النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب الكفالة ولا يجوزُ تعليقُ البراءةِ من الكفالة بشرطٍ . وكلُّ حَقٍّ لا يُمكنُ استيفاؤه من الكفيل : لا تصحُّ الكفالةُ به، كالحدود والقصاص . البراءةَ بالأداء إليه والإبراء، فيثبتُ الأدنى(١)، ولا يرجعُ الكفيلُ بالشك. وقال أبو يوسف رحمه الله: هو مثلُ الأول(٢)؛ لأنه أقرَّ ببراءةٍ ابتداؤها و من المطلوب، وإليه الإيفاء، دون الإبراء. وقيل في جميع ما ذكرنا: إذا كان الطالبُ حاضراً: يُرجَعُ في البيان إليه؛ لأنه هو المُجمِلُ. قال: (ولا يجوزُ تعليقُ البراءةِ من الكفالة بشرطٍ)؛ لِمَا فيه من معنى التمليك، كما في سائر البراءات. ويُروى(٣) أنه يصحُّ؛ لأنَّ عليه المطالبةَ، دونَ الدَّيْن، في الصحيح، فكان إسقاطاً محضاً كالطلاق، ولهذا لا يَرْتدُّ الإبراءَ عن الكفيل بالردِّ، بخلاف إبراءِ الأصيل. قال: (وكلَّ حَقِّ لا يُمكنُ استيفاؤه من الكفيل: لا تصحُّ الكفالةُ به، كالحدود والقصاص). معناه: بنفس الحَدِّ، لا بنفس مَن عليه الحَدُّ؛ لأنه يتعذَّرُ إيجابُه عليه، وهذا لأن العقوبةَ لا تجري فيها النِيابةُ. (١) وهو الإسقاط؛ للتيقن به. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. (٢) وهو قوله: برئت إليَّ من المال. (٣) أي في المذهب، والله أعلم. ٤٢ كتاب الكفالة وإذا تكفَّل عن المشتري بالثمن : جاز. وإن تكفَّل عن البائع بالمَبيع : لم تصحَّ. ومَن استأجر دابةً للحَمْل عليها، فإن كانت بعَيْنها: لم تصحَّ الكفالةُ بالحَمْلِ، وإن كانت بغير عَيْنِها : جازتِ الكفالةُ. قال: (وإذا تكفَّل عن المشتري بالثمن: جاز)؛ لأنه دَيْنٌ كسائر الديون. قال: (وإن تكفَّل عن البائع بالمَبيع: لم تصحَّ)؛ لأنه(١) عَيْنٌ مضمونٌ بغيره، وهو الثمنُ، والكفالةُ بالأعيان المضمونة وإن كانت تصحّ عندنا؛ خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله، لكنْ بالأعيان المضمونة بنفسها، كالمبيع بيعاً فاسداً، والمقبوضِ على سَوْمِ الشراء، والمغصوب. لا بما كان مضموناً بغيره، كالمَبيع والمرهون، ولا بما يكون أمانةً، كالوديعةِ والمستعارِ والمستأجر، ومال المضاربة والشركة. ولو كَفَلَ بتسليم المبيع قبلَ القبض، أو بتسليم الرهنِ بعد القبض إلى الراهن، أو بتسليم المستأجَرِ إلى المستأجِر: جاز؛ لأنه التزم فعلاً واجباً. قال: (ومَن استأجر دابةً للحَمْل عليها، فإن كانت بعَيْنها: لم تصحّ الكفالةُ بالحَمْل)؛ لأنه عاجزٌ عنه. (وإن كانت بغير عَيْنها: جازتِ الكفالةُ)؛ لأنه يُمكِنُهُ الحَمْلُ على دابةٍ نفسِه، والحَمْلُ هو المُستَحَقُّ. (١) أي المبيع. (٢) التنبيه في الفقه الشافعي ٦/١. ٤٣ كتاب الكفالة وكذا مَن استأجر عبداً للخدمة، فكَفَلَ له رجلٌ بخدمته : فهو باطلٌ. ولا تَصِحُّ الكفالةُ إلا بقبولِ المكفولِ له في مجلس العقد. إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي : أن يقولَ المريضُ لوارِثِه : تكفَّلْ عني بما عليَّ من الدَّيْن، فَكَفَلَ به مع غَيْبة الغرماء : جاز. قال: (وكذا مَن استأجر عبداً للخدمة، فكَفَلَ له رجلٌ بخدمته: فهو باطلٌ)؛ لِمَا بِيًّا. قال: (ولا تَصِحُّ الكفالةُ إلا بقبولِ المكفول له في مجلس العقد)، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله آخِراً: يجوزُ إذا