النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ باب الجزیة أما مسألةُ الموت: فقد ذكرناها. وقيل: خراجُ الأرض: على هذا الخلاف، وقيل: لا تداخلَ فيه، بالاتفاق. لهما: في الخلافية: أن الخراجَ وَجَبَ عوضاً، والأعواضُ إذا اجتمعت، وأمكن استيفاؤها: تُستَوفى، وقد أَمكن فيما نحنُ فيه بعدَ توالي السنتَيْن(١)، بخلاف ما إذا أسلم؛ لأنه تعذَّر استيفاؤه؛ لأنه مسلمٌ. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنها وجبت عقوبةً على الإصرار على الكفر، على ما بيَّنَّاه. ولهذا لا تُقبل منه لو بَعَثَ بها على يدِ نائبه، في أصحِّ الروايات، بل يُكلَّفُ أن يأتيَ بها بنفسه، فيعطيَ قائماً، والقابِضُ منه قاعدٌ. وفي روايةٍ: يأخذُ بتَلْبِيْبِهِ(٢)، ويَهُزُّه هَزَّاً، ويقولُ: أعطِ الجزيةَ يا ذميُّ، أو يا عدوَّ الله. فثبت أنها عقوبةٌ، والعقوباتُ إذا اجتمعت: تداخَلَتْ كالحدود. ولأنها وجبت بدلاً عن القتل في حَقُّهم، وعن النُّصرة في حَقِّنا، كما ذكرنا، لكنْ في المستقبل، لا في الماضي؛ لأن القتلَ إنما يُستوفىُ لحِرَاب قائمٍ في الحال، لا لحِرَابٍ ماضٍ. (١) وفي نُسخ: السِّنِين. (٢) التلبيب: أَخْذُ موضع اللَّبَبِ من الثياب، وهو موضع القلادة من الصدر. البناية ٣٥٨/٩. ٢٦٢ باب الجزية وكذا النُّصْرةُ في المستقبل؛ لأن (١) الماضي وقعتِ الغُنْيةُ عنه. ثم قولُ محمدٍ رحمه الله في الجزية في ((الجامع الصغير (٢)): وجاءت سَنَةٌ أخرى: حَمَلَه بعضُ المشايخ رحمهم الله علىُ المُضِيِّ مجازاً، وقال: الوجوبُ بآخِرِ السَّنَة، فلا بدَّ من المُضِيِّ؛ ليتحقَّقَ الاجتماعُ، فتتداخل. وعند البعض: هو مُجْرَىً على حقيقته. والوجوبُ عند أبي حنيفة رحمه الله: بأول الحَوْل، فيتحقَّقُ الاجتماعُ بمجرَّد المجيء. والأصحُّ أن الوجوبَ عندنا في ابتداء الحول. وعند الشافعي(٣) رحمه الله في آخِرِه؛ اعتباراً بالزكاة. ولنا: أن ما وجب بدلاً عنه(٤): لا يَتحقَّقُ إلا في المستقبل، على ما قرَّرناه، فتعذَّر إيجابُهُ(٥) بعد مُضِيِّ الحول، فأوجبناها(٦) في أوَّلِه، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) وفي نُسخ: إذ الماضي. (٢) ص ٢٣٠. (٣) مغني المحتاج ٢٤٥/٤. (٤) أي عن القتل. (٥) أي إيجاب ما وجب. (٦) وفي نُسخ: فأوجبناه. على تقدير: ما وجب بدلاً عن القتل، وهي الجزية. ٢٦٣ فصل فصل ولا يجوزُ إحداثُ بَيْعةٍ، ولا كَنِيْسةٍ في دار الإسلام. وإن انهدمت البِيَعُ والكنائسُ القديمةُ: أعادوها. فصل في بيان ما يجوزُ لأهل الذمة فعلُه قال: (ولا يجوزُ إحداثُ بِيْعةٍ، ولا كَنِيْسةٍ في دار الإسلام). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا خِصَاءَ في الإسلام، ولا كنيسةَ))(١). والمرادُ: إحداثُها. قال: (وإن انهدمت البِيَعُ والكنائسُ القديمةُ: أعادوها). لأن الأبنيةَ لا تبقى دائماً، ولَمَّ أقرَّهمُ الإمامُ: فقد عَهِدَ إليهم الإعادةَ، إلا أنهم لا يُمكَّنون من نَقْلِها؛ لأنه(٢) إحداثُ في الحقيقة. والصَّوْمعةُ للتخلِّي فيها (٣): بمنزلة البِيْعَة. (١) الأموال لأبي عبيد (٢٥٩)، سنن البيهقي (١٩٧٩٣)، وفي سنده ضعف، ينظر التعريف والإخبار ٣٣٠/٣، الدراية ١٣٥/٢. (٢) أي النقل. (٣) أي ولا يُمكّنون من إحداث الصومعة، وهي ما يُبنى للتخلي عن الناس، والانقطاع عنهم. حاشية نسخة ٦٤٤ هـ. ٢٦٤ في بيان ما يجوزُ لأهل الذمة فعلُه ويُؤْخَذُ أهلُ الذمةِ بالتميُّزِ عن المسلمين، في زِيِّهم، وأثوابهم، ومَرَاكِبِهم، وسُرُوجِهِم، وقَلانِسِهِم، فلا يَركبون الخيلَ، ولا يَعملون بالسلاح. وفي ((الجامع الصغير)): ويُؤخَذُ أهلُ الذمة بإظهار الكُسْتِيْجات، بخلاف موضع الصلاة في البيت: لأنه تَبَعٌ للسكنى. وهذا في الأمصار، دون القُرى، لأن الأمصارَ هي التي تُقام فيها الشعائرُ، فلا تُعارَضُ بإظهار ما يُخالِفُها. وقيل: في ديارنا يُمنعَون من ذلك في القُرى أيضاً؛ لأن فيها بعضَ الشعائر. والمَرويُّ عن صاحب المذهب(١): في قُرئ الكوفة؛ لأن أكثرَ أهلِها أهلُ الذمة. وفي أرض العرب: يُمنعَون من ذلك، في أمصارها وقُرَاها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يَجتمِعُ دِيْنان في جزيرة العرب))(٢). قال: (ويُؤْخَذُ أهلُ الذمةِ بالتميُّزِ عن المسلمين، في زِيِّهم، وأثوابهم، ومَراكِبِهم، وسُرُوجِهم، وقَلانِسِهِم، فلا يَرَكبون الخيلَ، ولا يعملون بالسلاح. وفي ((الجامع الصغير (٣)): ويُؤْخَذُ أهلُ الذمة بإظهار الكُسْتِيْجات(٤)، (١) أي الإمام أبي حنيفة رحمه الله. (٢) الموطأ (٣٣٢٣) ٨٩٢/٢، الدراية ١٣٥/٢، التعريف والإخبار ٣٣١/٣. (٣) ص٢٦٤. (٤) جمع: كُسْتِيج: فارسيٌّ معرَّبٌ، وهو ما يُحيطُ العقدة على وسطه، يُشبه الزُّنَار. البناية ٣٦٧/٩. ٢٦٥ في بيان ما يجوزُ لأهل الذمة فعلُه والركوبِ على السُّروج التي هي كهيئة الأُكُفُ. والركوبِ على السُّروج التي هي كهيئة الأُكُف(١)). وإنما يُؤخَذون بذلك: إظهاراً للصَّغَار عليهم، وصيانةً لضَعَفَة المسلمين. ولأن المسلمَ يُكرَمُ، والذميَّ يُهانُ. فلا يُبْتَدَأُ بالسلام، ويُضَيَّقُ عليه الطريقُ. فلو لم تكنْ علامةٌ مميّزةٌ: فلعلَّه يُعامَلُ معاملةَ المسلمين، وذلك لا يجوز. والعلامةُ يجبُ أن تكونَ خَيْطاً غليظاً من الصوف، يَشُدُّ علىُ وَسْطِهِ، دون الزُّنَّار من الإبريسَم، فإنه جَفَاءٌ في حَقِّ أهل الإسلام. ويجب أن تتميَّزَ نساؤهم عن نسائنا، في الطَّرُّقات، والحمَّامات. ويُجعَلُ علىُ دُورهم علاماتٌ؛ كي لا يقفَ عليها سائلٌ يدعو لهم بالمغفرة. قالوا(٢): الأحَقُّ أن لا يُتركوا أن يَركبوا، إلا للضرورة. وإذا ركبوا للضرورة: فليَنزلوا في مجامِعِ المسلمين. فإن لزمتِ الضرورةُ: اتخذوا سُرُوجاً بالصفة التي تقدَّمت. (١) جمع: إكاف، وهو ما يوضَعُ على الحمار، لكنه أثقل من السرج، وهو للحمار: کالسرج للفرس. (٢) أي مشايخنا رحمهم الله. البناية ٣٦٩/٩. ٢٦٦ في بيان ما يجوزُ لأهل الذمة فعلُه ومَن امتَنَعَ من أداء الجزية، أو قَتَلَ مسلماً، أو سَبَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، أو