النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
في بيان وكالة الاثنين
أو بطلاقٍ زوجتِه بغير عِوَضٍ، أو بعتقِ عبدِه بغير عوضٍ، أو بردِّ
ودیعةٍ عنده، أو قضاءِ دَیْنِ علیه .
وليس للوكيل أن يُوكَّلَ فيما وُكِّلَ به.
إلا أن يأذَنَ له الموكِّلُ، أو يقولَ له : اعمَلْ برأيك.
قال: (أو بطلاق زوجتِه بغير عِوَضٍ، أو بعتقِ عبدِه بغير عوضٍ، أو
بردِّ وديعةٍ عنده، أو قضاءِ دَيْنِ عليه)؛ لأن هذه الأشياءَ لا يُحتاجُ فيها إلى
الرأي، بل هو تعبيرٌ مَحْضٌ، وعبارةُ المَثْنى والواحدِ: سواء.
وهذا بخلاف ما إذا قال لهما: طلِّقاها إن شئتُما، أو قال: أَمْرُها
بأيديكما؛ لأنه تفويضٌ إلى رأيهما؛ ألا ترى أنه تمليكٌ يقتصِرُ على
المجلس، ولأنه عَلَّقَ الطلاقَ بفعلهما، فاعتُبرَ(١) بدخولهما(٢).
قال: (وليس للوكيل أن يُوكِّلَ فيما وُكِّلَ به)؛ لأنه فَوَّضَ إليه التصرفَ،
دونَ التوكيلِ به، وهذا لأنه رضِيَ برأيه، والناسُ متفاوتون في الآراء.
قال: (إلا أن يأذَنَ له الموكُّلُ)؛ لوجود الرضا.
(أو يقولَ له: اعمَلْ برأيك)؛ لإطلاقِ التفويضِ إلى رأي الوكيل.
وإذا جاز في هذا الوجه: يكون الثاني وكيلاً عن الموكّل، حتى لا
يملِكُ الأولُ عَزْلَه، ولا يَنعزلُ بموته، وينعزلان بموتِ الأول، وقد مرَّ
نظيرُه في أدب القاضي.
(١) وفي نُسخ: فاعتَبَرَه.
(٢) أي فاعتُبر تعليق الطلاق بفعل الرجلين بتعليق الطلاق بدخولهما الدار، فإنَّ
بدخول أحدهما: لا يقع الطلاق، فكذا ها هنا. البناية ١٢ / ٨٥.

٢٤٢
في بيان وكالة الاثنين
فإن وكَّلَ بغير إذنِ موكِِّه، فعَقَدَ و کیلُه بحضرته : جاز.
وإن عَقَدَ في حالٍ غَيْته: لم يَجُزْ.
وكذا لو باع غيرُ الوكيلِ، فبلَغَه، فأجازه : جاز.
وإذا زوَّج المكاتَبُ أو العبدُ أو الذميُّ ابنتَه، وهي صغيرةٌ حرَّةٌ.
قال: (فإن وكَّلَ بغير إذنِ موكِِّهِ، فعَقَدَ وكيلُه بحضرته: جاز)؛ لأن
المقصودَ حضورُ رأيِ الأولِ، وقد حَضَرَ، وتكلَّموا في حقوقِهِ (١).
قال: (وإن عَقَدَ في حال غَيْبته: لم يَجُزْ)؛ لأنه فاته رأيُه، إلا أن يَبْلُغَه،
فيُجيزَه: جاز.
قال: (وكذا لو باع غيرُ الوكيلِ، فبلَغَه، فأجازه: جاز)؛ لأنه حَضَرَه رأيُه.
ولو قَدَّر الأولُ الثمنَ للثاني، فعَقَدَ بغَيْبته: يجوز؛ لأن الرأيَ يُحتاجُ
إليه فيه (٢)؛ لتقدير الثمن ظاهراً، وقد حصل.
وهذا بخلاف ما إذا وكَّلَ وكيلَيْن، وقَدَّرَ الثمنَ؛ لأنه لَمَّا فَوَّض إليهما
مع تقديرِ الثمن: ظَهَرَ أن غَرَضَه اجتماعُ رأيهما في الزيادة، واختيارِ
المشتري، على ما بيَّنَّاه.
أما إذا لم يُقدِّرِ الثمنَ، وفَوَّضَ إلى الأول: كان غرضُه رأيه في معظم
الأمر، وهو التقديرُ في الثمن.
قال: (وإذا زوَّج المكاتَبُ أو العبدُ أو الذميُّ(٣) ابنتَه، وهي صغيرةٌ حرَّةٌ
(١) أي تكلم مشايخ الحنفية في حقوق العقد الثاني. البناية ١٢ / ٨٧.
(٢) أي في العقد.
(٣) كما لو أن امرأةً تحته، وطلَّقها ولها بنتٌ، ثم أسلمت، وماتت، وبقيت البنت.

