النص المفهرس

صفحات 1-20

ر
(شَرَحُ بِدَايَةِ المُتَدِّيّ)
لِلإِمَامِ عَلَيّبْن أَني ◌َكْ المَرَغِينَانِي
(٥١١ هـ - ٥٩٣ هـ)
حُفِّقَ عَلى أَكْثَرمِنْ عِشْرِينَ نُشْخَةٍ خَطْيَةٍ
تحميں
أ.د. سَائِدبكداش
المُجَلَّهُ السَّادِسُ
٧،٧
دَارُ السَّم

بَسِ اللهِالرَّحْنُ الرَّحْمِ
طِرَزَاً لَذْهَبِنا الْمُذْهَبِ
هدايتُنا هذه قد غَدَتْ
فألفاظُها دُرَرُّ كُلُّها وما مِثُهَا قَطّ فِي مَذْهَبٍ
(زُيِّنَت بهذَيْن البيتَيْن غُرَّةُ نسخة ٧٣٢هـ)

الهُدَايَةْ
(شَرَحُ بِدَايَةِ المُتَدِّيّ)
٦

جَمْعُ الحقوق محفوظة لِلُحقِّق
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٤٠ هـ -٢٠١٩م
دَارُ السََّةِ - المَدِيْنَةُ المُغَوَّرَةُ
يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى العنَوَانِ التَّالى:
البَرِيدُ الإلكتروني: SRAJ1000@hotmail.com
جوّال : ٠٠٩٦٦٥٠٥٣١٣٣٢٠

٥
كتاب الإجارات
كتاب الإجارات
الإجارةُ عقدٌ يَرِدُ على المنافعِ بِعِوَضٍ.
كتاب الإجارات
قال: (الإجارةُ عقدٌ يَرِدُ على المنافعِ بعِوَضٍ).
لأن الإجارةَ في اللغة عبارةً عن بيع المنافعِ، والقياسُ يأبى جوازَه؛ لأن
المعقودَ عليه المنفعةُ بعوضٍ، وهي معدومةٌ، وإضافةُ التمليك إلى ما
سيوجد: لا تصحُّ، إلا أنَّا جوَّزناها (١) لحاجة الناس إليها.
وقد شَهِدَتْ بصحتها الآثارُ، وهو قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أَعْطُوا
الأجيرَ أجرَهَ قبلَ أن يَجفَّ عَرَقُه))(٢).
وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَن استأجَرَ أجيراً فليُعْلِمْه أجرَه))(٣).
(١) أي الإجارة، وفي نُسخ: جوَّزناه. أي عقد الإجارة.
(٢) سنن ابن ماجه (٢٤٤٣)، السنن الصغرى للبيهقي (٢١٦١)، وله عدة طرق
في كل منها مقال، لكن يقوى بمجموعها، كما قال المنذري في الترغيب والترهيب
٥٨/٣، وينظر نصب الراية ١٢٩/٤، البدر المنير ٣٨٣/١٧ ..
(٣) الآثار لمحمد بن الحسن ص١٦٧، مسند أحمد ٥٩/٣، مصنف عبد الرزاق
(١٥٠٢٤) بلفظ: فليسم له إجارته، سنن البيهقي (١١٦٥١).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٧/٤: ((رجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن
إبراهيم النخعي لم يسمع من أبي سعيد فيما أحسب)). اهـ، لكن ((وَصَلَه البيهقي من
طريق أبي حنيفة))، كما قال ابن حجر في بلوغ المرام مع سبل السلام ٨٢/٣، وينظر
نصب الراية ١٣١/٤، والتلخيص الحبير ٦٠/٣.

٦
کتاب الإجارات
ولا تصحُّ حتى تكونَ المنافعُ معلومةً، والأجرةُ معلومةً.
وما جاز أن يكون ثمناً في البيع : جاز أن يكون أجرةً في الإجارة.
والمنافعُ تارةً تصيرُ معلومةً بالمدة، كاستئجار الدُّوْر للسُّكنى،
والأرَضَيْنَ للزراعة، فيصحُّ العقدُ على مدةٍ معلومةٍ، أيِّ مدةٍ كانت.
وتنعقدُ ساعةً فساعةً علىُ حَسَبِ حدوثِ المنفعة.
والدارُ أُقيمتْ مَقامَ المنفعة في حَقِّ إضافة العقد إليها؛ ليرتبطَ الإيجابُ
بالقَبول، ثم عملُه يَظهرُ في حقِّ المنفعة مِلْكاً واستحقاقاً حالَ وجودِ المنفعة.
قال: (ولا تصحُّ حتى تكونَ المنافعُ معلومةً، والأجرةُ معلومةً)؛ لِمَا رَوَيْنا.
ولأن الجهالةَ في المعقودِ عليه وبدلِه تُفضِي إلى المنازعة، فصار
كجهالة الثمنِ والمُثْمَنِ في البيع.
قال: (وما جاز أن يكون ثمناً في البيع: جاز أن يكون أجرةً في
الإجارة)؛ لأن الأجرةَ ثمنُ المنفعة، فتُعتبرُ بثمن المبيع.
وما لا يَصلُحُ ثمناً في البيع(١): يصلُحُ أجرةَ أيضاً، كالأعيان(٢)، فهذا
اللفظُ لا ينفي صلاحيةَ غيرِهِ؛ لأنه عوضٌ ماليّ.
قال: (والمنافعُ تارةً تصيرُ معلومةً بالمدة، كاستئجار الدُّوْر للسُّكنى،
والأرَضِيْنَ للزراعة، فيصحُّ العقدُ على مدةٍ معلومةٍ، أيِّ مدٍ كانت).
(١) كالأعيان التي ليست من ذوات الأمثال، كالحيوانات والعدديات المتفاوتة،
فإنها لا تصح ثمناً أصلاً. البناية ١٣ / ١٣.
(٢) أي عيناً بعين، كمن استأجر داراً بثوبِ حاضر مشارٍ إليه.

٧
کتاب الإجارات
وتارةً تصيرُ المنافعُ معلومةً بالتسمية، كمَن استأجر رجلاً على صَبْغِ ثوبِهِ،
أو خياطته، أو استأجر دابةً لَيَحمِلَ عليها مقداراً معلوماً، أو يَركبَها مسافةً
سمّاها.
لأن المدةَ إذا كانتْ معلومةً: كان قَدْرُ المنفعة فيها معلوماً إذا كانت
المنفعةُ لا تتفاوت.
وقولُه: أيِّ مدةٍ كانت: إشارةٌ إلى أنها تجوزُ، طالتِ المدةُ أو قَصُرتْ؛
93
لكونها معلومةً، ولتحقّق الحاجةِ إليها عسى(١).
وفيه خلافُ الشافعي(٢) رحمه الله.
إلا أنَّ في الأوقافِ لا تجوزُ الإجارةُ الطويلةُ؛ كي لا يدَّعِيَ المستأجرُ
مِلْكَها، وهي ما زاد على ثلاث سنين، هو المختارُ.
قال: (وتارةً تصيرُ المنافعُ معلومةً بالتسمية(٣)، كمَن استأجر رجلاً على
صَبْغِ ثوبِه، أو خياطته، أو استأجر دابةً لَيَحمِلَ عليها مقداراً معلوماً، أو
يَرَكَبَها مسافةً سمَّاها).
لأنه إذا بيَّن الثوبَ، ولونَ الصِّبْغِ، وقَدْرَه، وجنسَ الخياطة، والقدرَ
المحمولَ، وجنسَه، والمسافةَ: صارت المنفعةُ معلومةً، فيصحُّ العقدُ.
(١) كلمة: عسىُ: هنا وقعت مجرَّدَةً عن الاسم، والخبرُ تقديرُهُ: عسىُ الاحتياجُ
إلى المدة الطويلة يقعُ، وأهلُ العربية يأَبَوْن ذلك. البناية ١٣ /١٥.
(٢) فله ثلاثة أقوال: أي مدة، وسنة، وثلاثون سنة. نهاية المطلب ١١٠/١١.
(٣) وفي نُسخ: بنفسه. قلت: قال في البناية ١٦/١٣: أي بنفس عقد الإجارة.
اهـ، ورجّح قاضي زاده في نتائج الأفكار ٩/٨ لفظ: بالتسمية، وأشار إلى النُّسَخ.

