النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
الرجوع عن الشهادات
وإن قال شهودُ الفرع: كَذَبَ شهودُ الأصل، أو غَلِطوا في شهادتهم: لم
يُلتَفَتْ إلى ذلك.
وإن رَجَعَ المزكّون عن التزكية : ضَمِنوا.
وعند محمدٍ رحمه الله: المشهودُ عليه بالخيار: إن شاء ضمَّن الأصولَ،
وإن شاء ضمَّن الفروعَ.
لأن القضاءَ وَقَعَ بشهادة الفروعِ من الوجه الذي ذَكَرَا، وبشهادة
الأصولِ من الوجه الذي ذَكَرَ، فيتخيَّرُ بينهما، والجهتان متغايرتان، فلا
يُجمَعُ بينهما(١) في التضمين.
قال: (وإن قال شهودُ الفرع: كَذَبَ شهودُ الأصل، أو غَلِطوا في
شهادتهم: لم يُلتَفَتْ إلى ذلك)؛ لأنَّ ما أُمضِيَ من القضاء: لا يُنقَضُ بقولهم.
ولا يجبُ الضمانُ عليهم؛ لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم، إنما شهدوا
على غيرهم بالرجوع.
قال: (وإن رَجَعَ المزكّون عن التزكية: ضَمِنوا)، وهذا عند أبي حنيفة
ءِ
رحمه الله.
وقالا: لا يَضمَنُون؛ لأنهم أثنَوْا على الشهودِ خيراً، فصاروا كشهودِ
الإحصان.
وله: أن التزكيةَ إعمالٌ للشهادة، إذِ القاضي لا يَعملُ بها إلا بالتزكية،
فصارت في معنىُ عِلَّةِ العِلَّة، بخلاف شهودِ الإحصان؛ لأنه شَرْطٌ مَحْضٌ.
(١) وفي نُسخ: بينهم.

٢٠٢
الرجوع عن الشهادات
وإذا شهد شاهدان باليمين، وشاهدان بوجود الشرط، ثم رجعوا :
فالضمانُ على شهودِ اليمين خاصةً.
قال: (وإذا شهد شاهدان باليمين، وشاهدان بوجود الشرط، ثم
رجعوا: فالضمانُ على شهودِ اليمين خاصةً).
لأنه هو السببَ، والتلفُ يُضافُ إلى مُثْبِتِي السببِ، دونَ الشرطِ
المَحْضِ، ألا ترى أن القاضيَ يقضي بشهادة شهودِ اليمين، دون شهادةٍ
شهودِ الشرط.
ولو رَجَعَ شهودُ الشرط وحدَهم: اختلف المشايخ رحمهم الله فيه.
ومعنىُ المسألةِ (١): يمينُ العَتَاقِ، والطلاقِ قبلَ الدخول، والله تعالى
أعلم.
(١) يعني أن صورة المسألة كما يلي: شهد رجلان على أنه علَّق عِثْقَ عبده، أو طلاقَ
امرأته بدخول الدار، وشهد آخران أنه وُجد الشرط، فقضى القاضي بوقوع العتق والطلاق،
ثم رجعوا جميعاً: فالضمانُ على شهود اليمين، دون الشرط.
وقيَّد بـ: قبل الدخول: لأن رجوعَ الشهود بالطلاق عن الشهادة إذا كان بعد
الدخول: لا يضمنون شيئاً. البناية ١١ / ٤٧٤.

٢٠٣
كتاب الوِكالة
كتاب الوِكالة
كلَّ عقدٍ جاز أن يَعقِدَه الإنسانُ بنفسه: جاز أن يُوكِّلَ به غيرَه.
وتجوزُ الوكالةُ بالخصومة في سائر الحقوق.
كتاب الوكالة
قال: (كلّ عقدٍ جاز أن يَعقِدَه الإنسانُ بنفسه: جاز أن يُوكِّلَ به غيرَه)؛
لأن الإنسانَ قد يَعجزُ عن المباشرةِ بنفسه على اعتبار بعضِ الأحوال،
فَيَحتاجُ إلى أن يُوكِّلَ غَيرَه، فيكونُ بسبيلٍ منه(١)؛ دَفْعاً لحاجته.
وقد صحَّ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم وَكَّلَ بالشراء حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ
رضي الله عنه(٢)، وبالتزويج عمرَ بنَ أُمِّ سَلَمة رضي الله عنهما (٣).
قال: (وتجوزُ الوكالةُ بالخصومة في سائر الحقوق)؛ لِمَا قدَّمنا من الحاجة،
إِذْ ليس كلَّ أحدٍ يهتدي إلى وجوه الخصومات.
(١) أي من التوكيل.
(٢) سنن الترمذي (١٢٥٧)، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيبُ بن أبي
ثابت: لم يسمع عندي من حكيم بن حزام. اهـ، وأخرجه أبو داود (٣٣٨٦)، وفي إسناده
رجلٌ مجهول، ولذا قال في البناية ١٢ / ٦: فكيف يكون صحيحاً حتى يقول المصنّف: وقد
صحَّ؟!، ولكن يُمكن أن يُستدلَّ هنا بحديث عروة البارقي عند البخاري (٣٤٤٣).
(٣) سنن النسائي (٣٢٥٤)، مسند أحمد (٢٦٦٦٨)، مسند أبي يعلى (٦٩٠٧)،
وصححه ابن حبان (٢٩٤٩)، قال في التعريف والإخبار ٤٠٨/٢: يا لله العجب! مَن
الذي وكَّل عمرَ في هذا النص: ((فقالت أمُّ سلمة: قُم يا عمر، فزوِّجْ رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم، فزوَّجَه إياها)): هل هو النبي صلى الله عليه وسلم، أو أمُّ سلمة؟