بَلَغَه، فأجاز. ولم يَشترط في بعض النُّسَخ (١) الإجازةَ. والخلافُ في الكفالة بالنفس والمالِ جميعاً. له: أنه تصرُّفُ التزامِ، فَيَستبِدُّ به الملتزِمُ، وهذا وجهُ هذه الرواية عنه. ووجهُ التوقُّف(٢): ما ذكرناه في الفضوليَ في النكاح. ولهما: أن فيه(٣) معنى التمليك، وهو تمليكُ المطالبةِ منه، فيقومُ بهما جميعاً، والموجودُ شَطْرُه، فلا يَتَوقَّفُ على ما وراءَ المجلس. قال: (إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي: أن يقولَ المريضُ لوارِثِهِ: تكفَّلْ عني بما عليَّ من الدَّيْن، فكَفَلَ به مع غَيْبة الغرماء: جاز)؛ لأن ذلك وصيةٌ (١) أي نُسَخ كفالة المبسوط، للإمام محمد. البناية ١١/ ١٥١. (٢) أي على الإجازة. (٣) أي في عقد الكفالة. ٤٤ كتاب الكفالة وإذا مات الرجلُ، وعليه ديونٌ، ولم يَتركْ شيئاً، فتكفَّلَ عنه رجلٌ للغرماء : لم تصحَّ عند أبي حنيفة رحمه الله. في الحقيقة، ولهذا تصحُّ وإن لم يُسَمِّ المكفولَ لهم. ولهذا قالوا: إنما تصحُّ إذا كان له مالٌ، أو يُقالُ: إنه قائمٌ مَقَامَ الطالب؛ لحاجته إليه؛ تفريغاً لذِمَّتِّهِ، وفيه نَفْعُ الطالب، فصار كما إذا حَضَرَ بنفسه. وإنما تصحُّ بهذا اللفظ، ولا يُشترَطُ القبولُ: لأنه يُرَادُ به التحقيقُ، دونَ المساومةِ ظاهراً في هذه الحالة، فصار كالأمر بالنكاح. ولو قال المريضُ ذلك لأجنبيٌّ: اختلف المشايخُ رحمهم الله فيه (١). قال: (وإذا مات الرجلُ، وعليه ديونٌ، ولم يَتركْ شيئاً، فتكفَّلَ عنه رجلٌ للغرماء: لم تصحَّ عند أبي حنيفة رحمه الله). وقالا: تصحُّ؛ لأنه كَفَلَ بدينِ ثابتٍ؛ لأنه وَجَبَ لِحَقِّ الطالب، ولم يوجدِ المُسقِطُ، ولهذا يَبقىُ في حَقِّ أحكامِ الآخِرة. ولو تبرَّع به(٢) إنسانٌ: يصحُّ. وكذا يبقى إذا كان به كفيلٌ، أو له مالٌ. وله (٣): أنه كَفَلَ بدَيْنِ ساقطٍ؛ لأن الدَّيْنَ هو الفعلُ حقيقةً، ولهذا يُوصَفُ بالوجوب، لكنه في الحكم مالٌ؛ لأنه يؤولُ إليه في المآل، وقد (١) ينظر البناية ١١ / ١٥٤. (٢) أي بأداء الدَّيْن. (٣) أي لأبي حنيفة رحمه الله. ٤٥ كتاب الكفالة ومَن كَفَلَ عن رجلٍ بألفٍ عليه بأمره، فقَضَاه الألفَ قبلَ أن يُعطِيَه صاحب المال : فليس له أن يرجعَ فيها. عَجَزَ بنفسه وبخَلَفِهِ، ففات عاقبةُ الاستيفاء، فَيَسقطُ؛ ضرورةً، والتبرُّعُ لا يعتمدُ قيامَ الدَّيْن. وإذا كان به كفيلٌ(١)، أو له مالٌ: فخَلَفُه باق، إذِ الإفضاء إلى الأداءِ باقٍ. قال: (ومَن كَفَلَ عن رجلٍ بألفٍ عليه بأمره، فقَضَاهُ(٢) الألفَ قبلَ أن يُعطِيَه صاحب(٣) المال: فليس له (٤) أن يرجعَ فيها(٥)). لأنه (٩) تعلَّقَ به حَقُّ القابض(٧) على احتمالِ قضائه الدينَ، فلا تجوز المطالبةُ ما بقيَ هذا الاحتمالُ، كمَن عجَّلَ زكاته، ودَفَعَها إلى الساعي. ولأنه مَلَكَه بالقبض، على ما نَذكُر. (١) جوابٌ عن قولهما، أي وكذا يبقى إذا كان به كفيلٌ أو مالٌ، بيان هذا: أن القدرة شَرْطُ الفعل، إما بنفس القادر أو بخَلَفِهِ إذا كان به كفيلٌ أو له مالٌ، فإن انتفى القادرُ: فخَلَفُه، وهو الوكيل أو المال في حَقِّ بقاء الدين: باقٍ. البناية ١٥٦/١١. (٢) أي فقضىُ الرجلُ الكفيلَ الألفَ. (٣) منصوبٌ على أنه مفعولٌ ثانٍ للإعطاء، أي قبل أن يعطيَ الكفيلُ الألفَ صاحبَ المال. البناية ١١ / ١٥٧. (٤) أي المكفول