النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ کتاب الولاء وفي ((الجامع الصغير)): وإذا تزوَّجتْ مُعتَقةٌ بعبدٍ، فوَلَدَتْ أولاداً، فجنى الأولادُ: فعَقْلُهم على موالي الأم. فإن أُعِقِ الأبُّ العبدُ: جَرَّ وَلاءَ الأولادِ إلى نفسه. ولا يَرجعون على عاقلةِ الأَبِ بما عَقَلُوا. (وفي ((الجامع الصغير (١)): وإذا تزوَّجتْ مُعتَقةٌ بعبدٍ، فَوَلَدَتْ أولاداً، فجنى الأولادُ: فعَقْلُهم على موالي الأم)؛ لأنهم عَتَقوا جميعاً تَبَعاً لأُمِّهم، ولا عاقلةَ لأبيهم، ولا مواليَ، فأُلحِقوا بموالي الأمِّ ضرورةً، كما في ولد الملاعنة، على ما ذكرنا. قال: (فإن أُعْتِقِ الأبُ العبدُ(٢): جَرَّ وَلَاءَ الأولادِ إلى نفسه)؛ لِمَا بَيَّنَّا. قال: (ولا يَرجعون على عاقلةِ الأبِ بما عَقَلُوا)؛ لأنهم حين عَقَلوه: كان الوَلاءُ ثابتاً لهم، وإنما يَثبتُ للأب مقصوداً؛ لأن سببَه مقصودٌ، وهو لعِتْقُ. بخلاف ولدِ الملاعَنةِ إذا عَقَلَ عنه قومُ الأم، ثم أكذب الملاعِنُ نفسَه، حيث يرجعون عليه؛ لأن النسبَ هنالك يثبتُ مستنداً إلى وقت العُلُوق، وکانوا مجبورین على ذلك، فيرجعون. (١) ص١٣٤. (٢) وفي نُسخ: بدون لفظ: العبدُ. قال في البناية ٢٨٤/١٣ في شرح لفظ: الأب: أراد به العبدَ الذي هو زوجُ المعتَقة المذكورة. ١٤٢ كتاب الولاء ومَن تزوَّج من العَجَمِ بمعتَقَةٍ من العرب، فوَلَدَتْ له أولاداً: فوَلاءُ أولادِها لمواليها عند أبي حنيفة رحمه الله. قال رضي الله عنه : وهو قولُ محمدٍ رحمه الله أيضاً. قال: (ومَن تزوَّج من العَجَمِ بمعتَقَةٍ من العرب، فوَلَدَتْ له أولاداً: فوَلاءُ أولادِها لمواليها عند أبي حنيفة رحمه الله. قال رضي الله عنه: وهو قولُ محمدٍ رحمه الله أيضاً). وقال أبو يوسف رحمه الله: حُكْمُه حُكْمُ أبيه؛ لأن النسبَ إلى الأب، كما إذا كان الأبُ عربياً. بخلاف ما إذا كان الأبُ عبداً؛ لأنه هالكٌ معنىً. ولهما: أن وَلَاءَ العَتَاقةِ قويٌّ معتَبَرٌ في حَقِّ الأحكام، حتى اعتُبرتِ الكفاءةُ فيه، والنسبُ في حَقِّ العَجَم ضعيفٌ، فإنهم ضيَّعوا أنسابَهم، ٩ ولهذا لم تُعتبرِ الكفاءةَ فيما بينهم بالنسب، والقويُّ لا يعارِضُه الضعيفُ. بخلاف ما إذا كان الأبُ عربياً؛ لأن أنسابَ العرب قويةٌ معتبرةٌ في حُكم الكفاءةِ والعَقْلِ؛ لِمَا أن تناصرَهم بها، فأغْنَتْ عن الوَلاء. قال رضي الله عنه: الخلافُ في مطلَقِ المُعتَقَةِ، والوضعُ(١) في معتَقَةٍ العرب: وَقَعَ اتفاقاً. (١) أي وَضْعُ القدوري هذه المسألةَ في مختصره: وقع على سبيل الاتفاق، لا القصد. البناية ٢٨٧/١٣. ١٤٣ کتاب الولاء وفي ((الجامع الصغير)): نَبَطِيٌّ كافرٌ تزوَّج بمعتَقَةِ قومٍ كافرةٍ، ثم أسلم النبطيُّ، ووالَىْ رجلاً، ثم وَلَدَتْ أولاداً: قال أبو حنيفة ومحمدٌ رحمهما الله : مواليهم : موالي أُمِّهم. وقال أبو يوسف رحمه الله : مواليهم : موالي أبيهم. ووَلاءُ العَتّاقةِ: تعصيبٌ، وهو أحقُّ بالميراث من العمَّة والخالة. (وفي ((الجامع الصغير (١): نَبَطِيٌّ كافرٌ تزوَّج بمعتَقَةِ قومٍ كافرةٍ، ثم أسلم النبطيُّ، ووالَىْ رجلاً، ثم وَلَدَتْ أولاداً: قال أبو حنيفة ومحمدٌ رحمهما الله: مواليهم: موالي