٢٠٤
كتاب الوكالة
وكذا بإِيفائها، واستيفائها، إلا في الحدود والقصاص، فإن الوكالةَ لا
تصحُّ باستيفائها مع غَيْبة الموكِّل عن المجلس.
وقال أبو يوسف رحمه الله : لا تجوزُ الوكالةُ بإثبات الحدودِ والقصاصِ
بإقامة الشهودِ أيضاً.
وقد صحَّ أن علياً رضي الله عنه وكَّل فيها عَقِيلاً (١) رضي الله عنه،
وبعد ما أسنَّ عقيلٌ: وكّلَ عبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ رضي الله عنهما (٢).
قال: (وكذا بإيفائها، واستيفائها، إلا في الحدود والقصاصِ، فإن
الوكالةَ لا تصحُّ باستيفائها مع (٣) غَيْبة الموكّل عن المجلس).
لأنها تندرئُ بالشبهات، وشُبهةُ العفو ثابتةٌ حالَ غَيْبة الموكِّل، بل
هو (٤) الظاهرُ؛ لِلنَّدْب الشرعي(٥).
بخلاف غَيْبةِ الشاهد؛ لأن الظاهرَ عدمُ الرجوع.
وبخلاف حالةِ الحَضرة؛ لانتفاء هذه الشبهة.
وليس كلُّ أحدٍ يُحْسِنُ الاستيفاءَ، فلو مُنْعَ عنه: يَنْسَدُّ بابُ الاستيفاء
أصلاً، وهذا الذي ذكرناه قولُ أبي حنيفة رحمه الله.
(وقال أبو يوسف رحمه الله: لا تجوزُ الوكالةُ بإثبات الحدودِ والقصاصِ
بإقامة الشهودِ أيضاً).
(١) بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أخو علي رضي الله عنه.
(٢) ابن أخيه، صحابيٌّ، وهو أول من ولد بالحبشة. سنن البيهقي (١٤٣٧).
(٣) وفي نُسخ: بعد. بدل: مع.
(٤) أي العفو.
(٥) وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْبٌ لِلنَّقْوَى﴾. البقرة/ ٢٣٧.

٢٠٥
كتاب الوكالة
وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوزُ التوكيلُ بالخصومة، إلا برضا
الخصم، إلا أن يكونَ الموكِّلُ مريضاً، أو غائباً مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ، فصاعداً.
وقولُ محمدٍ مع أبي حنيفة رحمهما الله.
وقيل: مع أبي يوسف رحمه الله.
و
وقيل: هذا الاختلافُ في غَيْبته، دونَ حَضْرته؛ لأن كلامَ الوكيلِ ينتقل
إلى الموكِّلِ عند حضوره(١)، فصار كأنه تكلّم بنفسه.
له (٢): أن التوكيلَ إنابةٌ، وشبهةُ النيابة يُتحرَّزُ عنها في هذا الباب، كما
في الشهادة على الشهادة، وكما في الاستيفاء.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الخصومةَ شَرْطٌ مَحْضٌ؛ لأن الوجوبَ
مضافٌ إلى الجناية، والظهورَ إلى الشهادة، فيجري فيه التوكيل، كما في
و
سائر الحقوق.
وعلى هذا الخلاف: التوكيلُ بالجواب مِن جانبٍ مَن عليه الحدُّ والقصاص.
وكلامُ أبي حنيفة رحمه الله فيه أظهرُ؛ لأن الشبهةَ لا تَمنعُ الدفعَ، غيرَ
أن إقرارَ الوكيلِ غيرُ مقبولٍ عليه؛ لِمَا فيه من شبهةِ عدمِ الأمرِ به.
قال: (وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوزُ التوكيلُ بالخصومة، إلا
برضا الخصم، إلا أن يكونَ الموكِّلُ مريضاً، أو غائباً مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ،
فصاعداً.
(١) وفي نُسخ: حال حضرته.
(٢) أي لأبي يوسف رحمه الله.

