النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كفالة الرَّجُلَیْن فإن أَخَذَ الذي أُعْتِقَ : رَجَعَ على صاحبِه بما يؤدِّي. وإن أَخَذَ الآخَرَ : لم يَرجِعْ على المعتَقِ بِشيءٍ. (فإن أَخَذَ الذي أُعِقَ: رَجَعَ على صاحبِه بما يؤدِّي)؛ لأنه مؤذٍّ عنه بأمره. (وإن أَخَذَ الآخَرَ: لم يَرجِعْ(١) على المعتَقِ بشيءٍ)؛ لأنه أدَّى عن نفسه، والله تعالى أعلم. (١) أي الآخَرُ. البناية ١١ / ١٨٧. ٦٢ باب باب كفالة العبد، والكفالة عنه ومَن ضَمِنَ عن عبدٍ مالاً: لا يجبُ عليه حتى يَعْتِقَ. وإن لم يُسمِّ حالاً، ولا غيرَه: فهو حالٌّ. باب كفالة العبد، والكفالة عنه قال: (ومَن ضَمِنَ عن عبدٍ مالاً: لا يجبُ عليه حتى يَعْتِقَ. وإن لم(١) يُسمِّ حالاً، ولا غيرَه(٢): فهو حالٌّ). لأن المالَ حالَّ عليه؛ لوجود السبب، وقَبولِ الذمة، إلا أنه لا يُطالَبُ لعُسْرَتِهِ، إذ جميعُ ما في يدِهِ مِلْكُ المولىُ، ولم يَرْضَ بتعَلُّقِه(٣) به، والكفيلُ غيرُ معسِرٍ، فصار كما إذا كَفَلَ عن غائبٍ أو مُفَلَّسٍ (٤). بخلاف الدَّيْن المؤجّل؛ لأنه متأخِّرٌ بمُؤَخِّرٍ. ثم إذا أدَّى: رَجَعَ على العبدِ بعدَ العتق؛ لأن الطالبَ لا يرجعُ عليه إلا بعد العتق، فكذا الكفيلُ؛ لقيامِهِ مَقامَه. (١) هكذا في نُسخ، وفي أخرى: ولم يسم، وكذلك في طبعات الهداية القديمة. (٢) أي ولا مؤجلاً. (٣) أي بتعلق الدين بالعبد. البناية ١١/ ١٨٧. (٤) أي فلَّسه القاضي. حاشية نسخة ٧٩٧هـ. ٦٣ كفالة العبد، والكفالة عنه ومَن ادَّعى على عبدٍ مالاً، وكَفَلَ له رجلٌ بنفسه، فمات العبدُ: بَرِىءَ الكفيلُ. فإن ادَّعى رقبةَ العبدِ، فكَفَلَ به رجلٌ، فمات العبدُ، فأقام المدعي البينةَ أنه كان له : ضَمِنَ الكفيلُ قیمتَه. وإذا كَفَلَ العبدُ عن مولاه بأمرِه، فعَتَقَ، فأدَّاه، أو كان المولىُ كَفَلَ عنه، فأدَّاه بعد العِثْقِ : لم يرجعْ واحدٌ منهما على صاحبه بشيءٍ. قال: (ومَن ادَّعى على عبدٍ مالاً، وكَفَلَ له رجلٌ بنفسه، فمات العبدُ: بَرِئَ الكفيلُ)؛ لبراءةِ الأصيلِ، كما إذا كان المكفولُ عنه بنفسه حرَّاً. قال: (فإن ادَّعى رقبةَ العبدِ، فكَفَلَ به رجلٌ، فمات العبدُ، فأقام المدعي البينةَ أنه كان له: ضَمِنَ الكفيلُ قيمتَه). لأن على المولىُ رَدَّها على وجهٍ يَخْلُفُها قيمتُها، وقد التزم الكفيل ذلك، وبعد الموتِ تبقى القيمةُ واجبةً على الأصيل، فكذا على الكفيل، بخلاف الأول. قال: (وإذا كَفَلَ العبدُ عن مولاه بأمرِه، فعَتَقَ، فأدَّاه، أو كان المولى كَفَلَ عنه، فأدَّاه بعد العِثْقِ: لم يرجعْ واحدٌ منهما على صاحبِهِ بشيءٍ). وقال زفر رحمه الله: يرجع. ومعنى الوجهِ الأول: أن لا يكونَ على العبد دَيْنٌ (١)، حتى تصحُ كفالتُه بالمال عن المولى إذا كان بأمره. (١) أي مستغرِقٌ. ٦٤ كفالة العبد، والكفالة عنه ولا تجوزُ الكفالةُ بمالِ الكتابة، حُرُّ تَكفَّلَ به أو عبدٌ. وبدلُ السعاية : كمالِ الكتابة في قول أبي حنيفة رحمه الله . أما كفالتُه عن العبد: فتصحُّ على