٨
كتاب الإجارات
وتارةً تصيرُ المنفعةُ معلومةً بالتعيين والإشارة، كمَن استأجر رجلاً
لينقلَ له هذا الطعامَ إلى موضعٍ معلومٍ.
وربما يُقال: الإجارةُ قد تكونُ عقداً على العمل، كاستئجار القصَّار
والخيَّاط، ولا بدَّ أن يكون العملُ معلوماً، وذلك في الأجيرِ المشترك.
وقد تكونُ عقداً على المنفعة، كما في أجيرِ الوَحْدِ (١)، ولا بدَّ من بيان
الوقت.
قال: (وتارةً تصيرُ المنفعةُ معلومةً بالتعيين والإشارة، كمَن استأجر
رجلاً لينقلَ له هذا الطعامَ إلى موضعٍ معلومٍ)؛ لأنه إذا أَرَاه ما ينقُلُه،
والموضعَ الذي يُحمَلُ إليه: كانت المنفعةُ معلومةً، فيصحُّ العقد، والله
تعالى أعلم.

باب
الأجرُ متى يُستَحَقُّ؟
الأجرةُ لا تجبُ بالعقد، وتُستَحَقُّ بأحدٍ معانٍ ثلاثةٍ : إما بشرط
التعجيل، أو بالتعجيلٍ من غير شَرْطٍ، أو باستيفاءِ المعقودِ علیه.
باب
الأجرُ متى يُستَحَقُّ؟
قال: (الأجرةُ لا تجبُ(١) بالعقد، وتُستَحَقُّ بأحدٍ (٢) معانٍ ثلاثةٍ: إما
بشرط التعجيل، أو بالتعجيلِ من غير شَرْطٍ، أو باستيفاءِ المعقودِ عليه).
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: تُملَكُ بنفس العقد؛ لأن المنافعَ المعدومةَ
صارت موجودةً حُكماً؛ ضرورةَ تصحيح العقد، فيثبتُ الحُكمُ فيما
يقابلها (٤) من البدل.
ولنا: أن العقدَ ينعقدُ شيئاً فشيئاً على حسب حدوثِ المنافع، على ما بيَّنَّا.
(١) وفي نُسخ: لا تُستحقُّ.
(٢) وفي نُسخ: بإحدى معانٍ، وأشار إلى هذا العيني في البناية ٢٠/١٣، وأن
وجهه : إحدى العلل.
(٣) العزيز ١٢ / ١٩٧.
(٤) أي المنافع. حاشية نسخة ٧٣٨هـ، وفي غالب النسخ: يقابله.

١٠
الأجرُ متى يُستَحَقُّ؟
وإذا قَبَضَ المستأجرُ الدارَ : فعليه الأجرةُ وإن لم يَسكُنْها .
فإن غَصَبَها غاصبٌ من يده : سَقَطَتِ الأجرةُ.
ومَن استأجر داراً: فللمُؤْجِرِ أن يُطالِبَه بأجرةِ كلَ يومٍ.
31
والعقدُ: معاوضةٌ، ومِن قضيَّتِها: المساواةُ، فمِن ضرورةِ التراخي في
جانب المنفعة: التراخي في البدل الآخر(١).
وإذا استوفىُ(٢) المنفعةَ: يَثبتُ الملكُ في الأجر؛ لتحقّق التسوية.
وِ
وكذا إذا شَرَطَ التعجيلَ أو عجَّل؛ لأن المساواة تثبتُ حقّاً له، وقد أبطله.
قال: (وإذا قَبَضَ المستأجرُ الدارَ: فعليه الأجرةُ وإن لم يَسكُّنْها)؛ لأن
تسليمَ عينِ المنفعةِ لا يُتُصوَّرَ، فأقَمْنا تسليمَ المَحَلِّ مَّقَامَه، إذِ التمكُّنُ من
الانتفاع یثبتُ به.
قال: (فإن غَصَبَها غاصبٌ من يده: سَقَطَتِ الأجرةُ)؛ لأن تسليمَ المحلَ
ءِ
إنما أُقيمَ مَقامَ تسليمِ المنفعة؛ للتمكّن من الانتفاع، فإذا فات التمكّنُ: فات
التسليمُ، وانفسخ العقدُ، فسَقَطَ الأجرُ.
وإن وُجِدَ الغصبُ في بعض المدةِ: سَقَطَ الأجرُ بقَدْره؛ إذِ الانفساخُ
في بعضها.
قال: (ومَن استأجر داراً: فللمُؤْجر أن يُطالِبَه بأجرةِ كلّ يوم)؛ لأنه
استوفى منفعةً مقصودةً.
(١) أي الأجرة.
(٢) أي المستأجر.

