النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ كتاب العارية ثم إن لم يكن وقَّتَ العاريةَ : فلا ضمانَ عليه. وإن كان وقَّتَ العاريةَ، وَرَجَعَ قبلَ الوقت : صحَّ رجوعُه. وضَمِنَ المعيرُ ما نَقَصَ من البناءِ والغَرسِ بالقلع . أما الرجوع: فلِمَا بيًّّا. وأما الجواز: فلأنها منفعةٌ معلومةٌ، تُملَكُ بالإجارة، فكذا بالإعارة. وإذا صحَّ الرجوعُ: بقيَ المستعيرُ شاغِلاً أرضَ المُعِير، فيُكلَّفُ تفريغَها. قال: (ثم إن لم يكن وقَّتَ العاريةَ: فلا ضمانَ عليه)؛ لأن المستعيرَ مغتَرٌّ، غيرُ مغرور، حيث اعتمد إطلاقَ العقدِ من غير أن يَسبقَ منه الوعدُ. قال: (وإن كان وقَّتَ العاريةَ، ورَجَعَ قبلَ الوقت: صحَّ رجوعُه)؛ لِمَا ذكرنا، ولکنه یُكره؛ لِما فيه من خُلْف الوعد. قال: (وضَمِنَ المعيرُ ما نَقَصَ من البناءِ والغَرسِ بالقلع)؛ لأنه مغرورٌ من جهته، حيث وقّت له، والظاهرُ هو الوفاء بالعهد، فيَرجعُ عليه؛ دفعاً للضرر عن نفسه. كذا ذَكَرِه القدوريُّ رحمه الله في ((المختصر)). وذكر الحاكمُ الشهيدُ رحمه الله أنه يَضمَنُ ربُّ الأرضِ للمستعير قيمةً غَرْسِهِ وبنائه، ويكونان له، إلا أن يشاءَ المستعيرُ أن يرفعَهما، ولا يُضمَّنَه قيمتَهما، فيكونُ له ذلك؛ لأنه مِلْكُه. قالوا (١): إذا كان في القلع ضررٌ بالأرض: فالخيارُ إلى ربِّ الأرض؛ لأنه صاحبُ أصلٍ، والمستعيرُ صاحبُ تَبَعِ، والترجيحُ بالأصل. (١) أي المشايخُ المتأخرون. البناية ٤٨٦/١٢. ٤٨٢ كتاب العارية وأجرةُ ردِّ العارية على المستعير. وأجرةُ ردِّ العينِ المستأجَرةِ على المُؤْجِرِ. وأجرةُ ردِّ العينِ المغصوبة على الغاصب. وإذا استعار دابةً، فردَّها إلى إصطبلِ مالكِها، ولم يسلِّمْها إليه، فهلکت : لم يَضمن. ولو استعارها لَيَزْرَعَها: لم تُؤْخَذْ منه حتى يَحصُدَ الزرعَ، وقَّت أو لم يوقِّت؛ لأنَّ له نهايةً معلومةً، وفي الترك: مراعاةُ الحَقَّيْن. بخلاف الغرس: لأنه ليس له نهايةٌ معلومةٌ، فَيُقْلَعُ؛ دفعاً للضرر عن المالك. قال: (وأجرةُ ردِّ العارية على المستعير)؛ لأن الردَّ واجبٌ عليه؛ لِمَا أنه قَبَضَه لمنفعة نفسِه، والأجرةُ مؤنةُ الردِّ، فتكونُ عليه. قال: (وأجرةُ ردِّ العينِ المستأجَرَةِ على المُؤْجِر)؛ لأن الواجبَ على المستأجر التمكينُ والتخليةُ، دونَ الردِّ، فإن منفعةَ قَبْضِهِ سالمةٌ للمؤجر معنىً، فلا تكونُ علیه مؤنةُ ردِّه. قال: (وأجرةُ ردِّ العينِ المغصوبةِ على الغاصب). لأن الواجبَ عليه الردُّ والإعادةُ إلى يدِ المالك؛ دفعاً للضرر عنه، فتكونُ مؤنتُه علیه. قال: (وإذا استعار دابةَ، فردَّها إلى إصطبلِ مالكِها، ولم يسلِّمْها إليه(١)، فهلکت: لم يَضمن)، وهذا استحسان. (١) قوله: ولم يُسلِّمها إليه: مثبتٌ في نسخة ١٣٨هـ. ٤٨٣ كتاب العارية وإن استعار عيناً، فردَّها إلى دار المالك، ولم يسلّمْها إليه: لم يضمن. ولو ردَّ المغصوبَ أو الوديعةَ إلى دار المالك، ولم يسلِّمْها إليه : ضَمِنَ. ومَن استعار دابةً، فردَّها مع عبدِه، أو أجيرِه : لم