النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
باب كيفية القتال
باب كيفية القتال
وإذا دَخَلَ المسلمون دارَ الحرب، فحاصَرُوا مدينةً أو حِصْناً : دَعَوْهم
إلى الإسلام، فإن أجابوا: كَفّوا عن قتالِهم، وإن امتنعوا: دَعَوْهُمْ إلى أداءِ
الجزية.
باب كيفية القتال
قال: (وإذا دَخَلَ المسلمون دارَ الحرب، فحاصَرُوا مدينةً أو حِصْناً:
دَعَوْهم إلى الإسلام)؛ لِمَا روى ابنُ عباس رضي الله عنهما أن النبيَّ عليه
الصلاة والسلام ما قاتَلَ قوماً حتى دعاهم إلى الإسلام(١).
قال: (فإن أجابوا: كَفَّوا عن قتالِهِم)؛ لحصولِ المقصود.
وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى
يقولوا: لا إله إلا الله))(٢). الحديثُ.
قال: (وإن امتنعوا: دَعَوْهُمْ إلى أداءِ الجزية).
به أَمَرَ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام أُمَرَاءَ الجيوش(٣).
ولأنه أَحَدُ ما ينتهي به القتالُ، علىُ ما نَطَقَ به النَّصُّ(٤).
(١) مصنف عبد الرزاق (٩٤٢٧)، مسند أحمد (٢١٠٥)، وصححه الحاكم (٣٧).
(٢) صحيح البخاري (٢٩٤٦)، صحيح مسلم (٣٤) (٢١).
(٣) أي بأخذ الجزية إذا امتنعوا عن الإسلام. صحيح مسلم (١٧٣١).
(٤) أي قوله تعالى: ﴿حَقَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾. التوبة/٢٩.

١٦٢
باب كيفية القتال
فإن بَذَلوها: فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.
ولا يجوزُ أن يُقاتِلَ مَن لم تَبْلُغْه الدعوةُ إلى الإسلام، إلا أن يَدْعُوَه.
وهذا في حَقِّ مَن تُقبَلُ منه الجزيةُ.
ومَن لا تُقبل منه، كالمرتدِّين وعَبَدَةِ الأوثان من العرب: لا فائدةَ في
دُعائهم إلىُ قَبول الجزية؛ لأنه لا يُقْبَلُ منهم إلا الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿ تُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. الفتح /١٦.
قال: (فإن بَذَلوها: فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين).
لقول علي رضي الله عنه: ((إنما بَذَلوا الجزيةَ لتكون دماؤهم: كدمائنا،
وأموالُهم: كأموالنا))(١).
والمرادُ بالبذل: القبول.
وكذا المرادُ بالإعطاء المذكورِ فيه في القرآن (٢)، والله أعلم.
قال: (ولا يجوزُ أن يُقاتِلَ مَن لم تَبْلُغْه الدَّعوةُ إلى الإسلام، إلا أن
يَدْعُوَه).
(١) قال في نصب الراية ٣٨١/٣: غريبٌ، وأخرج الدارقطني في سننه
(٣٢٩٦): قال علي رضي الله عنه: من كانت له ذمتنا: فدمه کدمنا، و دیته کدیتنا. اهـ،
وفيه: أبو الجنوب: ضعيف الحديث، وأخرجه الشافعي في مسنده ١٠٥/٢ (بترتيب
السندي)، سنن البيهقي (١٥٩٣٤)، وذكره في نصب الراية ٣٦٩/٤ مختصراً.
(٢) وهو قوله تعالى: ﴿حَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾. التوبة/ ٢٩.