٢٤٣
في بيان وكالة الاثنين
مسلمةٌ، أو باع أو اشترى لها: لم يَجُزْ.
وقالا : والمرتدُّ إذا قُتِلَ علىُ رِدَّته، والحربيُّ: كذلك.
مسلمةٌ، أو باع أو اشترى لها: لم يَجُزْ).
معناه: التصرُّفُ في مالِها؛ لأن الرِّقَّ والكفرَ يقطعان الولاية، ألا يُرى
أن المَرقوقَ لا يَملِكُ إنكاحَ نفسِهِ، فكيف يَملكُ إِنكاحَ غيرِه؟!
وكذا الكافرُ(١)؛ لأنه لا ولايةَ له على المسلم، حتى لا تُقْبَلُ شهادتُه عليه.
ولأن هذه ولايةٌ نظريةٌ، فلا بدَّ من التفويضِ إلى القادِرِ المُشفِقِ؛
ليتحقَّق معنى النظر، والرِّقُّ يُزِيلُ القدرةَ، والكفرُ يَقطعُ الشفقةَ على
المسلم، فلا يُقوَّضُ إليهما.
(وقالا: والمرتدُّ إذا قُتِلَ علىُ رِدَّته، والحربيُّ: كذلك(٣))؛ لأن الحربيَّ
أبعدُ من الذميِّ، فَأَوْلِىُ أن يُسْلَبَ الولايةَ، وأما المرتدُّ فتصرُّفُه في ماله وإن
كان نافذاً عندهما، لكنه موقوفٌ على ولدِهِ، ومالٍ ولدِه(٣)، بالإجماع؛
لأنها ولايةٌ نظريةٌ، وذلك باتفاق المِلَّة.
وهي متردِّدةٌ، ثم تَستقرُّ جهةُ الانقطاعُ إذا قُتِلَ على الردة، فيبطلُ،
وبالإسلام: يُجعَلُ كأنه لم يَزَلْ كان مسلماً؛ فيصحُّ، والله تعالى أعلم.
(١) أي لا يملك إنكاح غيره.
(٢) أي تصرُّفهما على المسلم لا يجوز، وخَصَّ هذا بالذكر: لأن الشبهة تَرِدُ
على قولهما؛ لأن تصرفات المرتد بالبيع والشراء ونحوهما: نافذَةٌ . البناية ١٢ / ٩٠.
(٣) أي لكن تصرَّفَه موقوفٌ على إسلامه، إن أسلم: صحَّ، وإلا: بطل، فولايته
على ولده، ومال ولده موقوفٌ على إسلامه. اهـ نتائج الأفكار ٩٨/٧.

٢٤٤
باب
باب
الوكالة بالخصومة والقبض
الو کیل بالخصومة : و کیلٌ بالقبض
باب
الوكالة بالخصومة والقبض
قال: (الوكيلُ بالخصومة: وكيلٌ بالقبض) عندنا(١)، خلافاً لزفر رحمه الله.
هو يقول: رضِيَ بخصومِتِهِ، والقبضُ غيرُ الخصومة، ولم يرضَ به.
ولنا: أن مَن مَلَكَ شيئاً: مَلَكَ إتمامَه، وتَمَامُ الخصومةِ وانتهاؤها
بالقبض.
والفتوى اليومَ على قولِ زفرَ رحمه الله؛ لظهور الخيانةِ في الوكلاء،
وقد يُؤْتَمَنُ على الخصومةِ مَن لا يُؤْتَمَنُ على المال.
ونظيرُهُ: الوكيلُ بالتقاضي: يَملكُ القبضَ، على أصلِ الرواية؛ لأنه في
معناه وَضْعاً (٢)، إلا أن العُرفَ بخلافه، وهو قاضٍ على الوضع، والفتوى
اليومَ على أنه لا يَملِك.
(١) أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، كما في مختصر القدوري
ص١٧٩.
(٢) أي من حيث الوضع واللغة.

٢٤٥
الوكالة بالخصومة والقبض
فإن كانا وكيلَيْن بالخصومة : لا يَقبضان إلا معاً.
والوكيلُ بقَبْض الدَّيْن : يكون وكيلاً بالخصومة عند أبي حنيفة رحمه
الله، وقالا : لا يكون خصماً.
قال: (فإن كانا وكيلَيْن بالخصومة: لا يَقبضان إلا معاً)؛ لأنه رضِيَ
بأمانتهما، لا بأمانةِ أحدِهما، واجتماعُهما على القبضِ ممكنٌ، بخلاف
الخصومة، على ما مَرَّ.
قال: (والوكيلُ بقَبْض الدَّيْن: يكون وكيلاً بالخصومة عند أبي حنيفة
رحمه الله)، حتى لو أُقيمتْ عليه البينةُ على استيفاء الموكِّل، أو إبرائه:
تُقبَلُ عنده.
(وقالا: لا يكون خصماً)، وهو روايةُ الحسن عن أبي حنيفة رحمهما
الله؛ لأن القبضَ غيرُ الخصومة، وليس كلُّ مَن يُؤْتَمَنُ على المال: يهتدي
في الخصومات، فلم يكنِ الرضا بالقبض: رضاً بها(١).
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه وكَّلَه بالتملك؛ لأن الديونَ تُقْضَىُ
بأمثالها، إذْ قَبْضُ الدينِ نفسِه لا يُتُصوَّر، إلا أنه جُعِل استيفاءَ لعينٍ حقَّه
من وجهٍ، فأشبه الوكيلَ بأَخْذِ الشفعةِ، والرجوعِ في الهبة، والوكيلٍ
بالشراء، والقسمةِ، والردِّ بالعيب، وهذا (٢) أشبهُ بأخذِ الشفعة، حتى يكون
خصماً قبلَ القبض، كما يكونُ خصماً قبلَ الأخذ هنالك.
(١) أي بالخصومة.
(٢) أي الوكيل بقبض الدين، وفي نُسخ: وهذه، أي هذه مسألة الوكيل بقبض
الدين. البناية ١٢ / ٩٤.