كلِّ حالٍ. له: أنه تحقَّقَ الموجبُ للرجوع، وهو الكفالةُ بأمره، والمانعُ وهو الرِّقُّ قد زال. ولنا: أنها وَقَعَتْ غيرَ موجبةٍ للرجوع؛ لأن المولى لا يستوجبُ على عبدِهِ ديناً. وكذا العبدُ على مولاه، فلا تنقلِبُ موجبةً للرجوع أبداً، كمَن كَفَلَ عن غيره بغير أمره، فأجازه. قال: (ولا تجوزُ الكفالةُ بمالِ الكتابة، حُرٍّ تكفَّلَ به أو عبدٌ)؛ لأنه دَيْنٌ غيرُ مستقرٍّ؛ لثبوته مع المُنافي، فلا يَظهَرُ في حَقِّ صحة الكفالة. ولأنه لو عَجَّزْ نفسَه: سقط، ولا يُمكِنُ إثباتُه على هذا الوجهِ في ذمةٍ الكفيل، وإثباتُه مطلقاً: ينافي معنى الضمِّ؛ لأن مِن شَرْطه الاتحادَ. قال: (وبدلُ السعاية: كمالِ الكتابة في قول أبي حنيفة رحمه الله)؛ لأنه كالمكاتب عنده(١)، والله تعالى أعلم. (١) أي لأن المستسعى كالمكاتب عند أبي حنيفة في عدم قبول الشهادة، وتزوج المرأتين، وعندهما: كالحر المديون، فتصح الكفالة. حاشية نسخة ٧٣٨هـ، البناية ١٩١/١١. ٦٥ كتاب الحَوَالة كتاب الحَوَالة وهي جائزة بالديون. وتصحُّ برضا المُحِيْل، والمُحتال له، والمُحتال عليه. كتاب الحَوَالة قال: (وهي جائزةٌ بالديون). قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أُحِيْلَ على مَلِيءٍ: فليَتْبَع (١))(٢). ولأنه التزم ما يَقدِرُ على تسليمِهِ، فتصحٌّ، كالكفالة. وإنما اختصَّت بالديون: لأنها تُنبئُ عن النَّقْل والتحويل، والتحويلُ في الدَّيْن، لا في العين. قال: (وتصحُّ برضا المُحِيْل، والمُحتال له، والمُحتال عليه). أما المُحتالُ له: فلأنَّ الدَّيْنَ حَقِّه، وهو الذي يَنتقِلُ بها(٣)، والذَّمَمُ متفاوتةٌ، فلا بدَّ من رضاه. (١) وضُبطت في نُسخ بتشديد التاء: فَلْيَتَّبع، وحرَّر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤ / ٤٦٤ أن الأكثر على التخفيف. (٢) مسند أحمد ٤٩٣/٢ وهي رواية صحيحة ولكن بلفظ ((مَن أُحِيْل على مليء فليَحْتَل))، كما في التلخيص الحبير ٤٦/٣، وجاء بلفظ: ((إذا أُتْبعَ أحدُكم على مليءٍ: فليَتْبع)): في صحيح البخاري (٢٢٨٧)، وصحيح مسلم (١٥٦٤). (٣) أي بالحوالة. ٦٦ كتاب الحَوَالة وإذا تمَّتِ الحوالةُ : بَرِىءَ المُحيلُ من الدَّيْن بالقبول. وأما المُحتالُ عليه: فلأنه يلزمُه الدَّيْنُ، ولا لُزومَ بدون التزامه. وأما المُحيلُ: فالحوالةُ تصحُّ بدون رضاه، ذَكَرَه (١) في ((الزيادات))؛ لأن التزامَ الدينِ من المحتالِ عليه: تصرُّفٌ في حَقِّ نفسِه، وهو لا يتضرَّرُ به، بل فيه نفعُه؛ لأنه لا يرجعُ عليه إذا لم يكن بأمره. قال: (وإذا تمَّتِ الحوالةُ: بَرِىءَ المُحيلُ من الدَّيْن بالقبول). وقال زفر رحمه الله: لا يبرأ؛ اعتباراً بالكفالة، إذْ كلَّ واحدٍ منهما عقدُ تَوَثُقٍ. ولنا: أن الحوالةَ للنَّقْل، لغةً، ومنه(٢): حوالةُ الغِرَاس(٣)، والدَّيْنُ متى انتقل عن الذمة: لا يبقى فيها، أما الكفالةُ: فللضمِّ، والأحكامُ الشرعية على وِفاقِ المعاني اللغوية. ومعنى التوثَّقُ(٤) فيه: باختيار الأَمْلأُ(٥)، والأحسنِ في القضاء (٦). (١) أي الإمام محمد رحمه الله. (٢) ومن معنى النقل. (٣) الغِراس: أي الشجر، أو فسيل النخل. (٤) هذا جواب عن قول زفر رحمه الله، أن الحوالة ليست مبرئةً؛ لأنها للتوثق. البناية ١٩٦/١١. (٥) أي الأغنى. (٦) أي في قضاء الدين. ٦٧ كتاب الحَوَالة ولا يَرجِعُ المحتالُ له علىُ المُحيل إلا أن يَتْوَىُ حقّه. والتَّوَىُ عند أبي حنيفة رحمه الله بأحدٍ أمرَيْن: إما أن يَجحدَ الحوالةَ، ويَحلِفَ، ولا بيِّنَةَ له عليه، أو يموتَ مفلساً. وقالا : هذان، ووجهٌ ثالثٌ: وهو أن يَحكُمَ الحاکمُ بإفلاسه حالَ حیاته. وإنما يُجَبَرُ(١) على القبول إذا نَقَدَ المُحيلُ(٢)؛ لأنه يَحتمِلُ عَوْدُ المطالبةِ إليه (٣) بالتَّوَىُ، فلم يكن هو مُتُبرِّعاً. قال: (ولا يَرجعُ المحتالُ له على المُحيل إلا أن يَتْوَىُ حقُّه). وقال الشافعي(٤) رحمه الله: لا يرجعُ وإن تَوِيَ؛ لأن البراءةَ حصلت مطلقةً، فلا تعودُ إلا بسبب جدیدٍ. ولنا: أنها مقيّدةٌ بسلامة حَقَّه له، إذ هو المقصودُ، أو تُفْسَخُ الحوالةُ لفواته؛ لأنه يَحتملُ الفسخ، فصار كوصف السلامةِ في المبيع. قال: (والتَّوَى عند أبي حنيفة رحمه الله بأحدٍ أمرَيْن: إما أن يَجحدَ الحوالةَ، ويَحِلِفَ، ولا بيِّنةَ له عليه، أو يموتَ مفلساً)؛ لأن العجزَ عن الوصول يتحقَّقُ بكلِّ واحدٍ منهما، وهو التَّوَى في الحقيقة. (وقالا: هذان، ووجهٌ ثالثٌ: وهو أن يَحكُمَ الحاكمُ بإفلاسه حالَ حياته). (١) هذا جوابٌ عن سؤال مقدَّر، وهو أن يقال: لو انتقل الدين بالحوالة من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه: لما أُجبر على القبول إذا نقد المحيلُ. البناية ١١/ ١٩٧. (٢) أى بعد الحوالة. حاشية نسخة ٧٩٧هـ. (٣) أي الدائن. (٤) مغني المحتاج ١٩٥/٢. ٦٨ كتاب الحَوَالة وإِذا طالَبَ المحتالُ عليه المُحيلَ بمثل مال الحوالة، فقال المحيلُ : أَحَلتُ بدينٍ كان لي عليك: لم يُقْبَلْ قولُه إلا بحجةٍ، وكان عليه مثلُ الدين. وإذا طالَبَ المُحيلُ المحتالَ له بما أحاله به، فقال: إنما أحلتُكَ لتقِضَه لي، وقال المحتالُ له : لا، بل أحلتَني بدينٍ كان لي عليكَ : فالقولُ قولُ المُحيل. ومَن أَودع رجلاً ألفَ درهمٍ، وأحال بها عليه آخَرَ : فهو جائزٌ. فإن هَلَكَتْ : بَرِىءَ. وهذا بناءٌ على أن الإفلاسَ لا يَتَحقّقُ بحُكْم القاضي عنده، خلافاً لهما، لأن مالَ اللهِ تعالى غادٍ ورائحٌ. قال: (وإذا طالَبَ المحتالُ عليه المُحيلَ بمثل مال الحوالة، فقال المحيلُ: أَحَلتُ بدينٍ كان لي عليكَ: لم يُقْبَلْ قولُه إلا بحجةٍ، وكان عليه مثلُ الدين)؛ لأن سببَ الرجوع قد تحقّقَ، وهو قضاءَ دينه بأمره، إلا أنَّ المحيلَ يدَّعي عليه ديناً، وهو يُنكِرُ، والقولُ قولُ المنكِرِ. ولا يكونُ قبولُ الحوالةِ إقراراً منه بالدين عليه؛ لأنها قد تكونُ بدونه. قال: (وإذا طالَبَ المُحيلُ المحتالَ له بما أحاله به، فقال: إنما أحلتُكَ لتقبضَه لي، وقال المحتالُ له: لا، بل أحلتَني بدينٍ كان لي عليكَ: فالقولُ قولُ المُحيل)؛ لأن