُّ الروايةُ بالفتح(٣)، عطفاً على: الشفعة: لأن الروايةَ محفوظةٌ في كتاب القسمة، أنه يثبتُ في القسمةِ خيارُ الرؤية، وخيارُ الشرط؛ لأنهما يَثبتان لخَلَلِ في الرضا، فيما يتعلَّقُ لزومُه بالرضا، وهذا المعنى موجودٌ في القسمة، والله سبحانه أعلم. (١) ص ١٨٣. (٢) أي راء لفظ: خيار الرؤية. (٣) تعقّب العيني في البناية ٩٩/١٤ كلام صاحب الهداية، ونقل عن أبي الليث وقاضي خان والسرخسي إثبات رواية فتح الراء، وجوازها، وذَكَرَ بيانَ وجهها. ٣٠٤ باب باب ما تبطلُ به الشفعة وإذا تَرَكَ الشفيعُ الإشهادَ حين عَلِمَ بالبيع، وهو يَقدِرُ على ذلك : بَطَلَتْ شفعتُه. وكذلك إن أَشْهَدَ في المجلس، ولم يُشهِدْ على أحدِ المتبايعَيْن، ولا عندَ العقار. وإن صالَحَ من شفعِتِه على عوضٍ : بطلت شفعتُه، وردّ العوضَ. باب ما تبطلُ به الشفعة قال: (وإذا تَرَكَ الشفيعُ الإشهادَ حين عَلِمَ بالبيع، وهو يَقدِرُ على ذلك: بَطَلَتْ شفعتُه)؛ لإعراضِهِ عن الطلب، وهذا لأن الإعراضَ إنما يتحقَّقُ حالةَ الاختيار، وهي عند القدرة. قال: (وكذلك إن أَشهَدَ في المجلس، ولم يُشهِدْ على أحدِ المتبايعَيْن، ولا عندَ العقار)، وقد أوضحناه فيما تقدَّم. قال: (وإن صالَحَ من شفعتِه على عوضٍ: بطلت شفعتُه، وردَّ العوضَ)؛ لأن حَقَّ الشفعةِ ليس بحقٍّ متقرِّر في المَحَلِّ، بل هو مجردُ حَقِّ التملك، فلا يصحُّ الاعتياضُ عنه، ولا يتعلَّقُ إسقاطُه بالجائز من الشرط، فبالفاسد أَوْلى، فيبطلُ الشرطُ، ويصحُّ الإسقاطُ. ٣٠٥ ما تبطلُ به الشفعة وإذا مات الشفيعُ : بطلتْ شفعتُه. وكذا لو باع شفعته بمالٍ؛ لِمَا بَيَّنَا. بخلاف القصاص؛ لأنه حقٌّ متقرّرٌ. وبخلاف الطلاقِ والعَتاق؛ لأنه اعتياضٌ عن ملكٍ في المَحَلِّ. ونظيرُهُ: إذا قال للمخيَّرة: اختاريني بألفٍ، أو قال العنِّينُ لامرأته: اختاري تَرْكَ الفسخ بألفٍ، فاختارت: سقط الخيارُ، ولا يثبتُ العوضُ. والكفالةُ بالنفس في هذا: بمنزلة الشفعةِ في روايةٍ، وفي الأخرى(١): لا تبطل الكفالةُ، ولا يجبُ المالُ. وقيل: هذه روايةً في الشفعة، وقيل: هي في الكفالة خاصةً، وقد عُرِفَ في موضعه. قال: (وإذا مات الشفيعُ: بطلتْ شفعتُه). وقال الشافعي(٣) رحمه الله: تُورَثُ عنه. قال رضي الله عنه: معناه: إذا مات بعد البيع، قبلَ القضاءِ بالشفعة، أما إذا مات بعد قضاء القاضي، قبلَ نَقْدِ الثمن وقَبْضِهِ: فالبيعُ لازمٌ لورثته. وهذا نظيرُ الاختلافِ في خيار الشرط، وقد مَرَّ في البيوع. (١) أي في الرواية الأخرى، وهي رواية كتاب الصلح، من رواية أبي سليمان. البناية ١٤/ ١٠٤. (٢) الحاوي الكبير ٢٥٩/٧. ٣٠٦ ما تبطلُ به الشفعة وإن مات المشتري : لم تَبطلِ الشفعةُ. وإذا باع الشفيعُ ما يَشفعُ به قبلَ أن يُقضى له بالشفعة: بطلت شفعتُه. ولأنه بالموت يزولُ مِلْكُه عن داره، ويثبتُ الملكُ للوارث بعد البيع، وقيامُهُ وقتَ البيع، وبقاؤه للشفيع إلى وقت القضاء: شرطٌ، فلا يستوجبُ الشفعةَ بدونه. قال: (وإن مات المشتري: لم تَبطلِ الشفعةُ)؛ لأن المستَحِقَّ باق(١)، ولم يتغيَّر سببُ حقِّه. ولا يُباعُ في دَیْن المشتري، ووصیتِه. ولو باعه القاضي أو الوصيُّ، أو أوصىُ المشتري فيها بوصيةٍ: فللشفيع أن يُبطِلَه، ويأخذَ الدارَ؛ لتقدُّم حقِّه، ولهذا يُنْقَضُ تصرُّفُه(٢) في حياته. قال: (وإذا باع الشفيعُ ما يَشفعُ به قبلَ أن يُقضى له بالشفعة: بطلت شفعتُه)؛ لزوال سبب الاستحقاقِ قبلَ التملك، وهو الاتصالُ بملكه، ولهذا يزولُ به وإن لم يعلم بشراء المشفوعة، كما إذا سلَّم صريحاً، أو إبراءَ عن الدين، وهو لا يَعلَمُ به. وهذا بخلاف ما إذا باع الشفيعُ دارَه بشرط الخيارِ له؛ لأنه يَمنعُ الزوالَ، فبقيَ الاتصالُ. (١) وهو الشفيع. (٢) أي تصرف المشتري. ٣٠٧ ما تبطلُ به الشفعة ووكيلُ البائع إذا باع، وهو الشفيعُ: فلا شفعةً له. ووكيلُ المشتري إذا ابتاع، وهو الشفيعُ: فله الشفعةُ. وكذلك لو ضَمِنَ الدَّرَكَ عن البائع، وهو الشفيع : فلا شفعةً له. وإذا بلغ الشفيعَ أنها بِيعتْ بألف درهمٍ، فسلَّمَ، ثم عَلِمَ أنها بِيعتْ بأقلَّ، أو بحنطةٍ أو شعيرِ قيمتُها ألفٌ، أو أكثرُ: فتسليمُهُ باطلٌ، وله الشفعةُ. قال: (ووكيلُ البائع إذا باع، وهو الشفيعُ: فلا شفعةَ له. ووكيلُ المشتري إذا ابتاع، وهو الشفيعُ: فله الشفعةُ). والأصلُ: أنَّ مَن باع، أو بِيْعَ له: فلا شفعةً له، ومَن اشترىُ، أو ابتِيْعَ له: فله الشفعةُ؛ لأنَّ الأولَ بأخذ المشفوعة يسعىُ في نَقْضِ ما تَمَّ من جهته، وهو البيعُ، والمشتري لا يَنتقِضُ شراؤه بالأخذ بالشفعة؛ لأنه مثلُ الشراء. قال: (وكذلك لو ضَمِنَ الدَّرَكَ عن البائع، وهو الشفيع: فلا شفعةً له). وكذا إذا باع، وشَرَطَ الخيارَ لغيره، فأمضىُ المشروطُ له الخيارُ البيعَ، وهو الشفيعُ: فلا شفعةَ له؛ لأن البيعَ تَمَّ بإمضائه، بخلاف جانبٍ المشروطِ له الخيارُ من جانب المشتري. قال: (وإذا بلغ الشفيعَ أنها بِيعتْ بألف درهمٍ، فسلّمَ، ثم