١١
الأجرُ متى يُستَحَقُّ؟
إلا أن يُبَيِّنَ وقتَ الاستحقاقِ في العقد .
وكذلك إجارةُ الأراضي.
ومَن استأجر بعيراً إلى مكةَ: فللجَمَّال أن يُطالِبَه بأجرةِ كلّ مرحلةٍ .
وليس للقَصَّارِ والخيَّاطِ أن يُطالِبَ بأَجْرِهِ حتى يَفْرُغَ من العمل.
(إلا أن يُبَيِّنَ وقتَ الاستحقاقِ في العقد)؛ لأنه بمنزلة التأجيل.
قال: (وكذلك إجارةُ الأراضي)؛ لِمَا بيَّنَّا.
قال: (ومَن استأجر بعيراً إلى مكةَ: فللجَمَّال أن يُطالِبَه بأجرةِ كل
مرحلةٍ)؛ لأن سَيْرَ كلِّ مرحلةٍ مقصودٌ.
وكان أبو حنيفة رحمه الله يقولُ أوَّلاً: لا يجبُ الأجرُ إلا بعد انقضاء
المدة، وانتهاءِ السفرِ، وهو قولُ زفرَ رحمه الله؛ لأن المعقودَ عليه جملةٌ
المنافع في المدة، فلا يتوزَّعُ الأجرُ على أجزائها، كما إذا كان المعقودُ
عليه العمل.
ووجهُ القول المرجوع إليه: أن القياسَ يقتضي استحقاقَ الأجرِ ساعةً
فساعةً؛ لتحقُّق المساواة، إلا أن المطالبةَ في كلِّ ساعةٍ تُفضِي إلى أن لا
يتفرَّغَ لغيره، فيتضرَُّ به، فقدَّرْنا بما ذَكَرْنا.
قال: (وليس للقَصَّارِ والخيَّاطِ أن يُطالِبَ بأَجْرِه حتى يَفْرُغَ من
العمل)؛ لأن العملَ في البعضِ غيرُ منتفَعِ به، فلا يَستوجِبُ به الأجرَ.
وكذا إذا عَمِلَ في بيتِ المستأجرِ: لا يستوجِبُ الأجرَ قبلَ الفراغ؛ لِمَا بَيَّنَا.

١٢
الأجرُ متى يُستَحَقُّ؟
إلا أن يَشترطَ التعجيلَ.
ومَن استأجر خَبَّزاً ليَخبزَ له في بيته قَفِيزاً من دقيقٍ بدرهمٍ : لم يستَحِقّ
الأجرَ حتى يُخرِجَ الخُبْزَ من التُّّور.
فإن أخرجه، ثم احترق من غير فِعله : فله الأجرُ، ولا ضمانَ عليه.
ومَن استأجر طبَّاخاً لَيَطْبُخَ له طعاماً للوليمة : فالغَرْفُ عليه.
قال: (إلا أن يَشترطَ التعجيلَ)؛ لِمَا مَرَّ أن الشرطَ فيه لازمٌ.
قال: (ومَن استأجر خَبَّازاً لَيَخبزَ له في بيته قَفِيزاً من دقيقٍ بدرهمٍ: لم
يستَحِقَّ الأجرَ حتى يُخرِجَ الخُبْزَ من التنُّور)؛ لأن تمامَ العمل بالإخراج.
فلو احترقَ، أو سقط من يده قبلَ الإخراج: فلا أجرَ له؛ للهلاك قبلَ التسليم.
قال: (فإن أخرجه، ثم احترق من غير فِعله: فله الأجرُ)؛ لأنه صار
مُسلِّماً إليه بالوضع؛ حیث کان في بيته.
(ولا ضمانَ عليه)؛ لأنه لم توجَدْ منه الجنايةُ.
قال رضي الله عنه(١): وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه أمانةٌ في يده.
وعندهما: يَضمنُ مِثلَ دقيقِه، ولا أجرَ له؛ لأنه مضمونٌ عليه، فلا
يبرأُ إلا بعد حقيقةِ التسليم، وإن شاء ضَمَّنه الخُبْزَ، وأعطاه الأجرَ.
قال: (ومَن استأجر طبَّاخاً لَيَطْبُخَ له طعاماً للوليمة(٢): فالغَرْفُ عليه)؛
اعتباراً للعُرف.
(١) وفي نُسخ: قال العبد الضعيف عَصَمَه الله.
(٢) وفي نُسخ: طعامَ الوليمة.