أُمِّهم. وقال أبو يوسف رحمه الله: مواليهم: موالي أبيهم)؛ لأن الوَلاءَ وإن كان أضعفَ: فهو من جانبِ الأبِ أَوْلىُ، فصار كالمولودِ بين واحدٍ من الموالي وبين العربية. ولهما: أن وَلاءَ الموالاةِ أضعفُ، حتى يَقبلُ الفسخَ، ووَلَاءَ العَتَاقةِ لا يَقبلُه، والضعيفُ لا يَظهرُ في مقابلةِ القويِّ. وإن كان الأبوان معتَقَيْن: فالنسبةُ إلى قوم الأب؛ لأنهما استويا، والترجيحُ لجانبه؛ لشَبَهه بالنسب، أو لأنَّ النُّصْرةَ به أكثرُ. قال: (ووَلاءُ العَتاقةِ: تعصيبٌ، وهو أحقُّ بالميراث من العمَّة والخالة). لقوله عليه الصلاة والسلام للذي اشترى عبداً، فأعتقه: ((هو أخوكَ، ومولاكَ، إن شَكَرَكَ: فهو خيرٌ له، وشرٌّ لكَ، وإن كَفَرَكَ: فهو خيرٌ لكَ، (١) ص١٣٣. ١٤٤ كتاب الوَلاء فإن كان للمعتَقِ عصبةٌ من النسب: فهو أَوْلىُ منه. وشرٌّ له، ولو مات، ولم يتركْ وارثاً: كنتَ أنتَ عصبتَه))(١). وورَّثَ (٢) ابنةَ حمزةَ رضي الله عنهما على سبيل العصوبة، مع قيامِ وارثٍ آخَرَ (٣). وإذا كان عصبةً: يُقدَّمُ على ذوي الأرحام، وهو المَرويُّ عن علي رضي الله عنه (٤). قال: (فإن كان للمعتَقِ عصبةٌ من النسب: فهو أَوْلى منه(٥))؛ لأن المعتِقَ آخِرُ العصبات. وهذا لأن قولَه عليه الصلاة والسلام: ((ولم يَتَرَكْ وارثا)) (٦): قالوا: المرادُ منه: وارثٌ هو عصبةٌ، بدليل الحديثِ الثاني، فتأخَّر عن العصبة، دون ذوي الأرحام(٧). (١) سنن الدارمي (٣٠٥٥)، سنن البيهقي (١٢٣٨٢)، مرسلاً، الدراية ١٩٤/٢. (٢) أي النبيُّ صلى الله عليه وسلم. (٣) تقدم الحديث وتخريجه قريباً جداً. (٤) قال في الدراية ١٩٥/٢ : لم أجده. (٥) أي من المعتِق. (٦) تقدم. (٧) جاء هنا في نُسخِ عديدة تكرارٌ لقوله: فإن كان للمُعتَق عصبةٌ من النسب: فهو أَوْلى من المعتِقِ؛ لما ذكرنا. اهـ، وقد بيَّن هذا التكرارَ الإمامُ سعدي جلبي في حاشيته على الهداية بخطه، وشَطَبَ عليه، وكَتَبَ: تكرار، وكذلك شطب عليها في ١٤٥ کتاب الولاء وإن لم تكنْ له عصبةٌ من النسب : فميراثُه للمعتِقِ . فإن مات المولىُ، ثم مات المعتَقُ: فميراثُه لبني المولى، دون بناته؛ لأنه ليس للنساء من الوَلاء إلا ما أعتَقْنَ، أو أعتَقَ مَن أعتَقْنَ، قال: (وإن لم تكنْ له عصبةٌ من النسب: فميراثُه للمعتِقِ). تأويلُه: إذا لم يكن هناك صاحبُ فرضٍ ذو حالٍ(١)، أما إذا كان: فله الباقي بعد فرضه؛ لأنه عصبةٌ، على ما روينا. وهذا لأن العصبةَ: مَن يكونُ التناصرُ به؛ لبيتِ النسبة(٢)، وبالمَوالي الانتصارُ، على ما مَرَّ، والعصبةُ تأخذُ ما بقي. قال: (فإن مات المولىُ، ثم مات المعتَقُ: فميراثُه لبني المولىُ، دون بناته؛ لأنه(٣) ليس للنساء من الوَلاء إلا ما أعتَقْنَ، أو أعتَقَ مَن أعتَقْنَ، نسخة ١٤٢هـ، وهكذا جاء النص بدون تكرار في نسخ عديدة، أما العيني في البناية ٢٩٢/١٣ فكأنه لم يتنبه رحمه الله للتكرار، وشَرَحَه، وهكذا ترى في تعليل العيني للجملة المكررة نظرٌ يُلحَظ بالتأمل، والله أعلم. (١) قال في البناية ٢٩٢/١٣: ذكروا لهذه الجملة تأويلَيْن: أحدهما: أي ذو حالٍ سوى حال الفرض، كالأب والجد، فإن لهما حالاً سوى حال الفرض، وهي العصوبة، فالمعتِقُ لا يرثُ مع وجودهما، بل الأب أو الجد يأخذ الباقي بعد فرضه. والثاني: أن معناه: ذو حالٍ واحدٍ، كالبنت، أما إذا كان مثل ذلك: فللمعتِق الباقي بعد فرض ذلك الوارث. اهـ (٢) أي القبيلة، يقال للقبيلة الواحدة: بيتُ النسبة. البناية ١٣ / ٢٩٢. (٣) وفي نُسخ: وليس للنساء. ١٤٦ کتاب الولاء أو كاتَبْنَ، أو كاتَبَ مَن كاتَبْنَ، أو دَبَّرْنَ، أو دَبَّرَ مَن دَبَّرْنَ. أو كاتَبْنَ، أو كاتَبَ مَن كاتَبْنَ، أو دَبَّرْنَ، أو دَبَّرَ مَن دَبَّرْنَ). بهذا اللفظِ وَرَدَ الحديثُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي آخِرِه: ((أوْ جَرَّ ولاءً معتَقُهنَّ) (١)، وصورةُ الجرِّ: ما قدَّمناها. (١) نصُّ الحديث: (( ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق مَن أعتقن، أو كاتَبْنَ، أو كاتب مَن كاتَبْنَ، أو دَبَّرْنَ، أو دَّر مَن دَبَّن، أو جَرَّ وَلاءَ معتَقُهن)». قال في نصب الراية ١٥٤/٤: غريب، وفي الدراية ١٩٥/٢: لم أجده هكذا، وقال العيني في البناية ٢٧/١٠: هذا الحديث لم يثبت. اهـ. وقد أخرج ذلك البيهقي في سننه ٣٠٦/١٠ عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت موقوفاً عليهم رضي الله عنهم، وينظر مصنف ابن أبي شيبة (٣٢١٥٥). * وقال العلامة قاسم في منية الألمعي ص٤٠٣: ذكره رَزِين العبدري من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ كما قوَّى الحديثَ الحصكفيُّ في الدر المختار ٧٧٩/٦ بما تأيَّد من أقوال الصحابة، نقلاً عن السيد، واعتبره من المشهور، الذي هو عند الحنفية قريب من المتواتر. ومراده بالسيد: أي الشريف الجرجاني علي بن محمد، ت ٨١٦ هـ، ونصُّه هذا في شرحه على السراجية في الفرائض، ص ٣٦ (ط العراق). * ورَزِينٌ هذا: هو رزينُ بنُ معاوية العَبْدري الأندلسي السرقسطي، صاحب كتاب: ((تجريد الصحاح)) أو: (جامع الصحاح)، الإمامُ المحدِّثُ الشهير، المتوفى سنة ٥٣٥هـ، كما في سير أعلام النبلاء ٢٠٤/٢٠، وقد جَمَعَ فيه الموطأ مع الكتب الخمسة، مجرَّدَةَ الأسانيد، وفي نُسَخِهِ التي اعتمدها زياداتٌ على النُّسَخ المتداولة من هذه الكتب، كما في مقدمة جامع الأصول ٢٠/١ ، وذلك لاختلاف النُّسَخ والطُّرُق. وهذه الزيادات هي مَحَلَّ توقّفٍ في ثبوتها، وتحتاجُ إلى دراسة، وقد قال عنها ١٤٧ كتاب الوَلاء ولو تَرَكَ المولىُ ابناً، وأولادَ ابنٍ آخَرَ : ولأن ثبوتَ المالكيةِ والقوةِ في المعتَقِ من جهتها، فيُنسَبُ بالوَلاء إليها، ويُنسَبُ إليها مَن يُنْسَبُ إلى مولاها. بخلاف النسب؛ لأن سببَ النسبة فيه الفراشُ، وصاحبُ الفراش إنما هو الزوجُ، والمرأةُ مملوكةٌ، لا مالِكَةٌ، وليس حُكمُ ميراثِ المعتَقِ مقصوراً على بني المولى، بل هو لعصبته، الأقربُ فالأقربُ؛ لأن الولاءَ لا يُورَثُ، ويَخلُفُه فيه مَن تكون النصرةُ به. حتى لو ترك المولى أباً وابناً: فالولاءَ للابن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأنه أقربُهما عُصوبةً. وكذلك الوَلاءُ للجَدِّ، دونَ الأخ عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه أقربُ في العصوبة عنده. وكذا الوَلاءُ لابنِ المعتَقَة، حتى يَرِثُه، دون أخيها؛ لِمَا ذكرنا، إلا أنّ عَقْلَ جنايةِ المعتَقِ على أخيها؛ لأنه من قومٍ أبيها، وجنايتُه: كجنايتها. قال: (ولو تَرَكَ المولىُ ابناً، وأولادَ ابنٍ آخَرَ)، معناه: بني ابنٍ آخَرَ: الذهبي في السير ٢٠٥/٢٠: ((أدخل كتابَه زيادات واهيةً، لو تَتَزَّهَ عنها: لأَجاد)). اهـ وفي مقابل هذا قال الإمام علي القاري في رسالته: ((الحَظَّ الأوفر في الحج الأكبر)) ص ٣١٩ (مع مناسكه): ((والإمامُ رزين العبدري من كبراء المحدثين، ومن عظماء المخرِّجين، ونقلُه: سَنَدٌ معتمَدٌ عند المحققين)). اهـ ١٤٨ كتاب الولاء فميراثُ المعتَقِ للابن، دون بني الابن؛ لأن الولاءَ للكُبْر. (فميراثُ المعتَقِ للابن، دون بني الابن؛ لأن الولاءَ للكُبْر). هو المرويُّ عن عِدَّةٍ من الصحابة رضوانُ الله عنهم، منهم عمرُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وغيرُهم(١) رضي الله عنهم أجمعين. ومعناه: القُربُ، على ما قالوا، والصُّلْبِيُّ: أقربُ، والله تعالى أعلم. (١) سنن البيهقي ٣٠٦/١٠، نصب الراية ١٥٤/٤، التلخيص الحبير ٢١٥/٤. ١٤٩ فصل فصل في وَلاء المُوَالاة وإذا أسلم رجلٌ على يدِ رجلٍ، ووالاه على أن يَرِثَه، ويَعْقِلَ عنه، أو أسلَمَ على يدِ غيرِهِ، ووالاه: فالَوَلاءُ صحيحٌ، وعَقْلُه على مولاه، فإن مات، ولا وارثَ له غيرُهُ : فميراثُه للمولىُ . فصل فِي وَلاء المُوَالاة قال: (وإذا أسلم رجلٌ على يدِ رجلٍ، ووالاه على أن يَرِثَه، ويَعقِلَ عنه، أو أسلَمَ على يدِ غيرِهِ، ووالاه: فالوَلاءَ صحيحٌ، وعَقْلُه على مولاه، فإن مات، ولا وارثَ له غيرُهُ: فميراتُه للمولىُ). وقال الشافعي(١) رحمه الله: الموالاةُ ليست(٢) بشيءٍ؛ لأن فيه (٣) إبطالَ حقِّ بيتِ المال، ولهذا لا تصحُ(٤) في حَقِّ وارثٍ آخَرَ. ولهذا لا تصحُّ عنده الوصيةُ بجميع المالِ وإن لم يكن للموصي وارثٌ؛ لِحَقِّ بيتِ المال، وإنما يصحُّ في الثلث. (١) الحاوي الكبير ١١٩/٨. (٢) وفي نُسخ: ليس. بالتذكير. أي عقد الموالاة. (٣) أي لأن في التوريث بعقد الموالاة. (٤) أي الموالاة، وفي نُسخ: يصح. بالتذكير. أي عقد الموالاة. ١٥٠ فِي وَلاء المُوَالاة وإن كان له وارثٌ: فهو أَوْلىُ منه وإن كانت عمَّةً أو خالةً أو غيرَهما من ذوي الأرحام. ولنا: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَاتُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ النساء/ ٣٣، والآيةُ في الموالاة. وسُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ أسلم على يدِ رجلٍ آخَرَ، ووالاه، فقال: ((هو أحقُّ الناسِ به، مَحياهُ ومماتُه))(١). وهذا يُشير إلى أنَّ العَقْلِ والإرثِ في الحالتَيْن هاتين. ولأنَّ مالَه: حَقَّه، فَيَصرفُه إلى حيث يشاء، والصرفُ إلى بيت المال ضرورةَ عدمِ المسْتَحِقِّ، لا أنه مستَحِقٌّ. قال: (وإن كان له وارثٌ: فهو أَوْلى منه وإن كانت عمَّةً أو خالةً أو غيرَهما من ذوي الأرحام)؛ لأن الموالاةَ عقدُهما، فلا يلزمُ غيرَهما، وذو الرَّحِمِ وارثٌ. ولا بدَّ من شَرْطِ الإرثِ والعَقْلِ، كما ذُكِرَ في ((الكتاب(٣))؛ لأنه بالالتزام، وهو بالشرط، ومِن شَرْطِهِ: أن لا يكونَ المولى من العرب؛ لأن تناصُرَهم بالقبائل، فأغنى عن الموالاة. (١) سنن أبي داود (٢٩١٨)، وسكت