المحتالَ له يدعي عليه الدينَ، وهو يُنكِرُ، ولفظةُ: الحوالة: مستعمَلةٌ في الوكالة، فيكونُ القولُ قولَه، مع يمينه. قال: (ومَن أَودع رجلاً ألف درهمٍ، وأحال بها عليه آخَرَ: فهو جائزٌ)؛ لأنه أقدرُ على القضاء. (فإن هَلَكَتْ: بَرِىءَ)؛ لتقيُّدِها بها، فإنه ما التزم الأداءَ إلا منها. ٦٩ كتاب الحَوَالة وتُكره السَّفاتِجُ، وهي: قَرْضُ استفادَ به المُقْرِضُ سقوطَ خَطَرِ الطريق. بخلاف ما إذا كانت مقيّدةً بالمغصوب(١)؛ لأن الفَوَاتَ إلىُ خَلَفٍ(٢): كَلاَ فَوَاتٍ، وقد تكونُ الحوالةُ مقَيَّدةً بالدَّيْن أيضاً. وحُكْمُ المقيَّةِ في هذه الجملة: أن لا يَملِكَ المحيلُ مطالبةَ المحتال عليه؛ لأنه تعلَّقَ به حَقُّ المحتال، على مثالِ الرهن وإن كان(٣) أسوةً للغرماء بعد موت المُحيل. وهذا لأنه لو بَقِيَتْ له مطالبتُه به، فيأخذُه منه: لبطلت الحوالةُ، وهي حقُّ المحتال له. بخلاف المُطلَقةِ(٤): لأنه (٥) لا تعلَّقَ لحَقِّه به، بل بذمته، فلا تبطل الحوالةُ بأخذ ما عليه (٦)، أو ما عنده. قال: (وتُكره السَّفَاتِجُ، وهي(٧): قَرْضٌ استفادَ به المُقْرِضُ سقوطَ خَطَرِ الطريق)، وهذا نوعُ نَفْعِ استُفيدَ به. (١) يعني لا يبرأ المحتال عليه. حاشية سعدي (مخطوط). (٢) وهو القيمة. (٣) أي المحتال. (٤) أي بلا قيد: بالدين. (٥) أي لأن الشأن. (٦) من الدين أو الغصب، أو يأخذ عينه الذي عنده من الوديعة، ويحتمل أن يراد بما عليه من الدين خاصة. البناية ٢٠٢/١١. (٧) أي السُّفْتُجة، مفرد: السَّفاتج. ٧٠ كتاب الحَوَالة وقد نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن قَرْضٍ جرَّ نفعاً(١)، والله تعالى أعلم. (١) رواه مرفوعاً الحارث بن أبي أسامة (ت ٢٨٢ هـ) في مسنده (بغية الحارث) للهيثمي ٥٠٠/١ (٤٣٧) بلفظ: ((كل قرض جرَّ منفعة فهو رباً))، وذكره عبد الحق في أحكامه، وأعلَّه بسوار بن مصعب، وأنه متروك، كما في نصب الراية ٦٠/٤، والتلخيص الحبير ٣٤/٣، وفي فيض القدير ٢٨/٥ عن السخاوي: أن إسناده ساقط. لكن وردت عدة آثار عن الصحابة رضي الله عنهم بمعنى الحديث، ففي المصنَّف لابن أبي شيبة (٢١٠٧٧)، عن عطاء قال: ((كانوا يكرهون كل قرض جَرَّ منفعة))، كما في نصب الراية ٤ /٦٠، وينظر سنن البيهقي ٣٤٩/٥. وقد قال عن الحديث الشيخ محمد حجازي (ت ١٠٣٥ هـ) في شرحه (١٢ مجلداً) على الجامع الصغير للسيوطي: ((فتح المولى النصير))، قال عنه: حديث حسنٌ لغيره، كما نقل هذا عنه تلميذه العزيزي (علي بن أحمد، ت ١٠٧٠ هـ) في شرحه: السراج المنير على الجامع الصغير للسيوطي ٩٣/٣، وينظر إعلاء السنن ٤٩٩/١٤. ٧١ كتاب أدب القاضي كتاب أدب القاضي ولا تصحُّ ولايةُ القاضي حتى تَجتمِعَ في المُولَّىُ شرائطُ الشهادةِ، ويكونَ من أهلِ الاجتهاد . كتاب أدب القاضي قال: (ولا تصحُّ ولايةُ القاضي حتى تَجتمِعَ في المُولَّىُ شرائطٌ الشهادةِ، ويكونَ من أهلِ الاجتهاد). أما الأولُ(١): فلأنَّ حُكْمَ القضاءِ يُستَقَى (٢) من حُكْمِ الشهادة؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما من باب الولاية، فكلّ مَن كان أهلاً للشهادة: يكونُ أهلاً للقضاء، وما يُشترَطُ الأهلية الشهادة: يُشترطُ لأهلية القضاء. والفاسقُ أهلٌ للقضاء، حتى لو قُلِّدَ: يصحُّ، إلا أنه لا ينبغي أن يُقُلَّدَ، ٥ كما في حُكْمِ الشهادة، فإنه لا ينبغي للقاضي أن يَقبَلَ شهادتَه، ولو قَبلَ: جاز عندنا. ولو كان القاضي عَدْلاً، ففَسَقَ بأخذِ الرِّشْوة، أو غيره: لا ينعزلُ، ويَستَحِقُّ العَزْلَ، وهذا هو ظاهرُ المذهب، وعليه مشايخُنا رحمهم الله. وقال الشافعي(٣) رحمه الله: الفاسقُ لا يجوزُ قضاؤه، كما لا تُقبل شهادتُه عنده. (١) أي اشتراط شرائط الشهادة. (٢) وفي نُسخ: يُستفاد. قلت: والمعنى واحدٌ. (٣) أسنى المطالب ٣٠٧/٤. ٧٢ كتاب أدب القاضي وعن علمائنا الثلاثة (١) رحمهم الله في ((النوادر)): أنه لا يجوزُ قضاؤه. وقال بعضُ المشايخ رحمهم الله: إذا قُلَّدَ الفاسقُ القضاءَ ابتداءً: يصحُ. ولو قُلِّدَ وهو عَدْلٌ: ينعزِلُ بالفسق؛ لأن المقلِّدَ اعتمد عدالتَه، فلم یکن راضیاً بتقليده دونها. وهل يَصْلُحُ الفاسقُ مفتياً؟ قيل: لا يصلحُ؛ لأنه من أمور الدِّيْن، وخَبَرُهُ غيرُ مقبول في الدِّیَانات. وقيل: يصلُحُ؛ لأنه يجتهدُ كلّ الجَهدِ (٢) في إصابة الحقِّ؛ حِذَاراً عن نسبته إلى الخطأ. وأما الثاني(٣): فالصحيحُ أن أهليةَ الاجتهادِ شَرْطُ الأَوْلوِيَّة(٤). فأما تقليدُ الجاهل(٥): فصحيحٌ عندنا، خلافاً للشافعي(٦) رحمه الله. هو يقولُ: إن الأمرَ بالقضاء يستدعي القدرةَ عليه، ولا قدرةَ بدون العلم(٧)، فصار كالتحرِّي، فإنه لا يصلي بتحرِّي غيره. (١) وهم الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. (٢) وفي نُسخ: الاجتهاد. (٣) وهو اشتراط أن يكون القاضي من أهل الاجتهاد. (٤) لا شَرْط الجواز. (٥) أي غير المجتهد. (٦) الحاوي الكبير ٣٣/١. (٧) ولا يصير عالماً بعلم غيره. ٧٢ كتاب أدب القاضي ولنا ما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قلّد علياً رضي الله عنه قضاءَ اليمن حين لم يَبلُغْ حدَّ الاجتهاد(١). ولأنه مأمورٌ بالحُكم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمُ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ المائدة/٤٩، والحاكمُ بفتوى غيرِهِ: ممتثلٌ للأمر. ولأن المقصودَ إنصافُ المظلومِ، ومَنْعُ الظالم، وقد حصل. ولأنه يُمكِنُه أن يقضِيَ بفتوى غيرِهِ، ومقصودُ القضاءِ يحصلُ به، وهو إيصالُ الحَقِّ إلى مُستَحِقُّه. بخلاف التحرِّي(٢)؛ لأنه لا يعتقدُ الصوابَ في تحرِّي غيرِهِ، وهذا يعتقدُه في فتوى غيرِه. وينبغي للمقلَّدِ أن يختارَ مَن هو الأقدرُ والأَوْلى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن قَلَّدَ إنساناً عملاً وفي رَعِيَّتِهِ مَن هو أَوْلِىُ منه: فقد خانَ اللهَ ورسوله وجماعةَ المسلمين)»(٣). وفي حَدِّ الاجتهادِ كلامٌ عُرِفَ في أصول الفقه، وحاصلُه: أن يكونَ (١) سنن أبي داود (٣٥٨٢)، سنن ابن ماجه (٢٣١٠)، وصححه ابن حبان (٥٠٦٥)، وينظر