زنىُ بمسلمةٍ : لم يَنْتَقِضْ عهدُه. ويُمنعَون من(١) لباسٍ يَختَصُّ به أهلُ العلم والزُّهْد والشَّرَف. قال: (ومَن امتَنَعَ من أداء الجزية، أو قَتَلَ مسلماً، أو سَبَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، أو زنىُ بمسلمةٍ: لم يَنْتَقِضْ عهدُه)؛ لأن الغايةَ التي ينتهي بها القتالُ: التزامُ الجزية، لا أداؤها، والالتزامُ باقٍ. وقال الشافعي(٢) رحمه الله: سَبُّ النبيِّ عليه الصلاة والسلام يكون نَقْضاً؛ لأنه لو كان مسلماً(٣): يَنقُضُ إيمانَه، فكذا يَنقُضُ أمانَه(٤)، إذْ عقدُ الذمة خَلَفٌ عنه(٥). ولنا: أن سَبَّ النبيِّ عليه الصلاة والسلام كفرٌ منه، والكفرُ المقارِنُ (٩) لا يمنعُهُ(٧)، فالطارئُ: لا يرفعُه. (١) وفي نُسخ: عن. (٢) الغرر البهية ١٤٧/٥. (٣) قوله: لو كان مسلماً: مثبتٌ في بعض طبعات الهداية القديمة، وكذلك في البناية بطبعتيها البيروتية والملتانية. (٤) أي أمانه الذي كان له بعقد الذمة. البناية ٣٧٠/٩. (٥) أي عن الإيمان. (٦) أي لعقد الذمة. فتح القدير ٣٠٣/٥. (٧) أي عقد الذمة وما فيه من الأمان. ٢٦٧ في بيان ما يجوزُ لأهل الذمة فعلُه ولا يَنْتَقِضُ العهدُ إلا وأن يَلْحَقَ بدار الحرب، أو يَغلِبوا على موضعٍ، فیحاربوننا فيه. وإذا نَقَضَ الذميُّ العهدَ : فهو بمنزلة المرتَدٌ. قال: (ولا يَنْتَقِضُ العهدُ إلا وأن(١) يَلْحَقَ بدار الحرب، أو يَغلِبوا على موضعٍ، فيحاربوننا فيه)؛ لأنهم صاروا حرباً علينا، فَيَعرَىُ عقدُ الذمة عن الفائدة، وهو دَفْعُ شرِّ الحِرَاب. قال: (وإذا نَقَضَ الذميُّ العهدَ: فهو بمنزلة المرتَدِّ)، معناه: في الحُكم بموته باللَّحَاق؛ لأنه التَّحَقَ بالأموات. وكذا في حُكْم ما حَمَلَه من ماله، إلا أنه لو أُسِرَ: يُستَرَقُّ، بخلاف المرتد، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) وفي نسخ: إلا أن. بدون واو. ٢٦٨ فصل فصل ونصارى بني تَغْلِبَ يُؤْخَذُ من أموالِهِم ضِعْفُ ما يُؤخَذُ من المسلمين من الزكاة . ويُؤخَذُ من نسائهم، ولا يُؤْخَذُ من صبيانهم. فصلٌ في أحكام نصارى بني تَغْلِب قال: (ونصارى بني تَغْلِبَ يُؤْخَذُ من أموالِهم ضِعْفُ ما يُؤْخَذُ من المسلمين من الزكاة)؛ لأن عمرَ رضي الله عنه صالَحَهم على ذلك، بمَحَضَرِ من الصحابة رضي الله عنهم(١). قال: (ويُؤْخَذُ من نسائهم، ولا يُؤْخَذُ من صبيانهم)؛ لأن الصلحَ وَقَعَ (٢) على الصدقة المضاعفَةِ، والصدقةُ تجبُ عليهنَّ، دون الصبيان، فكذا المضاعَفُ. وقال زفر رحمه الله: لا يؤخُذُ من نسائهم أيضاً، وهو قولُ الشافعي(٣) (١) مصنف ابن أبي شيبة (١٠٥٨١)، مصنف عبد الرزاق ٩٩/٦، سنن البيهقي ٢١٦/٩، نصب الراية ٣٦٢/٢، الدراية ٢٥٦/١. (٢) لفظ: وقع: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة. (٣) النجم الوهاج ٩/ ٤١٥. ٢٦٩ في أحكام نصارى بني تَغْلِب ويُوضَعُ على مولى التغلبيِّ الخراجُ، أي الجزيةُ. وخراجُ الأرض : بمنزلة مولى القرشي. رحمه الله؛ لأنه جزيةً في الحقيقة، على ما قال عمر رضي الله عنه: ((هذه جزيةٌ، فسمُّوها ما شئتُم))(١). ولهذا تُصرَفُ مصارِفَ الجزية، ولا جزيةَ على النِّسوان. ولنا: أنه مالٌ وَجَبَ بالصلح، والمرأةُ من أهل وجوبِ مثلِه عليها، والمَصرِفُ: مصالِحُ المسلمين؛ لأنه مالُ بيتِ المال، وذلك لا يَخْتَصُّ بالجزية، ألا ترى أنه لا يُراعىُ فيه شرائطُها. قال: (ويُوضَعُ على مولى التغلبيِّ الخراجُ، أي الجزيةُ(٢) وخراجُ الأرض (٣): بمنزلة مولى القرشي). وقال زفر رحمه الله: يُضاعَفُ(٤)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن مولى القومِ منهم))(٥). (١) ينظر نصب الراية ٢/ ٣٦٢، والحاشية السابقة. (٢) لأنها خراج الرأس. (٣) أي يُوضع عليها خراجُ الأرض، أي لا تؤخذ الجزيةُ والخراج من القرشي، وتُؤخَذُ من مولاه، فكذلك ها هنا تؤخذ الجزية من معتَق التغلبيِّ وإن لم تؤخذ من التغلبي. البناية ٩/ ٣٧٤. (٤) أي على مولى التغلبي. (٥) سنن النسائي (٢٦١٢)، مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٧٦١)، وصححه ابن حبان (٣٢٩٣)، مسند أحمد (١٨٩٩٢)، التعريف والإخبار ١٣٥/٣، نصب الراية ١٤٨/٤، ٤٠٤/٢. = ٢٧٠ في أحكام نصارى بني تَغْلِب وما جَبَاه الإمامُ من الخراجِ، ومن أموالِ بني تغلبَ، وما أهداه أهلُ الحرب إلى الإمام، والجزيةُ: يُصرَفُ في مصالِحِ المسلمين، كسَدِّ التُّغُور، وبناءِ القناطر والجُسُورِ. ألا ترى أن مولى الهاشميِّ: يُلحَقُ به في حَقِّ حُرمة الصدقة. ولنا: أن هذا تخفيفٌ، والمولىُ لا يُلحَقُ بالأصل فيه، ولهذا تُوضَعُ الجزيةُ على مولى المسلم إذا كان نصرانياً. بخلاف حُرْمةِ الصدقة؛ لأن الحُرُمات تَثبتُ بالشبهات، فأُلْحِقَ المولىُ بالهاشميِّ في حَقِّه. ولا يَلزمُ مولى الغنيِّ؛ حيثُ لا تَحرُمُ عليه الصدقةُ؛ لأن الغنيَّ مِن أهلها، وإنما الغِنِىُ مانعٌ، ولم يوجَدْ في حَقِّ المولىُ. أما الهاشميُّ: فليس بأهلِ لهذه الصلة(١) بنفسه أصلاً؛ لأنه صِيْنَ لشَرَفِه وكرامته عن أوساخ الناس، فأُلحِقَ به مولاه. قال: (وما جَبَاه الإمامُ من الخراجِ، ومن أموالِ بني تغلبَ، وما أهداه أهلُ الحرب إلى الإمام، والجزيةُ: يُصرَفُ(٢) في مصالِحِ المسلمين، كسَدٌ التُّغُور، وبناءِ القناطر والجُسُورِ. وبلفظ: ((مولى القوم من أنفسهم)): في سنن أبي داود (١٦٥٠)، سنن الترمذي (٦٥٧)، السنن الكبرى للنسائي (٢٤٠٥)، وهو صحيح، كما في البدر المنير ٣٨٨/٧. (١) وفي نُسخ: الصدقة. (٢) وفي نُسخ: تُصرف. بالتأنيث. ٢٧١ في أحكام نصارى بني تَغْلِب ويُعطى قضاةُ المسلمين، وعُمَّالُهم، وعلماؤهم منه ما يكفيهم، وتُدفَعُ منه أرزاقُ المقاِلةِ، وذرارِيِّهم. ومَن مات في نصفِ السَّنَةِ : فلا شيءَ له من العَطَاء. ويُعطىُ قضاةُ المسلمين، وعُمَّالُهم، وعلماؤهم منه ما يكفيهم، وتُدفَعُ منه أرزاقُ المقاتِلةِ، وذراريِّهم)؛ لأنه مالُ بيتِ المال، فإنه وَصَلَ إلى المسلمين من غير قتال، وهو مُعَدٌّ لمصالح المسلمين، وهؤلاء