النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
فصلٌ في الشراء
ومَن أَمَرَ رجلاً بشراءِ عبدٍ بألفٍ، فقال: قد فعلتُ، ومات عندي،
وقال الآمِرُ: اشتريتَه لنفسِك: فالقولُ قولُ الآمِرِ.
فإن كان دَفَعَ إليه الألفَ : فالقولُ قولُ المأمور.
والتوكيلُ بالإسلام في الطعام: على هذه الوجوه.
قال: (ومَن أَمَرَ رجلاً بشراءِ عبدٍ بألفٍ، فقال(١): قد فعلتُ، ومات
عندي، وقال الآمِرُ: اشتريتَه لنفسِك: فالقولُ قولُ الآمِرِ.
فإن كان دَفَعَ إليه الألفَ: فالقولُ قولُ المأمور)؛ لأن في الوجهِ الأولِ
أخبر عمَّا لا يَملِكُ استئنافَه، وهو الرجوعُ بالثمن علىُ الآمِرِ، وهو يُنكِرُ،
فالقولُ للمنکِرِ.
وفي الوجهِ الثاني: هو أمينٌ يريدُ الخروجَ عن عُهدةِ الأمانة، فيُقبَلُ قولُه.
ولو كان العبدُ حياً حين اختلفا:
إن كان الثمنُ مَنْقوداً: فالقولُ للمأمور؛ لأنه أمينٌ.
وإن لم يكن مَنْقوداً: فكذلك عند أبي يوسف ومحمدٍ رحمهما الله؛ لأنه
يَملكُ استئنافَ الشراءِ، فلا يُتَّهمُ في الإخبار عنه.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: القولُ قولُ الآمِرِ؛ لأنه موضعُ تُهمةٍ بأن
اشتراه لنفسه، فإذا رأى الصَّفْقةَ خاسرةً: ألزمها الآمِرَ.
(١) أي الوكيلُ.

٢٢٢
فصلٌ في الشراء
ومَن قال لآخَرَ : بِعْني هذا العبدَ لفلانٍ، فباعه، ثم أنكر المشتري أن
يكونَ فلانٌ أَمَرَه، ثم جاء فلانٌ وقال : أنا أمرتُه بذلك: فإن فلاناً يأخذُه.
فإن قال فلانٌ : لم آمُرْه بذلك : لم يكن له أن يأخذَه.
بخلاف ما إذا كان الثمنُ مَنْقوداً؛ لأنه أمينٌ فيه، فيُقبَلُ قولُه تَبَعاً لذلك،
ولا ثمنَ في يده ها هنا.
وإن كان أَمَرَه بشراءِ عبدٍ بعَيْنْه، ثم اختلفا، والعبدُ حِيٌّ: فالقولُ
للمأمور، سواءً كان الثمنُ منقوداً، أو غيرَ منقودٍ.
وهذا بالإجماع؛ لأنه أخبر عما يملِكُ استئنافَه على قولهما، ولا تُهمةَ
فيه؛ لأن الوكيلَ بشراءِ شيءٍ بعينه: لا يَملكُ شراءَه لنفسه بمثل ذلك الثمنِ
في حال غَيْبته، على ما مَرَّ.
بخلاف غيرِ المعيَّن، على ما ذكرناه لأبي حنيفة رحمه الله.
قال: (ومَن قال لآخَرَ: بِعْني هذا العبدَ لفلانٍ، فباعه، ثم أنكر
المشتري أن يكونَ فلانٌ أَمَرَه، ثم جاء فلانٌ وقال: أنا أمرتُه بذلك(١): فإن
فلاناً يأخذُه)؛ لأن قولَه السابقَ إقرارٌ منه بالوكالة عنه، فلا ينفعُهُ الإنكارُ
اللاحِقُ.
(فإن قال فلانٌ: لم آمُرْه بذلك: لم يكن له أن يأخذَه)؛ لأن الإقرارَ
يرتدُّ برَدِّه.
(١) جملة: ثم جاء فلانٌ وقال: أنا أمرتُه بذلك: مثبتةٌ في الهداية المضمنة في
البناية ١٢ / ٤٧، وفى طبعات الهداية القديمة.