نصب الراية ٦٠/٤. (٢) هذا جوابٌ عن دليل الشافعي رحمه الله. (٣) المستدرك للحاكم (٧٠٢٣)، المعجم الكبير للطبراني (١١٢١٦)، ورواه مسدَّد بإسنادٍ حسن، كما في المطالب العالية (٢١٠٣)، وتعليق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي نقلاً عن البوصيري. اهـ. وينظر نصب الراية ٤ /٦٢. ٧٤ كتاب أدب القاضي صاحبَ حديثٍ، له معرفةٌ بالفقه؛ ليعرفَ معاني الآثار، أو صاحبَ فقهٍ، له معرفةٌ بالحديث؛ لئلا يشتغلَ بالقياس في المنصوص عليه. وقيل: يُشترطُ مع ذلك أن يكونَ صاحبَ قريحةٍ، يَعرِفُ بها عادات الناسِ؛ لأن من الأحكام ما يُبتَنَى عليها، والله تعالى أعلم. ٧٥ فصلٌ فصلٌ ولا بأس بالدخول في القضاءِ لمَن يَثِقُ بنفسه أنه يؤدِّي فرضَه. ويُكره الدخولُ فيه لَمَن يَخافُ العَجْزَ عنه، ولا يأمَنُ على نفسِهِ الحَيْفَ فيه. فصلٌ قال(١): (ولا بأس بالدخول في القضاءِ لمَن يَثِقُ بنفسه أنه يؤدِّي فرضَه)؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم تقلَّدوه(٢)، وكفىُ بهم قُدوةً. ولأنه فَرْضُ كفايةٍ؛ لكونه أمراً بالمعروف. قال: (ويُكره الدخولُ فيه لمَن يَخافُ العَجْزَ عنه، ولا يأمَنُ على نفسِهِ الحَيْفَ فيه)؛ كي لا يصيرَ شَرْطً(٣)؛ لمباشرته القَبِيْحَ. وكَرِهَ بعضُهم الدخولَ فيه مختاراً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن جُعِلَ على القضاء: فكأنما ذُبِحَ بغير سِكِّينَ(٤)(٥). (١) في نسخة ١٠٣٨ هـ بدأت هذه المقولة بعنوان: فصلٌ، ولذا عنونتُ به. (٢) ينظر لهذه الآثار: الدراية ١٦٦/٢. (٣) أي كي لا يصير الدخول في القضاء وسيلةً لمباشرته القبيحَ، وهو الحيف في القضاء. البناية ٢١٦/١١. (٤) وجه الشَّبه: أن السكِّينَ يؤثِّر في الظاهر والباطن جميعاً، والذبحَ بغير سكين كالخنق والغمِّ يؤثِّر في الباطن، دونَ الظاهر، فكذا القضاء، فإن ظاهرَه: جاهٌ (وفي نُسخ: حياةٌ)، وباطنَه: هلاكٌ. ينظر البناية ٢١٦/١١، نقلاً عن الصدر الشهيد في شرح أدب القاضي للخصاف ١٤٦/١ (ط العراق). (٥) سنن أبي داود (٣٥٧٢)، سنن ابن ماجه (٢٣٠٨)، سنن الترمذي (١٣٢٥)، = ٧٦ فصل وقد(١) جاء في التحرُّزِ عنه آثارٌ(٢). وقد اجتنبه أبو حنيفة رحمه الله، وصَبَرَ على الضرب(٣). واجتنبه كثيرٌ من السَّلَف، وقُيِّد محمدٌ نيّقاً وثلاثين يوماً (٤)، أو نيِّقاً وأربعين يوماً حتى تقلَّدَه. والصحيحُ أنَّ الدخولَ فيه رخصةٌ؛ طَمَعاً في إقامة العدل. قال عليه الصلاة والسلام: ((عَدْلُ ساعةٍ: خيرٌ من عبادة سَنَةٍ))(٥). والتركُ عزيمةٌ، فلعله يُخطِئُ ظَنُّه، فلا يُوفَّقُ له، أوْ لا يُعِيْنُه عليه غيرُه، وقال: حسن غريب من هذا الوجه، السنن الكبرى للنسائي (٥٨٩٤)، مسند أحمد (٧١٤٥)، وينظر نصب الراية ٦٤/٤، التلخيص الحبير ١٨٤/٤. (١) من هنا من قوله: وقد جاء ... إلى قوله: والصحيح أن ...: زيادةٌ مثبتةٌ في نسخة ٧٣٨هـ، وكُتب عليها: زيادة، كما أُثبتت بين هلالين في البناية ٢١٧/١١ على أنها من الهداية، وكتب العيني: هذه الزيادة ليست