يضمن. وفي القياس: يَضمنُ؛ لأنه ما ردَّها إلى مالكِها، بل ضيَّعها. وجهُ الاستحسان: أنه أتى بالتسليم المتعارَف؛ لأن ردَّ العواري إلى دار المُلأَّك معتادٌ، كآلة البيت. ولو ردَّها إلى المالك: فالمالكُ يردُّها إلى المَرْبِطِ، فصحَّ الردُّ(١). قال: (وإن استعار عيناً(٢)، فردَّها إلى دار المالك، ولم يسلَّمْها إليه: لم يضمن)؛ لِمَا بَيًَّّا من العُرف. قال: (ولو ردَّ المغصوبَ أو الوديعةَ إلى دار المالك، ولم يسلِّمْها إليه: ضَمِنَ)؛ لأن الواجبَ علىُ الغاصبِ فَسْخُ فعلِه، وذلك بالردِّ إلى المالك، دونَ غيرِهِ، والوديعةُ لا يرضىُ المالكُ بردِّها إلى الدار، ولا إلى يدِ مَن في العِيال؛ لأنه لو ارتضاه: لَمَا أودعها إياه. بخلاف العواري: لأن فيها عُرفاً، حتى لو كانتِ العاريةُ عِقْدَ جوهرٍ: لم يردَّها إلا إلى المعير؛ لعدم ما ذكرنا من العُرف فيه. قال: (ومَن استعار دابةً، فردَّها مع عبدِه، أو أجيرِه: لم يضمن (٣). (١) قوله: فصحَّ الردُّ: مثبتٌ في نسخة ٨٦٠هـ. (٢) وفي نُسخ: عبداً. (٣) أي إن هلكت. ٤٨٤ كتاب العارية وكذا إذا ردَّها مع عبدِ ربِّ الدابة، أو أجيرِهِ، فهلكتْ: لم يَضمَن. وإن ردَّها مع أجنبيٍّ: ضَمِنَ. ومَن أعار أرضاً بيضاءَ للزراعة : يَكتبُ: إنكَ أطعمتَني، عند أبي حنيفة رحمه الله . والمرادُ بالأجير: أن يكون مسانَهَةً أو مشاهرةً؛ لأنها أمانةٌ، فله أن يحفظَها بيد مَن في عِيَاله، كما في الوديعة. بخلاف الأجير مُيَاوَمةً؛ لأنه ليس في عِياله. قال: (وكذا إذا ردَّها مع عبدِ ربِّ الدابة، أو أجيرِهِ، فهلكتْ: لم يَضمَن)؛ لأن المالكَ يرضى به؛ ألا ترى أنه لو ردَّه إليه: فهو یردُّه إلى عبده. وقيل: هذا في العبد الذي يقومُ على الدواب. وقيل: فيه، وفي غيره، وهو الأصح؛ لأنه إن كان لا يَدفعُ إليه دائماً: يَدفعُ إليه أحياناً. قال: (وإن ردَّها مع أجنبيٌّ: ضَمِنَ). ودَلَّتِ المسألةُ على أن المستعيرَ لا يملكُ الإيداعَ قصداً، كما قاله بعضُ المشايخ، وقال بعضُهم: يملكُه؛ لأنه دونَ الإعارة، وأوَّلوا هذه المسألةَ بانتهاء الإعارة؛ لانقضاء المدة. قال: (ومَن أعار أرضاً بيضاءَ للزراعة: يكتبُ: إنكَ أطعمتَني عند أبي حنيفة رحمه الله. ٤٨٥ كتاب العارية وقالا : يكتبُ: إنك أعرتَني. وقالا: يكتبُ: إنك أعرتَني)؛ لأن لفظةَ: الإعارة: موضوعةٌ له، والكتابةُ بالموضوع له أوْلى، كما في إعارة الدار. وله: أن لفظةَ: الإطعام: أدلّ على المراد؛ لأنها تخصُّ الزراعةَ، والإعارةُ تنتظمُها وغيرَها، كالبناء ونحوه، فكانتِ الكتابةُ بها أَوْلِئُ. بخلاف الدار: لأنها لا تُعار إلا للسكنى، والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٦ كتاب الهبة كتاب الهبة الهبةُ تصحُّ بالإيجابِ والقبولِ والقَبْضِ . كتاب الهبة قال: (الهبةُ) عقدٌ مشروعٌ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((تَهَادَوْا: تَحَابُّوا))(١). وعلى ذلك انعقد الإجماع(١). قال: و(تصحُّ بالإيجابِ والقبولِ والقَبْضِ). أما الإيجابُ والقبول؛ فلأنه عقدٌ، والعقدُ ينعقدُ بالإيجاب والقبول. والقبضُ: لا بدَّ منه لثبوت الملك. وقال مالكٌ(٣) رحمه الله: يثبتُ الملكُ فيه قبلَ القبض؛ اعتباراً بالبيع. وعلى هذا الخلافِ: الصدقةُ. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا تجوزُ الهبةُ إلا مقبوضةً))(٤). (١) قال في التلخيص الحبير ٦٩/٣: رواه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٤)، والبيهقي (١١٩٤٦)، وأورده ابن طاهر في مسند الشهاب (٦٥٩)، وإسناده حسن. اهـ، وينظر الدراية ١٨٣/٢. (٢) أي إجماع الأمة. البناية ١٢ / ٤٩٤. (٣) ينظر الشرح الكبير للدردير ١٠٠/٤. (٤) قال في نصب الراية ١٢١/٤: غريب، وفي الدراية ١٨٣/٢: لم أجده. اهـ = ٤٨٧ كتاب الهبة فإن قَبَضَها الموهوبُ له في المجلس بغير أَمْرِ الواهب : جاز. وإن قَبَضَ بعد الافتراق: لم يَجُزْ، إلا أن يأذنَ له الواهبُ في القبض. والمرادُ: نفيُ الملك؛ لأن الجوازَ بدونه ثابتٌ. ولأنه عقدُ تبرُّعٍ، وفي إثبات الملكِ قبلَ القبض: إلزامُ المتبرِّعِ شيئاً لم يتبرَّعْ به، وهو التسليمُ، فلا يصح. بخلاف الوصيةِ؛ لأن أوانَ ثبوتِ الملكِ فيها بعدَ الموت، ولا إلزامَ على المتبرِّع؛ لعدم أهليةِ اللزوم، وحَقُّ الوارثِ متأخِّرٌ عن الوصية، فلم يملِكْها. قال: (فإن قَبَضَها الموهوبُ له في المجلس بغير أَمْرِ الواهب: جاز)؛ استحساناً. قال: (وإن قَبَضَ بعد الافتراق: لم يَجُزْ، إلا أن يأذنَ له الواهبُ في القبض). والقياسُ: أن لا يجوزَ في الوجهَيْن جميعاً، وهو قولُ الشافعيّ(١) رحمه الله؛ لأن القبضَ تصرُّفٌ في مِلْكِ الواهب، إذْ مِلْكُه(٢) قبلَ القبض باقٍ، فلا يصحُ بدون إذنه. قلت: هذا مرفوعاً، لكن روي عن ابن عباس بلفظ: ((لا تجوز الصدقة حتى تُقبض)»، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٠٥١٠)، وروي عن إبراهيم النخعي: ((أنه قال في الهبة والصدقة: لا تجوز إلا مقبوضةً معلومةً))، كما في الآثار لأبي يوسف (٧٥١)، وينظر التعريف والإخبار للعلامة قاسم ٤٥٠/٢. (١) الحاوي الكبير ٥٣٦/٧. (٢) أي ملك الواهب. ٤٨٨ كتاب الهبة وتنعقدُ الهبةُ بقوله : وهبتُ، ونَحَلْتُ، وأعطيتُ. وأطعمتُكَ هذا الطعامَ، وجعلتُ هذا الثوبَ لكَ، وأَعمَرْتُكَ هذا الشيءَ، وحملتُكَ على هذه الدابةِ إذا نوى بالحُمْلان الهبةَ. ولنا (١): أن القبضَ بمنزلة القبول في الهبة، من حيث إنه يتوقّفُ عليه ثبوتُ حُكْمِهِ، وهو الملكُ، والمقصودُ منه إثباتُ الملك، فيكونُ الإيجابُ منه تسليطاً على القبض. بخلاف ما إذا قَبَضَ بعد الافتراق: لأنا إنما أثبتنا التسليطَ فيه إلحاقاً له بالقبول، والقبولُ يتقيدُ بالمجلس، فكذا ما يُلحَقُ به. بخلاف ما إذا نهاه عن القبضِ في المجلس: لأن الدلالةَ لا تعملُ فى مقابلةِ الصريح. قال: (وتنعقدُ الهبةُ بقوله: وهبتُ، ونَحَلْتُ، وأعطيتُ). لأن الأولَ: صريحٌ فيه، والثاني: مستعمَلٌ فيه. قال عليه الصلاة والسلام: ((أكُلَّ أولادِكَ نَحَلْتَ مثلَ هذا؟))