٢٢٣
فصلٌ في الشراء
إلا أن يُسلِّمَه المشترَى له، فيكونُ بيعاً جديداً عنه، وتكون عليه العُهدة.
ومَن أَمَرَ رجلاً بأن يشتريَ له عبدَيْن بأعيانهما، ولم يُسَمِّ لهما ثمناً،
فاشتری له أحدهما : جاز.
قال: (إلا أن يُسلِّمَه المشترَى(١) له، فيكونُ بيعاً جديداً عنه(٢)، وتكون
عليه العُهدة)؛ لأنه صار مشترياً بالتعاطي، كمَن اشترى لغيره بغير أَمْرِهِ
حتىْ لَزِمَه، ثم سلَّمَه المشتري له.
ودَلَّتِ المسألةُ على أن التسليمَ على وجه البيعِ يكفي للتعاطي وإن لم
يوجد نَقْدُ الثمن، وهو يتحقَّقُ في النفيس والخَسِيْس؛ لاستتمام التراضي،
وهو المعتبرُ في الباب.
قال: (ومَن أَمَرَ رجلاً بأن يشتريَ له عبدَيْن بأعيانهما، ولم يُسَمِّ لهما(٣)
ثمناً، فاشترى له أحدَهما: جاز)؛ لأن التوكيلَ مطلَقٌ، وقد لا يتفقُ الجمعُ
بينهما في البيع: فيجري على إطلاقه، إلا فيما لا يَتَغابَنُ الناسُ فيه؛ لأنه
توكيلٌ بالشراء، وهذا كلّه بالإجماع.
(١) بكسر الراء، وفتحِها، فعلى الكسر: المشتري: يكون فاعلاً، وقوله: له: أي
لأجله، ويكون المفعولُ الثاني محذوفاً، وهو: إليه، أي إلا أن يسلِّمه الفضولي العبد
الذي اشتراه لأجل فلان: إليه.
وعلى الفتح: المشترَى: يكون المشتري له مفعولاً ثانياً بدون حرف الجر، وهو
فلان، ويكون الفاعل مضمراً، أي إلا أن يسلِّم الفضولي العبد إلى المشتري له، وهو
فلان. البناية ٤٨/١٢، ومن هنا وضع الإمام سعدي في حاشيته على الهداية على الراء
فتحةً وكسرةً، وكتب فوقها: معاً.
(٢) أي فيكون تسليم العبد بيعاً مبتدأً عن فلان. البناية ٤٨/١٢.
(٣) وفي نُسخ: له: أي لكل واحدٍ منهما.

٢٢٤
فصلٌ في الشراء
ولو أَمَرَه بأن يَشتريَهما بألفٍ، وقيمتُهما سواءً : فعند أبي حنيفة رحمه
الله إن اشترى أحدَهما بخمسِمائةٍ، أو أقلَّ : جاز، وإن اشترىُ بأكثرَ من
خمسمائةٍ: لم يَلْزَعِ الآمِرَ، إلا أن يشتريَ الباقيَ ببقية الألفِ قبلَ أن
يختصما، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : إن اشترى أحدَهما بأكثرَ من
نصفِ الألفِ بما يَتغابَنُ الناسُ فيه، وقد بقِيَ من الألف ما يُشترَىُ بمثله
الباقي : جاز.
قال: (ولو أَمَرَه بأن يَشتريَهما بألفٍ، وقيمتُهما سواء: فعند أبي حنيفة
رحمه الله إن اشترى أحدَهما بخمسمائةٍ، أو أقلّ: جاز، وإن اشترى بأكثرَ
من خمسمائةٍ: لم يَلزَمِ الْآَمِرَ).
لأنه قابَلَ الألفَ بهما، وقيمتُهما سواءً، فيُقْسَمُ بينهما نصفَيْن دلالةً،
فكان آمِراً بشراء كلَّ واحدٍ منهما بخمسمائة، ثم الشراء بها: موافقةٌ، وبأقلَّ
منها: مخالفةً إلى خير، وبالزيادة: إلى شرٌّ، قلَّتِ الزيادةُ أو كثُرت، فلا
يجوز.
(إلا أن يشتريَ الباقيَ ببقية الألفِ قبلَ أن يختصما، وهذا عند أبي حنيفة
رحمه الله)؛ استحساناً؛ لأن شراءَ الأول قائمٌ، وقد حصل غَرَضُهُ المصرَّحُ به،
وهو تحصيلُ العبدين بالألف، وما ثَبَتَ الانقسامُ إلا دلالةً، والصريحُ يفوقُها.
(وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن اشترى أحدَهما بأكثرَ من
نصفِ الألفِ بما يَتَغابَنُ الناسُ فيه، وقد بقِيَ من الألف ما يُشترَى بمثله
الباقي: جاز).

٢٢٥
فصلٌ في الشراء
ومَن له على آخَرَ ألفُ درهم، فَأَمَرَه أن يشتريَ بها هذا العبدَ،
فاشتراه : جاز.
وإن أَمَرَه أن يشتريَ بها عبداً بغير عَيْنِه، فاشتراه، فمات في يده مِن
قَبْلِ أن يقبِضَه الآمرُ: مات من مال المشتري، وإن قَبَضَه الآمِرُ: فهو له،
وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: هو لازمٌ للآمِرِ إذا قَبَضَه المأمورُ.
لأن التوكيلَ مطلَقٌ، لكنه يتقيَّدُ بالمتعارَف، وهو فيما قلنا، ولكنْ لا بدَّ
أن يبقىُ من الألف باقيةٌ يُشترَىُ بمثلها الباقي؛ ليُمكِنَه تحصيلُ غَرَضِ الآَمِر.
قال: (ومَن له على آخَرَ ألفُ درهمٍ، فَأَمَرَه أن يشتريَ بها هذا العبدَ،
فاشتراه: جاز)؛ لأن في تعيينِ المَبيع: تعيينَ البائع؛ ولو عيَّن البائعَ:
یجوزُ، على ما نذکرُه إن شاء الله تعالى.
قال: (وإن أَمَرَه أن يشتريَ بها عبداً بغير عَيْنِه، فاشتراه، فمات في يده
مِن قَبْلِ أن يقبِضَه الآمرُ: مات من مال المشتري، وإن قَبَضَه الآمِرُ: فهو
له، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: هو لازمٌ للآمِرِ إذا قَبَضَه المأمورُ).
وعلى هذا الخلاف: إذا أَمَرَه أن يُسلِمَ(١) ما عليه، أو يَصرِفَ ما عليه.
لهما: أن الدراهمَ والدنانيرَ لا تتعيَّنان في المعاوضات، دَيْناً كانت أو
عيناً، ألا يُرى أنه لو تبايعا عَيْناً بدينٍ، ثم تصادقا أن لا دَيْنَ: لا يبطلُ
(١) أي يعقد عقد سلم، أو يعقد عقد الصرف. البناية ١٢ / ٥١.