عنه، وهو الرجل. (٥) أي في الألف، على تأويل الدراهم. (٦) أي الألف، والألف: لفظٌ مذكَّرٌ. (٧) أي الكفيل. ٤٦ كتاب الكفالة وإن رَبِحَ الكفيلُ فيه : فهو له، ولا يتصدَّقُ به. ولو كانت الكفالةُ بِكُرِّ حنطةٍ، فقَبَضَها الكفيلُ، فباعها، ورَبِحَ فيها : فالرِّحُ له في الحكم. بخلاف ما إذا كان الدفعُ إليه على وجهِ الرسالة؛ لأنه تَمَخَّصَ أمانةً في يده. قال: (وإن رَبَحَ الكفيلُ فيه: فهو له، ولا يتصدَّقُ به)؛ لأنه مَلَكَه حين قَبَضَه. أما إذا قضىُ الدينَ: فظاهرٌ(١). وكذا إذا قضى المطلوبُ بنفسه، وثَبَتَ له حَقُّ الاسترداد؛ لأنه وَجَبَ له (٢) على المكفول عنه مثلُ ما وَجَبَ للطالب عليه، إلا أنه أُخِّرَتِ المطالبةُ إلى وقتِ الأداء، فتُزِّلَ منزلةَ الدَّيْن المؤجّل. ولهذا لو أبرأ الكفيلُ المطلوبَ قبلَ أدائه: يصحُّ، فكذا إذا قَبَضَه(٣): يملكُه، إلا أنَّ فيه نوعَ خُبْثٍ، نُبَيِّنُهُ(٤)، فلا يَعملُ (٥) مع الملك فيما لا یتعیَّنُ، وقد قرَّرناه في البيوع. قال: (ولو كانت الكفالةُ بكُرِّ حنطةٍ، فقَبَضَها الكفيلُ، فباعها، ورَبِحَ فيها: فالرِّبْحُ له في الحُكْمِ (٦))؛ لِمَا بَيَّا أنه مَلَكُه. (١) يعني يطيب الربح له. (٢) أي للكفيل. (٣) أي إذا قبض الكفيل ما يؤدي الأصيل إليه. (٤) وقد بيَّن نوع الخبث في الربح الحاصل للكفيل بيَّنْه في مسألة الكفالة بالكُرِّ. (٥) أي الخُبْث. (٦) أي في القضاء. ٤٧ كتاب الكفالة وأَحَبُّ إليَّ أن يَردَّه على الذي قضاه الكُرَّ، ولا يجبُ عليه في الحكم، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله في رواية ((الجامع الصغير)). وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: هو له، ولا يَرُدُّه على الذي قضاه الكُرَّ. قال(١): (وأَحَبُّ إليَّ أَن يَردَّه على الذي قضاه الكُرَّ، ولا يجبُ عليه في الحُكم (٢)، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله في رواية ((الجامع الصغير (٣)). وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: هو له، ولا يَرُدُّه على الذي قضاه الكُرَّ)، وهو روايةٌ عنه(٤). وعنه: أنه يتصدَّقُ به. لهما: أنه رَبِحَ في مِلْكِهِ على الوجه الذي بيََّّهِ، فَيَسلَمُ له. وله: أنه تمكَّنَ الخُبْثُ مع المِلكِ، إما لأنه بسبيلٍ من الاسترداد، بأن يقضيَه بنفسه، أو لأنه رضيَ به، على اعتبار قضاءِ الكفيل، فإذا قضاه بنفسه: لم یکن راضياً به. وهذا الخُبْثُ يَعملُ فيما يتعيَّن، فيكون سبيلُه التصدُّقَ به، في روايةٍ، ويردُّه عليه، في روايةٍ؛ لأن الخُبْثَ لِحَقِّه(٥). (١) أي أبو حنيفة رحمه الله. البناية ١٦٠/١١. (٢) أي الرد. (٣) ص ١٨٧. (٤) أي عن أبي حنيفة رحمه الله. (٥) أي حق المكفول عنه. ٤٨ كتاب الكفالة ومَن كَفَلَ عن رجلٍ بألف درهمٍ عليه، بأَمْرِهِ، فَأَمَرَه الأصيلُ أن يتعيّن عليه حريراً، ففَعَلَ : فالشراءُ للكفيل، والربحُ الذي رَبِحَه البائعُ فهو عليه. وهذا أصحُّ، لكنه استحبابٌ، لا جَبْرٌ؛ لأن الحقَّ له. قال: (ومَن كَفَلَ عن رجلٍ بألفِ درهمٍ عليه، بأَمْره، فَأَمَرَه الأصيلُ أن يتعيَّن عليه حريراً (١)، ففَعَلَ: فالشراءَ للكفيل، والربحُ الذي رَبِحَه البائعُ فهو عليه). ومعناه: الأمرُ ببيع العِيْنة، مثلُ أن يَستقرِضَ من تاجرِ عشرةً، فيتأْبَّى(٢) عليه أن