٢٤٦
الوكالة بالخصومة والقبض
والوكيلُ بقَبْض العين : لا يكونُ وكيلاً بالخصومة، بالإجماع.
حتى إنَّ مَن وَكَّلَ وكيلاً بقَبْض عبدٍ له، فأقام الذي هو في يدِهِ العبدُ
البيئةَ أن الموكِّلَ باعه إياه: وُقِفَ الأمرُ حتىٌ يَحضُرَ الغائبُ.
وكذلك الطلاق والعتاقُ، وغيرُ ذلك.
والوكيلُ بالشراء لا يكونُ خصماً قبلَ مباشرة الشراء، وهذا لأن
المبادلةَ تقتضي حقوقاً، وهو أصيلٌ فيها، فيكونُ خصماً فيها.
قال: (والوكيلُ بقَبْض العين: لا يكونُ وكيلاً بالخصومة، بالإجماع(١))؛
لأنه أمينٌ مَحْضٌ، والقبضُ ليس بمبادَلةٍ، فأشبَهَ الرسولَ.
(حتى إنَّ مَن وَكَّلَ وكيلاً بقَبْض عبدٍ له، فأقام الذي هو في يدِهِ العبدُ
البينةَ أن الموكَّلَ باعه إياه: وُقِفَ الأمرُ حتى يَحضُرَ الغائبُ)، وهذا
استحسانٌ.
والقياسُ: أن يُدفَعَ إلى الوكيل؛ لأنَّ البينةَ قامت لا على خصمٍ، فلم تُعتبر.
وجهُ الاستحسان: أنه خصمٌ في قَصْرِ يدِهِ؛ لقيامه مَقامَ الموكّل في
القبض، فتُقصَرُ يدُه(٢).
حتى لو حضرَ البائعُ الغائبُ: تُعادُ البينةُ على البيع، فصار كما إذا أقام
البينةَ على أن الموكِّلَ عَزَلَه عن ذلك: فإنها تُقبَلُ في قَصْرِ يدِه، كذا هذا.
قال: (وكذلك الطلاق والعَتَاقُ، وغيرُ ذلك).
(١) أي باتفاق الحنفية. البناية ١٢ / ٩٤.
(٢) أي عن الدعوى، وفي نُسخ: فَتَقْتِصر يده.

٢٤٧
الوكالة بالخصومة والقبض
وإذا أقرَّ الوكيلُ بالخصومة على موكِّلِه عند القاضي: جاز إقرارُه
عليه، ولا يجوزُ عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله؛
استحساناً، إلا أنه يَخرجُ عن الوكالة.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يجوز إقرارُه عليه وإن أقرَّ في غير مجلسٍ
القضاء .
ومعناه: إذا أقامتِ المرأةُ البينةَ على الطلاق، والعبدُ أو الأمةُ على
العَتَاق: على الوكيل بنَقْلهم(١): تُقبَلُ في قَصْرِ يدِهِ حتى يَحضُرَ الغائبُ؛
استحساناً، دون العتقِ، والطلاق(٢).
قال: (وإذا أقرَّ الوكيلُ بالخصومة على موكِّلِه عند القاضي: جاز إقرارُه
عليه، ولا يجوزُ عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله؛
استحساناً، إلا أنه يَخرجُ عن الوكالة.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يجوز إقرارُه عليه وإن أقرَّ في غير مجلسِ
القضاء).
وقال زفرُ والشافعي(٣) رحمهما الله: لا يجوز في الوجهَيْن، وهو قولُ
أبي يوسف رحمه الله أوَّلاً، وهو القياسُ؛ لأنه مأمورٌ بالخصومة، وهي
منازَعةٌ، والإقرارُ يُضادُّه؛ لأنه مسالَمَةٌ، والأمرُ بالشيء لا يتناوَلُ ضدَّه،
(١) أي بنقل المرأة والعبد والأمة.
(٢) أي لا تُقبل البينةُ في حَقِّ ثبوت العتق والطلاق؛ لأن الوكيلَ ليس بخصمٍ
فيهما، ولكنه خصمٌ في قَصْر يده. البناية ١٢ / ٩٥.
(٣) الحاوي الكبير ١٦ / ٢٠٧.

