النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها وفي (الجامع الصغير)): إذا انقضَتْ مدةُ الإجارةِ وفي الأرض رَطْبةٌ : فإنها تُقْلَعُ. ويجوزُ استئجارُ الدوابِّ للركوب، والحَمْلِ . فإن أطلق الركوبَ : جاز له أن يُرْكِبَ مَن شاء. وكذلك إذا استأجر ثوباً للُّبْس، وأطلق. قال: (وفي ((الجامع الصغير(١)): إذا انقضَتْ مدةُ الإجارةِ وفي الأرض رَطْبَةٌ (٢): فإنها تُقْلَعُ (٣))؛ لأن الرِّطابَ لا نهايةَ لها، فأشبه الشجرَ. قال: (ويجوزُ استئجارُ الدوابِّ للركوب، والحَمْل)؛ لأنه منفعةٌ معلومةٌ معهودة. قال: (فإن أطلق الركوبَ: جاز له أن يُرْكِبَ مَن شاء)؛ عملاً بالإطلاق، ولكن إذا ركِبَ بنفسِه، أو أركَبَ واحداً: ليس له أن يُركِبَ غيرَه؛ لأنه تعيّن مراداً من الأصل، والناسُ يتفاوتون في الركوب، فصار كأنه نصّ على ركوبه. قال: (وكذلك(٤) إذا استأجر ثوباً للَّبْس، وأطلق) فيما ذكرنا؛ لإطلاق اللفظ، وتفاؤُتِ الناسِ فِي اللُّبْس. (١) ص٢١٧. (٢) التي يُقال لها: البرسيم، الذي ليس له نهاية معلومة. (٣) وفي نُسخ: تُقطع. (٤) أي يجوز العمل بالإطلاق، وهو أن يُلبِس مَن شاء. ٢٢ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها وإن قال: علىُ أن يَركَبَها فلانٌ، أو يلبَسَ الثوبَ فلانٌ، فأركبها غيرَه، أو ألبسَهَ غيرَه، فعَطِبَ : كان ضامناً. وكذلك كلَّ ما يختَلِفُ باختلاف المستعمِل. فأما العقارُ، وما لا يَخْتلِفُ باختلاف المستعمِلِ، إذا شَرَطَ سُكنى واحدٍ : فله أن يُسكِنَ غيرَه. ... وإن سمَّى نوعاً وقَدْراً معلوماً يَحمِلُه على الدابة، مثلُ أن يقول: قال: (وإن قال: على أن يَركَبَها فلانٌ، أو يلبَسَ الثوبَ فلانٌ، فأركبها غيرَه، أو ألبسَه غيرَه، فعَطِبَ: كان ضامناً)؛ لأن الناسَ يتفاوتون في الركوب واللُّبْس، فصحَّ التعيينُ، وليس له أن يتعدَّاه. قال: (وكذلك كلّ ما يختَلِفُ باختلاف المستعمِل)؛ لِمَا ذكرنا. 93 (فأما العقارُ، وما لا يَختلِفُ باختلاف المستعمِلِ، إذا شَرَطَ(١) سُكنى واحدٍ: فله أن يُسكِنَ غيرَه)؛ لأن التقييدَ غيرُ مفيدٍ؛ لعدم التفاوتِ. والذي يُضِرُّ بالبناء: خارجٌ(٢)، على ما ذكرناه. قال: (وإن سمَّى نوعاً وقَدْراً معلوماً(٣) يَحمِلُه على الدابة، مثلُ أن يقول: (١) هكذا تمَّ الضبط في نُسخ، وفي أخرى: شُرِطَ. وكلاهما صحيح. (٢) هذا جوابٌ عن سؤال مَن يقول: قد يتفاوت السكان أيضاً، والجواب: أن الذي يضرُّ بالبناء مستثنىَ. البناية ٤٥/١٣. (٣) لفظ: معلوماً: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة. ٢٣ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها خمسةَ أقفزةٍ حنطةٍ : فله أن يَحمِلَ ما هو مثلُ الحنطةِ في الضرر، أو أقلّ، كالشعير والسِّمْسِم . وليس له أن يَحمِلَ ما هو أضرُّ من الحنطة، كالملحِ والحدیدِ . وإن استأجرها لَيَحمِلَ عليها قُطْناً سمَّاه: فليس له أن يَحمِلَ عليها مثلَ وزنه حدیداً. وإن استأجرها ليركبَها، فَأَرْدَفَ معه رجلاً، فعَطِبَتْ: ضَمِنَ نصفَ قيمتِها، ولا معتبرَ بالثَّقْل . خمسةَ أقفزةٍ حنطةٍ: فله أن يَحمِلَ ما هو مثلُ الحنطةِ في الضرر، أو أقلّ، كالشعير والسِّمْسِم)؛ لأنه دَخَلَ تحتَ الإذن؛ لعدم التفاوت، أو لكونه خيراً من الأول. (وليس له أن يَحمِلَ ما هو أضرُّ من الحنطة، كالملح