٢٢٦
فصلٌ في الشراء
ومَن دَفَعَ إلىْ آخَرَ ألفاً، وأَمَرَه أن يَشتريَ بها جاريةً، فاشتراها، فقال الآمِرُ:
اشتريتَها بخمسِمائةٍ، وقال المأمورُ: اشتريتُها بألفٍ : فالقولُ قولُ المأمور.
العقدُ، فصار الإطلاقُ والتقييدُ فيه سواءَ، فيصحُّ التوكيلُ، ويلزمُ الآمِرَ؛
لأن يدَ الوكيلِ کیده.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنها تتعيَّن في الوكالات؛ ألا ترى أنه لو قيَّد
الوكالةَ بالعَيْن منها، أو بالدَّيْن منها، ثم استَهلَكَ (١) العينَ، أو أسقط
الدينَ: بطلتِ الوكالةُ.
وإذا تعيّنَتْ: كان هذا تمليكَ الدينِ من غيرِ مَن عليه الدينُ، من دون أن
يوكِّلُه بقَبْضه، وذلك لا يجوزُ، كما إذا اشترى بدينٍ على غيرِ المشتري، أو
يكونُ أَمْراً بصَرْفِ ما لا يَملكُه إلا بالقبض قبلَه، وذلك باطلٌ، كما إذا قال:
أعطِ ما(٢) لي عليكَ مَن شئتَ.
بخلاف ما إذا عيَّن البائعَ؛ لأنه يصيرُ وكيلاً عنه في القبض، ثم يتملَّكُه.
وبخلاف ما إذا أَمَرَه بالتصدُّق؛ لأنه جَعَلَ المالَ لله تعالى، وهو
معلومٌ، وإذا لم يصحَّ التوكيلُ منه: نَفَذَ الشراءُ على المأمور، فيهلِكُ من
ماله، إلا إذا قَبَضَه الآَمِرُ منه؛ لانعقاد البيعِ تعاطياً.
قال: (ومَن دَفَعَ إلى آخَرَ ألفاً، وأَمَرَه أن يَشتريَ بها جاريةً، فاشتراها،
فقال الآَمِرُ: اشتريتَها بخمسمائةٍ، وقال المأمورُ: اشتريتُها بألفٍ: فالقولُ
قولُ المأمور).
(١) أي الوكيل.
(٢) ما: اسم موصول.

٢٢٧
فصلٌ في الشراء
وإن لم يكن دَفَعَ إليه الألفَ : فالقولُ قولُ الآمر.
ولو أَمَرَه أن يشتريَ له هذا العبدَ، ولم يُسَمِّ له ثمناً، فاشتراه، فقال
الآمِرُ: اشتريتَه بخمسِمائة، وقال المأمورُ اشتريتُه: بألفٍ، وصَدَّق البائعُ
المأمورَ : فالقولُ قولُ المأمور، مع یمینه.
ومرادُه: إذا كانت تساوي ألفاً؛ لأنه أمينٌ فيه، وقد ادعىُ الخروجَ عن
عُهدةِ الأمانة، والآمِرُ يدَّعي عليه ضمانَ خمسِمائةٍ، وهو يُنكِرُ، فإن كانت
تساوي خمسَمائةٍ: فالقولُ قولُ الآمر؛ لأنه خالَفَ، حيث اشترى جاريةً
تساوي خمسَمائةٍ، والأَمْرُ تناوَلَ ما يساوي ألفاً، فَيَضمَنُ.
قال: (وإن لم يكن دَفَعَ إليه الألفَ: فالقولُ قولُ الآمر).
أما إذا كانت قيمتُها خمسَمائةٍ: فللمخالفة، وإن كانت قيمتُها ألفاً:
فمعناه أنهما يتحالفان؛ لأن الموكِّلَ والوكيلَ في هذا يُنزَّلان منزلةَ البائع
والمشتري، وقد وَقَعَ الاختلافُ في الثمن، وموجَبُه: التحالفُ، ثم يُفْسَخُ
العقدُ الذي جرى بينهما، فتَلزَمُ الجاريةُ المأمورَ.
قال: (ولو أَمَرَه أن يشتريَ له هذا العبدَ، ولم يُسَمِّ له ثمناً، فاشتراه،
فقال الآمِرُ: اشتريتَه بخمسمائة، وقال المأمورُ اشتريتُه: بألفٍ، وصَدَّق
البائعُ المأمورَ: فالقولُ قولُ المأمور، مع يمينه).
قيل: لا تحالفَ ها هنا؛ لأنه ارتفع الخلافُ بتصديق البائع، إذ هو
حاضرٌ، وفي المسألةِ الأُولىُ هو غائبٌ، فاعتُبر الاختلافُ.
وقيل: يتحالفان، كما ذكرنا.