٢٤٨
الوكالة بالخصومة والقبض
ولهذا لا يَملِكُ الصلحَ والإبراءَ، ويصحُّ إذا استثنى الإقرارَ.
وكذا لو وكَّله بالجواب مطلقاً: يتقيَّدُ بجواب هو خصومةٌ؛ لجريان
العادة بذلك(١)، ولهذا يُختارُ فيها الأَهْدىُ، فالأَهْدىُ.
وَجْهُ الاستحسانِ: أن التوكيلَ صحيحٌ قطعاً، وصحتَه بتناوُلِه ما يملكُه
قطعاً، وذلك مطلَقُ الجواب، دون أحدِهما عيناً، وطريقُ المجاز موجودٌ،
على ما نبيُِّه إن شاء الله تعالى، فيُصرَفُ إليه تحرِّياً للصحة قطعاً.
ولو استثنى الإقرارَ: فعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يصحُّ؛ لأنه لا
يَملِكُه.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه يصحُّ؛ لأنَّ للتنصيص زيادةَ دلالةٍ على
مِلْكِهِ إياه؛ وعند الإطلاق: يُحمَلُ على الأَوْلِىُ، وهو مطلَق الجواب.
وعنه: أنه فَصَلَ بين الطالب والمطلوب(٢)، ولم يصحِّحْه في الثاني؛
لكونه مجبوراً عليه، ويُخيَّرُ الطالبُ فيه (٣).
فبعد ذلك(٤): يقول أبو يوسف رحمه الله: إن الوكيلَ قائمٌ مقامَ
الموكِّل، وإقرارُه لا يختصُّ بمجلس القضاء، فكذا إقرارُ نائبه.
(١) جملة: لجريان العادة بذلك: مثبتةٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٢) أي المدعي والمدعى عليه.
(٣) بأن لا يُجبر على الخصومة.
(٤) هذا شروعٌ في بيان المُحاجَّة مع أبي يوسف رحمه الله بعد فراغ المحاجة مع
زفر رحمه الله، أي بعد ما ثبت أن التوكيل بالخصومة ينصرف إلى مطلق الجواب.

٢٤٩
الوكالة بالخصومة والقبض
ومَن كَفَلَ بمالٍ عن رجلٍ، فوكَّلَه صاحبُ المالِ بقَبْضه عن الغريم : لم
یکن وكيلاً في ذلك أبداً.
وهما يقولان: إن التوكيلَ يتناولُ جواباً يُسمى خصومةً حقيقةً أو مجازاً.
والإقرارُ في مجلس القضاء خصومةٌ مجازاً، إما لأنه خَرَجَ في مقابلة
الخصومة، أو لأنها(١) سببٌ له(٢)؛ لأنَّ الظاهرَ إتيانُه بالمستَحَقِّ، وهو
الجوابُ في مجلسِ القضاء، فيَختصُّ به.
لكن إذا أُقيمت البينةُ على إقراره في غيرِ مجلس القضاء: يَخرجُ من
الوكالة، حتى لا يُؤْمَرُ بدفع المالِ إليه؛ لأنه صار مناقِضاً، وصار كالأب
أو الوصيِّ إذا أقرَّ في مجلس القضاء: لا يصحُّ، ولا يُدفَعُ المالُ إليهما(٣).
قال: (ومَن كَفَلَ بمالِ عن رجلٍ، فوكَّلَه صاحبُ المالِ بقَبْضه عن
الغريم: لم يكن وكيلاً في ذلك أبداً)؛ لأن الوكيلَ مَن يعملُ لغيره، ولو
ءَ
صحَّحناها: صار عاملاً لنفسِه في إبراءِ ذمتِه، فانعدم الركن(٤).
ولأن قبولَ قولِه ملازِمٌ للوكالة؛ لكونه أميناً، ولو صحَّحناها: لا
يُقبلُ(٥)؛ لكونه مُبْرِئاً نفسَه، فينعدمُ بانعدام لازِمِهِ(٦).
(١) أي الخصومة.
(٢) أي للإقرار.
(٣) وفي نُسخ: إليه.
(٤) أي العمل للغير.
(٥) أي لا يقبل قوله. البناية ١٢ / ١٠١.
(٦) أي لازم التوكيل، وهو قبول قول الوكيل. البناية ١٢/ ١٠١، وفي نُسخ: لازِمَتِه.