١٦٣
باب كيفية القتال
ويُستحَبُّ أن يَدْعُوَ مَن بَلَغَتْه الدَّعوة، ولا يجبُ ذلك.
لقوله عليه الصلاة والسلام في وصية أمراءِ الأجناد: ((فَادْعُهم إلى
شهادة أن لا إله إلا الله))(١).
ولأنهم بالدَّعوة يعلمون أنَّا نقاتِلُهم على الدِّين، لا على سَلْب الأموال،
وسَبِيِ الذراري، فلعلَّهم يُجيبون، فنُكفَى مؤنةَ القتال.
ولو قاتلهم قبلَ الدعوة: أَثِمَ؛ للنهي(٢).
ولا غرامةً(٣): لعدم العاصِم، وهو الدِّينُ، أو الإحرازُ بالدار، فصار
كقتل النِّسْوان، والصبيان.
قال: (ويُستحَبُّ أن يَدْعُوَ مَن بَلَغَتْه الدَّعوة)؛ مبالغةً في الإنذار.
(ولا يجبُ ذلك)؛ لأنه صحَّ أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أغار على
بني المُصْطَلِقِ(٤)، وهم غارُّون(٥).
(١) تقدم قريباً جداً، وهو في صحيح مسلم (١٧٣١).
(٢) وهو ما رواه عبد الرزاق في المصنف (٩٤٢٧) عن علي رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه: ((لا تقاتِل قوماً حتى تدعوهم)).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٠٥/٥: رواه الطبراني في الأوسط (٨٢٦٥)،
ورجاله رجال الصحيح غير عثمان بن يحيى، وهو ثقة. اهـ
(٣) أي لا تجب غرامةٌ بقتلهم؛ لعدم العاصم.
(٤) بنو المُصْطَلِقِ: بطنٌ شهيرٌ من خُزَاعة، وقد أصاب منهم النبيُّ صلى الله عليه
وسلم جُوَيْرِيَة بنت الحارث بن أبي ضِرار، وكان أبوها سيدَ قومه في بني المصطلق،
وقد أسلم بعد ذلك، وصارت جويرية أُمَّاً للمؤمنين. ينظر فتح الباري ١٧١/٥.
(٥) أي غافلون. صحيح البخاري (٢٥٤١)، صحيح مسلم (١٧٣٠).

١٦٤
باب كيفية القتال
فإن أبَوْا ذلك : استعانوا بالله عليهم، وحاربوهم.
ونَصَبُوا عليهم المَجَانِيقَ.
وعَهِدَ إلى أسامةَ رضي الله عنه أن يُغِيْرَ على ((أَبْنى)) صباحاً، ثم يُحَرِّقَ(١).
والغارةُ: لا تكونُ بدَعوةٍ.
قال: (فإن أَبَوْا ذلك: استعانوا بالله عليهم، وحاربوهم).
لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث سليمان بن بُرَيْدة (٢): ((فإن أَبَوْا
ذلك: فادْعُهم إلى إعطاء الجزية ... ))، إلى أن قال: ((فإن أَبَوْها: فاستعِنْ بالله
عليهم، وقاتِلْهم))(٣).
ولأن الله تعالى هو الناصِرُ لأوليائه، والمُدَمِّرُ على أعدائه، فيُستعانُ به
في كلّ الأمور.
قال: (ونَصَبُوا عليهم المَجَانِيقَ)، كما نَصَبَ رسولُ الله عليه الصلاة
والسلام على الطائف(٤).
(١) سنن أبي داود (٢٦١٦)، وسكت عنه، سنن ابن ماجه (٢٨٤٣)، وينظر
الدراية ١١٥/٢، وأُبنىُ: بوزن: حُبلى: قريةٌ من قرى مؤتة، من جهة البلقاء، كما في
معجم البلدان ٧٩/١، ومؤتة الآن: في الأردن.
(٢) التابعي، المتوفى سنة ١٠٥ هـ، وله تسعون سنة، عن أبيه بريدة بن الحُصَيْب
الأسلمي رضي الله عنه.
(٣) صحيح مسلم (١٧٣١).
(٤) سنن الترمذي (٢٧٦٢)، ولكنه رواه معضلاً، ولم يصِلْ سنده به، كما في
نصب الراية ٣٨٢/٣، وقال الزيلعي أيضاً: رواه أبو داود في المراسيل (٣٣٥)، وابن
=