يُقرِضه، ويبيعَ منه ثوباً يساوي عشرةً بخمسة عشرَ مثلاً؛ رغبةً في نَيْلِ الزيادة؛ ليبيعَه المستقرِضُ بعشرةٍ، ويَتَحمَّلَ عليه خمسةً. سُمِّيَ بالعِينة(٣)؛ لِمَا فيه من الإعراضِ عن الدَّيْن إلى العين. وهو مكروهٌ؛ لِمَا فيه من الإعراض عن مَبَرَّةِ الإقراض؛ مُطاوَعَةً لمَذموم البُخْل. ثم قيل: هذا ضمانٌ لِمَا يَخسَرُ المشتري؛ نظراً إلى قوله: عليَّ، وهو فاسدٌ، وليس بتو کیلٍ. وقيل: هو توكيل فاسدٌ؛ لأن الحريرَ غيرُ متعيِّن، وكذا الثمنُ غيرُ متعيِّنٍ؛ لجهالة ما زاد على الدَّيْن. (١) أي على الأصيل، أي أمره أن يشتري له حريراً بطريق العِيْنة. (٢) أي التاجر. (٣) أي سُمِّي هذا البيعُ ببيع العِيْنة. ٤٩ كتاب الكفالة ومَن كَفَلَ عن رجلٍ بما ذابَ له عليه، أو بما قُضِيَ له عليه، فغاب المكفولُ عنه، فأقام المدعي البينةَ على الكفيل أن له على المكفولِ عنه ألفَ درهمٍ : لم تُقبل بيِّتُه. ومَن أقام البينةَ أنَّ له على فلانٍ كذا، وأنَّ هذا كفيلٌ عنه بأمره : .... وكيفما كان: فالشراءُ للمشتري، وهو الكفيلُ، والربحُ، أي الزيادةُ: عليه(١)؛ لأنه العاقد. قال: (ومَن كَفَلَ عن رجلٍ بما ذابَ له عليه (٢)، أو بما قُضِيَ له عليه، فغاب المكفولُ عنه، فأقام المدعي البينةَ على الكفيل أن له على المكفول عنه ألفَ درهمٍ: لم تُقبل بيِّتُه)؛ لأن المكفولَ به مالٌ مَقْضِيٌّ به. وهذا في لفظة: القضاء(٣): ظاهرٌ، وكذا في الأخرى(٤)؛ لأن معنى: ذاب: تقرَّر، وهو بالقضاء، أو مالٌ يُقضى به. وهذا ماض أُريد به المستأنَفُ(٥)، كقوله: أطال الله بقاءَك، فالدعوى مطلقٌ عن ذلك(1)، فلا تصح. قال: (ومَن أقام البينةَ أنَّ له على فلانٍ كذا، وأنَّ هذا كفيلٌ عنه بأمره: (١) أي على الكفيل. (٢) أي بما وَجَبَ وثَبَتَ. (٣) وهو قوله: أو بما قُضي له عليه. (٤) أي وكذا ظاهرٌ في المسألة الأخرى، وهي قوله: ما ذاب له عليه. (٥) وفي نُسخ: المستقبل. (٦) أي عن المال المَقضيِّ به. ٥٠ كتاب الكفالة فإنه يُقضَى به على الكفيل، وعلىُ المكفولِ عنه. وإن كانت الكفالةُ بغير أمره : يُقضَىُ على الكفيل خاصةً. ومَن باع داراً، وكَفَلَ رجلٌ عنه بالدَّرَك : فهو تسليمٌ. فإنه يُقضى به على الكفيل، وعلى المكفولِ عنه. وإن كانت الكفالةُ بغير أمره: يُقضَى على الكفيل خاصةً). وإنما تُقبلُ: لأن المكفولَ به مالٌ مُطلَقٌ، بخلاف ما تقدم. وإنما يَختلفُ(١) بالأمر وعَدمِه؛ لأنهما يتغايران؛ لأن الكفالةَ بأمره: تبرٌُّ ابتداءً، ومعاوضةٌ انتهاءً، وبغير أَمْره: تبرٌُّ ابتداءً وانتهاءً، فبدعواه أحدَهما: لا يُقضى له بالآخَر، وإذا قُضِيَ بها بالأمر: ثَبَتَ أمرُه، وهو يتضمَّنُ الإقرارَ بالمال، فيصيرُ مَقْضِياً عليه. والكفالةُ بغير أَمْرِهِ لا تَمَسُّ جانبَه؛ لأنه يَعتمِدُ صحتُها قيامَ الدَّيْن في زَعْم الكفيل، فلا يتعدَّى إليه، وفي الكفالةِ بأمره: يرجعُ الكفيلُ بما أدَّى على الآمِرِ. وقال زفرُ رحمه الله: لا يَرجعُ؛ لأنه لَمَّا أنكر (٢): فقد ظُلِمَ في زَعْمه، فلا يَظلِمُ غيرَه. ونحنُ نقولُ: صار مُكَذَّباً شرعاً، فبَطَلَ ما زَعَمَه. قال: (ومَن باع داراً، وكَفَلَ رجلٌ عنه بالدَّرَك: فهو تسليمٌ (٣)؛ لأن (١) أي الحكم. (٢) أي الكفيل. (٣) أي تسليمٌ وتصديقٌ من الكفيل بأن الدارَ ملكُ البائع. ٥١ كتاب الكفالة