٢٥٠
الوكالة بالخصومة والقبض
ومَن ادعى أنه وكيلُ الغائب في قَبْضِ دِينِهِ، فصَدَّقه الغريمُ: أُمِرَ
بتسلیم الدَّیْن إليه.
فإن حَضَرَ الغائبُ، فصدَّقه، وإلا: دَفَعَ إليه الغريمُ الدَّيْنَ ثانياً.
ويَرْجِعُ به على الوكيل إن كان باقياً في يدِه.
وإن كان ضاع في يده : لم يَرجعْ عليه، إلا أن يكونَ ضَمَّنَه عند الدفع.
وهو نظيرُ عبدٍ مأذونٍ مديونٍ أعتقه مولاه، حتى ضَمِنَ قيمتَه للغرماء،
ويطالَبُ العبدُ بجميع الدَّيْن.
فلو وكَّله الطالبُ بقبض المال عن العبد: كان باطلاً؛ لِمَا بِيَنَّاه.
قال: (ومَن ادعى أنه وكيلُ الغائب في قَبْضِ دِينِهِ، فصَدَّقه الغريمُ: أُمِرَ
بتسليم الدَّيْن إليه)؛ لأنه إقرارٌ على نفسه؛ لأن ما يَقضيه خالصُ مالِه.
(فإن حَضَرَ الغائبُ، فصدَّقه، وإلا: دَفَعَ إليه الغريمُ الدَّيْنَ ثانياً)؛ لأنه
لم يَثبتِ الاستيفاءَ، حيث أنكر الوكالةَ، والقولُ في ذلك قولُه، مع یمینه،
فيفسُدُ الأداء.
(ويَرْجعُ به على الوكيل إن كان باقياً في يدِهِ)؛ لأنَّ غَرَضَه من الدفع
براءةُ ذمتِهِ، ولم تحصل، فله أن يَنقُضَ قَبْضَه.
(وإن كان ضاع في يده: لم يَرجعْ عليه)؛ لأنه بتصديقه اعترف أنه
مُحِقٌّ في القبض، وهو مظلومٌ في هذا الأخذ، والمظلومُ لا يَظلِمُ غيرَه.
قال: (إلا أن يكونَ ضَمَّنَه عند الدفع)؛ لأن المأخوذَ ثانياً مضمونٌ عليه

٢٥١
الوكالة بالخصومة والقبض
ولو كان الغريمُ لم يُصَدِّفْه على الوكالة، ودَفَعَه إليه على ادعائه، فإن
رَجَعَ صاحبُ المال على الغريم : رَجَعَ الغريمُ على الوكيل.
ومَن قال : إني وكيلُ فلانٍ بقَبْضِ الوديعة، فصدَّقَه المودَعُ: لم يُؤْمَرْ
بالتسلیم إلیه .
في زُّعْمهما، وهذه كفالةٌ أُضيفت إلى حالةِ القبض، فتصحُّ، بمنزلة الكفالة
بما ذاب(١) له علی' فلان.
قال: (ولو كان الغريمُ لم يُصَدِّقْه على الوكالة، ودَفَعَه إليه على
ادعائه، فإن رَجَعَ صاحبُ المال على الغريم: رَجَعَ الغريمُ على الوكيل)؛
لأنه لم يُصَدِّقْه على(٢) الوكالة، وإنما دَفَعَه إليه على رجاء الإجازة، فإذا
انقطع رجاؤه: رجع علیه.
وكذا إذا دَفَعَه إليه على تكذيبه إياه في الوكالة، وهذا أظهرُ؛ لِمَا قلنا.
وفي الوجوه كلِّها (٣): ليس له أن يَسْتَرِدَّ المدفوعَ حتى يَحضُرَ الغائبُ؛
لأن المؤدَّى صار حقاً للغائب، إما ظاهراً أو محتمِلاً، فصار كما إذا دَفَعَه
إلىُ فضوليّ على رجاءِ الإجازة: لم يَملِكِ الاستردادَ؛ لاحتمال الإجازة.
ولأنَّ مَن باشر التصرُّفَ لغرضٍ: ليس له أن يَنقُضَه ما لم يقعِ اليأسُ عن غرضه.
قال: (ومَن قال: إني وكيلُ فلانٍ بقَبْضِ الوديعة، فصدَّقَه المودَعُ: لم
يُؤمَرْ بالتسليم إليه)؛ لأنه أقرَّ له بمالِ الغير، بخلاف الدَّيْن، على ما مَرَّ.
(١) أي بما ثبت ووجب.
(٢) وفي نُسخ: في.
(٣) أي الأربعة.

٢٥٢
الوكالة بالخصومة والقبض
فإن وكَّل وكيلاً بقَبْض ماله، فادَّعىُ الغريمُ أن صاحبَ المال قد
استوفاه : فإنه يَدفعُ المالَ إليه، ويَتَّبِعُ ربَّ المال، فيَستحِلِفُه.
وإن وكَّله بالردِّ بعيبٍ في جاريةٍ، فادَّعى البائعُ رضا المشتري: لم يَرُدَّ
عليه حتى يَحلِفَ المشتري.
ولو ادَّعى أنه مات أبوه، وتَرَكَ الوديعةَ ميراثاً له، ولا وارثَ له غيرُه،
وصدَّقه المودَعُ: أُمِرَ بالدفع إليه؛ لأنه لا يبقى مالُه بعد موته، فقد اتفقا
على أنه مالُ الوارث.
ولو ادَّعى أنه اشترى الوديعةَ من صاحبها، فصدَّقه المودَعُ: لم يُؤْمَرْ
بالدفع إليه؛ لأنه ما دام(١) حيَّاً كان إقراراً بملك الغير؛ لأنه مِن أهلِه، فلا
يُصدَّقان في دعوى البيع علیه.
قال: (فإن وكَّل وكيلاً بقَبْض مالِه(٢)، فادَّعىُ الغريمُ أن صاحبَ المال
قد استوفاه: فإنه يَدفعُ المالَ إليه)؛ لأن الوكالةَ قد ثبتت، والاستيفاء لم
و
يَثبتْ بمجرد دعواه، فلا يُؤْخَّرُ الحقُّ.
قال: (ويَتَّبِعُ ربَّ المال، فَيَستحلِفُه)؛ رعايةً لجانبه، ولا يُستحلَفُ
الوكيلُ؛ لأنه نائبٌ.
قال: (وإن وكَّله بالردِّ بعيبٍ في جاريةٍ، فادَّعى البائعُ رضا المشتري:
لم يَرُدَّ عليه(٣) حتى يَحِلِفَ(٤) المشتري).
(١) أي المودِع.
(٢) وفي نُسخ: مالٍ.
(٣) أي لم يرد الوكيل على البائع. البناية ١٢ / ١٠٦.
(٤) وتُضبط أيضاً: يُحَلَّف، وقد جاء الضبطان في نسخة ٧٣٨هـ، وكُتب: معاً.