٢٠٦
كتاب الوكالة
وقالا : يجوزُ التوكيلُ بغير رضا الخصم.
وقالا: يجوزُ التوكيلُ بغير رضا الخصم)، وهو قولُ الشافعي(١) رحمه الله.
ولا خلافَ في الجواز، إنما الخلافُ(٢) في اللزوم.
لهما: أن التوكيلَ تصرُّفٌ في خالصِ حقُّه، فلا يَتَوقَُّ على رضا
غيرِه، كالتوكيل بتقاضي الديون.
وله: أن الجوابَ مستَحَقٌّ على الخصم، ولهذا يَستَحضِرُهُ، والناسُ
متفاوتون في الخصومة، فلو قلنا بلزومه: يتضرَّرُ به، فيتوقفُ على رضاه،
كالعبد المشترَكِ إذا كاتَبَه أحدُهما: يتخيَّرُ الآخَرُ.
بخلاف المريض والمسافر؛ لأن الجوابَ غيرُ مستَحَقِّ عليهما هنالك.
٩
ثم كما يلزمُ التوكيلُ عنده من المسافر: يلزمُ إذا أراد السفرَ؛ لتحقّقِ الضرورة.
ولو كانت المرأةُ مُخَدَّرةً، لم تَجْرِ عادتُها بالبُروزِ، وحضورِ مجلسٍ
الحكم (٣): قال أبو بكر الرازيُ(٤) رحمه الله: يلزمُ التوكيلُ؛ لأنها لو
حضرت: لا يُمكنُها أن تَنطِقَ بحَقُّها؛ لحيائها، فيلزمُ توكيلُها.
قال رضي الله عنه(٥): وهذا شيءٌ استحسنه المتأخرون، وعليه الفتوى.
(١) نهاية المطلب ٣٤/٧.
(٢) وفي نُسخ: الاختلاف.
(٣) وفي نُسخ: الحاكم، وفي نُسخ: مجلس القاضي.
(٤) الجصاص، الإمام المشهور، صاحب أحكام القرآن، ت٣٧٠هـ.
(٥) هكذا كما أثبتُّ جاء في أقدم نُسَخِ الهداية وأدقُّها وغالبها، نسخة ٦٠٥هـ،
٦٠ هـ، ٧٣٨هـ، ٨٦٤هـ، ٨٧٣هـ، وغيرها، وفي نُسَخِ أخرى: قال المصنّف
رحمه الله، وفي نُسَخ ثالثة: قال: فقط، وعليه اختلف الشرَّاح في المراد بالقائل : =

٢٠٧
كتاب الوِكالة
ومِن شَرْط الوكالة: أن يكونَ الموكِّلُ ممن يَملِكُ التصرُّفَ، وتلزمُهُ
الأحكامُ.
والوكيلُ ممن يَعقِلُ العقدَ، ويَقصِدُه.
وإذا وكّل الحُرُّ البالغُ، أو المأذونُ مثلَهما : جاز.
وإن وكَّلا صبياً مَحْجوراً عليه يَعقلُ البيعَ والشراءَ، أو عبداً محجوراً
عليه : جاز، ولا تتعلَّقُ بهما الحقوقُ، وتتعلَّق بموكِّلهما.
قال: (ومِن شَرْط الوكالة: أن يكونَ الموكِّلُ ممن يَملِكُ التصرُّفَ،
وتلزمُه الأحكامُ)؛ لأن الوكيلَ يَملكُ التصرفَ من جهة الموكِّل، فلا بدَّ أن
يكون الموكِّلُ مالكاً ليُمَلِّكَه من غيره.
(و) يُشترطُ أن يكون (الوكيلُ ممن يَعقِلُ العقدَ، ويَقصِدُه)؛ لأنه يقومُ
مَقامَ الموكِّلِ في العبارة، فلا بدَّ أن يكونَ من أهل العبارة، حتى لو كان
صبياً لا يعقلُ، أو مجنوناً: كان التوكيلُ باطلاً.
قال: (وإذا وكَّل الحُرُّ البالغُ، أو المأذونُ مثلَهما: جاز)؛ لأن الموكِّلَ
مالِكٌ للتصرُّف، والوكيلُ من أهل العبارة.
قال: (وإن وكَّل(١) صبياً مَحْجوراً عليه يَعقلُ البيع والشراءَ، أو عبداً
محجوراً عليه: جاز، ولا تتعلَّقُ بهما الحقوقُ، وتتعلَّق بموكِّلهما).
فرَجَّح العينيُّ في البناية ١٦/١٢ أنه أبو بكر الرازي، وهو ما قاله الأترازي في غاية
البيان، أما البابرتي في العناية ٥٦١/٦، فرجَّح أنه قول المصنّف المرغيناني، وأما
سعدي جلبي في حاشيته على الهداية فعلَّق على كلمة: قال: بالاحتمالَيْن.
(١) وفي نُسخ: وكَّلا.

٢٠٨
كتاب الوكالة
والعقدُ الذي يعقِدُهُ الوكلاءُ على ضربَيْن : كلَّ عقدٍ يُضيفُه الو کیلُ إلى
نفسه، كالبيع والإجارة: فحقوقُه تتعلَّق بالوكيل، دون الموكِّل.
لأن الصبيَّ من أهلِ العبارة؛ ألا ترى أنه ينفُذُ تصرُّفُه بإذن وليِّه،
والعبدُ(١) من أهل التصرفِ على نفسه، مالكٌ له، وإنما لا يملِكُه في حَقِّ
المولى، والتوكيلٌ ليس تصرُّفاً في حقَّه.
إلا أنه لا يصحُّ منهما التزامُ العُهدة: أما الصبيُّ: لقصور أهليتِهِ، والعبدُ:
لحَقِّ سيِّده، فتلزمُ الموكِّلَ.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أن المشتريَ إذا لم يَعلم بحال البائع، ثم
عَلِمَ أنه صبيٌّ أو مجنونٌ(٢): له خيارُ الفسخ؛ لأنه دَخَلَ في العقد على أن
حقوقَه تتعلَّقُ بالعاقد، فإذا ظَهَرَ خلافُه: يتخيَّرُ، كما إذا اطلع(٣) على عيبٍ.
قال: (والعقدُ(٤) الذي يعقِدُه الوكلاءُ على ضربَيْن: كلُّ عقدٍ يُضِيفُهُ
الوكيلُ إلى نفسه، كالبيع والإجارة: فحقوقُه تتعلَّق بالوكيل، دون الموكِّل).
(١) وفي نُسخ ضُبطت الدال بالفتح: والعبدَ.
(٢) كُتب في نسخة ٧٣٨هـ، وكذلك في نسخة سعدي بخطه وفي غيرهما أيضاً
كُتب تعليقاً ما يلي: على حاشية المصنّف: محجورٌ، وفي المتن: مجنون. اهـ
وكَتَب في البناية ١٩/١٢: قيل على حاشية نسخة المصنّف: أو محجورٌ، ومتنها:
مجنون، وفي بعض النسخ: أو عبدٌ محجورٌ، ولهذا قال في الكافي: ثم عَلِمَ أنه صبي
محجورٌ، أو عبد محجورٌ. اهـ
(٣) وفي نُسخ: عَثَرَ.
(٤) وفي نُسخ: والعقود التي يعقدها.

