النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ كتاب الدَّعوَى~ ولا تُقبل الدعوى حتى يَذكرَ شيئاً معلوماً في جنسه، وقَدْرِه. فإن كان عَيْناً في يد المدعى عليه: كُلَّفَ إحضارَها؛ ليشيرَ إليها بالدعوى. وهذا صحيحٌ، لكنَّ الشأنَ في معرفتِهِ (١)، والترجيحُ بالفقه عند الحُذَّاق من أصحابنا رحمهم الله؛ لأن الاعتبارَ للمعاني، دونَ الصُّوَرَ، فإن المودَعَ إذا قال: رددتُ الوديعةَ: فالقولُ قولُه، مع اليمين وإن كان مدَّعياً للردِّ صورةً؛ لأنه يُنكِرُ الضمانَ معنىً. قال: (ولا تُقبل الدعوى حتى يَذكرَ شيئاً معلوماً في جنسه، وقَدْره)؛ لأن فائدةَ الدعوىُ الإلزامُ بواسطة إقامةِ الحجة، والإلزامُ في المجهول لا يتحقَّقُ. قال: (فإن كان عَيْناً في يد المدعى عليه: كُلَّفَ إحضارَها؛ ليشيرَ إليها بالدعوى). وكذا في الشهادة والاستحلاف؛ لأن الإعلامَ بأقصى ما يُمكِنُ شَرْطٌ، وذلك بالإشارة في المنقول؛ لأن النقلَ ممكنٌ، والإشارةُ أبلغُ في التعريف، ويتعلَّق بالدعوى وجوبُ الحضور(٢). وعلى هذا القضاةُ من آخرهم في كلِّ عصر. ووجوبُ الجواب إذا حضر: ليفيدَ حضورُه. (١) أي في معرفة المُنكِر. (٢) أي حضور المدعى عليه. ٢٦٢ « كتاب الدَّعوَى وإن لم تكن حاضِرَةً : لزم ذِكْرُ قيمتِها. وإن ادَّعى عقاراً: حدَّده، وذَكَرَ أنه في يدِ المدَّعىُّ عليه، وأنه يُطالِبُهُ به . ولزومُ إحضارِ العينِ المدَّعاةِ: لِمَا قلنا. واليمينِ (١): إذا أنكره، وسنذكرُه بعد هذا إن شاء الله تعالى. قال: (وإن لم تكن حاضِرَةً: لزم ذِكْرُ قيمتِها)؛ ليصيرَ المدَّعى به معلوماً؛ لأن العينَ لا تُعرَفُ بالوصف، والقيمةُ تُعرَفُ به، وقد تعذَّر مشاهدةُ العين. وقال الفقيهُ أبو الليث(٢) رحمه الله: يُشترطُ مع بيان القيمةِ ذِكْرُ الذكورة والأنوثة. قال: (وإن ادَّعى عقاراً: حدَّده، وذَكَرَ أنه في يدِ المدَّعى عليه، وأنه يُطالِبُه به)؛ لأنه تعذَّر التعريفُ بالإشارة؛ لتعذَّر النقل، فيُصارُ إلى التحديد، فإن العقارَ یُعرَفُ به. ويَذْكرُ الحدودَ الأربعةَ، ويَذكرُ أسماءَ أصحابِ الحدودِ وأنسابَهم. ولا بدَّ من ذِكْرِ الجَدِّ عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن تمامَ التعريفِ: به، على ما عُرِفَ، هو الصحيح. (١) بالجرِّ، عطف على: إحضار العين، أي ويتعلق بالدعوى أيضاً: لزوم اليمين على المدعى عليه إذا أنكر المدعى عليه الحقَّ. البناية ١٢٤/١٢، وفي نُسخ: بضم النون: واليمينُ. ويكون التقدير: ويشترط اليمينُ إذا أنكره. (٢) السمر قندي نصر بن محمد، ت٣٧٣هـ ٢٦٣ کتاب الدَّعوى~ ولو كان الرجلُ مشهوراً: يُكتَفَى بذِكْره(١)؛ لحصول المقصود، هو الصحيح. فإِنْ ذَكَرَ ثلاثةً من الحدود: يُكتَفى بها عندنا، خلافاً لزفر رحمه الله؛ لوجود الأكثر. بخلاف ما إذا غَلِطَ في الرابعة؛ لأنه يَختلِفُ به المدَّعى، ولا كذلك بتركها، وكما يُشترَطُ التحديدُ في الدعوىُ: يُشترَطُ في الشهادة. وقولُه في ((الكتاب(٢)): وذَكَرَ أنه في يدِ المدَّعى عليه: لا بدَّ منه؛ لأنه إنما