والحديدِ)؛ لانعدام الرضا فیه. قال: (وإن استأجرها لَيَحمِلَ عليها قُطْناً سمَّاه: فليس له أن يَحمِلَ عليها مثلَ وزنه حديداً). لأنه ربما يكونُ أَضَرَّ بالدابة، فإن الحديدَ يَجتمعُ في موضعٍ من ظَهْرِها، والقُطْنَ ينبسطُ على ظهرها. قال: (وإن استأجرها ليركَبَها، فَأَرْدَفَ معه رجلاً، فعَطِبَتْ: ضَمِنَ نصفَ قيمتِها، ولا معتبرَ بالثَّقْل). ٢٤ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها وإن استأجرها ليحمِلَ عليها مقداراً من الحنطة، فحَمَلَ عليها أكثرَ منه، فعَطِبَتْ: ضَمِنَ ما زاد الثَّقْلُ. إلا إذا كان حِمْلاً لا تُطيقُه مثلُ تلك الدابة : فحينئذٍ يضمَنُ كلِّ قيمتِها. لأن الدابةَ قد يَعقِرُها جَهْلٌ(١) الراكب الخفيفِ؛ لجهله بالفروسية(٢)، ويَخِفُّ عليها ركوبُ الثقيل؛ لعلمِه بالفروسية. ولأن الآدميَّ غيرُ موزونٍ، فلا يُمكنُ معرفةُ الوزن(٣)، فاعتُبِرَ عددُ الراكب، كعدد الجناة في الجنايات. قال: (وإن استأجرها ليحمِلَ عليها مقداراً من الحنطة، فحَمَلَ عليها أكثرَ منه، فعَطِبَتْ: ضَمِنَ ما زاد الثَّقْلُ)؛ لأنها عَطِيَتْ بما هو مأذونٌ فيه، وغيرُ مأذونٍ فيه، والسببُ: الثّقْلُ، فانقسم عليهما. (إلا إذا كان حِمْلاً لا تُطيقُهُ مثلُ تلك الدابة: فحينئذٍ يضمَنُ كلّ قيمتِها)؛ لعدم الإذنِ فيها أصلاً؛ لخروجه عن العادة(٤). (١) وفي نُسخ: حَمْلُ. قلت: الجهل: يقابله العلم، كما سيأتي في نص المؤلف. (٢) قوله: لجهله بالفروسية: مثبتٌ في نسخة أخو الوزير، وغيرها. (٣) بَيَّن صاحب البناية ٤٧/١٣ أنه يمكن وزنه بالقَبَّان، وناقشه قاضي زاده في نتائج الأفكار ٢٩/٨ وأنه ليس المراد هذا، فإنه لا يوجد في العالَم من الممكنات القائمة بذاتها شيءٌ لا يمكنُ وزنه أصلاً، إلا أن يكون مجرداً أو جسماً لطيفاً. (٤) وفي نُسخ: لخروجه عن طاقة الدابة. البناية ١٣ /٤٩. ٢٥ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها وإن كَبَحَ الدابةَ بِلِجَامِها، أو ضَرَبَها، فعَطِبَتْ: ضَمِنَ عند أبي حنيفة رحمه الله . وقالا : لا يضمنُ إذا فَعَلَ فِعلاً متعارَفاً. وإن استأجرها إلى الحِيْرَةِ، فجاوَزَ بها إلى القادسية، ثم ردَّها إلى الحِيْرة، ثم نَفَقَتْ: فهو ضامنٌ. وكذلك العاريةُ . قال: (وإن كَبَحَ الدابةَ بِجَامِها، أو ضَرَبَها، فَعَطِبَتْ: ضَمِنَ عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: لا يضمنُ إذا فَعَلَ فِعلاً متعارفاً)؛ لأن المتعارَفَ مما يدخلُ تحت مطلَقِ العقد، فكان حاصلاً بإذنه، فلا يَضمنُه. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الإذنَ مقيَّدٌ بشرط السلامة، إذْ يَتحقَّقُ السَّوْقُ بدونه، وإنما هما للمبالغة، فيَتقيدُ بوصف السلامة، كالمرور في الطريق. قال: (وإن استأجرها إلى الحِيْرَةِ (١)، فجاوَزَ بها إلى القادسية، ثم ردَّها إلى الحِيْرة، ثم نَفَقَتْ: فهو ضامنٌ. وكذلك العاريةُ). وقيل: تأويلُ هذه المسألة: إذا استأجرها ذاهباً، لا جائياً؛ لينتهيَ العقدُ بالوصول إلى الحِيْرة، فلا يصيرُ بالعَوْد مردوداً إلى يدِ المالك معنىً. (١) الحِيْرة: مدينةٌ على رأس مِيْلِ عن الكوفة، وأما القادسية: فموضعٌ بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلاً، البناية ١٣/ ٥٠، معجم البلدان ٣٢٨/٢، ٢٩١/٤. ٢٦ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها ومَن اكترىُ حِمَاراً بِسَرْجٍ، فَتَزَعَ السَّرْجَ، وأسرَجَه بسَرْجِ تُسْرَجُ بِمِثْله الحُمُر، فَتَفَقَ : فلا ضمانَ عليه. وإن كان لا تُسرَجُ بمثلِهِ الحُمُرُ: ضَمِنَ. أما إذا استأجرها ذاهباً وجائياً: فيكونُ بمنزلة المودَعِ إذا خالف في الوديعة، ثم عاد إلى الوفاق. وقيل: لا، بل الجوابُ(١) مُجْرَىَ على الإطلاق. والفَرْقُ: أن المودَعَ مأمورٌ بالحفظ مقصوداً، فبقِيَ الأمرُ بالحفظ بعد العَوْد إلى الوِفاق، فحصل الردُّ بالحفظ إلى يدِ نائب المالك(٢). وفي الإجارة والعارية: يصيرُ الحفظُ مأموراً به تَبَعاً للاستعمال، لا مقصوداً، فإذا انقطع الاستعمالُ: لم يَبْقَ هو نائباً، فلا يبرأُ بالعَوْد، وهذا أصحُّ. قال: (ومَن اكترىُ حِمَاراً بسَرْجٍ، فَتَزَعَ السَّرْجَ، وأسرَجَه بسَرْجٍ تُسْرَجُ بِمِثْلِه الحُمُر، فَتَفَقَ: فلا ضمانَ عليه)؛ لأنه إذا كان يُماثِلُ الأولَ: تناوَلَه إذنُ المالك، إذْ لا فائدةَ في التقييد بغيره(٣)، إلا إذا كان زائداً عليه في الوزن: فحينئذ يَضمنُ الزيادةَ. (وإن كان لا تُسرَجُ بمثلِهِ الحُمُرُ: ضَمِنَ)؛ لأنه لم يتناوَلْه الإذنُ من جهته، فصار مخالفاً. (١) هكذا: وقيل: لا، بل الجواب: في طبعات الهداية القديمة، وفي النسخ الخطية: وقيل: الجواب. (٢) أي المودَع. (٣) وفي نُسخ: بعينه. ٢٧ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها وإن أَوْكَفَه بإكافٍ لا تُوكَفُ بمثله الحُمُرُ: ضَمِنَ. وإن أَوْكَفَه بإكافٍ تُوكَفُ بمِثله الحُمُر: ضَمِنَ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : يضمنُ بحسابه. ٠٠٠ وإن استأجر حمَّلاً ليحمِلَ له متاعاً في طريقٍ كذا، فَأَخَذَ في. قال: (وإن أَوْكَفَه بإكافٍ(١) لا تُوكَفُ بمثله الحُمُرُ: ضَمِنَ)؛ لِمَا قلنا في السَّرْج، وهذا أولى. (وإن أَوْكَفَه بإكافٍ تُوكَفُ بمِثله الحُمُر: ضَمِنَ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : يضمنُ بحِسابه). لأنه إذا كان تُوكَفُ بمثله الحُمُر: كان هو والسَّرْجُ سواءً، فيكونُ المالكُ راضياً به. إلا إذا كان زائداً على السَّرْج في الوزن: فيضمنُ الزيادةَ؛ لأنه لم يرضَ بالزيادة، فصار كالزيادة في الحِمْل المسمَّى إذا كان من جنسه. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الإكافَ ليس من جنس السَّرْج؛ لأنه للحَمْل، والسَّرْجُ للركوب. وكذا يَنْبَسِطُ أحدُهما على ظهر الدابةِ ما لا ينبسطُ عليه الآخَرُ، فكان مُخالِفاً، كما إذا حَمَلَ الحديدَ، وقد شُرِطَ له الحنطة. قال: (وإن استأجر حمَّلاً ليحمِلَ له متاعاً (٢) في طريقِ كذا، فَأَخَذَ في (١) الإكاف: ما يُوضعُ على الحمار، وهو أثقل من السرج. (٢) هكذا: متاعاً: في نُسخ، وكذلك في الجامع الصغير ص٢١٩، وفي نُسخ: طعاماً. ٢٨ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها طريقٍ غيرِه يسلُكُهُ الناسُ، فهَلَكَ المتاعُ: فلا ضمانَ عليه، وإن بَلَّغَ: فله الأجرُ. وإن حَمَلَه في البحر فيما يَحمِلُهُ الناسُ في البَرِّ : ضَمِنَ طريقٍ غيرِه يسلُكُهُ الناسُ، فهَلَكَ المتاعُ(١): فلا ضمانَ عليه، وإن بَلَّغَ(٢). فله الأجرُ). وهذا إذا لم يكن بين الطريقَيْن تفاوتٌ؛ لأن عند ذلك التقييدَ غيرُ مفیدٍ. أما إذا كان بين