٢٠٩
كتاب الوكالة
فيُسلِّمُ المَبِيعَ، ويَقبضُ الثمنَ، ويُطالَبُ بالثمن إذا اشترىُ، ويَقْبِضُ
المبيعَ، ويُخاصِمُ في العيب، ويُخاصَمُ فيه.
وقال الشافعي(١) رحمه الله: تتعلّق بالموكِّل؛ لأن الحقوقَ تابعةٌ لحكم
التصرف، والحكمُ وهو الملكُ: يتعلَّقُ بالموكِّل، فكذا توابعُه، وصار
کالرسول، وکالوکیلٍ بالنكاح.
ولنا: أن الوكيلَ هو العاقدُ حقيقةً؛ لأن العقدَ يقومُ بالكلام، وصحةُ
عبارته: لكونه آدمياً، وكذا حُكْماً: لأنه يستغني عن إضافةِ العقدِ إلى
الموكِّل، ولو كان سفيراً عنه: ما استغنى عن ذلك، كالرسول، وإذا كان
كذلك: كان أصيلاً في الحقوق، فتتعلَّق به.
ولهذا قال في «الكتاب(٢)): (فيُسلِّمُ المَبِيعَ، ويَقِضُ الثمنَ، ويُطالَبُ
بالثمن إذا اشترى، ويَقِضُ المبيعَ، ويُخاصِمُ (٣) في العيب، ويُخاصَمُ فيه)؛
لأن كلَّ ذلك من الحقوق، والملكُ يثبتُ للموكِّل خلافةً عنه؛ اعتباراً
للتوكيل السابق، كالعبد يَتَّهِبُ(٤)، ويصطادُ، ويَحْتَطِبُ، هو الصحيح.
قال العبد الضعيف(٥): وفي مسألة العيب تفصيل نذكرُه إن شاء الله.
(١) مغني المحتاج ٢٢٩/٢.
(٢) أي مختصر القدوري، وقيل: المراد: الجامع الصغير. البناية ٢١/١٢.
(٣) أي إذا اشترى.
(٤) أي يقبل الهبة.
(٥) وفي نُسخ: قال المصنّف رحمه الله، وفي نُسخ أخرى: قال رضي الله عنه.

٢١٠
كتاب الوكالة
وكلُّ عقدٍ يُضيفُه إلى موكِّله، كالنكاح والخُلع والصُّلْح عن دم العمد :
فإن حقوقَه تتعلَّقُ بالموكِّل، دونَ الوكيل، فلا يُطالَبُ وكيلُ الزوج بالمهر،
ولا يلزمُ وكيلَ المرأةِ تسليمُها .
قال: (وكلُّ عقدٍ يُضيفُه إلى موكِّله، كالنكاح والخُلع والصُّلْح عن دم
العمد: فإن حقوقَه تتعلَّقُ بالموكِّل، دونَ الوكيل، فلا يُطالَبُ وكيل الزوج
بالمهر، ولا يلزمُ وكيلَ المرأةِ تسليمُها).
لأن الوكيلَ فيها سفيرٌ مَحْضٌ؛ ألا يُرى أنه لا يَستغني عن إضافة العقدِ
إلى الموكّل، ولو أضافه إلى نفسه: كان النكاحُ له، فصار کالرسول.
وهذا لأن الحكمَ فيها لا يَقبلُ الفَصْلَ عن السبب؛ لأنه إسقاطٌ، فَتلاشىُ،
فلا يُتصوَّرُ صدورُه من شخصٍ، وثبوتُ حكمِه لغيره، فكان سفيراً.
والضربُ الثاني من أخواته(١): العتقُ على مال، والكتابةُ، والصلحُ
على الإنكار.
فأما الصلحُ الذي هو جارٍ مَجرى البيع: فهو من الضرب الأول.
والوكيلُ بالهبة والتصدُّقِ والإعارةِ والإيداعِ والرهنِ والإقراضِ: سفيرٌ
أيضاً؛ لأن الحكمَ فيها يَثبتُ بالقبض، وأنه يلاقي مَحَلاً مملوكاً للغير،
وهو سفيرٌ، فلا يُجعَلُ أصيلاً.
وكذا إذا كان الوكيلُ من جانبِ الملتمِسِ.
(١) أي من العقد الذي يعقده الوكلاء، وأما الأول فكالبيع والإجارة.