يَنتصِبُ خصماً إذا كان في يده. وفي العقار: لا يُكتَفى بذِكْر المدَّعي، وتصديقِ المدَّعى عليه أنه في يده، بل لا تثبتُ اليدُ فيه إلا بالبينة، أو عِلْمِ القاضي، هو الصحيح؛ نفياً لتهمة المواضعة، إذِ العقارُ عساه في يدِ غيرهما. بخلاف المنقول؛ لأن اليدَ فيه مُشاهَدَةٌ. وقولُه(٣): وأنه يطالِبُه به: لأن المطالبةَ حَقُّه، فلا بدَّ من طَلَبه. ولأنه يَحتمِلُ أن يكون مرهوناً في يده، أو محبوساً بالثمن في يده، وبالمطالبة: يزولُ هذا الاحتمالُ. (١) أي بذكر اسمه؛ لأن الشهرة تقع عن التعريف. حاشية نسخة ١٠٣٨ هـ. (٢) أي مختصر القدوري. (٣) أي قول الإمام القدوري في مختصره. ٢٦٤ «كتاب الدَّعوَی وإن كان دَيْناً في الذمَّة : ذَكَرَ أنه يُطالِبُه به. وإذا صحَّتِ الدعوى: سأل القاضي المدَّعى عليه عنها . فإن اعترف : قَضی علیه بها. وإن أنكر : سأل المدَّعي البينةَ. وعن هذا قالوا في المنقول: يجبُ أن يقولَ: في يدِهِ بغير حَقٍّ. قال: (وإن كان دَيْناً (١) في الذمَّة: ذَكَرَ أنه يُطالِبُه به)؛ لِمَا قلنا. وهذا لأن صاحبَ الذمةِ قد حَضَرَ، فلم تَبْقَ إلا المطالبةُ، لكنْ لا بدَّ من تعریفِه بالوصف؛ لأنه يُعرف به. قال: (وإذا صحَّتِ الدعوى: سأل القاضي(٢) المدَّعى عليه عنها)؛ لينكشِفَ له وجهُ الحكم. قال: (فإن اعترف: قَضَى عليه بها)؛ لأن الإقرارَ موجبٌ بنفسه، فيأمرُه بالخروج عنه. (وإن أنكر: سأل المدَّعي البينةَ)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ألكَ بينةٌ؟))، فقال: لا، فقال: ((لكَ يمينُه))(٣). سأل، ورتَّبَ اليمينَ علىُ فَقْدِ البينة، فلا بدَّ من السؤال؛ ليُمكنَه الاستحلاف. (١) وفي نُسخ: حقاً. (٢) وفي نُسخ: الحاكم. (٣) صحيح البخاري (٧١٨٣)، صحيح مسلم (١٣٩). ٢٦٥ کتاب الدَّعوى~ فإن أحضرها : قَضى بها. وإن عَجَزَ عن ذلك، وطَلَبَ يمينَ خصمِهِ : استحلفَه عليها. قال: (فإن أحضرها: قَضى بها)؛ لأنها حجةٌ؛ لانتفاء التهمةِ عنها. (وإن عَجَزَ عن ذلك، وطَلَبَ يمينَ خصمِهِ: استحلفَه عليها)؛ لِمَا روينا. ولا بدَّ من طَلَبه؛ لأن اليمين حقَّه؛ ألا ترى أنه كيف أُضيفَ إليه بحرف اللام، فلا بدَّ من طلبه، والله تعالى أعلم. ٢٦٦ حباب اليمين في الدعوى باب اليمين في الدعوى وإذا قال المدِّعي: لي بيِّنَةٌ حاضِرَةٌ، وطَلَبَ اليمينَ: لم يُستحلَفْ عند أبي حنيفة رحمه الله. باب اليمين في الدعوى قال: (وإذا قال المدِّعي: لي بَيِّنَةٌ حاضِرَةٌ، وطَلَبَ اليمينَ(١): لم يُستحلَفْ عند أبي حنيفة رحمه الله)، معناه: حاضِرَةً في المصر. وقال أبو يوسف رحمه الله (٢): يُستحلَفُ؛ لأن اليمينَ حَقِّه، بالحديث المعروف(٣)، فإذا طالَبَه به: يُجِيبُه. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن ثبوتَ الحقِّ في اليمين مرتَّبٌ على العجز عن إقامة البينة؛ بمَا روينا(٤)، فلا تكونُ(٥) حَقَّه دونَه، كما إذا كانت البينةُ حاضرةً في المجلس. (١) وفي بداية المبتدي ص٥٠٩: وطلب يمينَ خصمه. (٢) هكذا في نُسَخِ بدون ذِكْر محمد، وفي نسخة ١٠٣٨ هـ: أبو يوسف ومحمد، وكذلك في نسخة ٧٣٨هـ، وصحح ناسخها في الحاشية بدون ذكر محمدٍ رحمه الله، وسيأتي بيان المصنف لاختلاف قول محمد، ينظر البناية ١٣٢/١٢ لنقله إنكار جعل محمدٍ مع أبي يوسف. (٣) وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((لكَ يمينُه)). وقد تقدَّم قريباً جداً. (٤) وهو الحديث السابق. (٥) أي فلا تكون اليمينُ حقّه. ٢٦٧ باب اليمين في الدعوى~ ولا تُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي. ولا تُقبلُ بيِّنةُ صاحبِ اليدِ في الملك المطلَق، وبيِّنَةُ الخارجِ أَوْلى. ومحمدٌ مع أبي يوسف رحمهما الله، فيما ذَكَرَه الخصَّافُ رحمه الله، ومع أبي حنيفة رحمه الله، فيما ذَكَرَه الطحاويُّ رحمه الله. قال: (ولا تُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((البينةُ على المدعي، واليمينُ على مَن أنكر))(١). قَسَمَ (٢)، والقسمةُ تنافي الشركةَ، وجَعَلَ جنسَ الأيمانِ على المُنْكِرِين، وليس وراءَ الجنسِ شيء. وفيه خلافُ الشافعي(٣) رحمه الله. قال: (ولا تُقبلُ بيِّنَةُ صاحبِ اليدِ في الملك المطلَق، وبيَِّةُ الخارج أَوْلِىْ). (١) أصل هذا الحديث في صحيح البخاري (٤٥٥١)، وصحيح مسلم (١٧١١) بلفظ: ((لو يُعطى الناس بدعواهم؛ لادَّعىُ ناسٌ دماءَ رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه))، وفي لفظٍ للبخاري (٢٥١٥): ((شاهداك، أو يمينه)). وأما باللفظ الذي ذكره الشارح: فهو في معجم ابن المقرئ (٦١٦)، وسنن البيهقي (٢٠٥٣٧)، وسنن الدارقطني (٣١٩٠)، وينظر: نصب الراية ٩٦/٤، التلخيص الحبير ٣٩/٤، ٢٠٨، والحديث بهذا اللفظ فيه كلامٌ. (٢) أي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو استئنافٌ بياني. حاشية سعدي. (٣) أي تُردُّ عند الشافعي اليمينُ على المدعي بعد نكول المدعى عليه. حاشية نسخة ٧٩٧هـ. ينظر الأم ٢٣٤/٦. ٢٦٨ باب اليمين في الدعوى وإذا نَكَلَ المدَّعى عليه عن اليمين : قَضى عليه بالتُّكول، وألزمه ما ادَّعی علیه. وقال الشافعي(١) رحمه الله: يُقضَىُ بيِّنة ذي اليد؛ لاعتضادِها باليد، فَيَتَقوَّىُ الظهورُ، وصار كالنِّتَاجِ، والنكاحِ، ودعوى الملكِ مع الإعتاق، أو الاستیلادِ، أو التدبير. ولنا: أن بيِّنَةَ الخارج أكثرُ إثباتاً (٢) أو إظهاراً(٣)؛ لأن قَدْرَ ما أثبتَنْه اليدُ(٤): لا تُثبتُه بينةُ ذي اليد، إذِ اليدُ دليلُ مطلَقِ الملك. بخلاف النِّتاج؛ لأن اليدَ لا تدلُّ عليه. وكذا على الإعتاق، وأُختَيْه(٥)، وعلى الولاء الثابت بها. قال: (وإذا نَكَلَ المدَّعى عليه عن اليمين: قَضى عليه بالتُّكول، وألزمه ما ادَّعى(٦) عليه). وقال الشافعي(٧) رحمه الله: لا يُقضى به، بل تُرَدُّ اليمينُ على المدعي، فإذا حلف: يُقضَى به؛ لأن النكولَ يحتملُ التورَّعَ عن اليمين الكاذبة، (١) فتاوى ابن الصلاح ٧١٩/٢. (٢) في حق علمنا وعلم القاضي. (٣) في حق المدعى له، وفي الواقع. (٤) بالتأنيث في نسخة ٧٧٨هـ، وفي نُسخ: أثبته. والتقدير: ما أثبته ملكُ اليد. (٥) أي وعلى أختيه، وهما التدبير