ولو شَهِدَ، وخَتَمَ، ولم يَكفُلْ: لم يكنْ تسليماً، وهو على دعواه. الكفالةَ لو كانت مشروطةً في البيع، فتمامُه بقبوله، ثم بالدعوى يسعى في نَقْضِ ما تمَّ من جهته. وإن لم تكن مشروطةً فيه: فالمرادُ بها إحكامُ البيعِ، وترغيبُ المشتري فيه، إذ لا يَرغبُ فيه دون الكفالة، فنُزِّلَ منزلةَ الإقرار بملك البائع. قال: (ولو شَهِدَ، وخَتَمَ، ولم يكفُلْ: لم يكنْ تسليماً، وهو على دعواه)؛ لأن الشهادةَ لا تكونُ مشروطةً في البيع، ولا هي بإقرارٍ بالملك؛ لأن البيعَ مرةً يوجدُ من المالك، وتارةً من غيره، ولعلَّهِ كَتَبَ الشهادةَ ليحفظَ الحادثةَ، بخلاف ما تقدم. قالوا (١): إذا كُتِبَ في الصَّكِّ: باع، وهو يملِكُه، أو بيعاً باتاً نافذاً، وهو (٢) كَتَبَ: شَهِدَ بذلك: فهو تسليمٌ (٣)، إلا إذا كَتَبَ الشهادةَ على إقرار المتعاقدَيْن(٤)، والله تعالى أعلم. (١) أي مشايخنا رحمهم الله. البناية ١٧١/١١. (٢) أي الشاهد. (٣) فلا تصح دعواه. (٤) فإنه ليس بتسلیم. ٥٢ فصلٌ في الضمان فصلٌ في الضمان ومَن باع لرجلٍ ثوباً، وضَمِنَ له الثمنَ، أو مضارِبٌ ضَمِنَ ثمنَ متاعٍ لربِّ المال: فالضمانُ باطلٌ. وكذلك رجلان باعا عبداً صفقةً واحدةً، وضَمِنَ أحدُهما لصاحبه حصته من الثمن : فالضمان باطلٌ. فصلٌ في الضمان(١) قال: (ومَن باع لرجلٍ ثوباً، وضَمِنَ له الثمنَ، أو مضارِبٌ ضَمِنَ ثمنَ متاعٍ لربِّ المال: فالضمانُ باطلٌ)؛ لأن الكفالةَ التزامُ المطالبة، وهي(٣) إليهما، فيصيرُ كلَّ واحدٍ منهما ضامناً لنفسه. ولأن المالَ أمانةٌ في أيديهما، والضمانُ تغييرٌ لحكم الشرع، فيُرَدُّ عليه (٣)، كاشتراطه على المودَع، والمستعير (٤). قال: (وكذلك(٥) رجلان باعا عبداً صفقةً واحدةً، وضَمِنَ أحدُهما لصاحبه حصته من الثمن: فالضمان باطلٌ). (١) قال في البناية ١٧١/١١: الضمانُ والكفالةُ: بمعنىَ واحد، لكن المصنف رحمه الله سمى هذا الفصل بذلك: تبعاً للجامع الصغير. (٢) أي المطالبة. (٣) أي على الضامن، وهو الوكيل أو المضارب. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. (٤) فإنه لا ضمانَ عليهما شرعاً، فاشتراطه عليهما: يكون تغييراً للمشروع. (٥) أي لا يصح الضمان. ٥٣ فصلٌ في الضمان ومَن ضَمِنَ عن آخَرَ خَرَاجَه، ونوائبَه، وقسمتَه : فهو جائزٌ. لأنه لو صحَّ الضمانُ مع الشركة: يصيرُ ضامناً لنفسه، ولو صحَّ في نصيبٍ صاحبه خاصةً: يؤدِّي إلى قسمةِ الدَّيْن قبلَ قَبْضه، ولا يجوزُ ذلك. بخلاف ما إذا باعا صفقتَيْن؛ لأنه لا شركةً؛ ألا ترى أنَّ للمشتري أنْ يقبلَ البيع في نصيبِ أحدِهما، ويقبِضَ إذا نَقَدَ ثمنَ حصتِهِ وإِن قَبِلَ الكلّ(١). قال: (ومَن ضَمِنَ عن آخَرَ خَرَاجَه، ونوائبَه، وقسمتَه: فهو جائزٌ). أما الخراجُ: فقد ذكرناه، وهو يخالفُ الزكاةَ، لأنها مجرَّدُ فعلٍ، ولهذا لا تُؤْدَّى بعد موته من تَرِكَتِه إلا بوصيته. وأما النوائبُ: فإن أُرِيدَ بها ما يكون بحَقِّ، ككَرْي النهرِ المشترك، وأَجْرِ الحارس والموظفِ لتجهيز الجيش، وفِداء الأسارى وغيرها: جازتٍ ٩٠ الكفالةُ بها، على الاتفاق. وإن أُريد بها ما ليس بحَقِّ، كالجبايات في زماننا: ففيه اختلافُ المشايخ رحمهم الله، وممَّن يميلُ إلى الصحة الشيخُ الإِمامُ عليٌّ البَزْدَوِيُّ(٢) رحمه الله تعالى. وأما القسمة: فقد قيل: هي