النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ فصلٌ في بيع الفضولي ومَن غَصَبَ عبداً، فباعه، وأعتقه المشتري، ثم أجاز المولى البيعَ : فالعتقُ جائزٌ؛ استحساناً. ولو هَلَكَ المالكُ لا ينفُذُ بإجازة الوارثِ في الفصلَيْن(١)؛ لأنه توقَّفَ على إجازة المورِّثِ بنفسِه، فلا يجوزُ بإجازةِ غيرِهِ. ولو أجازه المالكُ في حال حياتِهِ، ولا يُعلَمُ حالُ المبيع: جاز البيعُ في قولِ أبي يوسف رحمه الله أوَّلاً، وهو قولُ محمدٍ رحمه الله؛ لأن الأصل بقاؤه. ثم رجع أبو يوسف رحمه الله، وقال: لا يصحُّ حتى يُعلَمَ قيامُه عند الإجازة؛ لأن الشكَّ وَقَعَ في شَرْطِ الإجازة، فلا يثبتُ مع الشك. قال: (ومَن غَصَبَ عبداً، فباعه، وأعتقه المشتري، ثم أجاز المولى البيعَ: فالعتقُ جائزٌ؛ استحساناً)، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمدٌ رحمه الله: لا يجوز؛ لأنه لا عِتْقَ بدون الملك. قال عليه الصلاة والسلام: ((لا عِثْقَ فيما لا يَملِكُهُ ابنُ آدم))(٢). والموقوفُ لا يفيدُ الملكَ، ولو ثَبَتَ في الآخِرة في زمانٍ مستقبَلٍ: يثبتُ مستنداً، وهو ثابتٌ من وجهِ دونَ وجهٍ، والمصحِّحُ للإعتاق: الملكُ الكاملُ؛ لِمَا روينا. (١) أي فيما إذا كان الثمن عرضاً أو ديناً. البناية ١٠ / ٤٦٧. (٢) سنن الترمذي (١١٨١)، وقال: حسن صحيح، سنن أبي داود (٢١٩٠)، سنن ابن ماجه (٢٠٤٧)، وصحَّحَ إسناده ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢٠٦/٢. ٥٦٢ فصلٌ في بيع الفضولي ولهذا لا يصحُّ أن يُعتِقَ الغاصبُ، ثم يؤديَ الضمانَ، ولا أن يُعتِقَ المشتري، والخيارُ للبائع، ثم يُجيزُ البائعُ ذلك. وكذا لا يصحُّ بيعُ المشتري من الغاصب فيما نحنُ فيه، مع أنه أسرعُ نفاذاً، حتى نَفَذَ من الغاصب إذا أدَّى الضمانَ. وكذا لا يصح إعتاقُ المشتري من الغاصبِ إذا أدَّى الغاصبُ الضمانَ. ولهما: أن الملكَ ثَبَتَ موقوفاً بتصرُّفٍ مُطْلَقِ موضوعٍ لإفادة الملك، ولا ضررَ فيه، على ما مَرَّ، فيتوقَّفُ الإعتاقُ مرتَّباً عليه، وينفُذُ بنَفَاذِهِ، فصار كإعتاقِ المشتري من الراهن، وكإعتاقِ الوارثِ عبداً من التركة، وهي مُستغرَقةٌ بالديون: يصحُّ، وينفُذُ إذا قضىُ الديونَ بعد ذلك. بخلاف إعتاقِ الغاصبِ بنفسه؛ لأن الغصبَ غيرُ موضوعٍ لإفادة الملك. وبخلاف ما إذا كان في البيعِ خيارٌ للبائع؛ لأنه ليس بمُطلَق، وقِرَانُ الشرطِ به: يَمنعُ انعقادَه في حَقِّ الحكم أصلاً. وبخلاف بيعِ المشتري من الغاصب إذا باع؛ لأن بالإجازة يثبتُ للبائع ملكٌ باتٌّ، فإذا طَرَأَ على ملكٍ موقوفٍ لغيره: أبطله. وأما إذا أدى الغاصبُ الضمانَ: يَنْفُذُ إعتاقُ المشتري منه، كذا ذَكَرَه هلالٌ(١) رحمه الله، وهو الأصح. (١) هلال الرأي بن يحيى البصري، صاحب كتاب الوقف، وتقدم ذكره. ٥٦٣ فصلٌ في بيع الفضولي فإن قُطِعتْ يدُ العبد، فَأَخَذَ أرشَها، ثم أجاز المولىُ البيعَ : فالأرشُ للمشتري. ويَتصدَّقُ بما زاد على نصفِ الثمنِ . فإن باعه المشتري من آخَرَ، ثم أجاز المولى البيعَ الأولَ: لم يَجُزِ البيعُ الثاني. قال: (فإن قُطِعتْ يدُ العبد، فَأَخَذَ(١) أرشَها، ثم أجاز المولى البيعَ: فالأرشُ للمشتري)؛ لأن الملكَ قد تَمَّ له من وقت الشراء، فتبَيَّن