والاستيلاد. (٦) وضُبطت في نُسخ: ما ادُّعِيَ عليه. (٧) الحاوي الكبير ١٣٦/١٧. ٢٦٩ باب اليمين في الدعوى~ وينبغي للقاضي أن يقول له : إني أَعرِضُ عليكَ اليمينَ ثلاثاً، فإن حلفتَ، وإلا: قَضيتُ عليكَ بما ادَّعاه. فإذا كرَّر العَرْضَ عليه ثلاثَ مراتٍ : قضى عليه بالتُّكول. والترفّعَ عن الصادقة، واشتباهَ الحال، فلا يَنتصِبُ حُجَّةً مع الاحتمال، ويمينُ المدَّعي دليلُ الظهور، فيُصارُ إليه. ولنا: أن النكولَ دَلَّ على كونه باذلاً(١) أو مقرًّاً، إذْ لولا ذلك: لأقدم على اليمين الصادقة؛ إقامةً للواجب، ودفعاً للضررِ عن نفسِهِ، فترجَّحَ هذا الجانبُ، ولا وَجْهَ لردِّ اليمينِ على المدِّعي؛ لِمَا قدَّمناه. قال: (وينبغي للقاضي أن يقول له: إني أَعرِضُ عليكَ اليمينَ ثلاثاً، فإن حلفتَ، وإلا: قَضيتُ عليكَ بما ادَّعاه). وهذا الإنذارُ لإعلامه بالحُكْمِ، إذ هو موضعُ الخَفَاءِ. قال: (فإذا كرَّرَ العَرْضَ عليه ثلاثَ مراتٍ: قضى عليه بالتُّكول). وهذا التَّكْرَارُ ذَكَرَه الخَصَّاف رحمه الله؛ لزيادة الاحتياطِ والمبالغةِ في إيلاءِ العُذْرِ، فأما المذهبُ: فإنه لو قَضىُ بالنكولِ بعد العرضِ مرةً: جاز؛ لِمَا قدَّمناه، هو الصحيحُ، والأولُ أَوْلی. ثم النُّكولُ قد يكونُ حقيقياً، كقوله: لا أحلف، وقد يكون حُكمياً، بأن يسكتَ، وحُكمُه حكمُ الأول إذا عُلِمَ أنه لا آفةَ به من طَرَشٍ، أو خَرَسٍ، هو الصحيحُ. (١) إذ النكول بذلٌ عند أبي حنيفة، وإقرارٌ عن الصاحبين. البناية ١٣٩/١٢. ٢٧٠ باب اليمين في الدعوى وإن كانتِ الدعوىُ نكاحاً: لم يُستحلَفِ المُنكِرُ عند أبي حنيفة رحمه الله، ولا يُستحلَفُ عنده في النكاح، والرجعةِ، والفَيْءٍ في الإيلاء، والرِّقِّ، والاستيلادِ، والنَّسَبِ، والوَلاءِ، والحدودِ، واللِّعان. وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: يُستحلَفُ في ذلك كلِّه، إلا في الحدود، واللعان. وصورةُ الاستيلاد : أن تقولَ الجاريةُ: أنا أُمُّ ولدٍ لمولايَ، وهذا ابني منه، وأنكر المولى. قال: (وإن كانتِ الدعوىُ نكاحاً: لم يُستحلَفِ المُنكِرُ عند أبي حنيفة رحمه الله، ولا يُستحلَفُ عنده في النكاح، والرجعةِ، والفَيْءِ في الإيلاء، والرِّقِّ، والاستيلادِ، والنَّسَبِ، والوَلاءِ، والحدودِ، واللِّعان. وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: يُستحلَفُ في ذلك كلّه، إلا في الحدود، واللعان. وصورةُ الاستيلاد: أن تقولَ الجاريةُ: أنا أُمُّ ولدٍ لمولايَ، وهذا ابني منه، وأنكر المولىُ)؛ لأنه لو ادعى المولىُ: يثبتُ الاستيلادُ بإقراره، ولا يُلتَفَتُ إلى إنكارها. لهما: أن النكولَ إقرارٌ؛ لأنه يدلُّ على كونه كاذباً في الإنكار، على ما قدَّمناه(١)، فكان إقراراً، أو بدلاً عنه، والإقرارُ يجري في هذه الأشياء، لكنه إقرارٌ فيه شبهةٌ، والحدودُ تَندریُ بالشبهات. (١) يعني قوله: إذ لولا ذلك: لأقدم على اليمين الصادقة؛ إقامةً للواجب، ودفعاً للضرر عن نفسه. اهـ البناية ١٢ / ١٤٢، وأُثبتَ هذا من الهداية في طبعات الهداية القديمة. ٢٧١ باب اليمين في الدعوى~ ويُستحلَفُ السارقُ، فإن نَكَلَ : ضَمِنَ المسروقَ، ولم يُقْطَع . واللعانُ: في معنى الحدِّ. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه بَذْلٌ؛ لأنَّ معه لا تبقى اليمينُ واجبةً؛ الحصول المقصود، وإنزالُه باذِلاً: أَوْلِىُ؛ كي لا يصيرَ كاذباً في الإنكار، والبذلُ لا يجري في هذه الأشياء. وفائدةُ الاستحلافِ: القضاءُ بالنُّكول، فلا يُستحلَفُ، إلا أنَّ هذا بَذْلٌ لدفع الخصومة، فَيَملكُه المكاتَبُ والعبدُ المأذونُ له، بمنزلة الضيافةِ اليسيرة(١). وصحتُه في الدين: بناءً (٢) علىُ زَعْمِ المدعي، وهو يقِضُهُ حقّاً لنفسه، والبَذْلُ معناه ها هنا: تَرْكُ المنع. وأَمْرُ المالِ: هِّنْ(٣). قال: (ويُستحلَفُ السارقُ، فإن نَكَلَ: ضَمِنَ المسروقَ، ولم يُقطَع)؛ لأن المنوطَ بفعله شيئان: الضمانُ، ويَعملُ فيه النكولُ، والقطعُ، ولا يثبتُ به، فصار كما إذا شهد عليها (٤) رجلٌ وامرأتان. (١) أي كالضيافة اليسيرة منهما؛ لأنها من توابع التجارة. البناية ١٤٣/١٢. (٢) أي إن صحة البذل في الدين: بناءً على زعم المدعي. البناية ١٤٤/١٢، وفي نُسخ: بناءً. بالنصب بحسب التقدير. (٣) هذا جوابٌ عما يقال: فهلا جُعل المال أيضاً في الأشياء السبعة؛ تركاً للمنع. (٤) أي على السرقة. وفي نُسخ: عليه. والتقدير: أي على السارق. ٢٧٢ باب اليمين في الدعوى وإذا ادَّعتِ المرأةُ طلاقاً قبلَ الدخول بها: استُحلِفَ الزوجُ، فإن نَكَلَ : ضَمِنَ نصفَ المهر، في قولِهم جميعاً. ومَن ادَّعىُ قصاصاً على غيره، فجَحَدَه: استُحلِفَ. ثم إن نَكَلَ عن اليمين فيما دون النفس : يلزمُه القصاصُ، وإن نَكَلَ عن اليمين في النفس: يُحبَسُ حتى يَحلِفَ، أو يُقِرَّ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله . قال: (وإذا ادَّعتِ المرأةُ طلاقاً قبلَ الدخول بها: استُحلِفَ الزوجُ، فإن نَكَلَ: ضَمِنَ نصفَ المهر، في قولِهم جميعاً)؛ لأن الاستحلافَ يجري في الطلاق عندهم، لا سيما إذا كان المقصودُ هو المالُ. وكذا في النكاحِ إذا ادَّعتْ هي الصداقَ؛ لأن ذلك دعوى المال، ثم يثبتُ المالُ بنكوله، ولا يثبتُ النكاحُ. وكذا في النسب إذا ادَّعى حقاً؛ كالإرث، والحَجْرِ في اللقيط، والنفقةِ، وامتناعِ الرجوعِ في الهبة؛ لأن المقصودَ هذه الحقوقُ. وإنما يُستحلَفُ في دعوىُ النسبِ المجرَّدِ عندهما إذا كان يثبتُ بإقراره، كالأبِ والابنِ في حَقِّ الرجل، والأبِ في حَقِّ المرأة؛ لأن في دعواها الابنَ: تحميلَ النسبِ على الغير، والمولىُ والزوج في حَقَّهما(١). قال: (ومَن ادَّعى قصاصاً على غيره، فجَحَدَه: استُحلِفَ)، بالإجماع. (ثم إن نَكَلَ عن اليمين فيما دون النفس: يلزمُهُ القصاصُ، وإن نَكَلَ عن اليمين في النفس: يُحبَسُ حتى يَحلِفَ أو يُقِرَّ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. (١) أي في حق الرجل والمرأة. البناية ١٢/ ١٤٦. ٢٧٣ باب اليمين في الدعوى~ وقالا : لَزِمَه الأَرْشُ فيهما . وإذا قال المدَّعي: لي بيِّنةٌ حاضرةٌ: قيل لخصمه: أعطِه كفيلاً بنفسك ثلاثةَ أيامٍ. وقالا: لَزْمَه الأَرْشُ فيهما)؛ لأن النكولَ إقرارٌ فيه شُبهةٌ عندهما، فلا يَثبتُ به القصاصُ، ويجبُ به (١) المالُ، خصوصاً إذا كان امتناعُ القصاصِ 93 لمعنىَّ مِن جهةٍ مَن عليه، كما إذا أقرَّ بالخطأ، والوليّ يدعي العمدَ. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الأطرافَ يُسلَكُ بها مَسلَكَ الأموال، فيجري فيها البذلُ. بخلاف الأنفُس: فإنه لو قال: اقطَعْ يدي، فقَطَعَها: لا يجبُ عليه الضمانُ، وهذا إعمالٌ للبذل، إلا أنه لا يُباحُ؛ لعدم الفائدة. وهذا البَذْلُ مفيدٌ لاندفاع الخصومة به، فصار كقطع اليد للآكِلَةِ(٢)، وقَلْعِ السِّنِّ للوَجَع، وإذا امتنع القصاصُ في النفس، واليمينُ حَقٌّ مستَحَقٌّ عليه: يُحَبَسُ به، كما في القسامة. قال: (وإذا قال المدَّعي: لي بيِّنَةٌ حاضرةٌ: قيل لخصمه: أعطِه كفيلاً بنفسك ثلاثةَ أيامٍ)؛ كي لا يُغَيِّبَ نفسَه، فيضيعَ حَقِّه، والكفالةُ بالنفس جائزةً عندنا، وقد مَرَّتْ من قبل. (١) أي بالإقرار. حاشية سعدي. (٢) على وزن: فاعلة، وهي قُرحةٌ غائرةٌ في البدن. البناية ١٢ /١٤٨، وفي نُسخ: الأَكِلَة: كَفَرِحَة. ٢٧٤ باب اليمين في الدعوى فإن فَعَلَ، وإلا : أُمِرَ بملازمته. إلا أن يكون غريباً على الطريق : فيلازِمُهُ مقدارَ مجلسِ القاضي. وأَخْذُ الكفيلِ بمجرد الدعوىُ: استحسانٌ عندنا؛ لأن فيه نظراً للمدعي، ولیس فیہ کثیرُ ضررٍ بالمدعى عليه. وهذا لأن الحضورَ مستَحَقٌّ عليه بمجرد الدعوى، حتى يُعدَى(١) علیه، ويُحالُ بینه وبین أشغاله، فصحَّ التكفيلُ بإحضاره. والتقديرُ بثلاثة أيامٍ: مرويٌّ عن أبي حنيفة رحمه الله، وهو الصحيح. ولا فَرْقَ في الظاهر بين الخامِلِ والوجيه، والحقيرِ من المال والخَطِير. ثم لا بدَّ من قوله: لي بيِّنَةٌ حاضرةٌ للتكفيل، ومعناه: في المصر. حتى لو قال المدعي: لا بينةَ لي، أو شهودي غيَّبٌ: لا يُكفَلُ؛ لعدم الفائدة. قال: (فإن فَعَلَ، وإلا: أُمِرَ بملازمته)؛ كي لا يذهبَ حَقُّه. (إلا أن يكون غريباً على الطريق: فيلازِمُه مقدارَ مجلسِ القاضي). وكذا لا يُكفَّلُ(٢) إلا إلى آخِرِ المجلس، فالاستثناءُ منصرِفٌ إليهما (٣)؛ لأن في أَخْذ الكفيل والملازمةِ زيادةً على ذلك: إضراراً به، بمَنْعِه عن (١) أي يُعان ويُنصر. ينظر البناية ١٤٩/١٢. (٢) أي لا يُكفل المدعى عليه. (٣) أي إلى الكفالة والملازمة. ٢٧٥ باب اليمين في الدعوى~ السفر، ولا ضررَ له في هذا المقدار(١) ظاهراً. وكيفيةُ الملازمةِ نذكرُها في كتاب الحَجْرِ إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم. (١) أي مقدار مجلس القاضي. ٢٧٦ فصلٌ فصل في كيفية اليمين والاستحلاف واليمينُ بالله تعالى، دونَ غيرِه، وتُؤكّدُ بذِكْر أوصافه. فصل في كيفية اليمين والاستحلاف قال: (واليمينُ بالله تعالى، دونَ غيرِه)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان منكم حالِفاً: فليَحلِفْ بالله، أو لِيَذَر))(١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَن حَلَفَ بغير الله: فقد أشرك))(٢). قال: (وتُؤْكَّدُ بذِكْر أوصافه)، وهو التغليظُ، وذلك مثلُ قولِه: قُلْ: واللهِ الذي لا إله إلا هو عالِمُ الغيبِ والشهادةِ الرحمنُ الرحيمُ، الذي يَعلمُ من السرِّ ما يَعلَمُ من العلانية: ما لفلانٍ هذا عليكَ ولا قِبَلَكَ هذا المالُ الذي ادَّعاه، وهو كذا وكذا، ولا شيءٌ(٣) منه. (١) صحيح البخاري (٢٦٧٩)، صحيح مسلم (١٦٤٦)، بلفظ: ((أو ليصمت)). (٢) سنن الترمذي (١٥٣٥)، وقال: حديث حسن، سنن أبي داود (٣٢٥١)، صحيح ابن حبان (٤٣٥٨). وأنبه هنا إلى أن صاحب نصب الراية ١٠٢/٤ لم يخرج هذا الحديث، وكذلك صاحب الدراية ١٧٦/٢ . (٣) وضُبطت في نُسخ: شيءَ. بنصب الهمزة. ٢٧٧ في كيفية اليمين والاستحلاف ولا يُستَحلَفُ بالطلاق، ولا بالعَتاق. ويُستحلَفُ اليهوديُّ : باللهِ الذي أنزل التوراةَ على موسى عليه السلام، والنصرانيّ : بالله الذي أنزل الإنجيلَ على عيسى عليه السلام. وله أن يزيدَ في التغليظ على هذا. وله أن يُنقِصَ منه، إلا أنه يُحتاطُ(١) فيه؛ كي لا تتكرَّرَ عليه اليمينُ؛ لأن المستَحَقَّ عليه يمينٌ واحدةٌ. فإنه لو قال: واللهِ والرحمنِ والرحيمٍ: كانت أيماناً ثلاثاً. وبحذف الواوَيْن الآخَرَيْن: يميناً واحدةً. والقاضي بالخيار: إن شاء غلَّظ، وإن شاء لم يُغلِّظ، فيقول: قُلْ: بالله، أو: واللهِ. وقيل: لا يُغلِّظُ على المعروفِ بالصلاح، ويُغلِّظُ على غيره. وقيل: يُغلِّظُ في الخَطير من المال، دون الحقير. قال: (ولا يُستَحلَفُ بالطلاق، ولا بالعَتاق)؛ لِمَا روينا. وقيل: في زماننا إذا أَلَحَّ الخصمُ: ساغ للقاضي أن يُحلِّفَ بذلك؛ لِقِلَّة المبالاةِ باليمين بالله، وكثرةِ الامتناعِ بسبب الحلفِ بالطلاق. قال: (ويُستحلَفُ اليهوديُّ: باللهِ الذي أنزل التوراةَ على موسى عليه 93 السلام، والنصرانيّ: بالله الذي أنزل الإنجيلَ على عيسى عليه السلام). (١) وضُبطت في نُسخ: يَحتاط. بفتح الياء. ٢٧٨ في كيفية اليمين والاستحلاف والمجوسيُّ: بالله الذي خَلَقَ النارَ. لقوله عليه الصلاة والسلام لابن صُوْرِيَا الأعورِ (١): ((أَنشُدُكَ بالله الذي أَنزل التوراةَ على موسى أنَّ حُكمَ الزنا في كتابكم هذا(٢)» (٣). ولأن اليهوديَّ يعتقدُ نبوةَ موسىُ، والنصرانيَّ نبوةَ عيسىُ صلوات الله وسلامُهُ على نبيِّنًا وعليهما، فيُغلَّظُ على كلِّ واحدٍ منهما بذِكْرِ المُنْزَل على نبيِّه. (و) يُحلَّفُ (المجوسيُّ: بالله الذي خَلَقَ النارَ). هكذا ذَكَرَ محمدٌ رحمه الله في (الأصل(2)). ويُروى عن أبي حنيفة رحمه الله في ((النوادر)) أنه لا يُستحلَفُ أحدٌ إلا بالله خالصاً. وذَكَرَ الخَصَّافُ رحمه الله أنه لا يُستحلَفُ غيرُ اليهوديِّ والنصراني إلا بالله، وهو اختيارُ بعضِ مشايخنا رحمهم الله؛ لأن في ذِكْرِ النارِ مع اسم الله تعالى: تعظيمَها، وما ينبغي أن تُعظّم، بخلاف الكتابَيْن؛ لأن كُتُبَ الله تعالى معظّمٌ. والوثنيُّ لا يُحلَّفُ إلا بالله؛ لأن الكَفَرَةَ بأَسْرهم يعتقدون الله تعالى. (١) واسمه: عبد الله بن صوريا، وكان ابن