٢٢٨
فصلٌ في الشراء
وقد ذَكَرَ (١) معظمَ يمينِ التحالف، وهو يمينُ البائع، والبائعُ بعد
استيفاءِ الثمن: أجنبيٌّ عنهما، وقَبْلَه: أجنبيٌّ عن الموكِّل، إذ لم يَجْرِ بينهما
بيعٌ(٢)، فلا يُصدَّقُ عليه، فيبقى الخلافُ، وهذا قولُ الإمام أبي منصور
الماتريدي(٣) رحمه الله، وهو أظهرُ، والله تعالى أعلم.
(١) أي الإمام محمد رحمه الله، وهذا جوابٌ عما يقال: المذكور فيه، فالقول
قول المذكور، مع يمينه، فالتحالف يخالف، فأجاب بقوله: وقد ذكر. البناية ١٢ / ٥٧.
(٢) وفي نُسخ: عقدٌ.
(٣) الماتريدي، نسبةً إلى مَحَلَّة بسمرقند، واسمه: محمد بن محمد بن محمود،
الإمام المشهور، المتوفى سنة ٣٣٣هـ، الأعلام ٢٥١/٥.

٢٢٩
فصل
فصل
في التوكيل بشراء نفسِ العبد
وإذا قال العبدُ لرجلٍ : اشترِ لي نفسي من المولىُ بألفٍ، ودَفَعَها إليه،
فإن قال الرجلُ للمولىُ: اشتريتُه لنفسِهِ، فباعه على هذا الوجه : فهو حُرٍّ،
و
والولاءً للمولى.
وإن لم يعيِّنْ للمولى: فهو عبدٌ للمشتري.
فصل
في التوكيل بشراء نفسِ العبد
قال: (وإذا قال العبدُ لرجلٍ: اشترِ لي نفسي من المولىُ(١) بألفٍ،
ودَفَعَها إليه، فإن قال الرجلُ للمولىُ: اشتريتُه لنفسِه(٢)، فباعه على هذا
الوجه: فهو حُرُّ، والوَلاءُ للمولىُ).
لأن بيعَ نفسِ العبدِ منه: إعتاقٌ، وشراءَ العبدِ نفسَه: قَبَولُ الإعتاق
ببدل، والمأمورُ سفيرٌ عنه، إذ لا ترجعُ عليه (٣) الحقوقُ، فصار كأنه اشترى
نفسَه بنفسه، وإذا كان إعتاقاً: أعقبَ الوَلاءَ.
قال: (وإن لم يعيِّنْ للمولىُ: فهو عبدٌ للمشتري)؛ لأن اللفظَ حقيقتُه
(١) وفي نُسخ: من مولاي.
(٢) أي أضاف العقد إلى العبد.
(٣) وفي نُسخ: إليه.

٢٣٠
في التوكيل بشراء نفسِ العبد
والألفُ للمولىُ، وعلى المشتري : ألفٌ مثلُه.
ومَن قال لعبدٍ : اشترِ لي نفسَك من مولاك، فقال لمولاه : بِعْني نفسي
لفلانٍ بكذا، ففعل : فهو للآمِر.
للمعاوضة، وأمكن العملُ بها إذا لم يُبيِّن(١)، فيُحافَظُ عليها.
بخلاف شراءِ العبدِ نفسَه؛ لأن المَجازَ فيه متعيِّنٌ، وإذا كان معاوضةً:
يثبتُ الملكُ له.
(والألفُ للمولىُ)؛ لأنه كَسْبُ عبدِهِ.
(وعلى المشتري: ألفٌ مثلُهُ(٢)) ثمناً للعبد، فإنه في ذمِّتِهِ، حيثُ لم
و
يصحَّ الأداء.
بخلاف الوكيلِ بشراء العبد من غيره، حيث لا يُشترط بيانُه؛ لأن
العقدَيْن هناك علىْ نَمَطٍ واحدٍ، وفي الحالَيْن المطالبةُ تتوجَّه نحو العاقد.
أما ها هنا فأحدُهما إعتاقٌ مُعقِبٌ للولاء، ولا مطالبةَ على الوكيل،
والمولى عساه لا يرضاه، ويرغبُ في المعاوضةِ المَحْضةِ، فلا بد من البيان.
قال: (ومَن قال لعبدٍ: اشترِ لي نفسَك من مولاك، فقال لمولاه: بعْني
نفسي لفلانٍ بكذا، ففعل: فهو للآمِر)؛ لأن العبدَ يصلُحُ وكيلاً عن غيره
في شراءِ نفسه؛ لأنه أجنبيٌّ عن ماليته، والبيعُ يَرِدُ عليه(٣)؛ من حيث إنه
(١) كما أثبتُّ: يبيِّن: في النسخ الخطية، وجاء في نسخة سعدي وفي طبعات
الهداية القديمة: يعيِّن. قلت: ومعنى: يعيِّن: أي يبيِّن. كما في نتائج الأفكار ٦٣/٧.
(٢) وفي نُسخ: مثلها. قلت: بحسب التقدير.
(٣) أي على العبد. نسخة ٧٩٧هـ النسخة السلطانية.