(٢). وكذلك الثالث، يُقالُ: أعطاك اللهُ، ووهَبَكَ اللهُ: بمعنىَّ واحدٍ. (و) كذا تنعقدُ بقوله: (أطعمتُكَ هذا الطعامَ، وجعلتُ هذا الثوبَ لكَ، وأَعمَرْتُكَ هذا الشيءَ، وحملتُكَ على هذه الدابةِ إذا نوى بالحُمْلان الهبةَ). (١) وفي نُسخ: وجه الاستحسان. (٢) صحيح البخاري (٢٥٨٦)، صحيح مسلم (١٦٢٣). ٤٨٩ كتاب الهبة ولو قال: كسوتُكَ هذا الثوبَ : يكونُ هبةً. ولو قال: داري لكَ هبةً سكنىُ، أو: سكنى هبةً: فهي عاريةٌ. أما الأولُ: فلأنَّ الإطعامَ إذا أُضيفَ إلى ما تُطعَم عينُه: يُرادُ به تمليكُ العینِ. بخلاف ما إذا قال: أطعمتُكَ هذه الأرضَ، حيث تكونُ عاريةً؛ لأنَّ عينَها لا تُطعَم، فيكونُ المرادُ به: إطعامَ غَلَّتِها. وأما الثاني: فلأنَّ حرفَ اللام للتمليك. وأما الثالثُ: فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أَعمَرَ عُمْرَىُ: فهي للمُعْمَرِ له، ولورثتِهِ مِن بعده))(١). وكذا إذا قال: جعلتُ هذه الدارَ لكَ عُمْرى؛ لِمَا قلنا. وأما الرابعُ: فلأنَّ الحَمْلَ: هو الإركابُ حقيقةً، فيكونُ عاريةً، لكنه يحتملُ الهبةَ، يُقال: حَمَلَ الأميرُ فلاناً علىُ فَرَسٍ، ويُراد به التمليكُ، فيُحمَلُ عليه عند نَّته. قال: (ولو قال: كسوتُكَ هذا الثوبَ: يكونُ هبةً)؛ لأنه يُرادُ به التمليكُ. قال الله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. المائدة/ ٨٩. ويقال: كَسَا الأميرُ فلاناً ثوباً: أي مَلَّكَه منه. ولو قال: مَنَحتُكَ هذه الجاريةَ: كانت عاريةً؛ لِمَا روينا من قبل. قال: (ولو قال: داري لكَ هبةً(٢) سكنى، أو: سكنى هبةً: فهي عاريةٌ). (١) صحيح مسلم (١٦٢٥)، منية الألمعي ص٤٠٢ . . (٢) قال في البناية ٥٠٣/١٢: ونَصْبُ: هبة: في الموضعين: على الحال أو التمييز. ٤٩٠ كتاب الهبة وكذا إذا قال: عُمرى سُكنى، أو نُحْلى سُكنىُ، أو سُكنى صدقةً، أو صدقةً عاريةً، أو عاريةً هبةً. ولو قال : هبةً تسكُنُها : فهي هبةٌ. ولا تجوزُ الهبةُ فيما يُقْسَمُ، إلا مَحوزةً، مَفْسومةً. وهبةُ المُشاعِ فيما لا يُقْسَمُ : جائزةٌ. لأن العاريةَ مُحكَمةٌ في تمليك المنفعة، والهبةُ تحتمِلُها، وتحتملُ تمليكَ العينٍ، فَيُحمَلُ المُحتَمِلُ على المُحكَم في تمليك المنفعة(١). قال: (وكذا إذا قال: عُمرى سُكنى، أو نُحْلى سُكنى، أو سُكنى صدقةً، أو صدقةً عاريةً، أو عاريةً هبةً)؛ لِمَا قدَّمناه. قال: (ولو قال: هبةً تسكُنُها: فهي هبةٌ)؛ لأن قولَه: تَسكُّنُها: مَشُورَةٌ، وليس بتفسيرِ له، وهو تنبيهٌ على المقصود. بخلاف قولِه: هبةً سكنى؛ لأنه تفسيرٌ له(٢). قال: (ولا تجوزُ الهبةُ فيما يُقْسَمُ، إلا مَحوزةً، مَقْسومةً. وهبةُ المُشاعِ فيما لا يُقُسَمُّ: جائزةٌ). وقال الشافعي(٣) رحمه الله: تجوزُ في الوجهَيْن؛ لأنه عقدُ تمليكٍ، فيصحُّ في المُشَاع وغیرِهِ، كالبيع بأنواعه. (١) قوله: في تمليك المنفعة: مثبتٌ في نسخة ٦٠٥ هـ. (٢) فيكون عاريةً. (٣) الحاوي الكبير ٥٣٤/٧. ٤٩١ كتاب الهبة وهذا لأن المُشَاعَ قابلٌ لحُكْمه، وهو الملك، فيكونُ مَحَلاَّ له، وكونُه تبرُّعاً: لا يُبطِلُه الشيوعُ، كالقرض