بموجودة في بعض النسخ، وروايتها موجودةٌ في نسخة شيخه علاء الدين ابن التركماني. (٢) وسيأتي منها قريباً جداً قولُه صلى الله عليه وسلم: مَن طلب القضاء ... ، وينظر البناية ١١/ ٢١٧. (٣) ضربه الخليفة أبو جعفر المنصور رحمه الله، ثاني الخلفاء العباسيين. (٤) وذلك بأمر الخليفة العباسي هارون الرشيد رحمه الله. (٥) قال في نصب الراية ٦٧/٤: غريبٌ بهذا اللفظ، وفي الترغيب والترهيب للأصفهاني (٢١٧٨) بسند ضعيف بلفظ: عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة، وينظر إتحاف الخيرة المهرة (٤١٩٨)، حيث عزاه للأصبهاني، وضعَّفه. ٧٧ فصل وينبغي أن لا يَطلبَ الولايةَ، ولا يَسألَها. ولا بدَّ من الإعانة، إلا إذا كان هو الأهلَ للقضاء، دونَ غيره: فحينئذٍ يُفترَضُ عليه التقلَّدُ؛ صيانةً لحقوق العباد، وإخلاءً للعالَم عن الفساد. قال: (وينبغي أن لا يَطلبَ الولايةَ، ولا يَسألَها). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن طَلَبَ القضاءَ: وُكِلَ إلى نفسِهِ، ومَن أُجبرَ عليه: نَزَلَ عليه مَلَكُ يسدِّدُه))(١). ولأن مَنْ طَلَه يَعتمدُ على نفسِهِ: فَيُحْرَمُ، ومَن أُجِرَ عليه: يَتَوكَّلُ على ربِّه، فيُلْهَمُ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. الطلاق/٣. ثم يجوزُ التقلُّدُ من السلطانِ الجائر، كما يجوزُ من العادل؛ لأن الصحابةَ رضي الله عنهم تقلَّدوه من معاويةَ رضي الله عنه، والحَقُّ كان بيد عليٌّ رضي الله عنه في نَوْبتِه(٢). والتابعينَ رحمهم الله تقلَّدوه من الحَجَّاجِ(٣)، وهو كان جائراً. إلا إذا كان لا يُمكِنُّه من القضاءِ بحَقِّ؛ لأن المقصودَ لا يحصلُ بالتقلُّد، بخلاف ما إذا كان يُمكِّنُه. (١) سنن أبي داود (٣٥٧٣)، سنن الترمذي (١٣٢٣)، وقال: حسن غريب. (٢) أي في خلافته، وقيَّد بقوله: في نوبته؛ احترازاً عن مذهب الروافض، فإنهم يقولون الحق مع علي رضي الله عنه في جميع نُوَب الخلفاء. البناية ١١/ ٢٢٢. (٣) ابن يوسف الثقفي، قلَّده عبد الملك بن مروان أَمْرَ عَسكرِه لقتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في الحجاز، توفي سنة ٩٥ هـ. الأعلام ١٦٨/٢. ٧٨ فصل ومَن قُلِّدَ القضاءَ : يسألُ ديوانَ القاضي الذي كان قبلَه. قال: (ومَن قُلِّدَ القضاءَ: يسألُ ديوانَ (١) القاضي الذي كان قبلَه)، وهو الخرائطُ التي فيها السجلاَّتُ وغيرُها؛ لأنها وُضِعتْ فيها لتكونَ حُجَّةً عند الحاجة، فتُجعلُ في يدِ مَن له ولايةُ القضاء. ثم إن كان البياضُ(٢) من بيت المال: فظاهرٌ. وكذا إذا كان من مال الخصوم، في الصحيح؛ لأنهم وَضَعُوها في يد المعزول (٣) لَعَمَلِهِ، وقد انتقل إلى المُوَلَّى. وكذا إذا كان من مالِ القاضي(٤)، هو الصحيحُ؛ لأنه اتخذه تديُّناً(٥)، لا تموُّلاً. ويَبعثُ أَمِيْنَيْنِ لِيَقْبضاها (٦) بحضرة المعزولِ أو أمينِه. 113 ويسألانه شيئاً فشيئاً، ويجعلان كلّ نوعٍ منها في خريطةٍ؛ كي لا يَشتبه علىُ المُوَلَّى. وهذا السؤال(٧) لكشف الحال، لا للإلزام. (١) وفي