٢٣١
في التوكيل بشراء نفسِ العبد
وكذا لو قال: بِعْني نفسي، ولم يقَلّ : لفلانٍ: فهو حُرَّ.
مالٌ، إلا أنَّ ماليتَه في يده(١)، حتى لا يَملِكُ البائعُ الحَبْسَ بعدَ البيع
لاستيفاء الثمن، فإذا أضافه إلى الآمِرِ: صَلُحَ فِعْلُه امتثالاً، فيقعُ العقدُ للآمِرِ.
وإن عَقَدَ لنفسه: فهو حُرٌّ؛ لأنه إعتاقٌ، وقد رضيَ به المولىُ، دون
المعاوضة، والعبدُ وإن كان وكيلاً بشراءِ شيءٍ معيَّنٍ، ولكنه أتى بجنسِ
تصرُّفٍ آخَرَ، وفي مثلِهِ ينفُذُ على الوكيل.
قال: (وكذا لو قال(٢): بِعْني نفسي، ولم يقُلْ: لفلانٍ: فهو حُرٌّ)؛ لأن
المطلَقَ يحتمِلُ الوجهَيْن، فلا يقعُ امتثالاً بالشكِّ، فيبقىُ التصرُّفُ واقعاً
لنفسه، فلا بدَّ من البيان؛ لاختلاف التصرُّفَيْن، والله تعالى أعلم.
(١) أي العبد.
(٢) أي العبد للمولى.

٢٣٢
فصل
فصلٌ
في الوكالة في البيع والشراء
والوكيلُ بالبيع والشراءِ لا يجوزُ له أنْ يَعِدَ مع أبيه وجدِّه، ومَن لا
تُقبَلُ شهادتُه له عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : يجوزُ بيعُه منهم بمثل القيمة، إلا من عبدِه أو مكاتبه.
فصلٌ
في الوكالة في البيع والشراء
قال: (والوكيلُ بالبيع والشراءِ لا يجوزُ له أنْ يَعقِدَ مع أبيه وجدِّه، ومَن
لا تُقبَلُ شهادتُه له عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: يجوزُ بيعُه منهم بمثل القيمة، إلا من عبدِه أو مكاتَبه)؛ لأن
التوكيلَ مطلَقٌ، ولا تُهمةَ فيه، إذِ الأملاكُ متباينةً، والمنافعُ منقطعةً.
بخلاف العبد؛ لأنه بيعٌ من نفسِهِ؛ لأنَّ ما في يد العبد: للمولى.
وكذا للمولىُ حقٌّ فِي كَسْب المكاتَبِ، ويَنقلبُ حقيقةً بالعجز.
وله: أن مواضعَ التُّهمة مستثناةٌ عن الوكالات، وهذا موضعُ التهمة،
بدليل عدمٍ قبولِ الشهادة.
ولأنَّ المنافعَ بينهم متصلةٌ، فصار بيعاً من نفسِهِ من وجهٍ.
والإجارةُ والصَّرْفُ: على هذا الخلاف.

٢٣٣
في الوكالة في البيع والشراء
والوكيلُ بالبيع يجوزُ بيعُهُ بالقليلِ والكثيرِ وبالعَرْضِ عند أبي حنيفة
رحمه الله .
وقالا : لا يجوز بيعُهُ بنقصانٍ لا يَتغابَنُ الناسُ في مثله، ولا يجوزُ إلا
بالدراهم والدنانير .
قال: (والوكيلُ بالبيع يجوزُ بيعُه بالقليلِ والكثيرِ وبالعَرْضِ عند أبي
حنيفة رحمه الله.
وقالا: لا يجوز بيعُهُ بنقصانٍ لا يَتَغابَنُ الناسُ في مثله، ولا يجوزُ إلا
بالدراهم والدنانير)؛ لأن مطلَقَ الأمر يتقيَّدُ بالمتعارَف؛ لأن التصرفات الدفع
الحاجات، فتتقيدُ بمواقعها، والمتعارَفُ: البيعُ بثمن المثل، وبالنقود.
ولهذا يتقيَّدُ التوكيلُ بشراء الفَحْم والجَمْدِ والأضحيةِ بزمان الحاجة.
ولأن البيعَ بِغَبْنِ فاحشٍ: بيعٌ من وجهٍ، هبةٌ من وجهٍ، ولهذا لا يملكه
الأبُ والوصيّ.
وكذا المقايضةَ: بيعٌ من وجهٍ، شراءً من وجهٍ، فلا يتناولُه مطلَقُ اسم
البيع.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن التوكيل بالبيع مطلقٌ، فيُجرى على إطلاقه
في غير موضعِ التهمة، والبيعُ بالغَبْن الفاحش، أو بالعين متعارَفٌ عند شدة
الحاجة إلى الثمن، والتبرُّمِ من العين.
والمسائلُ (١) ممنوعةٌ على قول أبي حنيفة رحمه الله، على ما هو المَرويُّ
عنه، وأنه بيعٌ من كلَّ وجهٍ، حتى إنّ مَن حَلَفَ لا يبيعُ: يَحنثُ به، غيرَ أن
w
(١) أي مسائل بيع الفحم والجَمْد والأضحية. البناية ٦٩/١٢.