والوصية. ولنا: أن القبضَ منصوصٌ عليه في الهبة، فيُشترطُ كمالُه، والمُشاعُ لا يَقبلُه إلا بضمِّ غيرِه إليه، وذلك غيرُ موهوب. ولأن في تجويزه: إلزامَه شيئاً لم يلتزِمْه، وهو ضررُ القسمة، ولهذا امتنع جوازُه قبلَ القبض؛ كي لا يلزمُه التسليم. بخلاف ما لا يُقْسَم؛ لأن القبضَ القاصرَ هو الممكنُ، فيُكتَفى به؛ ولأنه لا تلزمُه مؤنةُ القسمة. والمهايأةُ تلزمُهُ فيما لم يَتَبرَّع به، وهو المنفعةُ، والهبةُ لاَتِ العينَ، والوصيةُ ليس من شَرْطِها القبضُ، وكذا البيعُ الصحيح. وأما البيعُ الفاسدُ والصرفُ والسلمُ: فالقبضُ فيها غيرُ منصوصٍ عليه. ولأنها عقودُ ضمانٍ، فتُناسِبُ لزومَ مؤنةِ القسمة، والقرضُ تبرُّعٌ من وجهٍ، وعقدُ ضمانٍ من وجه، فشَرَطْنا القبضَ القاصرَ فيه، دون القسمة؛ عملاً بالشَّبَهَيْن، على أن القبضَ غيرُ منصوصٍ عليه فيه(١). ولو وَهَبَ لشريكه(٢): لا يجوز؛ لأن الحكم (٣) يُدار على نفس الشيوع. (١) أي في القرض. (٢) وفي نُسخ: من شريكه. (٣) أي عدم الصحة. ٤٩٢ کتاب الهبة ومَن وَهَبَ شِقْصاً مُشَاعاً: فالهبةُ فاسدةٌ، فإن قَسَمَه، وسلَّمَه: جاز. ولو وَهَبَ دقيقاً في حنطةٍ، أو دُهْناً في سِمْسِمٍ: فالهبةُ فاسدةٌ، فإن طَحَنَ وسلَّمَ : لم يَجُزْ. وإذا كانتِ العينُ في يد الموهوب له : مَلَكَها بالهبة وإن لم يُجدِّدْ فيها قَبْضاً. قال: (ومَن وَهَبَ شِقْصاً مُشَاعاً: فالهبةُ فاسدةٌ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (فإِن قَسَمَه، وسلَّمَه: جاز)؛ لأن تمامَه بالقبض، وعنده(١): لا شيوعَ. قال: (ولو وَهَبَ دقيقاً في حنطةٍ، أو دُهْناً في سِمْسِمٍ: فالهبةُ فاسدةٌ، فإن طَحَنَ وسلَّمَ: لم يَجُزْ)، وكذا السَّمْنُ في اللَُّن. لأن الموهوبَ معدومٌ، ولهذا لو استخرجه الغاصبُ: يَملِكُه، والمعدومُ ليس بمَحَلِّ للملك، فوَقَعَ العقدُ باطلاً، فلا ينعقدُ إلا بالتجديد(٢)، بخلاف ما تقدَّم: لأن المشاعَ مَحَلّ للتمليك. وهبةُ اللبنِ في الضرعِ، والصوفِ على ظهرِ الغنم، والزرعِ والنخلِ في الأرضِ، والتمرِ في النخيل: بمنزلة المُشَاع؛ لأن امتناعَ الجواز: للاتصال، وذلك یمنعُ القبضَ كالشائع. قال: (وإذا كانتِ العينُ في يد الموهوب له: مَلَكَها بالهبة وإن لم يُجدِّدْ فيها قَبْضاً)؛ لأن العينَ في قَبْضِهِ، والقبضُ هو الشرط. (١) أي عند القبض. (٢) أي تجديد العقد. ٤٩٣ كتاب الهبة وإذا وَهَبَ الأَبُّ لابنه الصغيرِ هبةً: مَلَكَها الابنُ بالعقد. وإن وهب له أجنبيٌّ هبةً: تمَّت بقبض الأب. وإن وُهِبَ لليتيم هبةٌ، فقَبَضَها له وليُّه : جاز. بخلاف ما إذا باعه منه: لأن القبضَ في البيع مضمونٌ، فلا ينوبُ عنه قبضُ الأمانة، أما قبضُ الهبة: فغيرُ مضمونٍ، فینوبُ عنه. قال: (وإذا وَهَبَ الأبُّ لابنه الصغيرِ هبةً: مَلَكَها الابنُ بالعقد)؛ لأنه في قَبْض الأب، فينوبُ عن قَبْضِ الهبة. ولا فَرْقَ بين ما إذا كان في يده، أو في يدِ مودَعه؛ لأن يدَه: كيده. بخلاف ما إذا كان مرهوناً أو مغصوباً أو مَبيعاً بيعاً