عَلِمَ أنها بيعتْ بأقلَّ، أو بحنطةٍ أو شعيرِ قيمتُها ألفٌ، أو أكثرُ: فتسليمُهُ باطلٌ، وله الشفعةُ)؛ لأنه إنما سلَّم الاستكثار الثمنِ في الأول، ولتعذَّر الجنسِ الذي بَلَغَه، وتيسُّرِ ما بِيْعَ به في الثاني، إذِ الجنسُ مختَلِفٌ. ٣٠٨ ما تبطلُ به الشفعة وإن بان أنها بِيْعتْ بدنانيرَ قيمتُها ألفٌ: فلا شفعةً له. وإذا قيل له : إن المشتريَ فلانٌ، فسَلَّم الشفعةَ، ثم عَلِمَ أنه غيرُه: فله الشفعةُ. وكذا كلُّ مكيلٍ أو موزونٍ أو عدديِّ متقارِبٍ. بخلاف ما إذا عَلِمَ أنها بِيعتْ بعَرْضٍ قيمتُه ألفٌ أو أكثرُ؛ لأن الواجبَ فيه القيمةُ، وهي دراهمُ أو دنانير. قال: (وإن بان أنها بيْعتْ بدنانيرَ قیمتُها ألفٌ: فلا شفعةً له). وكذا إذا كانت أكثر. وقال زفرُ رحمه الله: له الشفعةُ؛ لاختلافِ الجنس. ولنا: أن الجنسَ متَّحِدٌ في حقِّ الثمنية والمالية. قال: (وإذا قيل له: إن المشتريَ فلانٌ، فسَلَّم الشفعةَ، ثم عَلِمَ أنه غيرُه: فله الشفعةُ)؛ لتفاوت الحوار. ولو عَلِمَ أن المشتريَ هو فلانٌ مع غيره: فله أن يأخذَ نصيبَ غيرِهِ؛ لأن التسليمَ لم يوجَد في حقُّه. ولو بَلَغَه شراءُ النصفِ، فسلَّم، ثم ظَهَرَ شراءُ الجميع: فله الشفعةُ؟ لأن التسليمَ لضرر الشركةِ في حقُّه، ولا شركةَ فيه. وفي عكسِهِ: لا شفعةَ، في ظاهر الرواية؛ لأن التسليمَ في الكلَ تسليمٌ w في أبعاضه، والله تعالى أعلم. ٣٠٩ فصل فصلٌ وإذا باع داراً إلا مقدارَ ذِرَاعٍ منها، في طُوْلِ الحَدِّ الذي يلي الشفيعَ: فلا شفعةً له. وإذا ابتاع منها سهماً بثمنٍ، ثم ابتاع بقيَّتَها : فالشفعةُ للجار في السهم الأول، دون الثاني. فصلٌ في بيان الحِيَل(١) التي تَبطُلُ بها الشفعةُ قال: (وإذا باع داراً إلا مقدارَ ذِرَاعٍ منها، في طُوْلِ الحَدِّ الذي يلي الشفيعَ: فلا شفعةً له)؛ لانقطاع الحِوَار، فهذه حيلةٌ(٢). وكذا إذا وَهَبَ منه هذا المقدارَ، وسلَّمَه إليه؛ لِمَا بِيَّنَا. قال: (وإذا ابتاع منها سهماً بثمنٍ، ثم ابتاع بقيَّتَها: فالشفعةُ للجار في السهم الأول، دون الثاني)؛ لأن الشفيعَ جارٌ فيهما، إلا أن المشتريَ في الثاني(٣) شريكٌ، فيتقدَّم عليه. (١) وإنما يُحتاج إلى الحِيَل؛ لأن الشفيعَ ربما يكون فاسقاً مؤذِياً، أو ظالماً متعدياً، فيُحتاج إلى الاجتناب عن جواره. البناية ١٤/ ١١٣. (٢) أي في الشفعة. (٣) وفي نُسخ: الباقي. ٣١٠ فصل وإن ابتاعها بثمنٍ، ثم دَفَعَ إليه ثوباً عوضاً عنه : فالشفعةُ بالثمن، دون