١٣
الأجرُ متى يُستَحَقُّ؟
ومَن استأجر إنساناً ليضرِبَ له لَبِنَاً في مِلُبَنِ معلومٍ : استَحقَّ الأجرةَ إذا
أقامها عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : لا يَستَحِقُّها حتى يُشَرِّجَها.
وكلُّ صانعٍ لعَمِله أثرٌ في العَيْن، كالقصَّار والصبّاغ: فله أن يحبِسَ
العينَ حتى يستوفِيَ الأجرَ.
قال: (ومَن استأجر إنساناً ليضرِبَ له لَبِنَا (١) في مِلْبَنِ معلومٍ: استَحقَّ
الأجرةَ إذا أقامه عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: لا يَستَحِقَّها حتى يُشَرِّجَهَ(٢))؛ لأن التشريجَ من تمامٍ عملِهِ، إِذْ
لا يُؤْمَنُ من الفساد قبلَه، فصار كإخراج الخبز من التُّور.
ولأن الأجيرَ هو الذي يتولاَّه عُرْفاً، وهو المعتبرُ فيما لم يُنَصَّ عليه.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن العملَ قد تَمَّ بالإقامة، والتشريجُ عملٌ
زائدٌ، كالنقل، ألا ترى أنه يُنْتَفَعُ به قبلَ التشريج بالنقل إلى موضعِ العمل،
بخلاف ما قبلَ الإقامة؛ لأنه طينٌ منتشِرٌ.
وبخلاف الخُبْزِ؛ لأنه غيرُ منتَفَعٍ به قبلَ الإخراج.
93
قال: (وكلّ صانعِ لعَمِله أثرٌ في العَيْن، كالقصَّار والصبَّاغ: فله أن
يحبِسَ العينَ حتى يستوفِيَ الأجرَ)؛ لأن المعقودَ عليه وَصْفٌ قائمٌ في
الثوب، فله حَقُّ الحَبْسِ لاستيفاء البدل، كما في المبيع.
(١) جمع: لَبِنَة، وهو الآجرُّ النَّيُّ. البناية ١٣ /٢٨.
(٢) أي ينضِّده، وذلك بضمِّ بعضها إلى بعض. البناية ٢٩/١٣.