الطريقين تفاوتٌ: يَضمنُ؛ لصحة التقييد، فإنه تقييدٌ مفيدٌ، إلا أنَّ الظاهرَ عدمُ التفاوتِ إذا كان طريقاً يسلُكُه الناسُ، فلم يُفَصِّل(٣). وإن كان طريقاً لا يَسلُكُهُ الناسُ، فَهَلَكَ: ضَمِنَ؛ لأنه صحَّ التقييدُ، فصار مخالفاً. وإن بَلَّغَ: فله الأجرُ؛ لأنه ارتفع الخلافُ معنىً وإن بقيَ صورةً. قال: (وإن حَمَلَه في البحر فيما يَحمِلُهُ الناسُ في الْبَرِّ: ضَمِنَ)؛ لفُحْش التفاوت بين البَرِّ والبحر. (١) وفي نُسخ: فهلك الطعام. قلت: وهذا بحسب الاختلاف السابق في النُّسخ. (٢) بالتشديد: أي بلَّغ الحَمَّلُ المتاعَ إلى ذلك الموضع الذي سمَّه أن يحمل إليه، ويجوز بالتخفيف: على إسناد الفعل إلى المتاع. البناية ١٣ / ٥٥. (٣) أي لم يُفَصِّل الإمامُ محمد رحمه الله بين الطريقين بالتفاوت، البناية ٥٥/١٣، وضُبطت في نُسخ: لم يَفْصِل. ٢٩ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها وإن بَلَّغَ : فله الأجرُ. ومَن استأجر أرضاً ليزرعها حنطةً، فزَرَعَها رَطْبةً: ضَمِنَ ما نَقَصَها، ولا أجرَ له. ومَن دَفَعَ إلى خياطٍ ثوباً لَيَخيطَه قميصاً بدرهم، فخاطَهُ قَبَاءً : فإن شاء ضَمَّنْه قيمةَ الثوب، وإن شاء أَخَذَ القَبَاءَ، وأعطاه أَجْرَ مثلِه، لا يُجاوِزُ به درهماً. (وإن بَلَّغَ: فله الأجرُ)؛ لحصول المقصودِ، وارتفاعِ الخلافِ معنىً. قال: (ومَن استأجر أرضاً ليزرعها حنطةً، فزَرَعَها رَطْبةً: ضَمِنَ ما نَقَصَها)؛ لأن الرِّطابَ أَضَرُّ بالأرض من الحنطة؛ لانتشار عروقِها فيها، وكثرةِ الحاجةِ إلى سَقْيها، فكان خلافاً إلى شرٍّ، فيضمنُ ما نَقَصَها. (ولا أجرَ له)؛ لأنه غاصبٌ للأرض، على ما قرَّرْناه. قال: (ومَن دَفَعَ إلى خياطٍ ثوباً لَيَخيطَه قميصاً بدرهم، فخاطَهُ قَبَاءً: فإن شاء ضَمَّنْه قيمةَ الثوب، وإن شاء أَخَذَ القَبَاءَ، وأعطاه أَجْرَ مثلِه، لا يُجاوزُ به درهماً). ١ قيل: معناه: القُرْطَقُ(١)، الذي هو ذو طاقٍ واحدٍ، فكان شبيهَ القميص؛ لأنه يُستعمَلُ استعمالَ القميص. وقيل: هو مُجْرَىَ على إطلاقه؛ لأنهما يتقاربان(٢) في المنفعة. (١) تعريب كلمة: كرته يك تاهي، وبعضهم يضمُّ الطاء. ينظر البناية ١٣ / ٥٧. (٢) وفي نُسخ: يتفاوتان. ٣٠ ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها . ٠٠ وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يَضمَنُه من غير خيار؛ لأن القَبَاء خلافُ جنسِ القميص. ووَجْهُ الظاهر: أنه قميصٌ من وجهٍ؛ لأنه يُشَدُّ وَسَطُه، فمن(١) هذا الوجه يكون مخالفاً؛ لأن القميصَ لا يُشَدُّ، ويُنتَفَعُ به انتفاعَ القميصِ، فجاءت الموافقةُ والمخالفةُ، فَيَميلُ إلى أيِّ الجهتَيْن شاء، إلا أنه يجبُ أجرُ المثل؛ لقصور جهةِ الموافقة. ولا يُجاوِزُ به الدرهمَ المسمَّى، كما هو الحكمُ في سائر الإجارات الفاسدة، على ما نبيّتُه في بابه إن شاء الله تعالى. ولو خاطه سراويلَ، وقد أُمِرَ بالقَبَاءِ: قيل: يضمنُ من غير خيارِ؛ للتفاوت في المنفعة، والأصحُّ أنه يُخيَّرُ؛ للاتحاد في أصلِ المنفعة، وصار كمَن أُمِرَ بضَرْبِ طَسْتٍ من شَبَهٍ(٢)، فضَرَبَ منه كُوزاً: فإنه يُخيَّرُ، كذا هذا (٣)، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) قوله: فمن هذا الوجه يكون مخالفاً؛ لأن القميص لا يُشد: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة. (٢) نوعٌ من النحاس. البناية ٥٨/١٣، وإنما سمِّيَ شَبَهاً: لأن لونه يُشبه الذهب. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. (٣) وفي نُسخ: هنا، وفي أخرى: ها هنا، والمراد: أي كذا هذا فيما إذا خاطه سراويل وقد أُمر بالقباء. ٣١ باب باب الإجارة الفاسدة الإجارةُ تُفسِدُها الشروطُ الفاسدة، كما تُفسِدُ البيعَ. والواجبُ في الإجارة الفاسدة : أَجْرُ المثلِ، لا يُجاوَزُ به المسمَّى. باب الإجارة الفاسدة قال: (الإجارةُ تُفسدُها الشروطُ الفاسدة(١)، كما تُفسِدُ البيعَ)؛ لأنه بمنزلته، ألا ترى أنه عقدٌ يُقالُ، ويُفسَخُ. قال: (والواجبُ في الإجارة الفاسدة: أَجْرُ المثلِ، لا يُجاوَزُ به المسمَّى). وقال زفر والشافعيُّ(٢) رحمهما الله: يجب بالغاً ما بَلَغَ؛ اعتباراً ببيع الأعيان في الفاسد. ولنا: أن المنافعَ لا تتقوَّمُ بنفسها، بل بالعقد؛ لحاجة الناسِ إليها، فيُكتَفى بالضرورة في الصحيح منها، إلا أن الفاسدَ تَبَعٌ له، ويُعتبرُ ما يُجعَلُ بدلاً في الصحيح عادةً، لكنهما إذا اتفقا على مقدارِ في الفاسد: فقد (١) لفظ: الفاسدة: مثبتٌ في نسخة ٧٣٨هـ، وعلَّق العلامة سعدي في حاشيته على الهداية على قوله: تُفسدها الشروط: بقوله: أي التي لا يقتضيها العقد. اهـ (٢) منهاج الطالبين ١/ ١٦٤. ٣٢ الإجارة الفاسدة ومَن استأجر داراً كلَّ شهرِ بدرهم : فالعقدُ صحيحٌ في شهرٍ واحدٍ، فاسدٌ في بقيةِ الشهور، إلا أنْ يُسِمِّيَ جُملةَ شهورِ معلومةٍ . فإن سَكَنَ ساعةً من الشهر الثاني : صحَّ العقدُ فيه، ولم يكن للمُؤجِرِ أن يُخرِجَه إلى أن يَنقضِيَ الشهرُ. أسقطا الزيادةَ، وإذا نَقَصَ من المسمىُ أجرُ المثل: لم تجبْ زيادةً المسمى؛ لفساد التسمية. بخلاف البيع: لأن العينَ متقوِّمةٌ في نفسها، وهي الموجَبُ الأصلي، فإن صحَّتِ التسميةُ: انتقل عنه(١)، وإلا: فلا. قال: (ومَن استأجر داراً كلَّ شهرٍ بدرهمٍ: فالعقدُ صحيحٌ في شهرٍ واحدٍ، فاسدٌ في بقيةِ الشهور، إلا أنْ يُسِمَِّ جُملةَ شهورِ معلومةٍ). لأن الأصلَ أن كلمة: كل: إذا دخلتْ فيما لا نهايةَ له: تنصرفُ إلى الواحد؛ لتعذّر العملِ بالعموم، فكان الشهرُ الواحدُ معلوماً، فصحَّ العقدُ فيه، وإذا تمَّ: كان لكلِّ واحدٍ منهما أن يَنقُضَ الإجارةَ؛ لانتهاء العقدِ الصحيح. ولو سمَّى جملةَ شهورِ معلومةٍ: جاز؛ لأن المدةَ صارت معلومةً. قال: (فإن سكَنَ ساعةً من الشهر الثاني: صحَّ العقدُ فيه، ولم يكن للمُؤجرِ أن يُخرِجَه إلى أن يَنْقَضِيَ الشهرُ(٢). (١) أي عن الموجب الأصلي، الذي هو القيمة إلى المسمى. البناية ١٣/ ٦١. (٢) أي الشهر الثاني. ٣٣ الإجارة الفاسدة وكذلك كلُّ شهرٍ سَكَنَ في أوَِّهِ ساعةً. 31 وإن استأجر داراً سَنَةً بعشرة دراهمَ : جاز وإن لم يُبيِّنْ قِسطَ كلَ شهرٍ من الأجرة. وكذلك كلّ شهرٍ سَكَنَ في أوَّلِه ساعةً)؛ لأنه تَمَّ العقدُ بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني. إلا أن الذي ذَكَرَه في ((الكتاب(١))) هو القياسُ، وقد مال إليه بعضُ المشایخ رحمهم الله. وظاهرُ الروايةِ: أن يبقىُ الخيارُ لكلِّ واحدٍ منهما في الليلة الأُولىُ من الشهر الثاني ويومِها؛ لأنَّ في اعتبار الأولِ بعضَ الحرج. قال: (وإن استأجر داراً سَنَةً بعشرة دراهمَ: جاز وإن لم يُبِّن(٢) قِسْطَ كلَّ شهرٍ من الأجرة)؛ لأن المدةَ معلومةٌ بدون التقسيم، فصار كإجارة شهرٍ واحدٍ، فإنه جائزٌ(٣) وإن لم يُبَيِّنْ(٤) قِسْطَ كلِّ يوم. ثم يُعتبرُ ابتداءَ المدةِ مما سمَّى، وإن لم يُسمِّ شيئاً: فهو من الوقت الذي استأجره؛ لأن الأوقات كلَّها في حَقِّ الإجارة على السواء، فأشبه اليمينَ، بخلاف الصوم؛ لأن اللياليَ ليستْ بِمَحَلِّ له. (١) أي مختصر القدوري. البناية ١٣ /٦٣. (٢) وفي نُسخ: لم يُسَمِّ. (٣) وفي نُسخ: جائزةٌ. (٤) وفي نُسخ: لم يُسَمِّ. ٣٤ الإجارة الفاسدة ويجوزُ أَخْذُ أجرةِ الحَمَّامِ، والحَجَّام. ثم إن كان العقدُ حين يُهَلُّ(١) الهلالُ: فشهورُ السنة كلُّها بالأهِلَّة؛ لأنها هي الأصلُ. وإن كان في أثناءِ الشهر: فالكلّ بالأيام عند أبي حنيفة رحمه الله، وهو روايةٌ عن أبي يوسف رحمه الله. وعند محمدٍ رحمه الله، وهو روايةٌ عن أبي يوسف رحمه الله: أن الأوَّلَ منها: بالأيام، والباقيَ(٢): بالأهلَّة؛ لأن الأيامَ يُصارُ إليها ضرورةً، والضرورةُ في الأول منها(٣). وله: أنه متىُ تَمَّ الأولُ بالأيام: أُبْتُدِىءَ(٤) الثاني بالأيام ضرورةً، وهكذا إلىْ آخِرِ السَّنَة. ونظيرُهُ العِدَّةُ، وقد مَرَّ في الطلاق. قال: (ويجوزُ أَخْذُ أجرةِ الحَمَّام، والحَجَّامِ). أما الحَمَّامُ: فلتَعارُفِ الناس، ولم تُعتبرِ الجهالةُ؛ لإجماع المسلمين. قال عليه الصلاة والسلام: ((ما رآه المسلمون حَسَناً: فهو عند الله حَسَنٌ، وما رآه المسلمون قبيحاً: فهو عند الله قبيحٌ))(٥). (١) يجوز ضبطه على صيغة البناء للفاعل، وللمفعول. البناية ١٣ / ٦٥. (٢) وفي نُسخ: والثاني. (٣) أي من السَّنة. (٤) هكذا تمَّ الضبط في نُسخِ نفيسة، وضُبط في نُسخ أخرى هكذا: اِبْتَدَأَ. (٥) روي موقوفاً بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه، وهو من الموقوف" ٣٥ الإجارة الفاسدة ولا يجوزُ أَخْذُ أجرةٍ عَسْبِ الَّيْس. ولا يجوزُ الاستئجارُ على الأذانِ، والحجِّ، وكذا الإمامةِ، وتعليمِ القرآنِ، والفقهِ . وأما الحَجَّامِ: فلِمَا رُوي أنه صلى الله عليه وسلم احتجم، وأعطى -(١) الحجَّامَ الأجرةَ(١). ولأنه استئجارٌ على عملٍ معلومٍ، بأجرٍ معلومٍ، فيقعُ جائزاً. قال: (ولا يجوزُ أَخْذُ أجرةِ عَسْبِ التَّيْس). وهو أن يؤجِّرَ فَحْلاً ليَنزُوَ على الإناث؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن من السُّحْتِ (٢): عَسْبُ التَّيْس))(٣)، والمرادُ أَخْذُ الأجرةِ عليه. قال: (ولا يجوزُ الاستئجارُ على الأذانِ، والحجِّ، وكذا الإمامةِ، وتعليمِ القرآنِ، والفقهِ). والأصلُ: أن كلَّ طاعةٍ يختصُّ بها المسلمُ: لا يجوزُ الاستئجارُ عليه عندنا. الذي له حكم الرفع: مسند أحمد (٣٦٠٠)، المعجم الأوسط للطبراني (٣٦٠٢) المستدرك للحاكم (٤٤٦٥)، كما في الدراية لابن حجر ١٨٧/٢. (١) صحيح البخاري (٢٢٧٨)، صحيح مسلم (١٥٧٧)، والأحاديث الواردة في تحريم كسب الحجام: منسوخةٌ. البناية ٦٩/١٣. (٢) أي الخُبث والحرام. حاشية نسخة أخي الوزير، وحاشية نسخة ١٠٣٨ هـ. (٣) صحيح البخاري (٢٢٨٤)، وينظر نصب الراية ١٣٥/٤. ٣٦ الإجارة الفاسدة . وعند الشافعي(١) رحمه الله: يصحُّ في كلّ ما لا يَتَعيَّن على الأجير(٢)؛ لأنه استئجارٌ على عملٍ معلومٍ، غيرِ متعيِّنٍ عليه، فيجوز. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((اقرؤوا القرآنَ، ولا تأكلوا به))(٣). وفي آخِرِ ما عَهِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمانَ بن أبي العاص رضي الله عنه: ((وإن أُّخِذْتَ مؤذِّناً: فلا تأخذْ على الأذانِ أجرا)) (٤). ولأن القُربةَ متى حَصَلَتْ: وَقَعَتْ عن العامل، ولهذا تُعتبرُ أهليتُه، فلا يجوز له أَخْذُ الأجرِ من غيره، كما في الصوم، والصلاة. ولأن التعليمَ ممَّا لا يَقدِرُ المعلِّمُ عليه إلا بمعنىَ من قِبَلِ المتعلِّم (٥)، فيكونُ ملتزماً ما لا يَقْدِرُ على تسليمِه، فلا يصح. وبعضُ مشايخِنا رحمهم الله استحسنوا الاستئجارَ على تعليم القرآن (١) منهاج الطالبين ١/ ١٦١. (٢) فإذا تعيّن، بأن كان الإمام أو المفتي واحداً: لا يجوز استئجاره بالإجماع. البناية ١٣ / ٧٢. (٣) مصنف ابن أبي شيبة (٧٧٤٢)، مسند أحمد (١٥٥٣٥)، مسند البزار (١٠٤٤)، المعجم الأوسط للطبراني (٨٨٢٣)، الدراية ١٨٨/٢. (٤) سنن أبي داود (٥٣١)، سنن الترمذي (٢٠٩)، وقال: حديثٌ حسنٌ، سنن ابن ماجه (٧١٤)، الدراية ٢ / ١٨٩. (٥) ويتفاوت المتعلِّمون في التلقِّي. ٣٧ الإجارة الفاسدة ولا يجوزُ الاستئجارُ علىَ الغِنَاء والنَّوْحِ. ولا تجوزُ إجارةُ المُشَاعِ عند أبي حنيفة رحمه الله، إلا من الشريك، وقالا : إجارةُ المشاعِ جائزة . اليومَ؛ لأنه ظَهَرَ التواني في الأمور الدينية، فالامتناعُ: يؤدي إلى تضييع حفظِ القرآن، وعليه الفتوى. قال: (ولا يجوزُ الاستئجارُ على الغِنَاء والنَّوْح)، وكذا سائرِ الملاهي؛ لأنه استئجارٌ على المعصية، والمعصيةُ لا تُستَحَقُّ بالعقد. قال: (ولا تجوزُ إجارةُ المُشَاعِ عند أبي حنيفة رحمه الله، إلا من الشريك، وقالا: إجارةُ المشاع جائزةٌ(١)). وصورتُه: أن يؤاجرَ نصيباً من داره، أو نصيبه من دارٍ مشتركةٍ من غير الشريك. لهما: أنَّ للمُشاعِ منفعةً، ولهذا يجبُ أجرُ المِثْل، والتسليمُ ممكنٌ بالتخلية أو بالتهايؤ، فصار كما إذا آجَرَ من شريكه أو من رجلَيْن، وصار كالبيع. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه آجَرَ ما لا يَقدِرُ على تسليمه، فلا يجوز، وهذا لأنّ تسليمَ المُشَاعِ وحدَه لا يُتُصوَّر، والتخليةُ: اعتُبرت تسليماً؛ (١) وجاءت زيادةٌ انفردت بها نسخة ٦٤٤، ومُيِّزت بخطّ فوقها على أنها من بداية المبتدي، وهي: (وإذا كانت الدارُ بين شريكين، فآجراها معاً من رجلٍ: جاز، وإن نقض أحدُهما الإجارةَ في نصيبه، أو مات أحدُهما: لم تبطل الإجارةُ في نصيب الثاني). اهـ، ثم وجدتُ هذه المسألة بنصها منقولةً عن مختصر الكرخي في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١٢٦/٥، من قول أبي حنيفة رحمه الله. ٣٨ الإجارة الفاسدة ويجوز استئجارُ الظَّئْرِ بأجرةٍ معلومةٍ. لوقوعه تمكيناً، وهو الفعلُ الذي يحصلُ به التمكُّنُ، ولا تمكُّنَ في المشاع، بخلاف البيع؛ لحصول التمكَّن فيه. وأما التهايؤ: فإنما يُستَحَقُّ حُكماً للعقد بواسطة الملك، وحُكمُ العقد يَعْقُبُه، والقدرةُ على التسليم شَرْطُ العقد، وشَرْطُ الشيءٍ يَسِقُه، ولا يُعتبرُ المتراخي سابقاً. وأما إذا آجَرَ من شريكه، فالكلّ يَحدُثُ علىُ مِلكِهِ، فلا شيوعَ، والاختلافُ في النسبة لا يُضُرُّه. على أنه لا يصحُّ في رواية الحسن عنه رحمهما الله. وبخلاف الشيوعِ الطارئ؛ لأن القدرةَ على