عَمَلَتُهم، ونفقةُ الذراريِّ على الآباء، فلو لم يُعْطَوْا كفايتَهم: لاحتاجوا إلى الاكتساب، فلا يَتفرَّغون للقتال. قال: (ومَن مات في نصفِ السَّنَةِ: فلا شيءَ له من العَطَاء)؛ لأنه نوعُ صلةٍ، وليس بدَيْنٍ، ولهذا سُمَِّ عطاءً، فلا يُملَكُ قبلَ القبض، ويَسقطُ بالموت. وأهلُ العطاء في زماننا: مثلُ القاضي، والمدرِّسِ، والمفتي، والله تعالى أعلم. ٢٧٢ باب أحكام المُرتدِّین باب أحکام المُرتدِّین وإذا ارتدَّ المسلمُ عن الإسلام، والعياذُ بالله : عُرِضَ عليه الإسلامُ، فإن كانت له شُبْهةٌ : كُشِفَتْ عنه، ويُحَبَسُ ثلاثةَ أيامٍ، فإن أسلم، وإلا : قُتِلَ. وفي ((الجامع الصغير)): المرتدُّ يُعْرَضُ عليه الإسلامُ، حرًّاً كان أو عبداً، فإن أبىُ : قُتِل. باب أحكام المرتدِّین قال: (وإذا ارتدَّ المسلمُ عن الإسلام، والعياذُ بالله: عُرِضَ عليه الإسلامُ، فإن كانت له شُبْهةٌ: كُشِفَتْ عنه)؛ لأنه عَسَاه اعتَرَتْه شبهةٌ، فتُراحُ عنه. وفيه(١): دَفْعُ شَرِّه بأحسن الأمرَيْن(٢)، إلا أن العَرْضَ على ما قالوا(٣): غيرُ واجبٍ، لأن الدَّعوةَ بلَغَتْه. قال: (ويُحَبَسُ ثلاثةَ أيامٍ، فإن أسلم، وإلا: قُتِلَ. وفي ((الجامع الصغير(٤)): المرتدُّ يُعْرَضُ عليه الإسلامُ، حرَّاً كان أو عبداً، فإن أبى: قُتِل). (١) أي في عرض الإسلام. (٢) الإسلام والقتل، وأحسنهما الإسلام. (٣) أي المشايخ. البناية ٣٧٨/٩. (٤) ص١٥٨. ٢٧٣ باب أحكام المُرْتدِّين وتأويلُ الأول(١): أنه يَستَمْهِلُ: فَيُمْهَلُ ثلاثةَ أيامٍ؛ لأنها مدةٌ ضُرِبِتْ لإبْلاءِ الأعذار. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أنه يُستحبُّ أن يؤجِّلَه ثلاثةَ أيام، طَلَبَ ذلك، أو لم يَطلُب. وعن الشافعي(٢) رحمه الله: أنَّ على الإمام أن يؤجِّلَه ثلاثةَ أيامٍ، ولا يَحِلُّ له أن يَقْتُلَه قبلَ ذلك؛ لأنَّ ارتدادَ المسلمِ يكونُ عن شبهةٍ ظاهراً، فلا بدَّ من مدةٍ يُمكِنُه التأمُّلُ، فقدَّرناها بالثلاث. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾. التوبة/٥، من غیر قیدِ الإمهال. وكذا قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَن بدَّل دينَه فاقتلوه))(٣). ولأنه كافرٌ حربيٌّ بلَغَتْه الدَّعوةُ، فيُقتَلُ للحال، من غير استمهال، ٠ وهذا لأنه لا يجوزُ تأخيرُ الواجبِ لأمرٍ موهومٍ. ولا فَرْقَ بين الحرِّ والعبد؛ لإطلاق الدلائل. وكيفيةُ توبته: أن يَتَبَرَأْ عن الأديانِ كلِّها سوى الإسلام؛ لأنه لا دِيْنَ له. ولو تبرّاً عما انتقل إليه: كفاه؛ لحصول المقصود. (١) وهو قوله: ويُحبس ثلاثة أيام. (٢) تجب استتابته. مغني المحتاج ١٣٩/٤. (٣) صحيح البخاري (٣٠١٧، ٦٩٢٢). ٢٧٤ باب أحكام المُرتدِّین فإن قَتَلَه قاتلٌ قبلَ عَرْضِ الإسلام عليه: كُره ذلك، ولا شيءَ على القاتل. وأما المرتدَّةُ : فلا تُقتَل. قال: (فإن قَتَلَه قاتلٌ قبلَ عَرْضِ الإسلام عليه: كُره ذلك، ولا شيء على القاتل). ومعنى الكراهية ها هنا: تَرْكُ المستحبِّ، وانتفاءَ الضمان؛ لأن الكفرَ مبيحٌ للقتل، والعَرْضُ بعد بلوغ الدَّعوة: غيرُ واجب. قال: (وأما المرتدَّةُ: فلا تُقْتَل (١)). وقال الشافعي(٢) رحمه الله: تُقتَل؛ لِمَا روينا(٣). ولأن ردَّة الرجل مُبيحةٌ للقتل من حيث إنه جنايةٌ متغلِّظةٌ، فتُناطُ بها(٤) عقوبةٌ مغلَّظةٌ، ورِدَّةُ المرأة تشاركُها فيها(٥)، فتشاركُها في موجَبِها(٦). ولنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قَتْل النساء(٧). ولأن الأصلَ تأخيرُ الأَجْزية إلى دار الآخِرة، إذ تعجيلُها يُخِلُّ بمعنى الابتلاء، وإنما عُدِلَ عنه: دفعاً لشرِّ ناجزٍ، وهو الحِرابُ، ولا یتوجّهُ ذلك من (١) ولكن تُحبَسُ حتى تُسلِم، كما سيأتي قريباً في كلام المصنّف، وفي نُسخٍ كُرِّرت. (٢) مغني المحتاج ١٤٠/٤. (٣) من حديث: ((مَن بدَّل دينه فاقتلوه))، وكلمةُ: مَن: تعُمُّ الرجال والنساء. (٤) وفي نُسخ: به. (٥) أي تشارك ردةَ الرجل في هذه العقوبة، وفي نُسخ: فيه. (٦) وهو القتل. (٧) صحيح البخاري (٣٠١٥)، صحيح مسلم (١٧٤٤). ٢٧٥ باب أحكام المُرْتدِّین ولكن تُحبَسُ حتى تُسْلِمَ. وفي ((الجامع الصغير)): وتُجَبَرُ المرأةُ على الإسلام، ولا تُقتل، حرَّةً كانت أو أمةً، والأمةُ يُجبرُها مولاها. ويزولُ مِلْكُ المرتدِّ عن أمواله بردَّته زوالاً مُرَاعِىّ، فإن أسلم : عادتْ على حالها . النساء؛ لعدم صلاحيةِ البِنْية، بخلاف الرجال، فصارت المرتدَّةُ كالأصليّة(١). قال: (ولكن تُحَبَسُ حتى تُسْلِمَ)؛ لأنها امتنعت عن إيفاءِ حَقِّ الله تعالى بعد الإقرار، فتُجَبَرُ على إيفائه بالحبس، كما في حقوق العباد. قال: (وفي ((الجامع الصغير (٢)): وتُجَبَرُ المرأةُ على الإسلام، ولا تُقتل، حرَّةً كانت أو أمةً، والأمةُ يُجبرُها مولاها). أما الجَبْرُ: فلِمَا ذکرنا. ومن المولىُ: لِمَا فيه من الجمع بين الحقَّيْنَ(٣). ويُروى: تُضرَبُ في كلِّ يومٍ(٤)؛ مبالغةً في الحمل على الإسلام. قال: (ويزولُ مِلْكُ المرتدِّ عن أمواله بردَّته زوالاً مُرَاعِىَ، فإن أسلم: عادتْ على حالِها). (١) أي كالكافرة الأصلية، وهي لا تُقتل، فكذا المرتدة. (٢) ص١٥٨. (٣) أي الجبر والاستخدام. (٤) وفي نُسخ عديدة: أيام. ٢٧٦ باب أحکام المُرتدِین وإن مات أو قُتِل علىُ رِدَّته : انتَقَلَ ما اكتسبه في حالِ إِسلامِه إلى ورثتِه المسلمين، وكان ما اكتَسَبَه في حال رِدَّته: فَيْئاً. وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله : كلاهما لورثته المسلمين. قالوا: هذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وعندهما: لا يزول ملكُه؛ لأنه مكلَّفٌ محتاجٌ، فإلى أن يُقتَلَ: يبقىُ ملكُه، كالمحكوم عليه بالرجم والقصاص. وله: أنه حربيٌّ مَقْهورٌ تحت أيدينا حتى يُقْتَلُ، ولا قَتْلَ إلا بالحِرَاب (١)، وهذا يوجبُ زوالَ ملكِهِ ومالكيَّتِه، غير أنه مدعوٌّ إلى الإسلام بالإجبار عليه، ويُرجىُ عَوْدُه إليه، فتوقَّفنا في أمره، فإن أسلم: جُعِلَ العارضُ كأن لم يكن في حَقِّ هذا الحكم، وصار كأنْ لم