١٤
الأجرُ متى يُستَحَقُّ؟
ولو حَبَسَه، فضاع في يده: لا ضمانَ عليه عند أبي حنيفة رحمه الله، ولا أجرَ له.
وكلَّ صانعٍ ليس لعَمِله أثرٌ في العين : فليس له أن يَحْبِسَ العينَ للأجر،
كالحَمَّل والملاح.
قال: (ولو حَبَسَه، فضاع في يده: لا ضمانَ عليه عند أبي حنيفة رحمه
الله)؛ لأنه غيرُ متعدٍّ في الحبس، فبقِيَ أمانةَ، كما كان عنده.
(ولا أجرَ له)؛ لهلاك المعقودِ عليه قبلَ التسليم.
وعند أبي يوسف ومحمدٍ رحمهما الله: العينُ كانت مضمونةً قبلَ الحبسِ،
فكذا بعدَه، لكنه بالخيار: إن شاء ضَمَّنْه قيمتَه غيرَ مَعمول، ولا أجرَ له، وإن
شاء ضمَّنه معمولاً، وله الأجرُ، وسنبیِّنُ من بعدُ إن شاء الله تعالی.
قال: (وكلّ صانعٍ ليس لعَمِله أثرٌ في العين: فليس له أن يَحْبِسَ العينَ
للأجر، كالحَمَّل والمَلاَّحِ)؛ لأن المعقودَ عليه نَفْسُ العمل، وهو غيرُ قائم
في العين، فلا يُتُصوَّرُ حَبْسُه، فليس له ولايةُ الحبسِ.
وغَسْلُ الثوب: نظيرُ الحَمْل.
وهذا بخلاف الآبق، حيث يكونُ للرادِّ حَقُّ حَبْسِه؛ لاستيفاء الجُعْل،
ولا أَثَرَ لعمله؛ لأنه كان على شَرَفِ الهلاك، وقد أحياه، فكأنَّه باعه منه،
فله حقُّ الحبس.
وهذا الذي ذَكَرْناه: مذهبُ علمائنا الثلاثةِ رحمهم الله.
وقال زفرُ رحمه الله: ليس له حَقُّ الحَبْسِ في الوجهَيْن؛ لأنه وَقَعَ التسليمُ
باتصال المبيع بمِلكِهِ، فيسقطُ حقُّ الحَبْسُ.

١٥
الأجرُ متى يُستَحَقُّ؟
وإذا شَرَطَ على الصانع أن يَعمَلَ بنفسه: فليس له أن يستعملَ غيرَه.
وإن أطلَقَ له العملَ : فله أن يستأجرَ مَن يَعمَلُهُ.
ولنا: أن الاتصالَ بالمَحَلُّ: ضرورةَ إقامةٍ تسليمِ العمل، فلم يكن هو
راضياً به، من حيثُ إنه تسليمٌ، فلا يسقطُ حَقُّ الحَبْس، كما إذا قَبَضَ
المشتري بغير رضا البائع.
قال: (وإذا شَرَطَ على الصانعِ أن يَعمَلَ بنفسه: فليس له أن يستعملَ
غيرَه)؛ لأن المعقودَ عليه العملُ في مَحَلِّ بعينه، فتُسْتَحَقُّ عينُه، كالمنفعة
当
في محلّ بعينه.
قال: (وإن أطلَقَ له العملَ: فله أن يستأجرَ مَن يَعمَلُه)؛ لأن المستَحَقَّ
عَمَلٌ في ذمته، ويُمكِنُ إيفاؤه بنفسه، وبالاستعانة بغيره، بمنزلة إيفاءِ
الدَّيْن، والله تعالى أعلم.

١٦
فصلٌ
فصل
ومَن استأجر رجلاً ليذهبَ إلى البصرة، فَيَجِيْءَ بعِياله، فذهب، فوَجَدَ
بعضَهم قد مات، فجاء بمَن بقِيَ : فله الأجرُ بحسابه.
وإن استأجَرَه ليذهبَ بكتابِهِ إلى فلانٍ بالبصرة، ويجيء بجوابه،
ے
فذهب فوَجَدَ فلاناً ميتاً، فرَدَّه: فلا أجرَ له.
وقال محمدٌ رحمه الله : له الأجرُ في الذَّهاب.
فصل
في بيان عدم استحقاق تمام الأجر
قال: (ومَن استأجر رجلاً ليذهبَ إلى البصرة، فَيَجِيْءَ بعِياله، فذهب،
فَوَجَدَ بعضَهم قد مات، فجاء بمَن بقِيَ: فله الأجرُ بحسابه)؛ لأنه أوفى
بعضَ المعقودِ عليه، فَيَسْتَحِقُّ العوضَ بِقَدْرِهِ.
ومرادُه إذا كانوا معلومِيْن.
قال: (وإن استأجَرَه ليذهبَ بكتابِه إلى فلانٍ بالبصرة، ويجيء بجوابه،
فذهب فوَجَدَ فلاناً ميتاً، فرَدَّه: فلا أجرَ له)، وهذا عند أبي حنيفة وأبي
یوسف رحمهما الله.
(وقال محمدٌ رحمه الله: له الأجرُ في الذّهاب)؛ لأنه أوفىُ بعضَ
المعقودِ عليه، وهو قَطْعُ المسافة، وهذا لأن الأجرَ مقابَلٌ به؛ لِمَا فيه من
المشقة، دونَ حَمْلِ الكتاب؛ لخِفَّة مؤنتِه.