١٦٥
باب كيفية القتال
وحَرَّقوهم، وأَرْسلُوا عليهم الماءَ، وقَطَعُوا أشجارَهم، وأفسدوا
زُروعَهم.
ولا بأس برَمْيِهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ، أو تاجرٌ.
(وحَرَّقوهم)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أحرقَ البُوَيْرة(١).
(وأَرْسلُوا عليهم الماءَ، وقَطَعُوا أشجارَهم، وأفسدوا زُروعَهم)؛ لأن
في جميع ذلك إلحاقَ الكَبْتِ والغَيْظِ بهم، وكَسْرَ شَوْكتِهم، وتفريقَ
جَمْعِهِم، فيكونُ مشروعاً.
قال: (ولا بأس برَمْيُهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ، أو تاجرٌ)؛ لأن في
الرمي دَفْعَ الضررِ العامِّ بالذَّبِّ عن بَيْضة الإسلام(٢)، وقَتْلُ الأسيرِ والتاجرِ:
ضررٌ خاصٍّ :
ولأنه قلَّما يخلو حِصْنٌ عن مسلمٍ، فلو امتنع باعتباره: لانسدَّ بابُه.
سعد في الطبقات ٥٩/٢، والواقدي في المغازي ٢٧/٣، وينظر سنن البيهقي
٨٤/٩، والتلخيص الحبير ١٠٤/٤.
وقال في البناية ١٢٧/٩ : ورواه العقيلي في الضعفاء مسنَداً من حديث عبد الله
بن خراش، عن العوام بن حوشب عن أبي صادق، عن علي رضي الله عنه مرفوعاً.
(١) صحيح البخاري (٤٠٣١)، صحيح مسلم (١٧٤٦)، والبويرة هي: موضع
نخل بني النضير، الذي أحرقه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في نصِّ الحديث في
الصحيحين، وينظر معجم البلدان ١/ ٥١٢.
(٢) أي مجتمع أهل الإسلام، وفي المغرب ٩٦/١ (بيض) سمَّى مجتمعَ أهل
الإسلام: بيضةً؛ تشبيهاً ببيضة النعامة وغيرها؛ لأن تلك مجتمع الولد. البناية ١٢٩/٩.

١٦٦
باب كيفية القتال
وإن تترَّسوا بصِبْيان المسلمين، أو بالأَسارى: لم يَكَفُوا عن رميهم.
ويَقصِدُون بالرمي الكفارَ.
ولا بأسَ بإخراج النساءِ، والمصاحفِ مع المسلمين إذا كان عسكراً
عظيماً يُؤْمَنُ عليه، ويكره إخراجُ ذلك في سَرِيَّةٍ لا يُؤْمَنُ عليها .
قال: (وإن تترَّسوا بصِبْيان المسلمين، أو بالأَسارى: لم يَكُفّوا عن
و ءِ
رميهم)؛ لِمَا بيَّنَّا.
(ويَقصِدُون بالرمي الكفارَ)؛ لأنه إن تعذَّر التمييزُ فعلاً، فلقد أَمكن
قصداً، والطاعةُ بحسب الطاقة.
وما أصابوه منهم: لا ديةَ عليهم، ولا كفارةً؛ لأن الجهادَ فرضٌ،
والغراماتُ لا تُقرَنُ بالفروض.
بخلاف حالةِ المَخمَصَةِ(١)؛ لأنه لا يَمتنعُ مخافةَ الضمان؛ لِمَا فيه من
إحياء نفسِهِ، أما الجهادُ فُنِيَ على إتلاف النفس، فَيَمتنعُ حِذَارَ الضمان.
قال: (ولا بأسَ بإخراج النساءِ، والمصاحفِ مع المسلمين إذا كان
عسكراً عظيماً يُؤْمَنُ عليه (٢))؛ لأن الغالبَ هو السلامةُ، والغالبُ كالمتحَقِّق.
قال: (ويكره إخراجُ ذلك في سَرِيَّةٍ لا يُؤْمَنُ عليها(٣))؛ لأن فيه تعريضَهنَّ على
الضياع والفضيحة، وتعريضَ المصاحف على الاستخفاف، فإنهم يستخفون
بها مغايظةً للمسلمين.
(١) أي المجاعة.
(٢) أي على العسكر أو إخراج النساء والمصاحف. البناية ١٣١/٩.
(٣) أي على السرية.