٢١١
كتاب الوكالة
وإذا طالَبَ الموكِّلُ المشتريَ بالثمن : فله أن يَمِنعَه إياه.
فإن دَفَعَه إليه : جاز، ولم يكنْ للوكيل أن يطالِبَه به ثانياً.
وكذا الشركةُ والمضاربةُ، إلا أن التوكيلَ بالاستقراض: باطلٌ، حتى لا
يَثبتُ الملكُ للموكُّل، بل يثبتُ للمستقرض، بخلاف الرسالة فيه.
قال: (وإذا طالَبَ الموكُّلُ (١) المشتريَ بالثمن: فله أن يَمنعَه إياه)؛ لأنه
أجنبيٌّ عن العقد، وحقوقِه؛ لِمَا أنَّ الحقوقَ تعودُ إلى العاقد.
قال: (فإن دَفَعَه إليه: جاز، ولم يكنْ للوكيل أن يطالِبَه به ثانياً)؛ لأن
نفسَ الثمنِ المقبوضِ: حقّه، وقد وَصَلَ إليه، ولا فائدةَ في الأخذ منه، ثم
في الدفع إليه، ولهذا لو كان للمشتري على الموكِّل دينٌ: تقعُ المُقَاصَّةُ.
ولو كان له عليهما دينٌ: تقعُ المقاصَّةُ بدَيْنِ الموكِّلِ أيضاً، دونَ دَیْنٍ
الوكيل.
وبدَيْن الوكيلِ إذا كان وحدَه إن كان(٢): تقعُ المقاصَّةُ عند أبي حنيفة
ومحمدٍ رحمهما الله؛ لِمَا أنه يَملكُ الإبراءَ عنه عندهما، ولكنه يَضمَنُه
للموكِّل في الفصلَيْن(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) أي الموكِّل بالبيع.
(٢) إن كان: وصلية، وقد قال في نتائج الأفكار ٢٤/٧: ولمَّا استشعر أن يُقال:
المقاصةُ لا تدل على كون نفس الثمن حقاً للموكل، دون الوكيل، فإنها تقع بدين
الوكيل إذا كان للمشتري دينٌ على الوكيل وحده، أجاب بقوله: وبدين الوكيل إذا كان
وحده ... اهـ.
(٣) أي في الإبراء والمقاصة.

٢١٢
باب الوكالة بالبيع والشراء
باب
الوكالة بالبيع والشراء
فصلٌ في الشراء
ومَن وَكَّل رجلاً بشراء شيءٍ : فلا بدَّ من تسميةِ جنسِه وصفتِه، أو
جنسِه ومبلّغ ثمنه.
إلا أن يُوكِّلَه وكالةً عامةً، فيقولَ : ابتَعْ لي ما رأيتَ.
باب الوكالة بالبيع والشراء
فصلٌ في الشراء
قال: (ومَن وَكَّل رجلاً بشراء شيءٍ: فلا بدَّ من تسميةِ جنسِه وصفتِه،
أو جنسِه ومبلَغ ثمنه)؛ ليصيرَ الفعلُ الموكَّلُ به معلوماً، فيُمكنُه الائتمار.
(إلا أن يُؤكِّلَه وكالةً عامةً، فيقولَ: ابتَعْ لي ما رأيتَ)؛ لأنه فوَّضَ
الأمرَ إلى رأيه، فأيُّ شيءٍ يشتريه: يكون مُمتِثِلاً.
والأصلُ فيه: أن الجهالةَ اليسيرةَ تُتَحَمَّلُ في الوكالة، كجهالة الوصف؛
استحساناً؛ لأن مبنى التوكيلِ على التوسعة؛ لأنه استعانةً، وفي اعتبار هذا
الشرط: بعضُ الحرج، وهو مدفوعٌ.
ثم إن كان اللفظُ يَجمَعُ أجناساً(١)، أو ما هو في معنى الأجناس: لا
(١) كالثوب، وأما ما هو بمعنى الأجناس: فكالدار.

٢١٣
فصلٌ في الشراء
وفي ((الجامع الصغير)): ومَن قال لآخَرَ: اشترِ لي ثوباً أو دابةً أو
داراً : فالوكالةُ باطلةٌ .
31
يصحّ التوكيلُ وإن بَيَّنَ الثمنَ؛ لأن بذلك الثمنِ يوجَدُ مِن كلَ جنسٍ، فلا
يُدرَى مرادُ الآمِرِ؛ لتفاحُشِ الجهالة.
وإن كان جنساً يَجمعُ أنواعاً: لا يصحُّ إلا بيانِ الثمن، أو النوع؛ لأن بتقدير
الثمن: يصيرُ النوعُ معلوماً، وبذِكْر النوع: تَقِلّ الجهالةُ، فلا يمتنعُ الامتثالُ.
مثالُه: إذا وكَّله بشراء عبدٍ أو جاريةٍ: لا يصح؛ لأنه يشملُ أنواعاً، فإن
بَيَّن النوعَ، كالتركيِّ، والحَبَشِيِّ، والهنديِّ، والسِّنْدِيِّ، والمُوَلَّدِ: جاز.
وكذا إذا بيَّن الثمنَ؛ لِمَا ذكرناه.
ولو بيَّن النوعَ أو الثمنَ، ولم يُبيِّنِ الصفةَ، يعني الجَوْدَةَ والرداءةَ
والسِّطَةَ(١): جاز؛ لأنه جهالةٌ مستدركهٌ.
ومرادُه من الصفة المذكورة في ((الكتاب(٢)): النوعُ.
(وفي ((الجامع الصغير(٣)): ومَن قال لآخَرَ: اشترِ لي ثوباً أو دابةً أو
داراً: فالوكالةُ باطلةٌ)؛ للجهالةِ الفاحشة، فإن الدابةَ في حقيقةِ اللغة: اسمٌ
لِمَا يَدِبُّ على وجهِ الأرض.
وفي العُرف: تنطلِقُ على الخيلِ والحمارِ والبغل، فقد جَمَعَ أجناساً.
(١) أي الوسط، وأصل: سطة: وسط: حُذفت الواو منه، كما في عِدَة، و: عِظَة،
وعُوِّضت التاء في آخرها عن الواو. البناية ١٢ /٢٨، وفي نُسخ: الوسط.
(٢) أي مختصر القدوري. البناية ٢٨/١٢.
(٣) ص٢٠٥.