٢٥٣
الوكالة بالخصومة والقبض
ومَن دَفَعَ إلى رجلٍ عشرةَ دراهمَ ليُنفِقَها على أهله، فأنفق عليهم عشرةً
من عنده : فالعشرةُ بالعشرة.
بخلاف مسألة الدَّيْن؛ لأن التداركَ ممكنٌ هنالك، باسترداد ما قَبَضَه
الوكيلُ إذا ظَهَرَ الخطأُ عند نُكوله، وها هنا (١) غيرُ ممكن؛ لأن القضاءَ
بالفسخ ماضٍ على الصحة وإن ظَهَرَ الخطأُ عند أبي حنيفة رحمه الله، كما
هو مذهبُه، ولا يُستحلَفُ المشتري عنده بعد ذلك؛ لأنه لا يُفيد.
وأما عندهما قالوا: يجبُ أن يتَّحدَ الجوابُ على هذا في الفصلَيْن،
ولا يُؤخَّرُ، لأن التداركَ ممكِنٌ عندهما؛ لبطلان القضاء.
وقيل: الأصحُّ عند أبي يوسف رحمه الله أنْ يُؤْخَّرَ في الفصلَيْن؛ لأنه
يُعتبرُ النظرُ، حتى يَستحلِفُ المشتريَ لو كان حاضراً من غير دعوى البائع،
فِيُنتظرُ للنظر.
قال: (ومَن دَفَعَ إلى رجلِ عشرةَ دراهمَ ليُنفِقَها على أهله، فأنفق
عليهم عشرةً من عنده: فالعشرةُ بالعشرة).
لأن الوكيلَ بالإنفاق: وكيلٌ بالشراء، والحكمُ فيه ما ذكرناه، وقد قرَّرناه،
فهذا كذلك.
وقيل: هذا استحسانَ، وفي القياسِ: ليس له ذلك، ويصيرُ متبرِّعاً.
وقيل: القياسُ والاستحسانُ في قضاء الدين؛ لأنه ليس بشراء، فأما
الإنفاق: يتضمَّنُ الشراءَ، فلا يَدخلانه(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نُسخ: وفي الثانية. بدل: وها هنا.
(٢) أى القياس والاستحسان.

٢٥٤
باب
باب
عَزْل الوكيل
وللموكِّل أن يَعْزِلَ الوكيلَ عن الوكالة.
فإن لم يبلُغْه العَزْلُ: فهو على وكالته، وتصرُّفُه جائزٌ حتى يَعلَمَ.
باب
عَزْل الوكيل
قال: (وللموكِّل أن يَعزِلَ الوكيلَ عن الوكالة).
لأن الوكالةَ حَقُّه، فله أن يُبطِلَه، إلا إذا تعلَّقَ به حَقُّ الغير، بأن كان
وكيلاً بالخصومة بطَلَب من جهة الطالب؛ لِمَا فيه من إبطال حَقِّ الغير،
وصار كالوكالة التي تضمَّنها عقدُ الرهن.
قال: (فإن لم يبلُغْه العَزْلُ: فهو علىُ وكالته، وتصرُّفُه جائزٌ حتى يَعلَمْ)؛
لأن في العزلِ إضراراً به، من حيثُ إبطالُ ولايتِهِ، أو من حيثُ رجوعُ
الحقوقِ إليه، فَيَنقُدُ من مالِ الموكِّل، ويُسلِّمُ المبيعَ، فيُضمَّنْهُ(١)، فيتضرَّرُ به.
ويستوي الوكيل بالنكاح وغيره؛ للوجه الأول، وقد ذكرنا(٢) اشتراطَ
العددِ أو العدالة في المُخبرِ، فلا نُعيدُه.
(١) أي فيضمِّن الموكِّلُ الوكيلَ.
(٢) في فصل القضاء بالمواريث، من أدب القاضي، بقوله: ولا يكون النهي عن
الو کالة حتی یشهد عنده شاهدان.