يَزَلْ مسلماً، ولم يُعمل بالسبب. وإن مات أو قُتل علىُ رِدَّته، أو لَحِقَ بدار الحرب، وحَكَمَ الحاكمُ بَلَحَاقه: استقرَّ كفرُهُ، فعَمِلُ السببُ عملَه، وزال مِلكُهُ. قال: (وإن مات أو قُتِل على رِدَّته: انتَقَلَ ما اكتسبه في حالِ إسلامِهِ إلى ورثتِه المسلمين، وكان ما اكتَسَبَه في حال رِدَّته: فَيْئاً)، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. (وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: كلاهما لورثته المسلمين). (١) فكان القتل ها هنا مستلزماً للحراب. البناية ٣٨٦/٩. ٢٧٧ باب أحكام المُرْتدِّین وقال الشافعي (١) رحمه الله: كلاهما فيء؛ لأنه مات كافراً، والمسلمُ لا يَرِثُ الكافرَ. ثم هو مالُ حربيٍّ، لا أمانَ له، فيكون فيئاً. ولهما: أن مِلْكَه في الكسبَيْن بعد الردة باقٍ، على ما بَيَنَّاه، فينتقلُ بموته إلى ورثته، ويستندُ إلى ما قُبَيْلَ رِدَّته، إذِ الرِّدَّةُ سببُ الموت، فيكونُ توريثُ المسلمٍ من المسلم. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه يُمكِنُ الاستنادُ في كَسْب الإسلام؛ لوجوده قبلَ الردة، ولا يمكنُ الاستنادُ في كسب الردة؛ لعدمه قبلها، ومِن شَرْطِهِ: وجودُه. ثم إنما يَرتُه: مَن كان وارثاً له حالةَ الردة، وبقيَ وارثاً إلى وقت موته، في روايةٍ عن أبي حنيفة رحمه الله؛ اعتباراً للاستناد. وعنه: أنه يرتُه مَن كان وارثاً له عند الردة، ولا يَبطلُ استحقاقُه بموته، بل يَخلُّفُه وارتُه؛ لأن الردةَ: بمنزلة الموت. وعنه: أنه يُعتبرُ وجودُ الوارثِ عند الموت؛ لأن الحادثَ بعدَ انعقادِ السبب قبلَ تمامِه: كالحادث قبلَ انعقادِهِ، بمنزلة الولدِ الحادِثِ من المَبيع قبلَ القبض. (١) الحاوي الكبير ١٤٥/٨. ٢٧٨ باب أحكام المُرتدِّین وإن لَحِقَ بدار الحرب مرتدَّاً، وحَكَمَ الحاكمُ بلَحَاقِه: عَتَقَ مدَبَّروه وأمهاتُ أولاده، وحَلَّتِ الديونُ التي عليه، ونُقِلَ ما اكتسبه في حالٍ الإسلام إلى ورثته من المسلمين . وترثُه امرأتُه المسلمةُ إذا مات، أو قُتِل على ردَّته، وهي في العدة؛ لأنه يصيرُ فارَّاً وإن كان صحيحاً وقتَ الردة. والمرتدةُ: كسبُها (١) لورثتها؛ لأنه لا حِرَاب منها، فلم يوجد سببُ الفيء، بخلاف المرتدِّ عند أبي حنيفة رحمه الله. ويرثُها زوجُها المسلمُ إن ارتدَّت وهي مريضةٌ؛ لقصدِها إبطالَ حقِّه. وإن كانت صحيحةً: لا يرثُها؛ لأنها لا تُقْتَلُ، فلم يتعلَّقْ حَقُّه بمالِها بالردة، بخلاف المرتد. قال: (وإن لَحِقَ بدار الحرب مرتدَّاً، وحَكَمَ الحاكمُ بلَحَاقِه: عَتَقَ مدبّروه وأمهاتُ أولاده، وحَلَّتِ الديونُ التي عليه، ونُقِلَ ما اكتسبه في حالِ الإسلام إلى ورثته من المسلمين). وقال الشافعيُّ(٢) رحمه الله: يبقىُ مالُه موقوفاً كما كان؛ لأنه نوعُ غَيْبةٍ، فأشبه الغَيْبةَ في دار الإسلام. ولنا: أنه باللَّحاق: صار من أهل الحرب، وهم أمواتٌ في حَقِّ أحكام الإسلام؛ لانقطاع ولايةِ الإلزام، كما هي منقطعةً عن الموتى، فصار (١) وفي نُسخ: كسباها. (٢) الحاوي الكبير ١٤٧/٨. ٢٧٩ باب أحكام المُرْتدِین وتُقضى الديونُ التي لَزِمَتْه في حال الإسلام: مما اكْتَسَبَه في حال الإسلام، وما لَزِمَه في حالٍ رِدَّته من الديون: مما اكْتُسَبَه في حال رِدَّته. كالموت، إلا أنه لا يَستَقِرُّ لَحَاقُه إلا بقضاء القاضي؛ لاحتمال العَوْد إلينا، فلا بدَّ من القضاء. وإذا تقرَّر موتُه: ثبَتَتِ الأحكامُ المتعلّقة به، وهي ما ذكرناها، كما في الموت الحقيقي. ثم يُعتبرُ كونُه وارثاً عند لَحَاقه في قول محمدٍ رحمه الله؛ لأن اللَّحَاقَ: هو السببُ، والقضاءُ: لتقرُّره (١) بقطع الاحتمال. وقال أبو يوسف رحمه الله: وقتَ القضاء؛ لأنه يصيرُ موتاً بالقضاء. والمرتدةُ إذا لَحِقت بدار الحرب: فهي على هذا الخلاف. قال: (وتُقضى الديونُ التي لَزِمَتْه في حال الإسلام: مما اكْتَسَبَه في حال الإسلام، وما لَزِمَه في حالٍ رِدَّته من الديون: مما اكْتَسَبَه في حال ردَّته). قال العبد الضعيف عَصَمَه الله: هذه روايةٌ عن أبي حنيفة رحمه الله. وعنه: أنه يُبدَأُ بكَسْب الإسلام، وإن لم يفِ بذلك: يُقضىُ من كَسْب الردة. وعنه: على عكسه. (١) أي تقرر السبب، وقيل: لتقرر اللحاق، وهما متقاربان. البناية ٩/ ٣٩٢. ٢٨٠ باب أحكام المُرتدِّین وما باعه، أو اشتراه، أو أعتقه، أو وَهَبَه، أو رَهَنَه، أو تصرَّف فيه من أمواله في حالٍ رِدَّتِه: فهو موقوفٌ: فإن أسلم: صحَّتْ عقودُه، وإن مات، أو قُتل، أو لَحِقَ بدار الحرب : بطلت تصرفاتُه، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وجهُ الأول: أن المستَحَقَّ بالسببَيْن: مختلِفٌ، وحصولُ كلّ واحدٍ من الكسبَيْن: باعتبار السبب الذي وَجَبَ به الدَّيْن، فيُقضىُ كلّ دينٍ من ءِ الكسب المكتَسَبِ في تلك الحالة؛ ليكون الغُرْمُ بالغُنْم. وجه الثاني: أن كَسْبَ الإسلامِ مِلْكُه، حتى يَخْلُفُه الوارثُ فيه، ومِن شَرْطِ هذه الخلافة: الفراغُ عن حَقِّ المُوَرِّث، فيُقَدَّم الدينُ عليه. أما كسبُ الردة: فليس بمملوكٍ له؛ لبطلان أهلية الملكِ بالردة عنده، فلا يُقضى دينُه منه، إلا إذا تعذَّرَ قضاؤه من مَحَلِّ آخَر، فحينئذٍ يُقضَى منه، كالذمي إذا مات، وتَرَكَ مالاً، ولا وارثَ له: يكون مالُه لجماعة المسلمین، ولو کان علیه دینٌ: يُقضى منه، كذلك ها هنا. وجهُ الثالث: أن كسبَ الإسلام: حَقُّ الورثة، وكَسْبَ الرَّدِّة: خالصُ حقِّه، فكان قضاءُ الدين منه أَوْلى، إلا إذا تعذّر، بأن لم يَفِ به: فحينئذٍ يُقضىُ من كَسْبِ الإسلام؛ تقديماً لِحَقِّه. وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: تُقضَى ديونُه من الكسبَيْن؛ لأنهما جميعاً مِلْكُه، حتى يجريَ الإرثُ فيهما. قال: (وما باعه، أو اشتراه، أو أعتقه، أو وَهَبَه، أو رَهَنَه، أو تصرَّف فيه من أمواله في حالٍ رِدَّتِهِ: فهو موقوفٌ: فإن أسلم: صحَّتْ عقودُه، وإن مات، أو قُتل، أو لَحِقَ بدار الحرب: بطلت تصرفاتُه، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.