عنه، سنن الترمذي (٢١١٢)، سنن ابن ماجه (٢٧٥٢)، الدراية ١٩٥/٢. (٢) أي مختصر القدوري. البناية ١٣/ ٣٠٤. ١٥١ فِي وَلاء المُوَالاة وللمولى أن ينتقلَ عنه بوَلائه إلى غيرِه ما لم يَعقِلْ عنه. وإذا عَقَلَ عنه: لم يكن له أن يتحوَّلَ بوَلائه إلى غيره. وليس لمولىُ العَتاقة أن يواليَ أحداً. قال: (وللمولى أن ينتقلَ عنه بولائه إلى غيرِه ما لم يَعقِلْ عنه)؛ لأنه عقدٌ غيرُ لازمٍ، بمنزلة الوصية. وكذا للأعلى أن يتبرَّا عن ولائه؛ لعدم اللزوم، إلا أنه يُشترطُ في هذا: أن يكونَ بِمَحضَرِ من الآخَرَ، كما في عَزْل الوكيل قصداً. بخلاف ما إذا عَقَدَ الأسفلُ مع غيره بغير مَحضَرِ من الأول؛ لأنه فَسْخٌ حُكميٌّ، بمنزلة العَزْلِ الحُكمي في الوكالة. قال: (وإذا عَقَلَ عنه: لم يكن له أن يتحوَّلَ بوَلائه إلى غيره)؛ لأنه تعلَّقَ به حَقُّ الغير، ولأنه قضى به القاضي. ولأنه بمنزلة عِوَضِ ناله، كالعوض في الهبة. وكذا لا يَتحوَّلُ ولدُه. وكذا إذا عَقَلَ عن ولده: لم يكن لكلِّ واحدٍ منهما أن يتحوَّل؛ لأنهم في حَقِّ الولاء: کشخصٍ واحد. قال: (وليس لمولىُ العَتاقة أن يواليَ أحداً)؛ لأنه لازمٌ، ومع بقائه: لا يَظهر الأدنى، والله تعالى أعلم. ١٥٢ كتاب الإكراه کتاب الإكراه الإكراهُ يثبتُ حُكْمُهُ إِذا حَصَلَ ممَّن يَقدِرُ على إيقاع ما تَوعَّدَ به، سلطاناً كان أو لِصَّاً. كتاب الإكراه قال: (الإكراهُ يثبتُ حُكْمُه إذا حَصَلَ ممَّن يَقدِرُ على إيقاعِ ما تَوعَّدَ به، سلطاناً كان أو لِصَّاً). لأن الإكراهَ اسمٌ لفعلٍ يفعلُه المرءُ بغيره، فينتفي به رضاه، أو يَفسُدُ به اختيارُه، مع بقاءِ أهلِيَّتِه. وهذا إنما يتحقَّقُ إذا خاف المكرَهُ تحقيقَ ما تُوُعِّدَ به، وذلك إنما يكون من القادر، والسلطانُ وغيرُهُ: سِيَّنٌ عند تحقّق القدرة. والذي قاله أبو حنيفة رحمه الله: إن الإكراهَ لا يتحقَّقُ إلا من السلطان: لِمَا أن المَنَعَةَ له، والقدرةُ لا تتحقَّقُ بدون المَنَعَة، فقد قالوا (١): هذا اختلافُ عصرٍ وزمانٍ، لا اختلافُ حُجَّةٍ وبرهان، ولم تكنِ القدرةُ في زمنه إلا للسلطان، ثم بعد ذلك تغيَّرَ الزمانُ وأهلُه. ثم كما تُشترطُ قدرةُ المُكره لتحقَّق الإكراه: يُشترطُ خوفُ المكرَه وقوعَ ما يُهَدَّدُ به، وذلك بأن يَغْلِبَ على ظنِّه أنه يفعلُه؛ ليصيرَ به محمولاً على ما دُعِيَ إليه من الفعل. (١) أي المشايخ. ١٥٣ کتاب الإكراه وإذا أُكرهَ الرجلُ على بيع مالِه، أو على شراءِ سلعةٍ، أو على أن يُقِرَّ لرجلٍ بألف درهمٍ، أو يؤاجِرَ دارَه، فَأُكرِه على ذلك بالقتل، أو بالضرب الشديد، أو بالحَبْس، فباع أو اشترى : فهو بالخيار : إن شاء أمضى البيعَ، وإن شاء فَسَخَه، ورَجَعَ بالمبيع . قال: (وإذا أُكرِهَ الرجلُ على بيع مالِه، أو على شراءِ سلعةٍ، أو على أن يُقِرَّ لرجلٍ بألفِ درهمٍ، أو يؤاجِرَ دارَه، فأُكرِه على ذلك بالقتل، أو بالضرب الشديد، أو بالحَبْس، فباع أو اشترىُ: فهو بالخيار: إن شاء أمضى البيعَ، وإن شاء فَسَخَه، ورَجَعَ بالمَبيع)؛ لأنّ مِن شَرْطِ صحةٍ هذه العقود: التراضي. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ﴾. النساء/٢٩. والإكراهُ بهذه الأشياء: يُعْدِمُ الرضا، فيُفسِدُها(١). بخلاف ما إذا أُكرِه بضربِ سَوْطٍ، أو حَبْسِ يومٍ، أو قَيْدِ يومٍ؛ لأنه لا يُبالَى به بالنظر إلى العادة، فلا يَتحقَّقُ به الإكراهُ، إلا إذا كان الرجلُ صاحبَ مَنْصِبٍ يُعلَمُ أنه يَستضِرُّ به؛ لفوات الرضا. وكذا الإقرارُ حُجَّةٌ؛ لترجُّح جَنَبَةِ الصِّدْقِ فيه على جَنَبَة الكذب، وعند الإكراه: يَحتملُ أنه يكذبُ لدفع المَضرَّة. ثم إذا باع مُكرَهاً، وسَلَّم مُكْرَهاً: يَثبتُ به الملكُ(٢) عندنا. (١) أي هذه العقود. (٢) أي الملك الفاسد. ١٥٤ كتاب الإكراه وعند زفر رحمه الله: لا يَثبتُ؛ لأنه بيعٌ موقوفٌ على الإجازة، ألا ترى أنه لو أجاز: جاز، والموقوفُ قبل الإجازة: لا يُفيدُ الملك. ولنا: أنَّ ركنَ البيع (١) صَدَرَ من أهله، مُضافاً إلى مَحَلِّه، والفسادُ لفَقْد شَرْطِهِ، وهو التراضي، فصار كسائر الشروطِ المفسدة، فَيَثبتُ الملكُ عند القبض، حتى لو قَبَضَه، وأعتقه، أو تصرَّف فيه تصرُّفاً لا يمكنُ نَقْضُه(٢): جاز. وتَلْزَمُه القيمةُ، كما في سائر البِيَاعات الفاسدة. وبإجازة المالك: يَرتفعُ المُفْسِدُ، وهو الإكراهُ، وعدمُ الرضا، فيجوز، إلا أنه لا يَنقطعُ به حَقُّ استردادِ البائعِ وإن تداولَتْه الأيدي، ولم يرضَ البائعُ بذلك. بخلاف سائرِ البياعات الفاسدة؛ لأن الفسادَ فيها لِحَقِّ الشرع، وقد تعلَّقَ بالبيع الثاني حَقُّ العبد، وحَقَّه مقدَّمٌ؛ لحاجته، أما ها هنا: الردُّ لِحَقِّ العبدِ، وهما سواء، فلا يَبطلُ حقُّ الأولِ لحَقِّ الثاني. قال رضي الله تعالى عنه: ومَن جَعَلَ البيعَ الجائزَ المعتادَ بيعاً فاسداً: يجعلُه كبيع المكرَه، حتى يُنْقَضُ به بيعُ المشتري من غيره؛ لأن الفسادَ لفوات الرضا. (١) وفي نُسخ: التصرف. (٢) كالتدبير والكتابة والاستيلاد. ١٥٥ كتاب الإكراه فإن كان قَبَضَ الثمنَ طَوْعاً: فقد أجاز البيعَ. فإن قَبَضَه مُكرَهاً : فليس ذلك بإجازةٍ، وعليه ردُّه إن كان قائماً في يده. وإن هَلَكَ المَبيعُ في يدِ المشتري، وهو غيرُ مُكرَهٍ: ضَمِنَ قيمتَه للبائع. ومنهم مَن جَعَلَه رهناً لقصد المتعاقدَيْن. ومنهم مَن جَعَلَه باطلاً؛ اعتباراً بالهازل. ومشايخُ سَمَرْقَنْد رحمهم الله جعلوه بيعاً جائزاً مفيداً بعضَ الأحكام، على ما هو المعتادُ؛ للحاجة إليه. قال: (فإن كان قَبَضَ الثمنَ طَوْعاً: فقد أجاز البيع)؛ لأنه دليل الإجازة، كما في البيع الموقوف. وكذا إذا سَلَّم طائعاً، بأن كان الإكراهُ على البيع، لا على الدفع؛ لأنه دليلُ الإجازة. بخلاف ما إذا أُكره على الهبة، ولم يَذكُرِ الدفعَ، فوَهَبَ ودَفَعَ، حيث يكون باطلاً؛ لأن مقصودَ المكره: الاستحقاقُ، لا مجرَّدُ اللفظ، وذلك في الهبة: بالدفع، وفي البيع: بالعقد، على ما هو الأصلُ، فدخل الدفعُ في الإكراه على الهبة، دون البيع. قال: (فإن قَبَضَه مُكرَهاً: فليس ذلك بإجازةٍ، وعليه ردُّه إن كان قائماً في يده)؛ لفساد العقد. قال: (وإن هَلَكَ المَبيعُ في يدِ المشتري، وهو غيرُ مُكرَهٍ: ضَمِنَ قيمته للبائع)، معناه: والبائعُ مكرَهُ؛ لأنه مضمونٌ علیه بحُكم عقدٍ فاسدٍ. ١٥٦ كتاب الإكراه وللمُكرَه أن يُضمِّنَ المكرِهَ إن شاء. قال: (وللمُكرَه(١) أن يُضمِّنَ المكرهَ إن شاء)؛ لأنه آلةٌ له فيما يرجعُ إلى الإتلاف، فكأنه دَفَعَ مالَ البائعِ إلى المشتري، فيُضَمِّنُ أَّهما شاءَ، کالغاصب، وغاصبِ الغاصب. فلو ضَمَّنَ المكرِهَ: رَجَعَ على المشتري بالقيمة؛ لقيامِهِ مقامَ البائع. وإِن ضَمَّنَ المشتريَ: نَفَذَ كلَّ شراءٍ كان بعد شرائه لو تناسخَتْه العقودُ؛ لأنه مَلَكَه بالضمان، فظَهَرَ أنه باع مِلكَه، ولا يَنفُذُ ما كان قبلَه؛ لأن الاستنادَ إلى وقتٍ قَبْضِهِ. بخلاف ما إذا أجاز المالكُ المكرَهُ عقداً منها، حيثُ يجوزُ ما قبلَه، وما بعده؛ لأنه أسقط حَقّه، وهو المانعُ، فعاد الكلّ إلى الجواز، والله تعالى وُ أعلم. ١٥٧ فصل فصل وإن أُكرِهَ على أن يأكلَ الميتةَ، أو يَشرَبَ الخمرَ، وأُكرِه على ذلك بحَبْسٍ، أو ضَرْبٍ، أو قَيْدٍ : لم يَحِلَّ له، إلا أن يُكرَه بما يَخافُ منه على نفسِهِ، أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك : وَسِعَه أن يُقْدِمَ على ما أُكرِه عليه . فصلَ الإكراهُ الواقعُ في حقوق الله عزَّ وجلَّ قال: (وإن أُكرهَ على أن يأكلَ الميتةَ، أو يَشرَبَ الخمرَ، وأُكرِه على ذلك بحَبْسٍ، أو ضَرْبٍ، أو قَيْدٍ: لم يَحِلَّ له، إلا أن يُكرَه بما يَخافُ منه على نفسِهِ، أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك: وَسِعَه أن يُقْدِمَ على ما أُكرِهِ عليه). وكذا على هذا: الدمُ، ولحم الخنزير (١)؛ لأنَّ تناوُلَ هذه المحرَّماتِ إنما يُباحُ عند الضرورة، كما في المَخْمَصة (٢)؛ لقيام المُحَرِّم فيما وراءَها، ولا ضرورةَ، إلا إذا خاف على النفسِ، أو على العضو. حتى لو خِيْفَ على ذلك بالضرب، وغَلَبَ على ظنّه: يُباحُ له ذلك. (١) أي وكذا الحكم لو أُكره على شرب الدم، وأكل لحم الخنزير. (٢) أي المجاعة. ١٥٨ الإكراهُ الواقعُ في حقوق الله عزَّ وجلَّ ولا يَسَعُهُ أَن يَصبرَ على ما تُوُعِّدَ به، فإن صَبَرَ حتى أَوْقَعوا به، ولم يأكل : فهو آئِمٌ. وإن أُكرِهَ على الكفرِ بالله تعالى، والعياذُ بالله، أو سَبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقَيْدٍ أو حَبْسٍ أو ضَرْبٍ: لم يكن ذلك إكراهاً، حتى يُكرَهَ بأمرٍ يَخافُ منه على نفسِهِ، أو على عضوٍ من أعضائه. قال: (ولا يَسَعُهُ أن يَصبرَ على ما تُوُعِّدَ به، فإن صَبَرَ حتى أَوْقَعوا به، ولم يأكل: فهو آثِمٌ)؛ لأنه لَمَّا أُبيحَ: كان بالامتناع معاوناً لغيره على إهلاكِ نفسِه، فيأثمُ، كما في حالة المَخْمَصة. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يأثمُ؛ لأنه رخصةٌ، إذِ الحُرمةُ قائمةٌ، فيكون آخِذاً بالعزيمة. قلنا: حالةُ الاضطرارِ مستثناةٌ بالنَّصّ(١)، وهو تكلُّمٌ بالحاصل بعد الثُّنْيا، فيكون امتناعُه من التناول: كامتناعه من تناول الطعامِ الحلال، فلا مُحَرِّمَ، فكان إباحةً، لا رخصةً، إلا أنه إنما يأثمُ إذا عَلِمَ بالإباحة في هذه الحالة ولم يفعل؛ لأن في انكشافِ الحُرمةِ خَفَاءَ، فيُعذَرُ بالجهل فيه، كالجهل بالخِطابِ في أول الإسلام، أو في دارِ الحرب. قال: (وإن أُكرِهَ على الكفرِ بالله تعالى، والعياذُ بالله، أو سَبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقَيْدٍ أو حَبْسٍ أو ضَرْبٍ: لم يكن ذلك إكراهاً، حتى يُكرَهَ بأمرٍ يَخافُ منه على نفسِهِ، أو على عضو من أعضائه). (١) وهو قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا أَضْطُرِرَتُمْ إِلَيْهِ﴾. الأنعام/ ١١٩. ١٥٩ الإكراهُ الواقعُ في حقوق الله عزَّ وجلَّ فإذا خاف على ذلك: وَسِعَه أن يُظهرَ ما أَمَروه به، ويُورِّيَ به، فإن أظهرَ ذلك وقلبُهُ مُطمئِنٌّ بالإيمان : فلا إثمَ عليه. لأن الإكراهَ بهذه الأشياءِ ليس بإكراهٍ في شُرْبِ الخمر؛ لِمَا مَرَّ، ففي الكفر وحُرمتُه(١) أشدُّ: أَوْلى وأَحْرى. قال: (فإذا خاف على ذلك(٢): وَسِعَه أن يُظهرَ ما أَمَروه به، ويُورِّيَّ به، فإن أظهرَ ذلك وقلبُه مُطمئِنٌّ بالإيمان: فلا إثمَ عليه). لحديثِ عمَّارَ بنِ ياسرٍ رضي الله عنه حيث ابتُلي به، وقد قال له النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((كيف وجدتَ قلبَكَ؟)). قال: مطمئنًّاً بالإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: ((فإن عادوا: فعُد (٤))(٥). وفيه نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُمُظْمٌٍَ بِالْإِيمَنِ﴾. الآية النحل / ١٠٦. (١) الواو في قوله: وحرمتُه: واو الحال. (٢) أي على نفسه، أو على عضو من أعضائه. (٣) أي أن يُظهِر خلافَ ما أضمر. (٤) أي فإن عادوا للإكراه: فعُدْ لإجراء كلمة الكفر ظاهراً مع طمأنينة القلب بالإيمان، وقيل: عُد للطمأنينة فقط. ينظر البناية ١٣/ ٣٢٣. (٥) المستدرك (٣٣٦٢)، سنن البيهقي (١٦٨٩٦)، أسباب النزول للواحدي ص٣٢٦، التفسير الكبير ١٢١/٢٠، فتح الباري ٢٦٢/١٢، وأورد طرقه، فبعضها مرسل، ولكن رجاله ثقات، وبعضها ضعيف، ثم قال ابن حجر: وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض، وينظر الدراية ١٩٧/٢، التعريف والإخبار ٣٦٨/٢. ١٦٠ الإكراهُ الواقعُ في حقوق الله عزَّ وجلَّ فإن صَبَرَ حتى قُتِلَ، ولم يُظْهِرِ الكفرَ : كان مأجوراً. وإن أُكره على إتلافِ مالِ مسلمٍ بأمرٍ يَخافُ منه على نفسِهِ، أو علىُ عضو من أعضائه : وَسِعَه أن يفعلَ ذلك. ولصاحبِ المالِ أن يُضمِّنَ المُكرِهَ. ولأنَّ بهذا الإظهار لا يفوتُ الإيمانُ حقيقةً؛ لقيام التصديق، وفي الامتناع: فَوْتُ النفسِ حقيقةً، فَيَسَعُهُ المَيْلُ إليه. قال: (فإن صَبَرَ حتى قُتِلَ، ولم يُظْهر الكفرَ: كان مأجوراً)؛ لأن خُبَيْباً رضي الله عنه صَبَرَ على ذلك حتى صُلِبَ، وسمَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((سيدَ الشهداء))، وقال في مثلِه: ((هو رفيقي في الجنة))(١). ولأن الحُرمةَ باقيةٌ، والامتناعُ لإعزازِ الدِّين: عزيمةٌ، بخلاف ما تقدَّم ؛ للاستثناء. قال: (وإن أُكره على إتلافِ مالِ مسلمٍ بأمرٍ يَخافُ منه على نفسِه، أو على عضوٍ من أعضائه: وَسِعَه أن يفعلَ ذلك)؛ لأن مالَ الغير يُستباحُ للضرورة، كما في حالة المَخْمَصة، وقد تحقّقت. (ولصاحبِ المالِ أن يُضمِّنَ المُكره)؛ لأن المُكرَهَ آلةٌ للمُكره فيما يصلحُ آلةً له، والإتلافُ من هذا القَبِيل. (١) مغازي الواقدي ٣٦٠/١، وأصله في البخاري (٤٠٨٦). قال في الدراية ١٩٧/٢ عن قوله: سيد الشهداء، وقوله: هو رفيقي في الجنة: لم أجده، وكذلك في التعريف والإخبار ٣٦٩/٢.