التسليم ليست بشرطٍ للبقاء. وبخلاف ما إذا آجَرَ من رجلَيْن؛ لأن التسليمَ يقعُ جملةً، ثم الشيوعُ بتفرُّق الملكِ فيما بينهما طارئٌ. ١ قال: (ويجوز استئجارُ الظَّئْرِ بأجرةٍ معلومةٍ). لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَّكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. الطلاق/٦. ولأن التعاملَ به كان جارياً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقَبْلَه(١)، وأقرَّهم عليه(٢). (١) أي قبل عهده صلى الله عليه وسلم، أي هو شرع من قبلنا. (٢) لم يخرجه في نصب الراية ١٤٠/٤، وبيَّض له في الدراية ١٨٩/٢، ولم يخرِّجه أيضاً في البناية ١٣ / ٨٤. ٣٩ الإجارة الفاسدة ويجوزُ بطعامِها وكِسوتِها؛ استحساناً عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا : لا يجوز. ثم قيل: إن العقدَ يقعُ على المنافع، وهي خدمتُها للصبيِّ، والقيامُ به، واللبنُ يُسْتَحَقُّ على طريق التَّبَع، بمنزلة الصِّبْغ في الثوب. وقيل: إن العقدَ يقعُ على اللبن، والخدمةُ تابعةٌ، ولهذا لو أرضعته بلبن شاةٍ: لا تَستحِقُّ الأجرَ. والأولُ أقربُ إلى الفقه؛ لأن عقدَ الإجارة لا ينعقدُ على إتلافِ الأعيانِ مقصوداً، كما إذا استأجر بقرةً ليشرب لبنَها، وسنبيِّنُ (١) العُذرَ عن الإرضاع بلبن الشاة إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت ما ذكرنا: يصحُّ إذا كانتِ الأجرةُ معلومةً؛ اعتباراً بالاستئجار على الخدمة. قال: (ويجوزُ بطعامِها وكِسوتِها؛ استحساناً عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: لا يجوز)؛ لأن الأجرةَ مجهولةٌ، فصار كما إذا استأجرها للخَبْزِ والطَّبْخِ. قلت: جاء في صحيح مسلم (٢٣١٦) عن أنس رضي الله عنه قال: ما رأيتُ أرحمَ بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان إبراهيم مسترضِعاً له في عوالي المدينة ... اهـ، وقد استفدتُ هذا من كتاب المغني ٧٣/٨ (ط التركي والحلو)، حيث قال ابن قدامة: واسترضَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لولده إبراهيم. اهـ (١) قريباً. ٤٠ الإجارة الفاسدة وفي ((الجامع الصغير)): فإن سمَّى الطعامَ دراهمَ، ووَصَفَ جنسَ الكسوةِ، وأَجَلَها، وذَرْعَها : فهو جائزٌ. وله: أن الجهالةَ فيه لا تُفضِي إلى المنازعة؛ لأن العادةَ جَرَتْ بالتوسعة على الأظار؛ شفقةً على الأولاد، فصار كبيع قَفِيزِ من صُبْرةٍ. بخلاف الخَبْزِ والطَّبْخِ؛ لأن الجهالةَ فيه تُفضِي إلى المنازعة. (وفي ((الجامع الصغير(١)): فإن سمَّى الطعامَ دراهمَ، ووَصَفَ جنسَ الكسوةِ، وأَجَلَها (٢)، وذَرْعَها: فهو جائزٌ)، يعني بالإجماع. ومعنى تسميةِ الطعام دراهمَ: أن يَجعلَ الأجرةَ دراهمَ، ثم يَدِفَعُ الطعامَ مكانَه(٣)، وهذا لا جهالةَ فيه. ولو سمَّى الطعامَ، وبيَّن قَدْرَه: جاز أيضاً؛ لِمَا قلنا، ولا يُشترطُ تأجيلُه؛ لأنَّ أوصافَها أثمانٌ. ويُشترط بيانُ مكانِ الإيفاءِ عند أبي حنيفة رحمه الله، خلافاً لهما، وقد ذكرناه في البيوع. وفي الكسوةِ يُشترطُ بيانُ الأجلِ أيضاً، مع بيان القَدْر والجنس؛ لأنه إنما يصيرُ ديناً في الذمة إذا صار مَبيعاً، وإنما يصيرُ مَبيعاً عند الأجل، كما في السَّلَم. (١) ص٢١٦. (٢) أي وقت العطاء. البناية ٨٩/١٣. (٣) أي مكان المسمى من الدراهم، وفي نُسخ: مكانها.