١٦٧
باب كيفية القتال
ولا تُقاتِلُ المرأةُ إلا بإذن زوجها، ولا العبدُ إلا بإذن سيِّدِه.
وهو التأويلُ الصحيحُ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تسافِروا بالقرآن
إلىُ(١) أرضِ العدوِ)(٢).
ولو دخل مسلمٌ إليهم بأمانٍ: لا بأس بأن يَحمِلَ معه المصحفَ إذا
كانوا قوماً يُوفُون بالعهد؛ لأن الظاهرَ عدمُ التعرُّض.
والعجائزُ يَخْرُجْنَ في العسكر العظيمِ لإقامة عملٍ يَليقُ بهنَّ؛ كالطبخ،
والسَّقْي، والمداواةِ.
وأما الشَّوَابُّ: فقَرارُهُنَّ(٣) في البيوت؛ أدفعُ للفتنة.
ولا يُباشِرْنَ القتالَ؛ لأنه يُستدَلَّ به على ضعف المسلمين، إلا عند
الضرورة.
ولا يُستحبُّ إخراجُهنَّ للمباضَعَةِ(٤)، والخدمةِ، فإن كانوا لا بدَّ
مُخرِجين: فبالإماء، دون الحرائر.
قال: (ولا تُقاتِلُ المرأةُ إلا بإذن زوجها، ولا العبدُ إلا بإذن سيِّدِهِ)؛
لِمَا بَيَّنَّا.
(١) وفي نُسخ: في.
(٢) صحيح البخاري (٢٩٩٠)، صحيح مسلم (١٨٦٩).
(٣) وفي نُسخ: فمُقَامُهنَّ، وكُتِب على هذه الكلمة في النسخة السلطانية النفيسة.
بتاريخ ٧٩٧هـ: قرارُهنَّ: بخط المصنف. اهـ. قلت: وكأنه وقف على نسخة المصنف.
(٤) أي الجماع.

١٦٨
باب كيفية القتال
إلا أن يَهجُمَ العدوُّ.
وينبغي للمسلمين أن لا يَغدِروا، ولا يَغُلُّوا، ولا يَمْثُلُوا.
(إلا أن يَهجُمَ العدوُّ)؛ للضرورة.
قال: (وينبغي للمسلمين أن لا يَغدِروا، ولا يَغُلُّوا، ولا يَمْثُلُوا)؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((لا تغُلُّوا، ولا تَغدِرُوا، ولا تَمْثُلُوا(١))(٢).
والغُلولُ: السرقةُ من المَغْتَم، والغَدْرُ: الخيانةُ ونَقْضُ العهد.
والمُثْلَةُ المَرْويةُ في قصة العُرَنيين(٣): منسوخةٌ بالنهي المتأخِّر(٤)، هو
المنقولُ.
(١) ويجوز بتشديد الثاء؛ للمبالغة. النهاية لابن الأثير (مثل).
(٢) صحيح مسلم (١٧٣١).
(٣) صحيح البخاري (٣٠٧٨)، صحيح مسلم (١٦٧١).
وقصَّة العرنيين هذه كما رواها مسلم: ((أن ناساً من عُرينة قدموا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فاجتَوَوْها - أي مرضوا -، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم: إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا،
فصحُّوا، ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم، وارتدُّوا عن الإسلام، وساقوا ذَوْدَ رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فبعث في إثرهم،
فأُتِيَ بهم، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، وتركهم في الحَرَّة حتى ماتوا)).
وفي رواية البخاري: ((ثم أمر بمسامير فأُحميت، فكخَّلهم بها، وطرحهم بالحرَّة
يستسقون، فما يُسقَوْن حتى ماتوا)).
(٤) وهو ما روي من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المُثْلة، كما في صحيح
البخاري (٢٤٧٤، ٤١٩٢)، وينظر: ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص ٢٦٩،
والاعتبار للحازمي ص ١٩٩.