٢١٤
فصلٌ في الشراء
وإن سمَّى ثمنَ الدار، ووَصَفَ جنسَ الدارِ، والثوبٍ : جاز.
ومَن دَفَعَ إلى آخَرَ دراهمَ، وقال: اشترِ لي بها طعاماً: فهو على
الحنطة، ودقيقها؛ استحساناً.
وكذا الثوبُ؛ لأنه يتناولُ المَلْبوسَ من الأطلسِ إلىُ الكِسَاءِ(١)، ولهذا
لا تصحُّ تسمیتُه مهراً.
وكذا الدارُ، تشملُ على ما هو في معنى الأجناس؛ لأنها تختَلِفُ
اختلافاً فاحشاً باختلاف الأغراضِ والجيرانِ والمَرَافقِ والمَحَالِّ والبلدان،
فيتعذَّرُ الامتثالُ.
قال: (وإن سمَّى ثمنَ الدار، ووَصَفَ جنسَ الدارِ(٢)، والثوب: جاز).
معناه: نوعَه(٣).
وكذا إذا سمَّى نوعَ الدابة، بأن قال: فرسٌ أو حمارٌ، ونحوُهما.
قال: (ومَن دَفَعَ إلى آخَرَ دراهمَ، وقال: اشترِ لي بها طعاماً: فهو على
الحنطة، ودقيقِها، استحساناً (٤)).
والقياسُ: أن يكونَ على كلِّ مطعومٍ؛ اعتباراً للحقيقة، كما في اليمين
على الأكل، إذِ الطعامُ اسمٌ لما يُطعَم.
(١) الأطلس: هو الثياب الخَلَق، والمراد هنا: أي من الأرفع من الثياب إلى
أدونها، لكن لم يَرِدْ في اللغة ما أراده المؤلف. ينظر البناية ٢٩/١٢.
(٢) وفي نُسخ: جنسَ الدابة. قلت: وهكذا أيضاً في بداية المبتدي ص ٤٩٧.
(٣) أي معنى قوله في الجامع الصغير: ووَصَفَ جنسَ الدار: أي سمَّى نوعَه.
(٤) لفظ: استحساناً: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.

٢١٥
فصلٌ في الشراء
وإذا اشترىُ الوكيلُ، وقَبَضَ، ثم اطَّلَعَ علىُ عَيْبٍ: فله أن يَرُدَّ بالعَيْب
ما دام المبيعُ في یدِه.
فإن سلَّمَه إلى الموكِّل: لم يَرُدَّه إلا بإذنه.
ويجوزُ التوكيلُ بعقد الصرفِ، والسَّلَم.
وجهُ الاستحسان: أن العُرْفَ أَمْلَكُ، وهو على ما ذكرناه إذا ذُكِرَ
مقروناً بالبيع والشراء، ولا عُرْفَ في الأكل، فبقِيَ على الوضع.
وقيل: إن كثُرتِ الدراهمُ: فعلى الحنطة، وإن قلَّت: فعلى الخبز، وإن
كان فيما بين ذلك: فعلى الدقيق.
قال: (وإذا اشترى الوكيلُ، وقَبَضَ، ثم الطَّلَعَ على عَيْبٍ: فله أن يَرُدَّه
بالعَيْب ما دام المبيعُ في يدِهِ)؛ لأنه من حقوقِ العقد، وهي كلّها إليه.
قال: (فإن سلَّمَه إلى الموكِّل: لم يَرُدَّ إلا بإذنه)؛ لأنه انتهى حكمُ
الوكالة.
ولأن فيه إبطالَ يدِهِ الحقيقيةِ، فلا يَتمكَّنُ منه إلا بإذنه، ولهذا كان
خصماً لمَن يدعي في المشترَىُ دعوىً، كالشفيع وغيرِهِ قبلَ التسليم إلى
الموكِّل، لا بعده.
قال: (ويجوزُ التوكيلُ بعقد الصرفِ، والسَّلَم)؛ لأنه عقدٌ يملِكُه
بنفسه، فيملِكُ التوكيلَ به؛ دفعاً لحاجته، على ما مَرَّ.
ومرادُه: التوكيلُ بالإسلام، دون قبولِ السلم؛ لأن ذلك لا يجوز، فإن
الوكيلَ يبيعُ طعاماً في ذمته على أن يكونَ الثمنُ لغيره، وهذا لا يجوز.