٢٣٤
في الوكالة في البيع والشراء
والوكيلُ بالشراء يجوزُ عَقْدُه بمثل القيمة وزيادةٍ يَتغابَنُ الناسُ في
مثلِها، ولا يجوزُ بما لا يَتَغَابَنُ الناسُ في مثله.
والذي لا يَتَغابنُ الناسُ في مثلِه: ما لا يَدخلُ تحتَ تقويم المقوِّمين.
الأبَ والوصيَّ لا يملِكَانه مع أنه بيعٌ؛ لأن ولايتَهما نظريةٌ(١)، ولا نظرَ فيه(٢).
والمقايضةُ: شراءً من كل وجهٍ، وبيعٌ من كلَّ وجهٍ؛ لوجود حدٍّ كلَّ
واحدٍ منهما.
قال: (والوكيلُ بالشراء يجوزُ عَقْدُه بمثل القيمة وزيادةٍ يَتَغابَنُ الناسُ
في مثلِها، ولا يجوزُ بما لا يَتَغابَنُ الناسُ في مثله)؛ لأن التهمةَ فيه
متحقَّقَةٌ، فلعله اشتراه لنفسه، فإذا لم يوافِقْه: أَلْحَقَه بغيره، على ما مَرَّ.
حتى لو كان وكيلاً بشراءِ شيءٍ بعَيْنِه: قالوا(٣): يَنفُذُ على الآمِر؛ لأنه لا
يملِكُ شراءه لنفسه.
وكذا الوكيلُ بالنكاح إذا زوَّجه امرأةً بأكثرَ من مهر مثلِها: جاز عنده؛
لأنه لا بدَّ من الإضافة إلى الموكِّل في العقد، فلا تتمكَّنُ هذه التهمةُ، ولا
كذلك الوكيلُ بالشراء؛ لأنه يُطلِقُ العقدَ.
قال: (والذي لا يَتَغابنُ الناسُ في مثلِهِ(٤): ما لا يَدخلُ تحتَ تقويم
المقوِّمين).
(١) أي مقيدة بشرط النظر والمصلحة.
(٢) أي في الغبن الفاحش.
(٣) أي عامة المشايخ. البناية ١٢ /٧٠.
(٤) وفي نُسخ: لا يتغابن الناسُ فيه.

٢٣٥
في الوكالة في البيع والشراء
وإذا وكَّله ببيع عبده، فباع نصفَه : جاز عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : لا يجوزُ، إلا أن يبيعَ النصفَ الآخَرَ قبلَ أن يختصما.
وقيل: في العروض: دَهْ نِيْمُ (١)، وفي الحيوانات: دَهْ يازْدَه(٢)، وفي
العقارات: دَه دوازْدَه(٣)؛ لأن التصرُّفَ يكثُرُ وجودُه في الأول، ويَقِلّ في
الأخير، ويتوسَّطُ في الأوسط.
وكثرةُ الغَبْنِ: لقلَّة التصرُّف.
قال: (وإذا وكَّله ببيع عبده، فباع نصفَه: جاز عند أبي حنيفة رحمه
الله)؛ لأن اللفظَ مطلَقٌ عن قَيْدِ الافتراق والاجتماع؛ ألا ترى أنه لو باع
الكلَّ بثمن النصف: يجوزُ عنده، فإذا باع النصف به: أَوْلیُ.
(وقالا: لا يجوزُ)؛ لأنه غيرُ متعارَفٍ؛ لِمَا فيه من ضرر الشركة.
(إلا أن يبيعَ النصفَ الآخَرَ قبلَ أن يختصما)؛ لأن بيعَ النصفِ قد يقعُ
وسيلةً إلى الامتثال، بأن لا يجدَ مَن يشتريه جملةً، فَيَحتاجُ إلى أن يُفرِّقَ (٤).
فإذا باع الباقيَ قبلَ نَقْضِ البيعِ الأول: تبيّن أنه وَقَعَ وسيلةً، وإذا لم
يَبْع: ظَهَرَ(٥) أنه لم يقعْ وسيلةً، فلا يجوز، وهذا استحسانَ عندهما.
(١) باللغة الفارسية، والمراد: نصف درهم. البناية ١٢ / ٧٢.
(٢) اسمٌ لأحد عشر.
(٣) اسمٌ لاثني عشر.
(٤) أي أن يبيع نصفه.
(٥) أي البيع الأول.