١٦٩
باب كيفية القتال
ولا يَقتلوا امرأةً، ولا صبيّاً، ولا شيخاً فانياً، ولا مُقعَداً، ولا أعمىَّ.
إلا أن يكونَ أحدُ هؤلاء ممن له رأيٌ في الحرب، أو تكونَ المرأةُ مَلِكَةً.
قال: (ولا يَقتلوا امرأةً، ولا صبيّاً، ولا شيخاً فانياً، ولا مُقْعَداً، ولا
أعمى)؛ لأن المُبِيحَ للقتل عندنا: هو الحِرابُ، ولا يتحقَّقُ منهم.
ولهذا لا يُقتَلُ يابِسُ الشِّقِّ، والمقطوعُ اليمنى، والمقطوعُ يدُهُ ورِجْلُه
من خِلاف.
والشافعيُّ(١) رحمه الله تعالى يخالِفُنا في الشيخ الفاني، والمُقْعَدِ،
والأعمى؛ لأن المبيحَ عندَه الكفرُ، والحُجَّةُ عليه ما بيّنًا.
وقد صحَّ أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قَتْل الصبيان والذَّرَاري(٢).
وحين رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم امرأةً مقتولةً: قال: ((هاه !!
ما كانت هذه تقاتِلُ، فلِمَ قُتِلَت؟!))(٣).
قال: (إلا أن يكونَ أحدُ هؤلاء ممن له رأيٌ في الحرب، أو تكونَ
المرأةُ مَلِكَةً)؛ لتعدِّي ضررها إلى العباد.
(١) عنه قولان، والأظهر أنه يقتل. كفاية النبيه ١٧ / ٤٤.
(٢) قال في الدراية ١١٦/٢: لم أجده هكذا، وإنما هو في حديث ابن عمر
رضي الله عنهما ((أن امرأة وُجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم
مقتولةً، فنهى رسول الله صلى الله عن قتل النساء والصبيان)): في صحيح البخاري
(٣٠١٥)، صحيح مسلم (١٧٤٤ - ٢٥).
(٣) قال في الدراية ١١٦/٢: لم أجده هكذا، ويلفظ قريب عند أبي داود
(٢٦٦٩)، وابن حبان (٤٧٨٩).

١٧٠
باب كيفية القتال
ولا يقتُلوا مجنوناً، ويكره أن يَبتدىءَ الرجلُ أباهَ من المشركين فيَقتُلَه،
فإن أدركه : امتنعَ عليه، حتى يَقتُلَه غيرُه.
وكذا يُقْتَلُ مَن قاتَلَ من هؤلاء؛ دفعاً لشرِّه، ولأن القتالَ مبيحٌ حقيقةً.
قال: (ولا يقتُلوا مجنوناً)؛ لأنه غيرُ مخاطَب، إلا أن يقاتِلَ: فَيُقْتَلُ؛
دفعاً لشرِّه.
غيرَ أن الصبيَّ والمجنونَ يُقتَلان ما داما يقاتِلان، وغيرَهما: لا بأس
بقتله بعد الأَسْر؛ لأنه من أهل العقوبة؛ لتوجُّه الخطاب نحوَه.
وإن كان يُجَنُّ، ويُفِيقُ: فهو في حال إفاقتِه كالصحيح.
قال: (ويكره أن يَبتدئَ الرجلُ أباهَ من المشركين فيَقتُلَه)؛ لقوله
تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. لقمان/١٥.
ولأنه يجب عليه إحياؤه، بالإنفاق(١)، فيناقِضُهُ الإطلاقُ في إفنائه.
قال: (فإن أدركه: امتنعَ عليه، حتى يَقْتُلَه غيرُه)؛ لأن المقصودَ يحصُلُ
بغيره من غير اقتحامِهِ المَأْثَمَ.
وإِن قَصَدَ الأَبُ قَتْلَه، بحيثُ لا يُمكِنُهُ دَفْعُه إلا بقتله: لا بأس به؛ لأن
مقصودَه هو الدفعُ.
ألا ترى أنه لو شَهَرَ الأبُ المسلمُ سيفَه على ابنه، ولا يُمكِنُه دَفْعُه إلا
بقتله: يقتُلُه؛ لِمَّا بَيَّنَا، فهذا أَوْلِىُ، والله تعالى أعلمُ بالصواب.
(١) عليه، والإنفاق عليه: سبب الإحياء. البناية ١٣٨/٩.