١٧
في بيان عدم استحقاق تمام الأجر
وإن استأجره ليذهبَ بطعامٍ إلى فلانٍ بالبصرة، فذهب، فوجد فلاناً
ميتاً، فردَّه : فلا أجرَ له، في قولِهم جميعاً.
ولهما: أن المعقودَ عليه: نَقْلُ الكتاب؛ لأنه هو المقصودُ، أو وسيلةٌ
إليه، وهو العلمُ بما في الكتاب، لكنَّ الحُكْمَ مُعَلَّقٌ به، وقد نَقَضَه،
فيسقطُ الأجرُ، كما في الطعام، وهي المسألةُ التي تلي هذه المسألةَ.
وإن تَرَكَ الكتابَ في ذلك المكان، وعاد: يستَحِقُّ الأجرَ بالذهاب،
بالإجماع؛ لأن الحَمْلَ لم ينتقض بالعمل.
قال: (وإن استأجره ليذهبَ بطعامٍ إلى فلانٍ بالبصرة، فذهب، فوجد
فلاناً ميتاً، فردَّه: فلا أجرَ له، في قولِهم جميعاً)؛ لأنه نَقَضَ تسليمَ
المعقودِ عليه، وهو حَمْلُ الطعام إلى فلان.
بخلاف مسألةِ الكتاب(١) على قولٍ محمدٍ رحمه الله؛ لأن المعقودَ
عليه هناك: قطعُ المسافةِ، على ما مَرَّ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) أي حَمْل الكتاب. حاشية سعدي.

١٨
باب
باب
ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها
ويجوزُ استئجارُ الدُّوْرِ والحوانيتِ للسُّكْنِى وإن لم يُبِّنْ ما يَعمَلُ فيها.
وله أن يَعمِلَ كلَّ شيءٍ، إلا أنه لا يَسْكُنُ حدَّاداً ولا قصَّاراً ولا طحَّاناً.
ويجوزُ استئجارُ الأراضي للزراعة.
باب
ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها
قال: (ويجوزُ استئجارُ الدُّوْرِ والحوانيتِ للسُّكْنى وإن لم يُبَيِّنْ ما يَعمَلُ
فيها)؛ لأن العملَ المتعارَفَ فيها: السُّكنىُ، فَيَنصرفُ إليه، وإنه لا يَتَفَاوَتُ،
فصحَّ العقدُ، (وله أن يَعمِلَ كلّ شيءٍ)؛ للإطلاق.
(إلا أنه لا يَسْكُنُ (١) حدَّاداً ولا قصَّاراً ولا طحَّاناً)؛ لأن فيه ضرراً
ظاهراً؛ لأنه يوهِنُ البناءَ، فيتقيّدُ العقدُ بما وراءَها دلالةً، إلا(٢) أن يُسمِّيَ
ذلك: فيصير راضياً به.
قال: (ويجوزُ استئجارُ الأراضي للزراعة)؛ لأنها منفعةٌ مقصودةٌ
معهودة فيها.
(١) رجَّح في البناية ٣٨/١٣ جوازَ ضمِّ الياء، وفَتْحِها، والنُّسخ بالفتح والضمِّ.
(٢) قوله: إلا أن يسميَ ذلك: فيصير راضياً به: مثبتٌ في نسخة ٩٨١هـ.