٢١٦
فصلٌ في الشراء
فإن فارَقَ الوكيلُ صاحبَه قبلَ القبض : بَطَلَ العقدُ.
ولا تُعتبرُ مفارَقةُ الموكِّلِ.
وإذا دَفَعَ الوكيلُ بالشراء الثمنَ من مالِهِ، وقَبَضَ المَبيعَ : فله أن يرجعَ
به على الموكّل.
فإن هَلَكَ المَبيعُ في يدِهِ قبلَ حَبْسِهِ : هَلَكَ من مال الموكِّل، ولم يَسقطِ
الثمنُ.
قال: (فإن فَارَقَ الوكيلُ صاحبَه قبلَ القبض: بَطَلَ العقدُ)؛ لوجود
الافتراقِ من غير قبضٍ.
قال: (ولا تُعتبرُ مفارَقةُ الموكَّل)؛ لأنه ليس بعاقدٍ، والمستَحَقُّ بالعقد:
قَبْضُ العاقد، وهو الوكيلُ، فيصحُّ قَبْضُه وإن كان لا تتعلَّقُ به الحقوقُ،
کالصبيِّ والعبدِ المحجورِ علیه.
بخلاف الرسول؛ لأن الرسالةَ في العقد، لا في القبض، ويَنتقلُ كلامُه
إلى المرسِل، فصار قَبْضُ الرسول: قَبْضَ غيرِ العاقد، فلم يصح.
قال: (وإذا دَفَعَ الوكيلُ بالشراء الثمنَ من مالِهِ، وقَبَضَ المَبيعَ: فله أن
يرجعَ به على الموكّل)؛ لأنه انعقدت بينهما مبادلةٌ حُكميةٌ، ولهذا إذا
اختلفا في الثمن: يتحالفان، ويَرُدُّ الموكِّلُ بالعيب على الوكيل، وقد سَلِم
المشترَى للموكِّل من جهة الوکیل، فيرجعُ علیه.
ولأن الحقوقَ لَمَّا كانت راجعةً إليه، وقد عَلِمَه الموكِّلُ من جهة
الوکیل، فیرجع: فیکونُ راضیاً بدفعه من ماله.
قال: (فإن هَلَكَ المَبيعُ في يدِهِ قبلَ حَبْسِهِ: هَلَكَ من مال الموكِّل، ولم
يَسقطِ الثمنُ)؛ لأن يدَه كيدِ الموكّل، فإذا لم يَحْبِسْ: يصيرُ الموكِّلُ قابضاً بيده.

٢١٧
فصلٌ في الشراء
وله أن يَحْبِسَه حتى يستوفيَ الثمنَ.
فإن حَبَسَه، فهَلَكَ: كان مضموناً ضمانَ الرهنِ عند أبي يوسف رحمه
الله، وضمانَ المَبيعِ عند محمدٍ رحمه الله.
(وله أن يَحبسَه حتى يستوفيَ الثمنَ)؛ لِمَا بَيَّنَّا أنه بمنزلة البائعِ من
الموكِّل.
وقال زفرُ رحمه الله: ليس له ذلك؛ لأن الموكِّلَ صار قابضاً بيده،
فكأنه سلَّمه إليه، فيسقطُ حقُّ الحبس.
قلنا: هذا مما لا يُمكنُ التحرُّزُ عنه، فلا يكونُ راضياً بسقوط حقَه في
الحبس، على أنَّ قَبْضَه موقوفٌ، فيقعُ للموكِّل إن لم يَحبِسْه، ولنفسه عند
٥٠
حَبْسه.
قال: (فإن حَبَسَه، فهَلَكَ: كان مضموناً ضمانَ الرهنِ عند أبي يوسف
رحمه الله، وضمانَ المَبيع عند محمدٍ رحمه الله)، وهو قول أبي حنيفة
رحمه الله.
وضمانَ الغصبِ عند زفرَ رحمه الله؛ لأنه مَنْعٌ بغير حَقِّ.
لهما: أنه بمنزلة البائع منه، فكان حَبْسُه لاستيفاء الثمن، فَيَسقطُ بهلاكه.
ولأبي يوسف رحمه الله: أنه مضمونٌ بالحبس للاستيفاءِ بعدَ أن لم
یکن، وهو الرهنُ بعَیْنه.
بخلاف المَبيع؛ لأن البيعَ ينفسِخُ بهلاكه، وها هنا لا ينفسِخُ أصلُ العقد.

٢١٨
فصلٌ في الشراء
وإذا وكَّله بشراء عشرةٍ أرطالِ لحمٍ بدرهمٍ، فاشترىُ عشرينَ رِطْلاً
بدرهمٍ من لحمٍ يُباعُ منه عشرةُ أرطالِ بدرهم: لَزِمَ الموكِّلَ منه عشرةٌ
بنصف درهمٍ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : تلزمُه العشرون بدرهم.
قلنا: يَنفسِخُ في حَقِّ الموكِّل والوكيل، كما إذا ردَّه الموكِّلُ بعيب،
ورضيَ الوکیل به.
قال: (وإذا وكَّله بشراء عشرةِ أرطالِ لحمٍ بدرهمٍ، فاشترى عشرينَ
رِطْلاً بدرهمٍ من لحمٍ يُباعُ منه عشرةُ أرطالٍ بدرهم: لَزِمَ الموكِّلَ منه عشرةٌ
بنصف درهمٍ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: تلزمُه العشرون بدرهم).
وذُكِرَ في بعض النُّسَخِ(١) قولُ محمدٍ مع قول أبي حنيفة رحمهما الله.
ومحمدُ(٢) رحمه الله لم يَذْكُرِ الخلافَ في ((الأصل(٣)).
لأبي يوسف رحمه الله: أنه أَمَرَه بصَرْف الدرهم في اللحم، وظنَّ أنَّ
سعرَه عشرةُ أرطال، فإذا اشترى به عشرينَ: فقد زادَه خيراً، وصار كما إذا
وكَلَه ببيع عبدِه بألفٍ، فباعه بألفَیْن.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه أَمَرَه بشراء عشرةٍ أرطال، ولم يأمره بشراء
الزيادة، فَيَنفُذُ شراؤها عليه(٤)، وشراء العشرةِ على الموكّل.
(١) أي نُسخ القدوري. البناية ٣٩/١٢.
(٢) هذا من كلام صاحب الهداية، وليس من كلام القدوري في بعض النُّسخ.
(٣) ٢٩٣/١١.
(٤) أي الوكيل.