١٧١
باب
باب
المُؤَادَعة، ومَن يجوزُ أمانُه
وإذا رأى الإمامُ أن يُصالِحَ أهلَ الحربِ، أو فريقاً منهم، وكان في
ذلك مصلحةٌ للمسلمين : فلا بأسَ به.
باب
المُوَادَعةِ، ومَن يجوزُ أمانُه
قال: (وإذا رأى الإمامُ أن يُصالِحَ أهلَ الحربِ، أو فريقاً منهم، وكان
في ذلك مصلحةٌ للمسلمين: فلا بأسَ به).
لقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلِسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا﴾. الأنفال/٦١.
ووادَعَ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام أهل مكة عامَ الحديبية، على
أن يضعَ الحربَ بينه وبينهم عشرَ سنين(١).
ولأن الموادَعةَ جهادٌ معنىً إذا كان خيراً للمسلمين؛ لأنَّ المقصودَ
وهو دَفْعُ الشرِّ: حاصلٌ به.
ولا يَقتصِرُ الحكمُ على المدة المرويَّة؛ لتعدِّي المعنى إلى ما زاد عليها،
(١) سنن أبي داود (٢٧٦٠)، وسكت عنه، مسند أحمد (١٨٩١٠)، وينظر
نصب الراية ٣٨٨/٣، التعريف والإخبار ٢٦٩/٣.

١٧٢
المُوَادَعة، ومَن يجوزُ أمانُه
وإن صالَحَهُم مدةً، ثم رأى نَقْضَ الصُّلِحِ أنفعَ: نَبَذَ إليهم، وقائَلَهم.
بخلاف ما إذا لم يكن خيراً؛ لأنه تَرْكُ الجهادِ صورةً ومعنىً.
قال: (وإن صالَحَهُم مدةً، ثم رأىُ نَقْضَ الصُّلحِ أنفعَ: نَبَذَ إليهم،
وقاتَلَهم)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نَبَذَ الموادَعَةَ التي كانت بينه وبين أهل
مكة(١).
ولأن المصلحةَ لَمَّا تبدَّلت: كان النَّبْذُ جهاداً، وإِيفاءُ (٢) العهدِ: تَرْكُ
الجهادِ صورةً ومعنىَ، فلا بدَّ من النَّذِ؛ تحرُّزاً عن الغَدْرِ.
وقد قال عليه الصلاة والسلام في العُهود: ((وفاء، لا غَدْرٌ)(٣).
ولا بدَّ من اعتبار مدةٍ يَبلُغُ فيها خبرُ النَّبْذِ إلى جميعِهم، ويُكتَفى في
ذلك بمُضِيِّ مدةٍ يَتمكَّنُ مَلِكُهم بعد عِلْمِه بالنَّبْد من إنفاذِ الخبرِ إلى أطراف
مَمْلَكِتِهِ؛ لأن بذلك ينتفي الغَدْرُ.
(١) البدر المنير ٢٢٦/٩، وعزاه لابن إسحاق، وينظر المصنف لابن أبي شيبة
(٣٦٩٠٢)، والطبراني في الكبير (١٠٥٢)، الدراية ١١٧/٢، التعريف والإخبار ٢٧٠/٣.
(٢) وفي نُسخ: إبقاء. قلت: والمعنى: واحدٌ.
(٣) قال في الدراية ١١٧/٢: لم أجده مرفوعاً، ولأحمد (١٩٤٣٦) وأصحاب
السنن (أبي داود ٢٧٥٩، الترمذي ١٥٨٠، النسائي ٨٦٧٩)، وابن حبان (٤٨٧١) من
حديث عمرو بن عَبَسة أنه غزا مع معاوية، فكان يقول: الله أكبر، وفاءٌ، ولا غَدْرٌ،
فسأله معاوية، فقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن كان بينه وبين
قومٍ عهدٌ: فلا يشدُّ عُقْدَةً، ولا يَحُلُّها حتى ينقضيَ أجلُها.