الثوب . ولا تُكرَه الحِيلةُ في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف رحمه الله. فإن أراد الحيلةَ: ابتاع السهمَ بالثمن إلا درهماً مثلاً، والباقي بباقي (١) الثمن (١). قال: (وإن ابتاعها بثمن، ثم دَفَعَ إليه ثوباً عوضاً عنه: فالشفعةُ بالثمن، دون الثوب)؛ لأنه عقدٌ آخَرُ، والثمنُ هو العوضُ عن الدار. قال رضي الله عنه: وهذه حيلةٌ أخرىُ تَعُمُّ الجِوَارَ والشركة، فيُباعٌ بأضعاف قيمتِهِ، ويُعطَى بها ثوبٌ بقَدْر قیمتِهِ. ءِ إلا أنه لو استُحِقَّتِ المشفوعةُ: يبقى كلّ الثمن على مشتري الثوب؛ لقيام البيع الثاني، فيتضرَّرُ به(٣). والأوجهُ: أن يُباعَ بالدراهم الثمنِ دينارٌ، حتى إذا استُحِقَّ المشفوعُ: يبطلُ الصرفُ، فيجبُ ردُّ الدينار(٤)، لا غيرَ. قال: (ولا تُكرَه الحِيلةُ في إسقاط الشفعة عند أبي بوسف رحمه الله. (١) وهو درهمٌ، وقولُه: والباقي بباقي الثمن: مثبتٌ في نسخة ٧٤٢هـ، وفي نُسخ أخرى: والباقي بالباقي. (٢) أي يُباع المبيع بأضعاف قيمته. (٣) أي بالبيع الثاني. (٤) على المشتري. ٣١١ فصلٌ وتکره عند محمدٍ رحمه الله . وتكره عند محمدٍ رحمه الله)؛ لأن الشفعةَ إنما وجبت لدفع الضرر، ولو أَبَحْنا الحيلةَ ما دَفَعْناه. ولأبي يوسف رحمه الله: أنه مَنْعٌ عن إثبات الحَقّ(١)، فلا يُعَدُّ ضرراً. وعلى هذا الخلاف: الحيلةُ في إسقاط الزكاة، والله تعالى أعلم. ٣١٢ مسائلُ متفرّقةٌ في الشفعة مسائلُ متفرّقةٌ وإذا اشترى خمسةُ نَفَرٍ داراً من رجلٍ : فللشفيع أن يأخذَ نصيبَ أحدِهم، وإن اشتراها رجلٌ من خمسة نَفَرِ : أَخَذَها كلَّها، أو تَرَكَها. مسائلُ متفرّقةٌ في الشفعة قال: (وإذا اشترى خمسةُ نَفَرِ داراً من رجلٍ: فللشفيع أن يأخذَ نصيبَ أحدِهم، وإن اشتراها رجلٌ من خمسة نَفَرٍ: أَخَذَها كلَّها، أو تَرَكَها). والفَرْقُ: أن في الوجه الثاني: بأخذِ البعض: تتفرَّقُ الصفقةُ على المشتري، فَيَتضرَّرُ به زيادةَ الضرر، وفي الوجه الأول: يقومُ الشفيعُ مَقامَ أحدِهِم، فلا تتفرَّقُ الصفقة. ولا فَرْقَ في هذا بينما إذا كان قبلَ القبض، وبعدَه، هو الصحيح، إلا أن قبلَ القبض: لا يُمكِنُه أَخْذُ نصيبِ أحدِهم إذا نَقَدَ ما عليه، ما لم يَنْقُدِ الآخَرُ حصتَه؛ كي لا يؤديَ إلى تفريقِ اليدِ على البائع، بمنزلة أحدٍ المشترِيَيْن، بخلاف ما بعد القبض؛ لأنه سقطتْ يدُ البائع. وسواءٌ سمَّى لكلِّ نصيبٍ بعض ثمناً، أو كان الثمنُ جملةً؛ لأن العبرةَ في هذا: لتفرُّق الصفقة، لا للثمن. وهنا تفريعاتٌ ذكرناها في ((كفاية المنتهي)). ٣١٣ مسائلُ متفرّقةٌ في الشفعة ومَن اشترىُ نصفَ دارِ غيرِ مَقْسومٍ، فقاسَمَه البائعُ: أَخَذَ الشفيعُ النصفَ الذي صار للمشتري، أو يَدَع. قال: (ومَن اشترىُ نصفَ دارٍ غيرِ (١) مَقْسومٍ(٢)، فقاسَمَه البائعُ: أَخَذَ الشفيعُ النصفَ الذي صار للمشتري، أو يَدَع). لأن القسمةَ من تمام القبض؛ لِمَا فيه من تكميل الانتفاع، ولهذا يتمُّ القبضُ بالقسمة في الهبة، والشفيعُ لا يَنقُضُ القبضَ وإن كان له نَفْعٌ فيه(٣)، بعَوْدِ العُهدة على البائع، فكذا لا يَنقُضُ ما هو مِن تمامِهِ. بخلاف ما إذا باع أحدُ الشريكين نصيبه من الدار المشتركة، وقاسَمَ المشتري(٤) الذي لم يَبَعْ(٥)، حيث يكونُ للشفيعِ نَقْضُه؛ لأن العقدَ ما وقع مع الذي قاسَمَ، فلم تكنِ القسمةُ من تمام القبضِ الذي هو حُكمُ العقد، بل هو تصرُّفٌ بحكم الملك، فَيَنقُضُهُ الشفيعُ، كما يَنقُضُ بيعَه وهبتَه. ثم إطلاقُ الجوابِ في ((الكتاب(٦)): يدلُّ على أن الشفيعَ يأخذُ النصفَ الذي صار للمشتري في أيِّ جانبٍ كان، وهو المَرْويُّ عن أبي يوسف رحمه الله، لأن المشتريَ لا يملكُ إبطالَ حَقِّه بالقسمة. (١) وفي نُسخ بفتح الراء. غيرَ. (٢) أي حال كون النصف غير مقسوم، وفي نُسخ: غير مقسومةٍ. البناية ١٢٠/١٤. (٣) أي في النقض. (٤) المشتري: فاعل: قاسَمَ. (٥) أي الشريك الذي لم يبع، وهو في محل النصب على المفعولية. (٦) أي الجامع الصغير. البناية ١٤/ ١٢١. ٣١٤ مسائلُ متفرّقةٌ في الشفعة ومَن باع داراً، وله عبدٌ مأذونٌ له، عليه دينٌ : فله الشفعةُ. وكذا إذا كان العبدُ هو البائعُ: فلمولاه الشفعةُ. وتسليمُ الأبِ والوصيِّ الشفعةَ على الصغير جائزٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمدٌ وزفرُ رحمهما الله: هو على شفعِتِهِ إذا بَلَغَ. وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه إنما يأخذُه إذا وَقَعَ في جانب الدارِ التي يشفعُ بها؛ لأنه لا يبقى جاراً فيما يقعُ في الجانب الآخَر. قال: (ومَن باع داراً، وله عبدٌ مأذونٌ له، عليه دينٌ: فله الشفعةُ. وكذا إذا كان العبدُ هو البائعُ: فلمولاه الشفعةُ)؛ لأن الأخذَ بالشفعة تملُّكٌ بالثمن، فيُنَزَّلُ مَنزلةَ الشراء، وهذا لأنه مفيدٌ؛ لأنه يتصرَّفُ للغرماء. بخلاف ما إذا لم يكن عليه دَيْنٌ؛ لأنه يبيعُه لمولاه، ولا شفعةً لمن بْعَ له. قال: (وتسليمُ الأبِ والوصيِّ الشفعةَ على الصغير جائزٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمدٌ وزفرُ رحمهما الله: هو على شفعتِه إذا بَلَغَ). قالوا: وعلى هذا الخلاف: إذا بَلَغَهما شراءَ دارٍ بجوار دارِ الصبيِّ، و فلم يطلُبا الشفعةَ. وعلى هذا الخلاف: تسليمُ الوكيلِ بطلب الشفعة، في رواية كتاب الوكالة(١)، وهو الصحيح. (١) من كتاب الأصل لمحمد رحمه الله. ٣١٥ مسائلُ متفرّقةٌ في الشفعة لمحمدٍ وزفرَ رحمهما الله: أنه حَقٌّ ثابتٌ للصغير، فلا يَملِكان إبطالَه، کدِیَتِهِ، وقَوَدِهِ. ولأنه شُرِعَ لدفع الضرر، فكان إبطالُهُ إضراراً به ولهما: أنه في معنى التجارة، فيَملِكان تَرْكَه؛ ألا يُرى أنَّ مَن أوجب بيعاً للصبيِّ: صحَّ ردُّ من الأبِ والوصيِّ. ولأنه دائرٌ بين النفع والضرر، وقد يكونُ النظرُ في تَرْكه؛ ليبقىُ الثمنُ على ملكِهِ، والولايةُ نظريةٌ (١)، فيملِكانه. وسكوتُهما: كإيطالهما؛ لكونه دليلُ الإعراض. وهذا الاختلافُ إذا بيعتْ بمثل قيمتِها، فإن بِيعت بأكثرَ من قيمتِها، بما لا يَتَغابنُ الناسُ فيه: قيل: جاز التسليمُ، بالإجماع؛ لأنه تمخَّصَ نَظَراً. وقيل: لا يصحُّ، بالاتفاق؛ لأنه لا يملكُ الأخذَ، فلا يملكُ التسليمَ، کالأجنبي. وإن بيعتْ بأقلّ من قيمتِها محاباةً كثيرةً: فعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يصحُّ التسليمُ منهما. ولا روايةَ عن أبي يوسف(٢) رحمه الله، والله تعالى أعلم. (١) أي ولاية الأب والوصي نظريةٌ، يعني لأجل النظر في حقه. البناية ١٢٥/١٤. (٢) أبو يوسف ومحمد وزفر مع أبي حنيفة، ولكن هناك تفصيل من ناحية التسليم. ينظر البناية ١٢٦/١٤. ٣١٦ كتاب القِسْمة كتاب القِسْمة كتاب القِسْمة القِسْمةُ في الأعيان المشتركةِ مشروعةٌ؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام باشَرَها في المَغانمِ والمواريث(١). وجرى التوارثُ بها من غير نكيرٍ. ثم هي لا تَعرَىُ عن معنى المبادلةِ والإفراز؛ لأن ما يجتمِعُ لأحدهما: بعضُهُ كان له، وبعضُه كان لصاحبه، فهو يأخذُهُ عوضاً عما بقيَ من حَقِّه في نصيبِ صاحبه، فكان مبادلةً وإفرازاً. والإفرازُ هو الظاهرُ في المكيلات والموزونات؛ لعدم التفاوت، حتى كان لأحدهما أن يأخذَ نصيبَه حالَ غَيْبةٍ صاحبه. ولو اشترياه(٢)، فاقتسماه: يبيعُ أحدُهما نصيبَه مرابحةً بنصف الثمن(٣). ومعنى المبادلة هو الظاهرُ في الحيوانات والعُروض؛ للتفاوت، حتى (١) أما قسمة الغنائم: ففي صحيح