٢٣٦
في الوكالة في البيع والشراء
وإن وكَّله بشراء عبدٍ ، فاشترىُ نصفَه : فالشراءَ موقوفٌ، فإن اشترى
باقِيَه : لَزِمَ الموكِّلَ.
ومَن أَمَرَ رجلاً ببيع عبدِهِ، فباعه، وقَبَضَ الثمنَ أو لم يقبضه، فردَّه
المشتري عليه بعيبٍ لا يحدُثُ مثلُه بقضاءِ القاضي، ببِّنةٍ أو بإباءِ يمينٍ أو
بإقرارِ : فإنه يَردُّه على الآمر.
قال: (وإن وكَّله بشراء عبدٍ، فاشترىُ نصفَه: فالشراءَ موقوفٌ، فإن
اشترى باقِيَه: لَزِمَ الموكِّلَ)؛ لأن شراءَ البعضِ قد يقعُ وسيلةً إلى الامتثال، بأن
كان موروثاً بين جماعةٍ، فَيَحتاجُ إلى شرائه شِقْصاً شِقْصاً، فإذا اشترى الباقيَ
قبلَ ردِّ الآمِرِ البيعَ: تبيَّن أنه وَقَعَ وسيلةً، فينفُذُ على الآمِر، وهذا بالاتفاق.
والفَرْقُ لأبي حنيفة رحمه الله: أنَّ في الشراء تتحقَّقُ التهمةُ، على ما مرَّ.
وفرقٌ آخَرُ(١): أنَّ الأمرَ بالبيع يصادفُ ملكه، فيصحُّ، فيُعتبرُ فيه إطلاقُه،
والأمرُ بالشراء صادَفَ ملكَ الغير: فلم يصحَّ، فلا يُعتبرُ فيه التقييدُ
والإطلاقُ(٢).
قال: (ومَن أَمَرَ رجلاً ببيع عبدِه، فباعه، وقَبَضَ الثمنَ أو لم يقبضه،
فردَّه المشتري عليه (٣) بعيب لا يحدُثُ مثلُه بقضاءِ القاضي، بيِّنَةٍ أو بإباءِ
يمينٍ أو بإقرارٍ: فإنه يَردُّه على الآمر)؛ لأن القاضيَ تيقّن بحدوث العيبِ
في يدِ البائع، فلم يكن قضاؤه مستنداً إلى هذه الحُجَج.
(١) أي وفَرْقٌ آخَرُ لأبي حنيفة رحمه الله.
(٢) فاعتُبر العُرف. حاشية سعدي على الهداية.
(٣) أي على الوكيل.

٢٣٧
في الوكالة في البيع والشراء
وكذلك إن ردَّه عليه بعيب يَحدُث مثلُهُ بيِّنةٍ، أو بإباءٍ يمين.
فإن كان ذلك بإقرارٍ : لَزِمَ المأمورَ.
وتأويلُ اشتراطِها في ((الكتاب(١)): أنَّ القاضيَ يَعلمُ أنه لا يَحدُثُ مثلُه
في مدةِ شهرٍ مثلاً، لكنه اشتبه عليه تاريخُ البيع، فَيَحتاجُ إلى هذه الحُجَجِ
لظهور التاريخ.
أو كان عيباً لا يعرِفُه إلا النساءُ أو الأطباء، وقولُهنَّ وقولُ الطبيبِ
حُجَّةٌ في توجُّه الخصومةِ، لا في الردِّ، فَيَفتقرُ إليها(٢) في الردِّ.
حتى لو كان القاضي عايَنَ البيعَ، والعيبُ ظاهرٌ: لا يَحتاجُ إلى شيءٍ
منها، وهو ردٌّ على المؤكِّل، فلا يَحتاجُ الوكيلُ إلى ردِّ وخصومةٍ.
قال: (وكذلك إن ردَّه عليه بعيب يَحدُث مثلُه ببيِّنةٍ، أو بإباء يمين)؛
لأن البينةَ حجةٌ مطلَقةٌ، والوكيلُ مضطرٌ في النُّكول لبُعد العيب عن علمه،
باعتبار عدمٍ ممارستِه المبيعَ، فَلَزِمَ الْآَمِرَ.
قال: (فإن كان ذلك بإقرارِ: لَزِمَ المأمورَ)؛ لأن الإقرارَ حُجَّةٌ قاصِرةٌ،
وهو غيرُ مضطَرٍّ إليه؛ لإمكانه السكوت(٣) أو النُّكولَ(٤)، فيعرِضُ عليه
اليمينَ لينكُلَ عنها، إلا أنَّ له أن يُخاصِمَ الموكِّلَ، فيُلزِمَه ببينةٍ، أو بنُكوله.
(١) أي الجامع الصغير. البناية ٧٦/١٢.
(٢) أي إلىُ الحُجَجِ.
(٣) وفي نُسخ: بالرفع: السكوتُ والنكولُ.
(٤) وفي نُسخ: والنكول.