أنّ القطعَ حَصَلَ علىُ مِلكِهِ. وهذه حُجَّةٌ على محمدٍ رحمه الله. والعُذْرُ له (٢): أن المِلكَ من وجهٍ يكفي لاستحقاق الأرشِ، كالمكاتب إذا قُطِعت يدُه، وأَخَذَ الأرشَ، ثم رُدَّ في الرِّقِّ: يكون الأرشُ للمولىُ، فكذا إذا قُطِعت يدُ المشترَى في يد المشتري، والخيارُ للبائع، ثم أُجيزَ البيعُ: فالأرشُ للمشتري، بخلاف الإعتاق، على ما مرَّ. (ويَتصدَّقُ بما زاد على نصفِ الثمنِ)؛ لأنه لم يَدخلّ في ضمانه، أو فيه شبهةً عدمِ الملك. قال: (فإن باعه المشتري من آخَرَ، ثم أجاز المولىُ البيعَ الأولَ: لم يَجُزِ البيعُ الثاني)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (١) أي فإن قُطعت يدُ العبد في يد المشتري، فأخذ المشتري. البناية ١٠ / ٤٧٢. (٢) أي لمحمد، أي جواب الإمام محمد رحمه الله. ٥٦٤ فصلٌ في بيع الفضولي فإن لم يِبِعْه المشتري، فمات في يدِهِ، أو قُتل، ثم أجاز البيعَ: لم يجز. ومَن باع عبدَ غيرِهِ بغير أَمْرِهِ، وأقام المشتري البِّنَةَ على إقرار البائع، أو ربِّ العبدِ أنه لم يأمُرْه بالبيع، وأراد به ردَّ البيعِ: لم تُقبلْ بَيِّنْتُه. ولأن فيه غررَ الانفساخ، على اعتبار عدمِ الإجازةِ في البيعِ الأول، والبيعُ يفسدُ به، بخلاف الإعتاقِ عندهما؛ لأنه لا يُؤْثِّرُ فيه الغررُ. قال: (فإن لم يبِعْه المشتري، فمات في يدِهِ، أو قُتل، ثم أجاز البيعَ: لم يجز)؛ لِمَا ذَكَرْنا أن الإجازةَ من شَرْطِها: قيامُ المعقود عليه، وقد فات بالموت، وكذا بالقتل، إذْ لا يُمكنُ إيجابُ البدلِ للمشتري بالقتل، حتى يُعَدُّ باقياً ببقاء البدل؛ لأنه لا ملكَ للمشتري عند القتل ملكاً يقابَلُ بالبدل، فتحقَّقَ الفَوَات. بخلاف البيعِ الصحيح؛ لأن ملكَ المشتري ثابتٌ، فأمكن إيجابُ البدل له، فيكونُ المبيعُ قائماً بقيام خَلَفِه (١). قال: (ومَن باع عبدَ غيرِه بغير أَمْرِهِ، وأقام المشتري البيّنةَ على إقرار البائع، أو ربِّ العبدِ أنه لم يأمُرْه بالبيع، وأراد به ردَّ البيعِ(٢): لم تُقبلْ بيِّنْتُه)؛ للتناقض في الدعوى، إذِ الإقدامُ على الشراء: إقرارٌ منه بصحته، والبينةُ مَبْنِيَّةٌ على صحة الدعوى. (١) وهو القيمة. (٢) وفي نُسخ: المبيع، كما هو في طبعات الهداية القديمة، وينظر لترجيح لفظ: البيع: البناية ١٠ / ٤٧٦. ٥٦٥ فصلٌ في بيع الفضولي وإن أقرَّ البائعُ بذلك عند القاضي : بَطَلَ البيعُ إِن طَلَبَ المشتري ذلك. ومَن باع داراً لرجلٍ، وأدخلها المشتري في بنائه : لم يضمنِ البائعُ عند أبي حنيفة رحمه الله، وهو قولُ أبي يوسف رحمه الله آخِراً، وكان يقول أوَّلاً : يضمنُ البائعُ، وهو قولُ محمدٍ رحمه الله. قال: (وإن أقرَّ البائعُ بذلك عند القاضي: بَطَلَ البيعُ إِن طَلَبَ المشتري ذلك)؛ لأن التناقضَ لا يمنعُ صحةَ الإقرار، وللمشتري أن يساعدَه على ذلك، فيتحقَّقُ الاتفاقُ بينهما، فلهذا شُرِطَ طلبُ المشتري. قال رضي الله عنه: وذَكَرَ في ((الزيادات)) أن المشتري إذا صدَّقَ مدَّعِيَه، ثم أقام البينةَ على إقرار البائعِ أنه للمُستَحِقِّ: تُقبَلُ. وفرَّقوا أن العبدَ في هذه المسألة في يد المشتري، وفي تلك المسألةِ(١) في يدِ غيره، وهو المُستَحِقُّ، وشَرْطُ الرجوعِ بالثمن: أن لا تكون العينُ سالمةً في يدِه للمشتري. قال: (ومَن باع داراً لرجلٍ، وأدخلها المشتري في بنائه: لم يضمنِ البائعُ عند أبي حنيفة رحمه الله، وهو قولُ أبي يوسف رحمه الله آخِراً. وكان يقول أوَّلاً: يضمنُ البائعُ، وهو قولُ محمدٍ رحمه الله)، وهي مسألةُ غَصْب العقار، وسنُبيِّنُه في الغصب(٢) إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) أي في مسألة الزيادات. (٢) أي في كتاب الغصب. ٥٦٦ باب السَّلَم باب السَّلَم السَّلَمُ عقدٌ مشروعٌ بالكتاب. باب السَّلَم قال: (السَّلَمُ عقدٌ مشروعٌ بالكتاب(١))، وهو آيةُ المدايَنَة. فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما (٢): أشهدُ أن الله تعالى أحلّ السَّلَفَ المضمونَ، وأنزل فيها أطولَ آيةٍ في كتابه، وتلا قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلِ مُسَقَّى فَأَكْتُوُهُ﴾. البقرة/ ٢٨٢. وبالسُّنَّة، وهو ما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيعٍ ما ليس عند الإنسان، ورخَّصَ في السَّلَم(٣). (١) هذه الجملة مثبتةٌ على أنها من بداية المبتدي في عدة نُسخ، ومنها النسخة المقابلة على نسخة الإمام الكاكي، وتاريخ نسخها ٧٤٨هـ، و٧٩٧هـ، و٩٥١هـ. (٢) المستدرك للحاكم (٣١٣٠)، مسند الشافعي (١٤٣٧)، مصنف عبد الرزاق (١٤٠٦٤)، مصنف ابن أبي شيبة (٢٢٣١٩)، الدراية ١٥٩/٢. (٣) قال في الدراية ١٥٩/٢: لم أجده هكذا، نعم هما حديثان: أحدهما: ((لا تبع ما ليس عندك))، وهو في سنن أبي داود (٣٥٠٣)، سنن الترمذي (١٢٣٥)، وقال: حسن صحيح، سنن ابن ماجه (٢١٨٧). وثانيهما: ورخَّص في السلم، وهو الحديث الآتي: ((مَن أسلم منكم فليسلم ... )). ٥٦٧ باب السَّلَم وهو جائزٌ في المَكيلات، والمَوزونات، وفي المَذْروعات. والقياسُ وإن كان يأباه، ولكنَّا تركناه بما رويناه. ووجهُ القياس: أنه بيعُ المعدوم، إذِ المَبيعُ هو المسلَم فيه. قال: (وهو جائزٌ في المَكيلات، والمَوزونات). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أسلم منكم: فليُسْلِمْ في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلوم))(١). والمرادُ بالموزونات: غيرُ الدراهم والدنانيرِ؛ لأنهما أثمانٌ، والمسلَمُ فيه لا بدَّ أن يكون مُثْمَناً، فلا يصحُّ السلَمُ فيهما(٢). ثم قیل: یکون باطلاً. وقيل: ينعقدُ بيعاً بثمن مؤجَّل؛ تحصيلاً لمقصود المتعاقدَيْن بحسب الإمكان، والعبرةُ في العقود: للمعاني. والأولُ أصحُّ؛ لأن التصحيحَ إنما يجبُ في محلٌّ أوجبا العقدَ فيه، ولا يُمكنُ ذلك. قال: (و) كذا (في المَذْروعات)؛ لأنه يُمكنُ ضَبْطُها بِذِكْرِ الذَّرْعِ، والصفةِ، والصنعة، ولا بدَّ منها لترتفعَ الجهالةُ، فيتحقَّقَ شرطُ صحة السلم. (١) بلفظ: ((مَن أسلف فليسلف)): في صحيح البخاري (٢٢٥٣)، صحيح مسلم (١٦٠٤)، وبلفظ: ((لا تُسلِموا، فمَن أسلم)): مرفوعاً: في الآحاد والمثاني (٢٠٨٢). (٢) أي في الدراهم والدنانير، وفي نُسخ: فيها. قلت: أي في الأثمان. ٥٦٨ باب السَّلَم وفي المعدودات التي لا تتفاوتُ آحادُها، كالجَوْز واللَّوْز والبَيْض. والصغيرُ والكبيرُ فيه: سواءٌ. قال: (و) كذا (في المعدودات التي لا تتفاوتُ آحادُها، كالجَوْز واللَّوْزِ والبَيْض)؛ لأن العدديَّ المتقارِبَ معلومُ القَدْرِ (١)، مضبوطُ الوصفِ، مقدورُ التسليمِ، فيجوزُ السلمُ فيه. (والصغيرُ والكبيرُ فيه (٢): سواءً)؛ لاصطلاح الناسِ على إهدارِ التفاوت. بخلاف البِطِّيْخِ والرُّمَّان؛ لأنه تتفاوتُ آحادُه تفاوتاً فاحشاً، وبتفاوت الآحاد في المالية: يُعرَفُ العدديُّ المتفاوت(٣). وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يجوزُ في بَيْضِ النَّعَامة؛ لأنه تتفاوتُ آحادُه في المالية. ثم كما يجوزُ السلمُ فيها (٤) عدداً: يجوز كيلاً ووزناً. وقال زفرُ رحمه الله: لا يجوز كيلاً؛ لأنه عدديٌّ، وليس بمكيل. وعنه: أنه لا يجوزُ عدداً أيضاً؛ للتفاوت. ولنا: أن المقدارَ مرةً يُعرَفُ بالعدد، وتارةً بالكيل، وإنما صار معدوداً بالاصطلاح، فيصيرُ مکیلاً باصطلاحهما. (١) لفظ: القَدْر: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة. (٢) أي في البيض والجوز والمعدودات التي لا تتفاوت. (٣) هكذا: المتفاوت: في النسخ الخطية، وفي طبعات الهداية القديمة: المتقارب. (٤) أي في المعدودات المتقاربة. البناية ١١/ ١١، وقوله: ووزناً: مثبت في نُسخ. ٥٦٩ باب السَّلَم وكذا في الفلوسِ عدداً. ولا يجوزُ السَّلَمُ في الحیوان. قال: (وكذا(١) في الفلوسِ عدداً). وقيل: هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وعند محمدٍ رحمه الله: لا يجوز؛ لأنها أثمانٌ. ولهما: أن الثمنيةَ تثبتُ في حَقُّهما (٢) باصطلاحهما، فتبطل باصطلاحهما، ولا تعودُ وَزْنياً، وقد ذكرناه من قبل(٣). قال: (ولا يجوزُ السَّلَمُ في الحيوان). وقال الشافعي(٤) رحمه الله: يجوزُ؛ لأنه يصيرُ معلوماً ببيان الجنس، والسِّنِّ، والنوعِ، والصفةِ، والتفاوتُ بعد ذلك يسيرٌ، فأشبه الثيابَ. ولنا: أنه بعد ذِكْرِ هذه الأوصاف(٥): يبقى فيه تفاوتٌ فاحشٌ في المالية، باعتبار المعاني الباطنة، فيُفضي إلى المنازعة. بخلاف الثياب؛ لأنه مصنوعُ العبادِ، فقَلَّما يتفاوتُ الثوبان إذا نُسجَا على منوالٍ واحدٍ. (١) أي وكذا يجوز السلمُ في الفلوس. (٢) أي في حق المتعاقدين. (٣) في باب الربا، في مسألة بيع الفلس بالفلسين. (٤) الحاوي الكبير ٣٩٩/٥. (٥) وفي نُسخ: بعد ذِكْر ما ذُكِر. ٥٧٠ باب السَّلَم ولا في أطرافِه، كالرؤوس، والأكارِع. ولا في الجلودِ عدداً، ولا في الحَطَب حُزَماً، ولا في الرَّطْبة جُرَزاً. ولا يجوزُ السلمُ حتى يكونَ المُسلَمُ فيه موجوداً من حين العقد إلى حين المَحِلُّ. وقد صحَّ أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام نهى عن السَّلَم في الحيوان(١). ويدخلُ فيه جميعُ أجناسِهِ، حتى العصافيرُ. قال: (ولا في أطرافِهِ، كالرؤوس، والأكارِع(٢))؛ للتفاوتٍ فيها، إذ هي عدديٌّ متفاوتٌ، لا مقدِّر (٣) لها. قال: (ولا في الجلودِ عدداً، ولا في الحَطَب حُزَماً، ولا في الرَّطْبة جُرَزاً)؛ للتفاوت فيها، إلا إذا عُرِفَ ذلك، بأن يُبَيِّنَ له طولَ ما يَشُدُّ به الحُزمةَ، أنه شِبْرٌ أو ذِراعٌ، فحينئذٍ يجوز إذا كان على وجهٍ لا يتفاوت. قال: (ولا يجوزُ السلمُ حتى يكونَ المُسلَمُ فيه موجوداً من حين العقد إلى حين المَحِلَّ). (١) سنن أبي داود (٣٣٥٦)، الترمذي (١٢٣٧)، وقال: حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سَمُرَة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره. اهـ. وقال ابن حجر في الفتح ٤١٩/٤: رجاله ثقات إلا أنه اختلف في سماع الحسن، ثم ذكر له عدة طرق يقوي بعضها بعضاً، وينظر التلخيص الحبير ١٠/٣. (٢) جَمْعُ: كُراع: وهو ما دون الركبة إلى الكعب. (٣) وفي نُسخ: لا معيارَ لها. ٥٧١ باب السَّلَم ويجوزُ السلمُ في السمك المالح، وزناً معلوماً، وضَرْباً معلوماً. حتى لو كان منقطعاً عند العقد، موجوداً عند المَحِلِّ، أو على العكس، أو منقطعاً فیما بین ذلك: لا يجوز عندنا. وقال الشافعيّ(١) رحمه الله: يجوز إذا كان موجوداً وقتَ المَحِلِّ؛ لوجود القدرة على التسليمِ حالَ وجوبِه. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا تُسلِفوا في الثمارِ حتى يَبْدُوَ صلاحُها))(٢). ولأن القدرةَ على التسليم: بالتحصيل، فلا بدَّ من استمرار الوجودِ في مدةِ الأجل؛ ليَتمكَّنَ من التحصيل. ولو انقطع بعد المَحِلِّ: فرَبُّ السَّلَمِ بالخيار: إن شاء فَسَخَ السلمَ، وإن شاء انتظر وجودَه؛ لأن السلمَ قد صحَّ، والعجزُ الطارئُ علىُ شَرَفِ الزوال، فصار كإباق العبدِ المَبيعِ قبلَ القبض. قال: (ويجوزُ السلمُ في السمكِ المالِح، وزناً معلوماً، وضَرْباً(٣) معلوماً)؛ لأنه معلومُ القَدْر، مضبوطُ الوصف، مقدورُ التسليم، إذ هو غیرُ منقطِعٍ. (١) الحاوي الكبير ٣٩١/٥. (٢) بلفظ المؤلف في مستخرج أبي عوانة (٥٥٢١)، وبلفظ: ((لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه)): في سنن أبي داود (٤٣٦٧)، وسكت عنه، وسنن ابن ماجه (٢٢٨٤)، وينظر الدراية ١٥٩/٢، التعريف والإخبار ٣١٢/٣. (٣) أي نوعاً. ٥٧٢ باب السَّلَم ولا خيرَ في السلم في السمك الطّرِيِّ، إلا في حينه، وزناً معلوماً، وضَرْباً معلوماً. ولا خيرَ في السلمِ في اللحمِ عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا : إذا وَصَفَ من اللحمِ موضعاً معلوماً، بصفةٍ معلومةٍ : جاز. ولا يجوزُ السلمُ فيه عدداً؛ للتفاوتِ. قال: (ولا خيرٌ (١) في السلم في السمك الطَّرِيِّ، إلا في حينه، وزناً معلوماً، وضَرْباً معلوماً)؛ لأنه ينقطعُ في زمان الشتاء، حتى لو كان في بلدٍ لا ينقطعُ: يجوزُ مطلقاً. وإنما يجوزُ وَزْناً، لا عدداً؛ لِمَا ذكرنا. وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يجوزُ في لحمِ الكبارِ منها، وهي التي تُقطَّعُ؛ اعتباراً بالسلم في اللحم عنده. قال: (ولا خيرً(٢) في السلم في اللحم عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: إذا وَصَفَ من اللحمِ موضعاً معلوماً، بصفةٍ معلومةٍ: جاز)؛ لأنه موزونٌ، مضبوطُ الوصفِ، ولهذا يُضمَنُ بالمثل. ويجوزُ استقراضُه وزناً، ويجري فيه ربا الفضل. بخلاف لحمِ الطيور؛ لأنه لا يُمكِنُ وَصْفُ موضعٍ منه. (١) أي لا يجوز. (٢) أي لا يجوز. ٥٧٣ باب السَّلَم ولا يجوزُ السلمُ إلا مؤجَّلاً. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه مجهولٌ؛ للتفاوت في قِلَّة العَظْم وكثرتِهِ، أو في سِمَتِهِ وهُزالِه، على اختلافِ فصولِ السَّنَة، وهذه الجهالةُ مفضِيَةٌ إلى المنازعة. وفي مخلوع العَظْم: لا يجوزُ على الوجه الثاني، وهو الأصح، والتضمينُ بالمثل ممنوعٌ. وكذا(١) الاستقراضُ، وبعد التسليم: فالمِثلُ أعدلُ من القيمة. ولأن القبضَ يُعايَنُ فيه، فيُعرَفُ مثلُ المقبوضِ به في وقته، أما الوصف: فلا يُكتفى به. قال: (ولا يجوزُ السلمُ إلا مؤجَّلاً). وقال الشافعي (٢) رحمه الله: يجوز حالاً(٣)؛ لإطلاق الحديث: EW ((ورَخَّص في السلم))(٤). ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إلى أجلٍ معلومٍ))، فيما روينا. ولأنه شُرع رخصةً؛ دفعاً لحاجة المَفاليس، فلا بدَّ من الأجل؛ ليَقدِرَ على التسليم فيه، فيُسلِّمَ، ولو كان قادراً على التسليم في الحالِ: لم يوجد المرخِّصُ، فبقيَ على النافي. (١) أي ممنوعٌ أيضاً وزناً. (٢) البيان للعمراني ٣٩٦/٥. (٣) وفي نُسخ: يجوز مطلقاً. (٤) تقدم قريباً. ٥٧٤ باب السَّلَم ولا يجوزُ إلا بأجلٍ معلومٍ. ولا يجوزُ السلمُ بمِكيالِ رجلٍ بعَيْنِهِ، ولا بذراعٍ رجلٍ بعَيْنه . ولا في طعامٍ قريةٍ بعَيْنها، أو ثمرةِ نخلةٍ بعَيْنِها . قال: (ولا يجوزُ إلا بأجلِ معلومٍ)؛ لِمَا روينا. ولأن الجهالةَ فيه مُقْضِيَةٌ إلى المنازعة، كما في البيع. والأجلُ أدناه: شهرٌ، وقيل: ثلاثةُ أيام، وقيل: أكثرُ من نصف يوم، والأول أصحُّ. قال: (ولا يجوزُ السلمُ بمِكيالِ رجلٍ بَعَيْنِهِ، ولا بذراعٍ رجلٍ بعَيْنه). معناه: إذا لم يُعرَفْ مقدارُه؛ لأنه يتأخَّرُ فيه التسليمُ، فربما یضیعُ، فيؤدي إلى المنازعة، وقد مَرَّ من قبلُ(١). ولا بدَّ أن يكونَ المكيالُ مما لا يَنْقَبِضُ ولا يَنْبَسِطُ، كالقِصَاعِ مَثَلاً، فإن كان مما يَنْكَبِسُ بالكَبْس، كالزِّنْبيل والحِرَاب: لا يجوزُ؛ للمنازعة، إلا في قِرَب الماءِ؛ للتعامل فيه، كذا رُوي عن أبي يوسف رحمه الله. قال: (ولا في طعامٍ قريةٍ بعَيْنها، أو ثمرةِ نخلةٍ بعَيْنِها)؛ لأنه قد تعتريه آفَةٌ، فلا قدرةَ على التسلیم. وإليه أشار عليه الصلاة والسلام حيثُ قال: ((أرأيتَ لو أذهب الله الثمرَ، بمَ يَستَحِلَّ أحدُكم مالَ أخيه؟!))(٢). ٩ (١) في أول كتاب البيع. (٢) صحيح البخاري (٢٢٠٨)، صحيح مسلم (١٥٥٥). ٥٧٥ باب السَّلَم ولا يصحُّ السَّلَمُ عند أبي حنيفة رحمه الله إلا بسبع شرائطَ : جنسٌ معلومٌ، ونوعٌ معلومٌ، وصفةٌ معلومةٌ، ومقدارٌ معلومٌ، وأجلُ معلومٌ، ... ولو كانت النسبةُ إلى قَريةٍ لبيانِ الصفة: لا بأس به، على ما قالوا(١)، ـي (٢) ببخارى، والبِسَاخِيِّ بفَرْغَانة. کالخُشْمُرانى٣(٢) قال: (ولا يصحُّ(٣) السَّلَمُ عند أبي حنيفة رحمه الله إلا بسبعِ(٤) شرائطَ: ١ - جنسٍ(٥) معلومٌ)، كقولنا: حنطةٌ، أو شعيرٌ، أو تمرٌ. (٢ - ونوعٌ معلومٌ)، كقولنا: سَقِيَّةٌ(٩)، أو بَخْسِيَّةٌ. (٣ - وصفةٌ معلومةٌ)، كقولنا: جيدٌ، أو رديءٌ. (٤ - ومقدارٌ معلومٌ)، كقولنا: كذا كيلاً، بمكيال معروفٍ، أو كذا وزناً. (٥- وأجلِّ معلومٌ)، والأصلُ فيه: ما روينا، والفقهُ فيه ما بيَّنَّا. (١) أي المشايخ رحمهم الله تعالی. (٢) خُشْمُران: اسم قرية ببخارى، وكذلك: بِسَاخ: اسم قرية بفَرْغانة، ببلدة صاحب الهداية، مدينةٌ وراء نهر جَيْحون. البناية ٢٩/١١. (٣) وفي نُسخ: لا يجوز. (٤) على تقدير المعدود: شريطةً، وفي نُسخ: بسبعة: على تقدير كون المعدود: شرطاً. البناية ٢٩/١١، فتح القدير ٢٢٠/٦. (٥) وفي نُسخ: جنسٍ: بالكسر، على البدلية، وهكذا