١٩
ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها
وللمستأجِرِ الشِّرْبُ، والطريقُ وإن لم يَشترِطْ ذلك.
ولا يصحُّ العقدُ حتى يُسمِّيَ ما يَزْرِعُ فيها.
أو يقولَ : على أن يَزْرَعَ فيها ما شاء.
(وللمستأجر الشِّرْبُ، والطريقُ وإن لم يَشترطْ ذلك(١))؛ لأن الإجارةَ
تُعقَدُ للانتفاع، ولا انتفاعَ في الحال إلا بهما (٢)، فيدخلان في مُطلَقِ العقد.
بخلاف البيع: لأن المقصودَ منه(٣) ملكُ الرقبة، لا الانتفاعُ في الحال،
حتى يجوزُ بيعُ الجَحْش(٤)، والأرضِ السَّبِخَة(٥)، دونَ الإجارة، فلا يدخلان
فيه من غير ذِكْرِ الحقوق، وقد مَرَّ في البيوع.
قال: (ولا يصحُّ العقدُ حتى يُسمِّيَ ما يَزرِعُ فيها)؛ لأنها قد تُستأجرُ
للزراعة ولغيرها، وما يُزْرَعُ فيها متفاوتٌ، فلا بدَّ من التعيين؛ كي لا تقعَ
المنازعةُ.
(أو يقولَ: على أن يَزْرَعَ فيها ما شاء)؛ لأنه لَمَّا فوَّض الخِيْرةَ إليه: فقد
ارتفعتِ الجهالةُ المُفْضِيَةُ إلى المنازعة.
(١) قوله: وإن لم يَشترِط ذلك: مثبتٌ في نسخة ٦٤٤، وبداية المبتدي ص٥٦٥.
(٢) قوله: في الحال: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٣) وفي نُسخ: فيه.
(٤) أي الحمار، فيجوز بيعُه وهو صغيرٌ ولو وقتَ الولادة وإن لم يُنتفع به في
الحال، ولا تصحُّ إجارتُه. ينظر تبيين الحقائق ٩٨/٤.
(٥) أي التي لا تُنبتُ شيئاً.

٢٠
ما يجوزُ من الإجارة، وما لا يجوز، وما يكونُ خلافاً فيها
ويجوزُ أن يستأجرَ الساحةَ ليبنيَ فيها، أو ليغرِسَ فيها نخلاً، أو شجراً.
ثم إذا انقضَتْ مدةُ الإجارة: لَزِمَه أن يَقْلَعَ البناءَ والغَرْسَ، ويسلِّمَها
إليه فارغةً.
إلا أن يختارَ صاحبُ الأرضِ أن يَغرَمَ له قيمةَ ذلك مقلوعاً، ويتملَّكَه.
أو يرضىُ بتَرْكِه على حالِهِ، فيكونُ البناءُ لهذا، والأرضُ لهذا.
قال: (ويجوزُ أن يستأجرَ الساحةَ ليبنيَ فيها، أو ليغرِسَ فيها نخلاً، أو
شجراً)؛ لأنها منفعةٌ تُقصَدُ بالأراضي.
قال: (ثم إذا انقضَتْ مدةُ الإجارة: لَزِمَه أن يَقْلَعَ البناءَ والغَرْسَ، ويسلِّمَها
إليه فارغةً)؛ لأنه لا نهايةَ لهما، وفي إبقائهما: إضرارٌ بصاحب الأرض.
بخلاف ما إذا انقضتِ مدةُ الإجارةِ والزرعُ بَقْلٌ، حيثُ يُتْرَكُ بأجرٍ
المِثل إلى زمان الإدراك؛ لأن له نهايةً معلومةً، فأمكن رعايةُ الجانبَيْن.
قال: (إلا أن يختارَ صاحبُ الأرضِ أن يَغْرَمَ له قيمةَ ذلك مقلوعاً،
ويتملَّكَه): فله ذلك.
وهذا برضا صاحب البناء(١) والغرس والشجر، إلا أن تَنقُصَ الأرضُ
بقلعها(٢): فحينئذ يتملَّكُهما بغير رضاه.
قال: (أو يرضىُ بتَرْكِه على حالِهِ، فيكونُ البناءُ لهذا، والأرضُ لهذا)؛
لأن الحَقَّ له، فله أن لا يستوفيه.
(١) لفظ: البناء: مثبتٌ في نسخة ٧٣١هـ، ونسخة ٧٤٢ هـ مصححاً.
(٢) أي بقلع هذه الأشياء المذكورة، وهي البناء والغرس والشجر. البناية ٤٣/١٣.