٢٥٥
عَزْل الو کیل
وتبطلُ الوكالةُ بموت الموكِّل، وجنونِه جنوناً مُطْبِقاً، ولَحَاقِهِ بدار
الحرب مرتداً.
[مبطلاتُ الوكالة: ]
قال: (وتبطلُ الوكالةُ بموت الموكِّل، وجنونه جنوناً مُطْبِقاً، ولَحَاقِه
بدار الحرب مرتدًّاً)؛ لأن التوكيلَ تصرُّفٌ غيرُ لازم، فیکونُ لدوامہ حُكمُ
ابتدائه، فلا بدَّ من قيامِ الأمر، وقد بَطَلَ بهذه العوارض.
وشَرَطَ(١) أن يكون الجنونُ مُطْبِقاً: لأن قليلَه: بمنزلة الإغماء.
وحَدُّ المُطِقِ: شهرٌ عند أبي يوسف رحمه الله؛ اعتباراً بما يَسقطُ به الصومُ.
وعنه (٢): أكثرُ من يوم وليلةٍ؛ لأنه تَسقطُ به الصلواتُ الخمس، فصار
کالميت.
وقال محمدٌ رحمه الله: حَوْلٌ كاملٌ؛ لأنه تسقطُ به جميعُ العبادات،
فقَدَّر(٣) به احتياطاً.
قالوا (٤): الحكمُ المذكورُ(٥) في اللَّحَاق: قولُ أبي حنيفة رحمه الله؛
لأن تصرُّفات المرتدِّ موقوفةٌ عنده، فكذا وكالتُه، فإن أسلم: نَفَذَ، وإن
قُتِلَ، أو لَحِقَ بدار الحرب مرتداً: بطلت الوكالة.
(١) أي الإمام القدوريُّ رحمه الله.
(٢) أي عن أبي يوسف رحمه الله.
(٣) أي محمد رحمه الله، وفي نُسخ ضُبطت بالمبني للمجهول: فقُدِّر.
(٤) أي مشايخ الحنفية.
(٥) أي في مختصر القدوري.

٢٥٦
عَزْل الوكيل
وإذا وكَّل المكاتَبُ، ثم عَجَزَ، أو المأذونُ له، ثم حُجِرَ عليه، أو
الشريكان، فافترقا: فهذه الوجوهُ تُبطِلُ الوكالةَ على الوكيل، عَلِمَ أو لم
یعلم.
وإذا مات الوكيلُ، أو جُنَّ جنوناً مُطْبِقاً: بطلتِ الوكالةُ.
فأما عندهما: تصرُّفاتُه نافذةٌ، فلا تبطلُ وكالتُه، إلا أن يموتَ، أو
يُقْتَلَ علىُ رِدَّته، أو يُحكَمَ بلَحَاقِه، وقد مَرَّ أصلُه في السِّيَرَ(١).
وإن كان الموكِّلُ امرأةً، فارتدَّت: فالوكيلُ على وكالته حتى تموتَ،
أو تَلحَقَ بدار الحرب؛ لأن رِدَّتَها لا تُؤثِّر في عقودها(٢)، على ما عُرِف.
قال: (وإذا وكَّل المكاتَبُ، ثم عَجَزَ، أو المأذونُ له، ثم حُجِرَ عليه،
أو الشريكان، فافترقا: فهذه الوجوهُ تُبُطِلُ الوكالةَ على الوكيل، عَلِمَ أو لم
يعلم)؛ لِمَا ذكرنا أن بقاءَ الوكالةِ يَعتمدُ قيامَ الأمر، وقد بطل بالحَجْرِ،
والعَجْزِ، والافتراقِ.
ولا فَرْقَ بين العلم وعدمِه؛ لأن هذا عَزْلٌ حُكميٌّ، فلا يَتوقفُ على
العلم، كالوكيل بالبيع إذا باعه الموكِّل.
قال: (وإذا مات الوكيلُ، أو جُنَّ جنوناً مُطْبِقاً: بطلتِ الوكالةُ)؛ لأنه لا
يصحُّ أمره بعد جنونه وموتِه.
(١) في باب أحكام المرتدين.
(٢) لأن المرتدة لا تُقتل عندنا؛ لأن علة القتل: الحِراب، ولم يوجد؛ لأنه ليس
لها بُنيةٌ صالحةٌ للحِراب. البناية ١١٣/١٢.

٢٥٧
عَزْل الو کیل
وإن لَحِقَ بدار الحرب مرتدَّاً: لم يَجُزْ له التصرُّفُ إلا أن يعودَ مسلماً.
قال: (وإن لَحِقِ (١) بدار الحرب مرتدّاً: لم يَجُزْ له التصرُّفُ إلا أن يعودَ
مسلماً).
قال رضي الله عنه (٢): وهذا عند محمدٍ رحمه الله، فأما عند أبي
يوسف رحمه الله: لا تعودُ الوكالةُ.
لمحمدٍ رحمه الله: أن الوكالةَ إطلاقٌ؛ لأنه (٣) رَفْعُ المانع.
أما الوكيلُ فيتصرَّفُ بمعانٍ قائمةٍ به (٤)، وإنما عَجَزَ بعارضِ اللّحاق؛
لتباين الدارَيْن، فإذا زال العجزُ، والإطلاقُ باق: عاد وكيلاً.
ولأبي يوسف رحمه الله: أنه إثباتُ ولايةِ التنفيذ؛ لأن ولايةَ أصلٍ
التصرف: بأهليته، وولايةَ التنفيذ: بالملك، وباللَّحاق: لَحِقَ بالأموات،
وبطلت الولايةُ، فلا تعودُ، كمِلْكِه في أُمِّ الولدِ، والمدبّر.
ولو عاد الموكِّلُ مسلماً وقد لَحِقَ بدار الحرب مرتداً: لا تعودُ الوكالة،
في الظاهر (٥).
وعن محمدٍ رحمه الله: أنها(٦) تعودُ، كما قال في الوكيل.
(١) أي الوكيلُ.
(٢) وفي نُسخ: قال المصنِّف رحمه الله.
(٣) أي التوكيل.
(٤) وهي الآدمية والحرية.
(٥) أي في ظاهر الرواية. البناية ١٢/ ١١٥.
(٦) أي الوكالة، وفي نُسخ: أنه. بالتذكير، والمراد: التوكيل أو عقد الوكالة.