٢٣٨
في الوكالة في البيع والشراء
ومَن قال لآخَرَ: أَمَرَتُكَ ببيع عبدي بنقدٍ، فبعتَه بنسيئةٍ، وقال
المأمورُ: أمرتَني ببيعِه، ولم تَقُلْ شيئاً: فالقولُ قولُ الأَمِرِ.
وإن اختَلفَ في ذلك المضارِبُ وربُّ المال : فالقولُ قولُ المضارب.
بخلاف ما إذا كان الردُّ بغير قضاء بإقراره، والعيبُ يحدُثُ مثلُه، حيث
لا يكونُ له أن يُخاصِمَ بائعَه؛ لأنه بيعٌ جديدٌ في حقِّ ثالثٍ، والبائعُ ثالثُهما.
والردُّ بالقضاء: فَسْخٌ؛ لعموم ولايةِ القاضي، غيرَ أن الحُجَّةَ قاصرةٌ،
وهي الإقرارُ، فمِن حيث الفسخُ: كان له أن يخاصِمَه، ومن حيث
القصورُ: لا يلزمُ الموكِّلَ إلا بحجةٍ.
ولو كان العيبُ لا يَحدُثُ مثلُه، والردُّ بغير قضاءٍ بإقراره: يلزمُ الموكلَ
من غير خصومةٍ، في روايةٍ؛ لأن الردَّ متعيِّنٌ.
وفي عامة الروايات: ليس له أن يخاصِمَ الموكِّلَ؛ لِمَا ذكرنا.
والحَقُّ في وَصْفِ السلامة، ثم ينتقلُ إلى الردِّ، ثم إلى الرجوعِ
بالنقصان، فلم يتعيَّنِ الردُّ، وقد بيَّنَّه في الكفاية(١) بأطولَ من هذا.
قال: (ومَن قال لآَخَرَ: أَمَرَتُكَ ببيع عبدي بنقدٍ، فبعتَه بنسيئةٍ، وقال
المأمورُ: أمرتَني ببيعِه، ولم تَقُلْ شيئاً: فالقولُ قولُ الآمِر)؛ لأن الأمرَ
يُستفادُ من جهته، ولا دلالةَ على الإطلاق.
قال: (وإن اختَلفَ في ذلك المضارِبُ وربُّ المال: فالقولُ قولُ
المضارب)؛ لأن الأصلَ في المضاربة العمومُ، ألا ترى أنه يَملِكُ التصرفَ
بذكر لفظِ: المضاربة، فقامتْ دلالةُ الإطلاق.
(١) أي في كتابه: كفاية المنتهي.

٢٣٩
في الوكالة في البيع والشراء
ومَن أَمَرَ رجلاً ببيع عبدِهِ، فباعه، وأَخَذَ بالثمن رهناً، فضاع في يده،
أو أَخَذَ به كفيلاً، فَتَوَىُ المالُ عليه : فلا ضمانَ عليه.
بخلاف ما إذا ادعى ربُّ المالِ المضاربةَ في نوعٍ، والمضارِبُ في نوعٍ
آخَرَ: حيث يكونُ القولُ لربِّ المال؛ لأنه سقط الإطلاقُ بتصادقهما، فَنَزَلَ
إلى الوكالةِ المحضة.
ثم مطلَقُ الأمر بالبيع: ينتظِمُه نقداً ونسيئةً إلى أيِّ أجلٍ كان عند أبي
حنيفة رحمه الله.
وعندهما: يتقيدُ بأجلِ متعارَفٍ، والوجهُ قد تقدَّم (١).
قال: (ومَن أَمَرَ رجلاً ببيع عبدِهِ، فباعه، وأَخَذَ بالثمن رهناً، فضاع في
يده، أو أَخَذَ به كفيلاً، فَتَوَىُ المالُ عليه: فلا ضمانَ عليه).
لأن الوكيلَ أصيلٌ في الحقوق، وقَبْضُ الثمن: منها، والكفالةُ تَوَتُّقٌ
به، والارتهانُ وثيقةٌ لجانب الاستيفاء، فيملِكُهما.
بخلاف الوكيلِ بقبض الدَّيْن؛ لأنه يفعلُ نيابةً، وقد أنابه في قَبْضِ
الدَّيْن، دونَ الكفالةِ وأَخْذِ الرهن، والوكيلُ بالبيع يقبضُ أصالةً، ولهذا لا
يملكُ الموكِّلُ حَجْرَه عنه(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) أي الوجه من الجانبين قد تقدم في مسألة التوكيل بالبيع.
(٢) أي عن قبض الثمن.

٢٤٠
فصل
فصل
وإذا وكَّل وكيلَيْن: فليس لأحدِهما أن يَتصرَّف فيما وُكِّلا به، دونَ
الآخَر، إلا أن يوكِّلَهما بالخصومة .
فصل
في بيان وكالة الاثنين
قال: (وإذا وكَّل وكيلَيْن: فليس لأحدِهما أن يَتصرَّف فيما وُكِّلا به،
دونَ الآخَر).
وهذا في تصرُّفٍ يُحتاجُ فيه إلى الرأي، كالبيع والخُلْع والنكاح
والإجارة، وغيرِ ذلك، لأن الموكِّلَ رضِيَ برأيهما، لا برأي أحدِهما،
والبدلُ وإن كان مقدَّراً (١)، ولكنَّ التقديرَ لا يَمنعُ استعمالَ الرأيِ في
الزيادة (٢)، واختيارِ المشتري(٣).
قال: (إلا أن يوكِّلَهما بالخصومة)؛ لأن الاجتماعَ فيها متعذِّرٌ؛
للإفضاءِ إلى الشَّغْب في مجلس القضاء، والرأيُ يُحتاجُ إليه سابقاً لتقويم (٤)
الخصومة.
(١) يعني وإن بيَّن الموكِّلُ الثمن.
(٢) أي زيادة الثمن عند اجتماع الرأي؛ لذكاء أحدهما، ومعرفته التامة.
(٣) أي في اختيار المشتري الذي يشتري منهما ما وُكُّلا ببيعه؛ لأن من المشترين
مَن يماطلُ في أداء الثمن، فيختار الآخرُ مَن لا يماطِل. البناية ١٢ / ٨٣.
(٤) وفي نُسخ: لتقديم.