بداية المبتدي ص٤٦٨: سُلُّم إليه ديوان، وكذلك في مطبوع الهداية. (٢) أي الذي كُتّب عليه السجلات ونحوها إن كان من بيت المال: فيُجبر القاضي المعزول على دفعه؛ لأن ذلك إنما كان في يده لعمله، وقد صار العمل لغيره. (٣) وفي نُسخ: في يده. (٤) أي المعزول. (٥) أي وُضع عنده بطريق الديانة والأمانة، ولم يوضع عنده ليتمول به. (٦) أي الخرائط. (٧) أي سؤال أحوال الديوان والمحبوسين وسبب الحبس. ٧٩ فصل ويَنظرُ في حال المَحْبوسِيْن: فمَن اعترَفَ منهم بحَقِّ: ألزمه إياهُ، ومَن أنكر : لم يَقبَلْ قولَ المعزولِ عليه إلا ببيئةٍ . فإن لم يُقِمْ بينةً: لم يَعْجَلْ بتخليته حتى يُنادِيَ عليه، ويَنظرَ في أمرِه. قال: (وَيَنْظُرُ في حال المَحْبوسِيْن)؛ لأنه نُصِبَ ناظراً. (فمَن اعترَفَ منهم بحَقِّ: ألزمه إياهُ)؛ لأن الإقرارَ مُلزِمٌ. (ومَن أنكر: لم يَقبَلْ قولَ المعزولِ عليه(١) إلا ببينةٍ)؛ لأنه بالعزل التحَقَ بواحدٍ من الرَّعايا، وشهادةُ الفردِ ليست بحُجَّةٍ مقبولةٍ(٢)، لا سيَّما إذا كانت على فعلِ نفسِهِ. قال: (فإن لم يُقِمْ بينةً: لم يَعْجَلْ بتخليته حتى يُنَادِيَ عليه، ويَنظرَ في أمرِهِ)؛ لأن فِعْلَ القاضي المعزولِ حَقٌّ ظاهراً، فلا يَعْجَلْ؛ كي لا يؤدِّيَ إلى إبطالِ حَقِّ الغير. وصفةُ النِّداء(٣): أن يناديَ أياماً: مَن كان طالَبَ فلانَ بنَ فلانِ المحبوسَ بحقِّه: فإذا حَضَرَ خصمٌ، وادعى عليه وهو علىُ جُحُوده: طَلَبَ بِيَِّةَ المدعي، وابتداء الحكمٍ فيهم، ولا يَقبَلُ قولَ المعزول في ذلك؛ لِمَا بيَّنَّا. وإن لم يَحضُرْ خصمٌ: أَخَذَ منه كفيلاً بنفسه، فلعله محبوسٌ بحقِّ غائب، وقد قامتِ الأمارةُ عليه، وهو حَبْسُ القاضي المعزول. (١) أي المنكِرِ من المحبوسين. (٢) وفي نُسخ: ليست بمقبولة. (٣) من هنا: وصفة النداء، إلى قوله: قال: وينظر في الودائع: مثبتٌ في نسخة ٧٣٨هـ. ٨٠ فصلٌ ويَنظرُ في الودائع، وارتفاعٍ الوقوف، فَيَعمَلُ به فيه على ما تقومُ به البينةُ، أو یَعترِفُ به مَن هو في يده. ولا يَقبلُ قولَ المعزول، إلا أنْ يَعترِفَ الذي هي في يدِهِ أن المعزولَ سلَّمها إليه، فيَقبلُ قولَه فيها. بخلاف فَصْل الميراث، على أصلٍ أبي حنيفة رحمه الله. وإذا استوثَقَ منه بكفيلٍ: خلَّىُ سبيلَه. وقيل: فَصْلُ الكفيل ها هنا: على الاختلاف. قال: (ويَنظرُ في الودائع، وارتفاعِ الوقوف(١)، فَيَعمَلُ به فيه على ما تقومُ به البينةُ، أو يَعترِفُ به مَن هو في يده)؛ لأن كلَّ ذلك حُجَّةٌ. قال: (ولا يَقبلُ قولَ المعزول)؛ لِمَا بِيَنَّا. (إلا أنْ يَعْترِفَ الذي هي(٢) في يدِهِ أن المعزولَ سلَّمها إليه، فيَقبلُ قولَه فيها)؛ لأنه ثبت بإقراره أن اليدَ كانت للقاضي، فيصحُّ إقرارُ القاضي، كأنه في يده في الحال. إلا إذا بدأ المقرُّ بالإقرار لغيره، ثم أقرَّ بتسليم القاضي إليه، والقاضي يقولُ: هو لغيره (٣): فيُسلِّمُ ما في يده إلى المُقَرِّ له الأولِ؛ لسَبْق حَقِّه. (١) أي غلة الأوقاف. (٢) وفي نُسخ: هو. (٣) أي لغير مَن أقرَّ.