٢٥٨
عَزْل الو کیل
ومَن وَكَّلَ آخَرَ بشيءٍ، ثم تصرَّفَ بنفسه فيما وَكَّل به : بطلتِ الوكالةُ.
والفرقُ له على الظاهر: أن مبنى الوكالةِ في حَقِّ الموكّل: على الملك،
وقد زال، وفي حَقِّ الوكيل: على معنىً قائمٍ به(١)، ولم يَزُلْ بِاللَّحَاق.
قال: (ومَن وَكَّلَ آخَرَ بشيءٍ، ثم تصرَّفَ بنفسه فيما وَكَّل به: بطلتِ
الوكالةُ).
وهذا اللفظ ينتظمُ وجوهاً (٢):
مثلُ أن يوكِّلَه بإعتاق عبدِهِ أو بكتابته، فأعتقه أو كاتّبَه الموكِّلُ بنفسه،
أو يوكّلَه بتزويج امرأةٍ، أو بشراء شيءٍ، ففَعَلَه بنفسه، أو يوكِّلَه بطلاق
امرأته، فطلَّقَها الزوجُ ثلاثاً أو واحدةً، وانقضت عِدَّتُها، أو بالخلع،
فخالعها بنفسه؛ لأنه لَمَّا تصرَّف بنفسه: تعذَّر على الوكيل التصرُّفُ، فبطلتِ
الوكالةُ، حتى لو تزوَّجها بنفسه، وأبانها: لم يكن للوكيل أن يُزُوِّجَها منه؛
لأن الحاجةَ قد انقضت.
بخلاف ما إذا تزوَّجها الوكيلُ، وأبانها: له أن يُزُوِّجَ الموكِّلَ؛ لبقاء الحاجة.
وكذا لو وكّله ببيع عبدِهِ، فباعه بنفسه.
فلو رُدَّ عليه بعيبٍ بقضاءِ قاضٍ: فعن أبي يوسف رحمه الله: أنه ليس
للوكيل أن يبيعَه مرةً أخرى؛ لأن بيعَه بنفسه مَنْعٌ له من التصرُّف، فصار
کالعزل.
(١) وهو التصرُّف بنفسه.
(٢) أي من المسائل.

٢٥٩
عَزْل الو کیل
وقال محمدٌ رحمه الله: له أن يبيعَه مرةً أخرى؛ لأن الوكالةَ باقيةٌ؛ لأنه
إطلاقٌ، والعجزُ قد زال.
بخلاف ما إذا وكَّله بالهبة، فوَهَبَ بنفسه، ثم رجع: لم يكن للوكيل أن
يَهَبَ(١)؛ لأنه مختارٌ في الرجوع، فكان ذلك دليلَ عدمِ الحاجة.
أما الردُّ بقضاءٍ بغير اختياره: فلم يكن دليلَ زوال الحاجة، فإذا عاد
إليه قديمُ ملكِهِ: كان له أن يبيعَه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) أي ثانياً، وفي نُسخ: يَهَبَه.

٢٦٠
«كتاب الدَّعوَی
کتاب الدَّعوى
المدِّعي: مَنْ لا يُجَبَرُ على الخصومة إذا تَرَكَها.
والمدَّعى عليه : مَنْ يُجَبَرُّ على الخصومة.
كتاب الدَّعوَى
قال: (المدِّعي: مَنْ لا يُجَبَرُ على الخصومة إذا تَركَها.
والمدَّعى عليه: مَنْ يُجَبَرُّ على الخصومة).
ومعرفةُ الفَرْقِ بينهما مِن أهمِّ ما تُبتَنى عليه مسائلُ الدعوى.
وقد اختلفت عباراتُ المشايخ رحمهم الله فيه:
فمنها: ما قال في ((الكتاب(١))، وهو حَدٌّ عامٌ صحيحٌ.
وقيل: المدِّعي: مَن لا يستحِقُّ إلا بحُجَّةٍ، كالخارج، والمدَّعى عليه:
مَن يكونُ مُستَحِقّاً بقوله من غیر حُجَّةٍ، کذي الید.
وقيل: المدِّعي: مَن يَتمسَّكُ بغير الظاهر(٢)، والمدَّعى عليه: مَن يَتمسَّكُ
بالظاهر.
وقال محمدٌ رحمه الله في ((الأصل)): المدَّعىُ عليه: هو المُنكِرُ.
(١) أي مختصر القدوري.
(٢) وفي نُسخ: مَن يلتمس غيرَ الظاهر.