البخاري (٣٠٦٦)، وأما المواريث: فأيضاً في صحيح البخاري (٦٧٣٦). (٢) أي لو اشترى الشريكان شيئاً من المكيلات أو الموزونات. (٣) لأن نصيبه عينُ ما كان مملوكاً له قبل القسمة. ٣١٧ كتاب القِسْمة وينبغي للقاضي أن يَنصِبَ قاسماً، يَرزُقُه من بيت المال؛ لَيَقْسِمَ بين الناس بغير أجرٍ . لا يكونُ لأحدهما أَخْذُ نصيبِه عند غَيْبةِ الآخَرَ(١). ولو اشترياه(٢)، فاقتسماه: لا يبيعُ أحدُهما نصيبَه مرابحةً بعد القسمة، إلا أنها إذا كانت من جنسٍ واحدٍ: أَجبَرَ القاضي على القسمة عند طَلَب أحدِ الشركاء؛ لأن فيه معنى الإفراز؛ لتقارب المقاصد، والمبادلةُ مما يجري فيه الجَبْرُ، كما في قضاء الدَّين. وهذا لأن أحدَهم بطلبِ القسمة: يسألُ القاضيَ أنْ يَخُصَّه بالانتفاع بنصيبه، ويَمنعَ الغيرَ عن الانتفاع بملكه، فيجبُ على القاضي إجابتُه. وإن كانت أجناساً مختلفةً: لا يُجبِرُ القاضي على قسمتِها؛ لتعذُّر المعادلة، باعتبار فُحْشِ التفاوتِ في المقاصد. ولو تراضَوْا عليها: جاز؛ لأن الحَقَّ لهم. قال: (وينبغي للقاضي أن يَنْصِبَ قاسماً(٣)، يَرِزُقُه من بيت المال؛ ليَقسِمَ بين الناس بغير أجرٍ)؛ لأن القسمةَ من جنس عملِ القضاء، من حيث إنه يتمُّ به قَطْعُ المنازعة، فأشبه رِزْقَ القاضي. (١) وفي نُسخ: حال غيبة صاحبه. (٢) أي الشيء المشترك من غير المكيل، كالحيوانات أو العروض. (٣) وفي نُسخ: قَسَّاماً. ٣١٨ كتاب القسمة فإن لم يَفعل : نَصَبَ قاسماً يَقسِمُ بالأجر. ويجبُ أن يكون عَدْلاً، مأموناً، عالِماً بالقسمة . ولا يُجبِرُ القاضي الناسَ على قاسِمٍ واحدٍ . ولأن منفعةَ نَصْبِ القاسمِ تعُمُّ العامةَ، فتكونُ كفايتُه في مالِهم(١)؛ غُرْماً بالغُنْمِ. قال: (فإن لم يَفعل: نَصَبَ قاسماً يَقسِمُ بالأجر). معناه: بأجرِ يكونُ على المتقاسِمِيْن؛ لأن النفعَ لهم على الخصوص، ويُقدِّرُ أجرَ مثلِه؛ كي لا يَتحكّمَ بالزيادة. والأفضلُ أن يَرزُقَه من بيت المال؛ لأنه أرفقُ بالناس، وأبعدُ عن التُّهمة. قال: (ويجبُ أن يكون عَدْلاً، مأموناً، عالِماً بالقسمة)؛ لأنه من جنسِ عملِ القضاء. ولأنه لا بدَّ من القدرة، وهي بالعلم، ومن الاعتمادِ على قولِه، وهو بالأمانة. قال: (ولا يُجبرُ القاضي الناسَ علىُ قاسِمٍ واحدٍ). معناه: لا يُجبرُهم على أن يستأجروه؛ لأنه لا جَبْرَ على العقود. ولأنه لو تعيّن: لتحكم بالزيادة على أجرٍ مثله. (١) أي في مال العامة، وهو بيت المال. البناية ١٤ / ١٣٢. ٣١٩ كتاب القِسْمة ولا يَتْرُكُ القُسَّمَ يَشتركون. وأجرةُ القسمةِ على عددِ الرؤوس عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : علىُ قَدْر الأنصباء. ولو اصطلحوا، فاقتسموا: جاز، إلا إذا كان فيهم صغيرٌ، فيُحتاجُ إلى أَمْرِ القاضي؛ لأنه لا ولايَ لهم علیه. قال: (ولا يَتْرُكُ القُسَّمَ يَشتركون)؛ كي لا تصيرَ الأجرةُ غاليةً على السعر بتواكلهم، وعند عدم الشركة: يتبادرُ كلّ منهم (١) إليه؛ خِيفَةَ الفَوْتِ، فَيَرخُصُ الأجرُ. قال: (وأجرةُ القسمةِ على عددِ الرؤوس عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: علىُ قَدْر الأنصباء). لأنه مؤنةُ المِلك، فَيَتَقدَّرُ بقَدْره، كأجرة الكيَّال والوزَّانِ، وحَفْرِ البئر المشتركةِ، ونفقةِ المملوكِ المشترك. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الأجرَ مقابَلٌ بالتمييز، وأنه لا يتفاوَتُ، وربما يَصعُبُ الحسابُ بالنظر إلى القليل. وقد ينعكسُ الأمرُ، فيتعذَّرُ اعتبارُه، فَيَتَعلَّقُ الحُكمُ بأصل التمييز. بخلاف حَفْرِ البئر؛ لأن الأجرَ مقابَلٌ بنقل التراب، وهو يتفاوَت. والكيلُ والوزنُ إن كان للقسمة: قيل: هو على الخلاف. (١) أي يتبادر كلٌّ من القُسَّام إلى القَسْم. ٣٢٠ كتاب القِسْمة وإذا حَضَرَ الشركاءَ عند القاضي، وفي أيديهم دارٌ أو ضَيْعةٌ، وادَّعْوا ءُ أنهم وَرِثوها عن فلانٍ : لم يَقسِمْها القاضي عند أبي حنيفة رحمه الله حتى يُقيموا البينةَ على موتِه، وعددٍ ورثتِه. وقال صاحباه : يَقسِمُها باعترافهم، ويَذْكُرُ في كتاب القسمة أنه قَسَمَها بقولهم . وإن كان المالُ المشترَكُ ما سوى العقار، وادَّعَوْا أنه ميراثٌ: قَسَمَه، في قولِهم جميعاً. وإن لم يكن للقسمة: فالأجرُ مقابَلَ بعملِ الكيلِ والوزن، وهو يتفاوتُ، وهو العذرُ لو أُطلِقَ، ولا يُفَصِّلُ(١). وعنه: أنه على الطالب، دون الممتنع؛ لنفعه، ومَضرَّةِ الممتنع. قال: (وإذا حَضَرَ الشركاء عند القاضي، وفي أيديهم دارٌ أو ضَيْعةٌ، وادَّعْوا أنهم وَرِثوها عن فلانٍ: لم يَقسِمْها القاضي عند أبي حنيفة رحمه الله حتى يُقيموا البينةَ على موتِهِ، وعددِ ورثتِهِ. وقال صاحباه: يَقسِمُها باعترافهم، ويَذْكُرُ في كتاب القسمة أنه قَسَمَها بقولهم. وإن كان المالُ المشترَكُ ما سوى العقار، وادَّعَوْا أنه ميراثٌ: قَسَمَه، في قولهم جميعاً. (١) وفي نُسخ: يُقصَّل، بفتح الصاد، والمراد: لا يفضَّل أنه للقسمة أو ليس للقسمة.