في البقية. (٦) أي مَسْقَيَّة، وأما: بَخْسِيَّة: فنسبةٌ إلى: البَخْس، وهي الأرض التي تسقيها السماء؛ لأنها مبخوسة الحَظِّ من الماء. البناية ٣٠/١١. ٥٧٦ باب السَّلَم ومعرفة مقدار رأسِ المالِ، إذا كان يتعلَّقُ العقدُ على مقداره، كالمكيل، والموزون، والمعدود . وتسميةُ المكانِ الذي يُوَفِيه فيه إذا كان له حَمْلٌ ومؤنةٌ. وقالا: لا يُحتاجُ إلى تسميةِ رأس المال إذا كان معيَّناً، ولا إلى مكان التسليم، ويُسلِّمُه في موضع العقد . (٦- ومعرفة مقدار رأس المال، إذا كان يتعلَّقُ العقدُ على مقداره، کالمکیل، والموزون، والمعدود. ٧- وتسميةُ المكانِ الذي يُوَفِيه فيه إذا كان له حَمْلٌ ومؤنةٌ. وقالا: لا يُحتاجُ إلى تسميةِ رأس المال إذا كان معيَّناً، ولا إلى مكان التسليم، ويُسلِّمُه في موضع العقد)، فهاتان مسألتان فيهما اختلافٌ. لهما في الأُولىُ: أن المقصودَ يحصلُ بالإشارة، فأشبه الثمنَ والأجرةَ، وصار كالثوب. وله: أنه ربما يوجدُ بعضُها زُيوفاً، ولا يُستبدَلُ في المجلس، فلو لم يُعلَمْ قدرُه: لا يُدرَى في كم بقي؟ أو ربما لا يَقدِرُ على تحصيل المسلَم فيه، فَيَحتاجُ إلى ردِّ رأسِ مالِ السلم، والموهومُ في هذا العقد: كالمتحقّق؛ لشَرْعِه مع المنافي. بخلاف ما إذا كان رأسُ المال ثوباً؛ لأن الذَّرْعَ وَصْفٌ فيه، لا يتعلَّقُ العقدُ على مقداره. ومِن فروعه: إذا أسلم في جنسَيْن، ولم يبِيِّنْ رأسَ مالِ كلّ واحدٍ منهما، أو أسلم في جنسَيْن، ولم يُبيِّنْ مقدارَ أحدِهما. ٥٧٧ باب السَّلَم ولهما في الثانية: أن مكانَ العقدِ يتعيَّنُ؛ لوجود العقدِ الموجبِ للتسليم فيه. ولأنه لا يُزاحِمُه مكانٌ آخَرُ فيه، فيصيرُ نظيرَ أول أوقات الإمكانِ في الأوامر، فصار كالقرض والغصب. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن التسليمَ غيرُ واجبٍ في الحال، فلا يتعيَّنُ مكانُ العقد، بخلاف القرضِ والغصب. وإذا لم يتعيَّنْ: فالجهالةُ فيه تُفضي إلى المُنازعة؛ لأنَّ قِيَمَ الأشياء تختلف باختلافِ المكان، فلا بدَّ من البيانِ، وصار كجهالة الصفة. وعن هذا قال مَن قال مِن المشايخ رحمهم الله: إن الاختلافَ فيه(١) عنده يوجبُ التحالفَ، كما في الصفة. وقيل: على عكسِه؛ لأن تعيُّنَ المكانِ قضيةُ العقدِ عندهما، فصار كالاختلاف في العقد. وعلى هذا الخلاف: الثمنُ، والأجرةُ، والقِسْمةُ. وصورتُها: إذا اقتسما داراً، وجَعَلا مع نصيب أحدِهما شيئاً له حَمْلٌ ومؤنة. وقيل: لا يُشترطُ ذلك في الثمن. والصحيحُ أنه يُشترط إذا كان مؤجَّلاً، وهو اختيارُ شمس الأئمة السَّرَخْسِي رحمه الله. (١) أي في مكان الإيفاء. ٥٧٨ باب السَّلَم وما لم يكن له حَمْلٌ ومؤنةٌ : لا يُحتاجُ فيه إلى بيانِ مكانِ الإيفاءِ، بالإجماع، ويُوفَيه في المكان الذي أسلم فيه . وعندهما: يَتَعيَّنُ مكانُ الدار، ومكانُ تسليم الدابة؛ للإيفاء. قال: (وما لم يكن له حَمْلٌ ومؤنةٌ: لا يُحتاجُ فيه إلى بيانِ مكانٍ الإيفاءِ، بالإجماع)؛ لأنه لا تختلفُ قیمتُه. (ويُوفِيه في المكان الذي أسلم فيه). قال رضي الله عنه: وهذا (١) روايةُ ((الجامع الصغير(٢))، والبيوع(٣). وذَكَرَ في الإجارات (٤): أنه يوفّه في أيِّ مكانٍ شاء، وهو الأصحُّ؛ لأن الأماكنَ كلَّها سواءً، ولا وجوبَ في الحال. ولو عيَّنَ(٥) مكاناً: قيل: لا يتعيَّنُ؛ لأنه لا يُفيدُ، وقيل: يتعيَّن؛ لأنه يُفيدُ سقوطَ خَطَرِ الطريق. ولو عَيَّنَ المصرَ فيما له حَمْلٌ ومؤنةٌ: يُكتَفَى به؛ لأنه مع تباينِ أطرافه: کبُقْعةٍ واحدةٍ، فیما ذكرنا. (١) أي قوله: ويوفيه في المكان الذي أسلم فيه. (٢) ص١٦٦. (٣) أي بيوع كتاب الأصل، للإمام محمد رحمه الله. (٤) أي كتاب الإجارات من الأصل للإمام محمد رحمه الله. (٥) هكذا: عيَّن: في النسخ الخطية، والتقدير: أي ربُّ السلم. وفي طبعات الهداية القديمة: عيَّنا. بالتثنية. والتقدير: أي المسلمُ والمسلَم إليه. ٥٧٩ باب السَّلَم ولا يصحُّ السلمُ حتى يَقْبِضَ رأسَ المالِ قبلَ أن يُفارقَه فيه. قال: (ولا يصحُّ السلمُ حتى يَقِضَ رأسَ المالِ قبلَ أن يُفارقَه فيه). أما إذا كان من النقود: فلأنه افتراقٌ عن دَيْنِ بدَيْنٍ، وقد نهى النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن بيعِ الكالئ بالكالىء(١). وإن كان عَيْناً: فلأنَّ السلمَ أَخْذُ عاجلٍ بآجِلٍ، إذِ الإسلامُ والإسلافُ يُنبئان عن التعجيل، فلا بدَّ من قَبْضِ أحدِ العوضَيْن ليتحقّق معنى الاسم. ولأنه لا بدَّ من تسليمٍ رأسِ المال؛ ليتقلَّب(٢) المسلَمُ إليه فيه، فَيَقْدِرَ على التسليم. ولهذا قلنا: لا يصحُّ السلمُ إذا كان فيه خيارُ الشرطِ لهما، أو لأحدهما؛ لأنه يمنعُ تمامَ القبض؛ لكونه مانعاً من الانعقادِ في حقِّ الحكم. وكذا لا يثبتُ فيه خيارُ الرؤية؛ لأنه غيرُ مفيدٍ. بخلاف خيارِ العيب؛ لأنه لا يَمنعُ تمامَ القبض. ولو أسقط خيارَ الشرطِ قبلَ الافتراق، ورأسُ المالِ قائمٌ: جاز. خلافاً لزفر رحمه الله، وقد مَرَّ نظیرُه. وجملةُ الشروط جَمَعُوها(٣) في قولهم: (١) تقدم قريباً في الربا. (٢) أي ليتصرَّف. (٣) أي المشايخ رحمهم الله. ٥٨٠ باب السَّلَم فإن أسلم مائتي درهمٍ في كُرِّ حنطةٍ، مائةٌ منها دَيْنٌ على المسلَم إليه، ومائةٌ نَقْدٌ : فالسَّلَمُ فِي حِصَّةِ الدَّيْن : باطلٌ. ولا يجوزُ التصرُّفُ في رأسِ مالِ السلمِ والمسلَمِ فيه قبلَ القبض. إعلامُ رأسِ المالِ (١)، وتعجيلُهُ(٢)، وإعلامُ المسلَمِ فيه، وتأجيلُه(٣)، وبيانُ مكانِ الإيفاءِ(٤)، والقدرةُ على تحصيله(٥). قال: (فإن أسلم مائتي درهم في كُرِّ حنطةٍ، مائةٌ منها دَيْنٌ على المسلم إليه، ومائةٌ نَقْدٌ: فالسَّلَمُ في حِصَّةِ الدَّيْن: باطلٌ)؛ لفوات القبض. ويجوزُ في حِصَّةِ النقد؛ لاستجماعِ شرائطِهِ. ولا يَشيعُ الفسادُ؛ لأن الفسادَ طارئٌ، إذِ السلمُ وَقَعَ صحيحاً، ولهذا لو نَقَدَ رأسَ المالِ قبلَ الافتراق: صحَّ، إلا أنه يبطلُ بالافتراق؛ لِمَا بيَّنَا. وهذا لأن الدَّيْنَ لا يتعيَّنُ في البيع، ألا ترى أنهما لو تبايعا عيناً بدَيْنِ، ثم تصادقا أنْ لا دَيْنَ: لا يبطلُ البيعُ، فينعقدُ صحيحاً. قال: (ولا يجوزُ التصرُّفُ في رأسِ مالِ السلمِ والمسلَمِ فيه قبلَ القبض). أما الأولُ: فلِمَا فيه من تفويتِ القبضِ المستَحَقِّ بالعقد. (١) وهو مشتملٌ على بيان جنسه ونوعه وقدره وصفته. البناية ٣٨/١١. (٢) أي التسليم قبل الافتراق. (٣) أي إلى أجل معلوم. (٤) أي إيفاء المسلَم فيه. (٥) أي تحصيل المسلَم فيه، وهو ألا ينقطع.