٢١٩
فصلٌ في الشراء
ولو وكَّلَه بشراء شيءٍ بعَيْنه : فليس له أن يَشترِيَه لنفسه.
وإن وكّلَه بشراء عبدٍ بغير عَيْنه: فاشترى عبداً: فهو للوكيل، إلا أن
يقولَ : نويتُ الشراءَ للموكِّل، أو يشتريَه بمالِ الموكِّل.
بخلاف ما استَشهد به(١)؛ لأن الزيادةَ هناك بدلُ مِلْكِ الموكِّل، فيكونُ له.
بخلاف ما إذا اشترىُ ما يساوي عشرينَ رِطْلاً بدرهم، حيث يصيرُ
مشترياً لنفسه، بالإجماع؛ لأن الأمرَ يتناولُ السَّمِينَ، وهذا مهزولٌ، فلم
يحصل مقصودُ الآمر.
قال: (ولو وكَّلَه بشراء شيءٍ بعَيْنه: فليس له أن يَشترِيَه لنفسه)؛ لأنه
يؤدي إلى تغريرِ الْآَمِرِ، حيثُ اعتمَدَ علیه.
ولأنَّ فيه عزلَ نفسِه، ولا يَملِكُه على ما قيل(٢) إلا بمَحْضَرِ من الموكِّل.
فلو كان الثمنُ مسمَّىَ، فاشترى بخلاف جنسِه، أو أكثرَ مما سمَّى
بجنسه، أو لم يكن مسمَّىَ، فاشترى بغير النقود، أو وكَّلَ وكيلاً بشرائه،
فاشترى الثاني، وهو غائبٌ: يَثبتُ الملكُ للوكيل الأول في هذه الوجوه؛
لأنه خالَفَ أَمْرَ الْآمِرِ، فَيَنفُذُ عليه.
ولو اشترى الثاني بحضرةِ الوكيلِ الأول: نَفَذَ على الموكِّلِ الأول؛ لأنه
حَضَرَه رأيُه، فلم يكن مخالفاً.
قال: (وإن وكّلَه بشراء عبدٍ بغير عَيْنه: فاشترى عبداً: فهو للوكيل، إلا
أن يقولَ: نويتُ الشراءَ للموكّل، أو يشتريَه بمال الموكِّل).
(١) جوابٌ عن تمثيل أبي يوسف المتنازع فيه بتوكيل بيع العبد بألف، وبيعه بألفين.
(٢) لأن عزله يكون بالخلاف، لا بالوفاق.

٢٢٠
فصلٌ في الشراء
قال المصنُِّ رحمه الله: هذه المسألةُ على وجوهٍ:
إن أضاف العقدَ إلى دراهمِ الآمِر: كان للآمر، وهو المرادُ عندي
بقوله: أو يَشتريَه بمال الموكِّل، دون النقدِ من ماله؛ لأن فيه تفصيلاً
وخلافاً، وهذا بالإجماع، وهو مطلَقٌ.
وإن أضافه إلى دراهم نفسِهِ: كان لنفسِهِ؛ حَمْلاً لحالِه على ما يَحِلَّ له
شرعاً، أو يفعلُه عادةً، إذِ الشراء لنفسه، بإضافة العقدِ إلى دراهم غيرِه:
و
مُستَنْكَرٌ شرعاً وعُرفاً.
وإن أضافه إلى دراهمَ مطلقةٍ: فإن نواها للآمِر: فهو للآمر، وإن نواها
لنفسه: فلنفسه؛ لأن له أن يعملَ لنفسه، ويعملَ للآمر في هذا التوكيل.
وإن تكاذبًا(١) في النية: يُحكَّمُ النقدُ، بالإجماع؛ لأنه دلالةٌ ظاهرٌ على
ما ذكرنا.
وإن توافقا على أنه لم تَحضُرْه النيةُ: قال محمدٌ رحمه الله: هو للعاقد؛
لأن الأصلَ أن كلَّ أحدٍ يعملُ لنفسه، إلا إذا ثَبَتَ جَعْلُه لغيره، ولم يثبت.
وعند أبي يوسف رحمه الله: يُحكَّمُ النقدُ فيه؛ لأنَّ ما أوقعه مطلقاً:
يحتملُ الوجهَيْن، فيبقى موقوفاً، فمِن أيِّ المالَيْن نَقَدَ: فقد فَعَلَ ذلك
المحتمَلَ لصاحبه، ولأن مع تصادقهما يحتملُ النيةَ للآمر.
وفيما قلناه: حَمْلُ حالِهِ(٢) على الصلاح، كما في حالةِ التكاذب.
(١) وفي نُسخ: تخالفا.
(٢) أي الوكيل.