صوريا من أحبار اليهود، وكان أعلم مَن بقي بالتوراة. ينظر البناية ١٢ / ١٥٤. (٢) أي رجم المحصن، كما جاء في قصة الحديث. (٣) صحيح مسلم (١٧٠٠)، سنن أبي داود (٣٦٢٤)، نصب الراية ٤ /١٠٢. (٤) ١١ / ٥٠٩. ٢٧٩ في کیفیة الیمین والاستحلاف ولا يُحَلَّفون في بيوتِ عبادتِهم. ولا يجبُ تغليظُ اليمين على المسلم بزمانٍ، ولا مكانٍ. ومَن ادعى أنه ابتاع من هذا عبدَه بألفٍ، فجَحَدَ : استُحلِفَ : بالله ما بينكما بيعٌ قائمٌ فيه، ولا يُستحلَفُ: بالله ما بِعْتُ. ويُستحلَفُ في الغصب: بالله ما يَستحِقُّ عليكَ ردَّه، ولا يُحلَّفُ: بالله ما غصبتَ. قال الله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. الزخرف / ٨٧. قال: (ولا يُحَلَّفون في بيوتِ عبادتِهم)؛ لأن القاضيَ لا يَحضُرُها، بل هو ممنوعٌ عن ذلك. قال: (ولا يجبُ تغليظُ اليمين على المسلم بزمانٍ، ولا مكانٍ)؛ لأن المقصودَ تعظيمُ المقسَمِ به، وهو حاصلٌ بدون ذلك. وفي إيجابِ ذلك حَرَجٌ على القاضي، حيثُ يُكلَّفُ حضورَها وهو مدفوعٌ(١)، لا سيما إذا لم يتوقف إيفاءُ المستَحَقِّ عليه، وهو اليمينُ. قال: (ومَن ادعى أنه ابتاع من هذا عبدَه بألفٍ، فجَحَدَ: استُحلِفَ: بالله ما بينكما بيعٌ قائمٌ فيه، ولا يُستحلَفُ: بالله ما بعْتُ)؛ لأنه قد تُباعُ العَيْنُ، ثم يُقالُ(٢) فيها. قال: (ويُستحلَفُ في الغصب: بالله ما يَستحِقُّ عليكَ ردَّه، ولا يُحلَّفُ: بالله ما غصبتَ)؛ لأنه قد يُغصَبُ، ثم يُفسَخُ بالهبة والبيع. (١) أي الحرج مدفوعٌ بالنص شرعاً. (٢) من فعل الإقالة. ٢٨٠ في كيفية اليمين والاستحلاف وفي النكاح : بالله ما بينكما نكاحٌ قائمٌ في الحال. وفي دعوى الطلاق : بالله ما هي بائنٌ منكَ الساعةَ بما ذَكَرَتْ، ولا يُستحلَفُ: بالله ما طلَّقها. قال: (وفي النكاح: بالله ما بينكما نكاحٌ قائمٌ في الحال)؛ لأنه قد يطرأُ عليه الخُلمُ. قال: (وفي دعوى الطلاق: بالله ما هي بائنٌ منكَ الساعةَ بما ذَكَرَتْ(١)، ولا يُستحلَفُ: بالله ما طلَّقها)؛ لأن النكاحَ قد يُجدَّدُ بعد الإبانة، فيُحلَّفُ على الحاصلِ في هذه الوجوه؛ لأنه لو حُلُّفَ على السبب: يتضرَّرُ المدعى عليه، وهذا قولُ أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله. أما على قول أبي يوسف رحمه الله: يُحَلَّفُ في جميع ذلك على السبب، إلا إذا عَرَّضَ بما ذَكَرْنا، فحينئذٍ يُحَلَّفُ على الحاصل. وقيل: يُنظَرُ إلى إنكارِ المدعى عليه: إن أنكر السببَ: يُحَلَّفُ عليه، وإن أنكر الحُكْمَ: يُحَلَّفُ عَلى الحاصل. فالحاصلُ هو الأصلُ عندهما إذا كان سبباً يرتفعُ برافع، إلا إذا كان فيه تَرْكُ النظرِ من جانبِ المدعي، فحينئذٍ يُحلَّفُ على السبب، بالإجماع. وذلك مثلُ أن تدَّعيَ مبتوتةٌ نفقةَ العدةِ، والزوجُ ممن لا يراها (٢)، أو ادَّعى شفعةً بالجوار، والمشتري ممن لا يراها(٣)؛ لأنه لو حُلِّفَ على (١) أي بالطلاق الذي ذَكَرَتِ المرأة. (٢) أي ممن لا يرى نفقة المبتوتة، بأن كان شافعي المذهب. البناية ١٦٠/١٢. (٣) بأن كان شافعي المذهب.