النوائبُ بعينها، أو حصتُه منها، والرواية بـ: أو(٣). (١) أي وإن قَبلَ المشتري الكلَّ بكلامٍ واحد. (٢) الإمام الشهير أبي العُسْر صاحبِ الأصول (كنز الوصول)، ت ٤٨٢ هـ. (٣) أي على تقدير: أن تكون القسمةُ حصةً من النوائب؛ لأن القسمة إذا كانت حصة منها: فهو محلّ: أو، وأما إذا كانت هي النوائبُ بعينها: فهو محل: الواو. البناية ١١ / ١٧٥. ٥٤ فصلٌ في الضمان ومَن قال لآخَرَ: لكَ عليَّ مائةُ درهمٍ إلى شهرٍ، فقال المقَرُّ له: هي حالَّةٌ : فالقولُ قولُ المدعي. وإن قال: ضَمِنْتُ لكَ عن فلانٍ مائةَ درهمٍ إلى شهرٍ، وقال المقَرُّ له : هي حالَّةٌ : فالقولُ قولُ الضامن. وقيل: هي النائبةُ الموظَّفَةُ الراتِبةُ. والمرادُ بالنوائب: ما ينوبُهُ غيرَ راتبٍ، والحكمُ ما بيَّنَاه. قال: (ومَن قال لآخَرَ: لكَ عليَّ مائة درهمٍ إلى شهرٍ، فقال المقَرُّ له: هي حالَّةٌ: فالقولُ قولُ المدعي. وإن قال: ضَمِنْتُ لكَ عن فلانٍ مائةَ درهمٍ إلى شهرٍ، وقال المقَرُّ له: هي حالَّةٌ: فالقولُ قولُ الضامن). ووَجْهُ الفَرْقِ: أن المقِرَّ أقرَّ بالدَّيْن، ثم ادَّعى حقاً لنفسه، وهو تأخيرُ المطالبة إلى أجلٍ، وفي الكفالة: ما (١) أقرَّ بالدّيْن؛ لأنه لا دَيْنَ عليه، في الصحيح (٢)، وإنما أقرَّ بمجرَّد المطالبة بعد الشهر. ولأن الأجلَ في الديون عارِضٌ، حتى لا يثبتُ إلا بشرطٍ، فكان القولُ قولَ مَن أنكر الشرطَ، كما في الخيار. أما الأجلُ في الكفالة: فنوعٌ منها (٣)، حتى يثبتُ من غير شرطٍ، بأن كان مؤجَّلاً على الأصيل. (١) ما: نافية. (٢) أي في الصحيح من القول. (٣) أي من الكفالة. ٥٥ فصلٌ في الضمان ومَن اشترى جاريةً، فَكَفَلَ له رجلٌ بالدَّرَك، فاستُحِقَّت: لم يأخذِ الكفيلَ حتى يُقضَى له بالثمن على البائع. (١) رحمه الله أَلْحَقَ الثاني بالأول(٢)، وأبو يوسف رحمه الله والشافعي فيما يُروى عنه: أَلْحَقَ الأولَ بالثاني، والفرقُ قد أوضحناه. قال: (ومَن اشترى جاريةً، فكَفَلَ له رجلٌ بالدَّرَك، فاستُحِقَّت(٣): لم يأخذِ (٤) الكفيلَ حتى يُقضَى له بالثمن على البائع). لأن بمجرد الاستحقاق: لا ينتقضُ البيعُ، على ظاهر الرواية، ما لم يُقْضَ له بالثمن على البائع؛ لأن احتمالَ الإجازةِ ثابتٌ، فلم يجبْ له على الأصيل رَدُّ الثمن، فلا يجبُ على الكفيل. بخلاف القضاء بالحرية؛ لأن البيعَ يبطلُ بها؛ لعدم المَحَلِّية، فيرجعُ على البائع والكفيل. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يَبطلُ البيعُ بالاستحقاق، فعلى قياس قوله: (١) مغني المحتاج ٢٠٧/٢. (٢) قال العيني في البناية ١١/ ١٧٧: هكذا وقع في عامة النسخ، وليس بصحيح، بل الصحيح عكسه، فإن الشافعي رحمه الله ألحق الأول بالثاني، وأبا يوسف ألحق الثاني بالأول؛ لأن الشافعي رحمه الله قال: القول للمقِرِّ في الفصلين جميعاً، وبيانه: أن الشافعي رحمه الله ألحق الإقرارَ بالدين بالإقرار بالكفالة؛ حيث صدَّق المقرَّ بالدين المؤجل، كما صدَّقنا المقر بالكفالة، وأبو يوسف رحمه الله ألحق الإقرار بالكفالة المؤجلة بالإقرار بالدين المؤجل؛ حيث لم يصدق المقر فيهما جميعاً. اهـ (٣) أي وقضى القاضي. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. (٤) أي المشتري. البناية ١٧٨/١١. ٥٦ فصلٌ في الضمان ومَن اشترىُ عبداً، فضَمِنَ له رجلٌ بالعُهدة : فالضمانُ باطلٌ. يَرجعُ بمجرد الاستحقاق، وموضِعُهُ(١) أوائلُ ((الزيادات)) في ترتيب الأصل(٢). قال: (ومَن اشترى عبداً، فضَمِنَ له رجلٌ بالعُهدة(٣): فالضمانُ باطلٌ). لأن هذه اللفظةَ مشتبهةٌ، قد تقعُ على الصكِّ القديم، وهو ملكُ البائع، فلا يصحُّ ضمانُه، وقد تقعُ على العقد، وعلى حقوقه، وعلى الدَّرَك، وعلى الخيار، ولكلِّ من ذلك وَجْهٌ، فتعذَّر العملُ بها. بخلاف الدَّرَك: لأنه استُعمل في ضمانِ الاستحقاقِ عُرفاً. ولو ضَمِنَ الخَلاصَ: لا يصحُّ عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه عبارةٌ عن تخليص المَبيع وتسليمِهِ، لا محالةَ، وهو غيرُ قادر عليه. وعندهما: هو بمنزلة الدَّرَك، وهو تسليمُ المَبيع(٤)، أو قيمتِهِ(٥)، فصحَّ، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) أي موضع الاستحقاق هو في أوائل كتاب الزيادات، الذي بدأه أبو يوسف بباب المأذون، قبل تغيير وترتيبِ الزعفرانيَّ تلميذ محمدٍ له. ينظر البناية ١٧٩/١١. (٢) أراد بترتيب الأصل: ترتيبَ محمدٍ رحمه الله، فإنه افتتح كتابَ الزيادات بباب المأذون، مخالفاً لترتیب سائر الكتب؛ تبرُكاً بما أملى به أبو يوسف رحمه الله، فإن محمداً أخذ ما أملى أبو يوسف باباً باباً، وجعله أصلاً، وزاد عليه من عنده ما يُتِمُّ به تلك الأبواب، فكان أصلُ الكتاب من تصنيف أبي يوسف رحمه الله، وزيادته من تصنيف محمد رحمه الله، ولذلك سماه: كتاب الزيادات. البناية ١٧٩/١١. (٣) أي مما أدرك فيه من عيب كان معهوداً عنده. المغرب ٢/ ٩٢. (٤) عند إجازته. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. (٥) عند عدم إجازته. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. ٥٧ باب باب كفالة الرَّجُلَيْن وإذا كان الدَّيْنُ على اثنين، وكلَّ واحدٍ منهما كفيلٌ عن صاحبه، كما إذا اشتريا عبداً بألفِ درهمٍ، وكَفَلَ كلّ واحدٍ منهما عن صاحبه: فما أدَّىُ أحدُهما : لم يَرجعْ على شريكِهِ حتى يزيدَ ما يؤدِّيه على النصف، فيرجعُ بالزيادة . باب كفالة الرَّجُلَيْن ءِ قال: (وإذا كان الدَّيْنُ على اثنين، وكلّ واحدٍ منهما كفيلٌ عن وُ صاحبه، كما إذا اشتريا عبداً بألفِ درهم، وكَفَلَ كلّ واحدٍ منهما عن صاحبه: فما أدَّى أحدُهما: لم يَرجعْ على شريكِهِ حتى يزيدَ ما يؤدِّيه على النصف، فيرجعُ بالزيادة). لأن كلّ واحدٍ منهما في النصف أصيلٌ، وفي النصفِ الآخَرِ كفيلٌ، ولا معارضةَ بين ما عليه بحَقِّ الأصالة وبحَقِّ الكفالة؛ لأن الأولَ دينٌ، والثاني مطالَبةٌ. ثم هو تابعٌ للأول، فيقعُ عن الأول، وفي الزيادةِ لا معارضةَ، فيقعُ عن الكفالة. ٥٨ كفالة الرَّجُلَيْن وإذا كَفَلَ رجلان عن رجلٍ بمالٍ، على أنّ كلّ واحدٍ منهما كفيلٌ عن ءِ صاحبه : فكلّ شيءٍ أدَّاه أحدُهما : رَجَعَ على شريكِه بنصفه، قليلاً كان أو كثيراً. ولأنه لو وَقَعَ في النصف(١) عن صاحبه: فيرجعُ عليه، فلصاحبه أن یرجعَ؛ لأن أداء نائبه كأدائه، فيؤدي إلى الدَّوْر. قال: (وإذا كَفَلَ رجلان عن رجلِ بمالٍ، على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما كفيلٌ عن صاحبِه: فكلُّ شيءٍ أدَّاه أحدُهما: رَجَعَ على صاحبِه (٢) بنصفه، قليلاً كان أو كثيراً). ومعنى المسألةِ في الصحيح: أن تكونَ الكفالةُ بالكلِّ عن