فاسداً: لأنه في يدِ غيرِهِ، أو في ملكِ غيره. والصدقةُ (١) في هذا: مثلُ الهبة. وكذا إذا وَهَبَتْ له أمُّه، وهو في عِيالها، والأبُ ميتٌ، ولا وصيَّ له. وكذلك كلَّ مَن يَعُولُهُ(٢). قال: (وإن وهب له أجنبيٌّ هبةً: تمَّت بقبض الأب)؛ لأنه يملكُ عليه الدائرَ بين النافعِ والضائِرِ، فَأَوْلى أن يَملكَ النافعَ. قال: (وإن وُهِبَ لليتيم هبةٌ، فقَبَضَها له وليُّه)، وهو وصيُّ الأب، أو جدُّ اليتيم، أو وصيُّه: (جاز)؛ لأن لهؤلاء ولايةً عليه؛ لقيامهم مَقامَ الأب. (١) أي على الصغير. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. (٢) يعني كل مَن يعولُ الصغيرَ إذا قبض الهبةَ له: يصح، كالأخ والعم. ٤٩٤ كتاب الهبة وإن كان في حِجْرِ أُمِّه : فقَبْضُها له جائزٌ. وكذا إذا كان في حِجْرٍ أجنبيُّ يُرَبِّيْه : فقَبْضُه له جائزٌ. وإِن قَبَضَ الصبيُّ الهبةَ بنفسه : جاز. قال: (وإن كان في حِجْرِ أُمِّه: فقَبْضُها له جائزٌ)؛ لأن لها الولايةَ فيما يرجعُ إلى حِفْظِهِ، وحِفْظِ مالِه، وهذا من بابه؛ لأنه لا يبقى إلا بالمال، فلا بدَّ من ولايةِ التحصيل النافع. قال: (وكذا إذا كان في حِجْرِ أجنبيِّ يُرَبِّيْه: فقَبْضُه له جائزٌ)؛ ؛ لأن له عليه يداً معتبرةً، ألا ترى أنه لا يتمكَّنُ أجنبيٌّ آخَرُ أن يَنْزِعَه من يده، فيملكُ ما يتمخَّصُ نفعاً في حقِّه. قال: (وإن قَبَضَ الصبيُّ الهبةَ بنفسه: جاز). معناه: إذا كان عاقلاً؛ لأنه نافعٌ في حقُّه، وهو من أهله. وفيما وُهِبَ للصغيرة: يجوزُ قَبْضُ زوجها لها بعد الزِّفاف؛ لتفويض الأب أمورَها إليه دلالةً، بخلاف ما قبلَ الزَّفافِ، ويملكُهُ(١) مع حضرة الأب. بخلاف الأُمِّ، وكلِّ مَن يعولُها غيرُها(٢)، حيثُ لا يملكونَه(٣) إلا بعد موت الأب، أو غَيْتِهِ غَيْبةً منقطعةً، في الصحيح؛ لأن تصرُّفَ هؤلاء للضرورة، لا بتفويضِ الأب، ومع حضورِهِ: لا ضرورةَ. (١) أي يملك الزوجُ قبضَ الهبة. البناية ١٢/ ٥١٧. (٢) أي وكل مَن يعول الصغيرة غيرُ الأم. البناية ١٢ / ٥١٧. (٣) أي القبض. ٤٩٥ كتاب الهبة وإِذا وَهَبَ اثنان من واحدٍ داراً: جاز. وإِن وَهَبَها واحدٌ من اثنين: لا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : يصحُّ. قال: (وإذا وَهَبَ اثنان من واحدٍ داراً: جاز). لأنهما سَلَّماها جملةً، وهو قد قَبَضَها جملةً، فلا شيوعَ. قال: (وإن وَهَبَها واحدٌ من اثنين: لا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: يصحُ). لأن هذه هبةُ الجملة منهما، إذِ التمليكُ واحدٌ، فلا يتحقَّقُ الشيوعُ، كما إذا رَهَنَ من رجلین داراً. وله: أن هذه هبةُ النصفِ من كلِّ واحدٍ منهما، ولهذا لو كانت فيما لا يُقْسَمُ، فَقَبِلَ أحدُهما: صحَّ. ولأن الملكَ يثبتُ لكلِّ واحدٍ منهما في النصف، فيكونُ التمليكُ كذلك؛ لأنه حُكمُه، وعلى هذا الاعتبار يتحقّقُ الشيوعُ. بخلاف الرهنِ: لأن حُكْمَه الحبسُ، ويثبتُ لكل واحدٍ منهما كَمَلاً، إذ لا تضايُقَ(١) فيه، فلا شيوعَ، ولهذا لو قضى(٢) دَيْنَ أحدِهما: لا يَستردُّ شيئاً من الرهن. (١) جاء خطأً في طبعات الهداية القديمة: لا تضايفَ. بالفاء. (٢) أي الراهنُ. ٤٩٦ كتاب الهبة وفي ((الجامع الصغير)): إذا تصدَّق على محتاجَيْن بعشرةٍ دراهمَ، أو وهَبَهَا لهما : جاز. ولو تصدَّق بها على غَنَّيْن، أو وَهَبَها لهما: لم يَجُزْ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : يجوزُ للغَنَّيْن أيضاً. (وفي ((الجامع الصغير (١)): إذا تصدَّق على محتاجَيْن بعشرةٍ دراهمَ، أو وهبها لهما: جاز. ولو تصدَّق بها على غَنَّيْن، أو وَهَبَها لهما: لم يَجُزُ(٢)، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: يجوزُ للغَنَّيْن أيضاً). جَعَلَ(٣) كلَّ واحدٍ منهما مجازاً عن الآخَرِ، والصلاحيةُ ثابتةٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما تمليكٌ بغير بدل. وفرَّقَ(٤) بين الصدقة والهبة في الحكم. وفي ((الأصل(٥)) سوَّى بينهما (٦)، فقال: وكذلك الصدقةُ؛ لأن الشيوعَ مانعٌ في الفصلين؛ لتوقّفهما على القبض. (١) ص ٢١٤. (٢) وفي نُسخ: لم يُجزه. (٣) أي الإمام أبو حنيفة. البناية ٥١٩/١٢. (٤) أي الإمام محمد رحمه الله في رواية الجامع الصغير. حاشية نسخة ٧٩٧هـ، البناية ١٢ / ٥٢٠، وفي حواشي نُسخٍ أخرى كتبوا: أي أبو حنيفة. (٥) للإمام محمد ٣٧٢/٣. (٦) أي سوى محمد رحمه الله في الحكم بين الصدقة والهبة. ٤٩٧ كتاب الهبة ووجهُ الفرق على هذه الرواية (١): أن الصدقةَ يُرادُ بها وجهُ الله تعالى، وهو واحدٌ (٢)، ويكون القابضُ هو الله تعالى(٣). قال عليه الصلاة والسلام: ((الصدقةَ تَقَعُ في يدِ الرحمن، ثم في كَفِّ الفقير (٤))(٥)، فلا يتحقَّقُ الشيوعُ. والهبةُ يُرادُ بها وجهُ الغنيِّ، وهما اثنان. وقيل: هذا هو الصحیحُ. (١) أي رواية الجامع الصغير. حاشية نسخة ٧٩٧هـ، والبناية ١٢ / ٥٢٠. (٢) لا شريك له سبحانه. (٣) وتصير للفقير نيابة عن الله تعالى في القبض. البناية ١٢ / ٥٢٠. (٤) هذا الحديث والجملةُ قبله: ويكون القابض هو الله تعالى: مثبتٌ في نُسخة ١٠٤٠ هـ، وهي نسخة نفيسة، وقد استدل بهذا الحديث في الموضع نفسه من كتاب الهبة الكاساني في بدائع الصنائع ١٢٣/٦. (٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وذكره الموصلي في الاختيار ١١٩/١ في مصارف الزكاة بلفظ: ((إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل)). وقد أخرجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً الطبراني في الكبير (١٢١٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٠/٣: فيه مَن لم أعرفه، وأخرجه مرفوعاً أيضاً أبو نعيم في الحلية ٨١/٤ من حديث فضالة بن عبيد. وروي موقوفاً من كلام ابن مسعود رضي الله عنه في الزهد لابن المبارك (٦٤٧)، والطبراني في الكبير (٨٥٧١)، قال في التعريف والإخبار ٧١/٢ بعد تخريجه مرفوعاً، قال عن الموقوف: رجاله ثقات إلا عبد الله بن قتادة: فمستور. اهـ ٤٩٨ كتاب الهبة والمرادُ بالمذكور في ((الأصل)): الصدقةُ على غنّيَّيْن. ولو وَهَبَ لرجلين داراً: لأحدِهما ثلثاها، وللآخَر ثلثُها: لم يَجُزْ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمدٌ رحمه الله: يجوز. ولو قال: لأحدِهما نصفُها، وللآخَر نصفُها: فعن أبي يوسف رحمه الله فيه روایتان. فأبو حنيفة رحمه الله مرَّ على أصله، وكذا محمدٌ رحمه الله. والفَرْقُ لأبي يوسف رحمه الله: أنَّ بالتنصيص على الأبعاض يظهرُ أن قَصْدَه ثبوتُ الملك في البعض، فيتحقَّقُ الشيوعُ. ولهذا لا يجوزُ إذا رَهَنَ من رجلين، ونصَّ على الأبعاض(١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) أي على أن يكون النصف رهناً عند هذا، والنصف الآخر رهناً عند هذا. ٤٩٩ باب باب الرجوع في الهبة وإذا وَهَبَ هبةً لأجنبيٍّ : فله الرجوعُ فيها. باب الرجوع في الهبة قال: (وإذا وَهَبَ هبةً لأجنبيٍّ: فله الرجوعُ فيها). وقال الشافعي(١) رحمه الله: لا رجوعَ فيها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يَرجعُ الواهبُ في هبته، إلا الوالدُ فيما يَهَبُ لولدِهِ))(٢). ولأن الرجوعَ يُضادُّ التمليكَ، والعقدُ لا يقتضي ما يضادُّه. بخلاف هبةِ الوالدِ لولدِهِ، على أصلِه(٣)؛ لأنه لم يَتِمَّ التمليكُ؛ لكونه جزءاً له. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الواهبُ أحقُّ بهبته ما لم يُثَبْ منها))(٤). أي ما لم يُعوَّض. (١) الأم ٤ / ٦٤. (٢) سنن أبي داود (٣٥٣٩)، سنن الترمذي (٢١٣٢)، وصححه، هو وابن حبان (٥١٢٣)، سنن ابن ماجه (٢٣٧٧)، الدراية ١٨٤/٢. (٣) أي على أصل الإمام الشافعي رحمه الله. (٤) سنن ابن ماجه (٢٣٨٧)، سنن الدارقطني (٢٩٧١)، سنن البيهقي (١٢٠٢٤)، وله عدة طرق فيها مقالٌ، لكنه يتقوى بها، ينظر نصب الراية ١٢٥/٤. ٥٠٠ الرجوع في الهبة ولأن المقصودَ بالهبة(١) هو: التعويضُ للعادة، فتثبتُ للواهب ولايةٌ الفسخِ عند فواتِه، إذِ العقدُ يَقُبُلُه. والمرادُ بما روى(٢): نفيُ استبدادِ الرجوع، وإثباتُه للوالد؛ فإنه يتملَّكُهُ(٣) للحاجة، وذلك يُسمَّىُ رجوعاً. وقولُه في ((الكتاب (٤)): فله الرجوعُ: لبيانِ الحُكْم. أما الكراهةُ(٥): فلازمةٌ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((العائدُ في هبته: كالعائد في قَيْئه)»(٦)، وهذا لاستقباحه. [موانع الرجوع في الهبة : ] ثم للرجوع موانعُ(٧). (١) وفي نُسخ: بالعقد. قلت: أي عقد الهبة. (٢) أي ما احتجَّ به الإمام الشافعي رحمه الله. (٣) أي بالثمن. (٤) أي مختصر القدوري. البناية ١٢ / ٥٢٧. (٥) أي في الرجوع. (٦) صحيح البخاري (٢٦٢١)، صحيح مسلم (١٦٢٢). (٧) كُتِب في حاشية نسخة ٦٠٥ هـ: ومانعٌ عن الرجوع في الهبة يا صاحبي حروفُ: دَمْعٌ خَزَقَه. اهـ ءِ قلت: كلّ حرفٍ منها يرمز لمانعٍ، فالدال: للزيادة، والميم: موت أحد المتعاقدين، والعين: العوض، والخاء: خروج الهبة عن ملك الموهوب له، والزاي: الزوجية، والقاف: القرابة، والهاء: هلاك الموهوب. وقد ذَكَرَها النسفيُّ في كنز الدقائق ص٥٣٨ بقوله: ((ومَنَعَ الرجوعَ: دَمْعٌ خَزَقَه)): أي دَمْعٌ أصابه. ينظر البناية ٥٢٩/١٢.