الأصيل، وبالكلِّ عن الشريك، والمطالبةُ متعدِّدةٌ، فتجتمعُ الكفالتان، على ما مَرَّ. وموجَبُهما (٣): التزامُ المطالبةِ، فتصحُّ الكفالةُ عن الكفيل، كما تصحّ الكفالةُ عن الأصيل، وكما تصحُّ الحوالةَ من المحتال عليه. وإذا عُرف هذا: فما أدَّه أحدُهما: وَقَعَ شائعاً عنهما، إذِ الكلّ كفالةٌ، فلا ترجيحَ للبعض على البعض. بخلاف ما تقدَّم، فيرجعُ على شريكِهِ بنصفه، ولا يؤدي إلى الدَّوْر؛ لأن قضيته الاستواءَ، وقد حَصَلَ برجوع أحدِهما بنصف ما أدَّى، فلا تنتقضُ المساواةُ برجوع الآخَرِ عليه، بخلاف ما تقدم. (١) أي نصف الدين. (٢) وفي نُسخ: شريكه. (٣) وفي نُسخ: وموجبها. ٥٩ كفالة الرَّجُلَيْن وإن شاء رَجَعَ بالجميع على المكفول عنه. وإذا أبرأ ربُّ المال أحدَهما: أَخَذَ الآخَرَ بالجميع . وإذا افترق المتفاوضان: فلأصحاب الديونِ أن يأخذوا أيَّهما شاؤوا بجميع الديون، ولا يَرجِعُ أحدُهما على صاحِبِهِ حتى يُؤَدِّيَ أكثرَ من النصف. وإذا ◌ُوتِبَ العبدان كتابةً واحدةً، وكلُّ واحدٍ منهما كفيلٌ عن صاحبه : فكلّ شيءٍ أدَّاه أحدُهما : رَجَعَ على صاحبِه بنصفه. ثم يرجعان على الأصيل؛ لأنهما أدَّيا عنه: أحدُهما بنفسه، والآخَرُ بنائبه. قال: (وإن شاء رَجَعَ بالجميع على المكفول عنه)؛ لأنه كَفَلَ بجميع المال عنه بأمره. قال: (وإذا أبرأ ربُّ المال أحدَهما: أَخَذَ الآخَرَ بالجميع)؛ لأن إبراء الكفيلِ لا يوجبُ براءةَ الأصيل، فبقِيَ المالُ كلَّه على الأصيل، والآخَرُ كفيلٌ عنه بكلُّه، على ما بيَّنَاه، ولهذا يأخذُه به. قال: (وإذا افترق المتفاوضان: فلأصحاب الديونِ أن يأخذوا أيَّهما شاؤوا بجميع الديون)؛ لأن كلّ واحدٍ منهما كفيل عن صاحبه، على ما عُرِف في الشركة. (ولا يَرجِعُ أحدُهما على صاحبِه حتى يُؤدِّيَ أكثرَ من النصف)؛ لِمَا مَرَّ من الوجهَيْن في كفالة الرجلین. قال: (وإذا كُوتِبَ العبدان كتابةً واحدةً، وكلُّ واحدٍ منهما كفيلٌ عن 93 صاحبه: فكلّ شيءٍ أَدَّاه أحدُهما: رَجَعَ على صاحبِه بنصفه). ٦٠ كفالة الرَّجُلَيْن ولو لم يؤدِّيا شيئاً حتى أعتق المولى أحدَهما : جاز العتقُ. وللمولىُ أن يأخذَ بحصة الذي لم يَعْتِقْ أَيَّهما شاء. ووَجْهُه: أن هذا العقدَ جائزٌ؛ استحساناً، وطريقُه: أن يُجعَلَ كلَّ واحدٍ منهما أصيلاً في حَقِّ وجوب الألف(١) عليه، فيكونُ عِثْقُهما مُعَلَّقاً بأدائه، ويُجعَلُ كفيلاً بالألف في حقِّ صاحبه، وسنذکرُه في المكاتب(٢) إن شاء الله تعالى. وإذا عُرف ذلك: فما أدَّاه أحدُهما: رَجَعَ بنصفه على صاحبه؛ لاستوائهما، ولو رَجَعَ بالكل: لا تتحقُّق المساواةُ. قال: (ولو لم يؤدِّيا شيئاً حتى أعتق المولى أحدَهما: جاز العتقُ)؛ لمصادفته ملكه، وبَرِئَ عن النصف؛ لأنه ما رضيَ بالتزام المال إلا ليكون المالُ وسيلةً إلى العتق، وما(٣) بقِيَ وسيلةً، فيسقطُ، ويبقى النصفُ على الآخَر؛ لأن المالَ في الحقيقة مقابَلٌ برقبتهما. وإنما جُعِلَ على كل واحدٍ منهما: احتيالاً لتصحيح الضمان. وإذا جاء العِثْقُ: استُغنِيَ عنه، فاعتُبر مقابَلاً برقبتهما، فلهذا يَتَنصَّف. قال: (وللمولى أن يأخذَ بحصةِ الذي لم يُعِقْ أيَّهما (٤) شاء): المعتَقَ بالكفالة، وصاحبَه بالأصالة. (١) وفي نُسخ: المال. (٢) أي في كتاب المكاتب. (٣) ما: نافيةٌ. (٤) أي العبدين المكاتبين.