١٧٣
المُوَادَعة، ومَن يجوزُ أمانُه
وإن بدؤوا بخيانةٍ : قاتَلَهم، ولم يَنْبِذْ إليهم إذا كان ذلك باتفاقهم.
وإن رأى الإمامُ موادَعةَ أهلِ الحرب، وأن يأخذَ على ذلك مالاً: فلا
بأسَ به.
قال: (وإن بدؤوا بخيانةٍ: قاتَلَهم، ولم يَنْبِذْ إليهم إذا كان ذلك
باتفاقهم)؛ لأنهم صاروا ناقِضِيْن للعهد، فلا حاجةَ إلىُ نَقْضِهِ.
بخلاف ما إذا دخل جماعةٌ منهم، فقطعوا الطريقَ، ولا مَنَعَةً لهم،
حيثُ لا يكونُ هذا نَقْضاً للعهد.
ولو كانت لهم مَنَعَةٌ، وقاتلوا المسلمين عَلانيةً: يكون نَقْضاً للعهد في
حَقِّهم، دونَ غيرهم؛ لأنه بغير إذنِ مَلِكِهم، ففِعْلُهم لا يلزمُ غيرَهم.
حتى لو كان بإذن مَلِكِهم: صاروا ناقِضِيْن للعهد؛ لأنه باتفاقهم معنىً.
قال: (وإن رأى الإمامُ موادَعةَ أهلِ الحرب، وأن يأخذَ على ذلك مالاً:
فلا بأسَ به)؛ لأنه لَمَّا جازتِ الموادَعَةُ بغير المال، فكذا بالمال، لكنْ هذا
إذا كان بالمسلمين حاجةٌ، أما إذا لم تكنْ: فلا يجوز؛ لِمَا بَيّنًا من قبل.
والمأخوذُ من المال: يُصرَفُ مصارفَ الجزية.
هذا (١) إذا لم ينزلوا بساحتهم، بل أرسلوا رسولاً؛ لأنه في معنى
الجزية، أما إذا أحاط الجيشُ بهم، ثم أخذوا المالَ: فهو غنيمةٌ،
يَخْمُسُها (٢)، ويَقْسِمُ الباقي بينهم؛ لأنه مأخوذٌ بالقهر معنىً.
(١) لفظ: هذا: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٢) هكذا ضبطت في النسخ الخطية، ويجوز بتشديد الميم. المصباح المنير.

١٧٤
المُوَادَعةِ، ومَن يجوزُ أمانُه
وأما المرتدُّون : فيوادِعُهمُ الإمامُ حتى يَنظُرَ في أمرِهم.
ولا يأخذُ عليه مالاً، ولو أَخَذَه: لم يُرَدَّه.
ولا ينبغي أن يُباعَ السلاحُ من أهل الحرب، ولا يُجَهَّزَ إليهم.
قال: (وأما المرتدُّون: فيوادِعُهمُ الإمامُ حتى يَنظُرَ (١) في أمرِهم)؛ لأن
الإِسلامَ مَرْجُوٌّ منهم، فجاز تأخيرُ قتالِهِم؛ طَمَعاً في إسلامهم.
قال: (ولا يأخذُ عليه مالاً)؛ لأنه لا يجوزُ أَخْذُ الجزية منهم؛ لِمَا
نبیِّن(٢).
(ولو أَخَذَه: لم يُرَدَّه)؛ لأنه مالُ غيرِ معصومٍ.
ولو حاصر العدوُّ المسلمينَ، وطلبوا الموادَعَةَ على مال يَدفعُه المسلمون
إليهم: لا يَفعلُه الإمامُ؛ لِمَا فيه من إعطاءِ الدِِّيَّة، وإلحاقِ المَذَلَّة بأهل
الإسلام، إلا إذا خاف الهلاكَ؛ لأن دَفْعَ الهلاكِ واجبٌ بأيِّ طريقٍ يُمكن.
قال: (ولا ينبغي أن يُباعَ السلاحُ من أهل الحرب، ولا يُجَهَّزَ إليهم)؛
لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع السلاحِ من أهلِ الحرب،
وحَمْلِه إليهم (٣).
ولأن فيه تقويتَهم على قتال المسلمين، فيُمنَعُ من ذلك.
(١) وفي نُسخ: ينظروا.
(٢) أي في باب الجزية.
(٣) جاء عند البزار (٣٥٨٩)، والطبراني في الكبير (٢٨٦): نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عن بيع السلاح في الفتنة، الدراية ١١٧/٢، التعريف والإخبار ٢٧٢/٣.

١٧٥
المُوَادَعة، ومَن يجوزُ أمانُه
وكذا الكُرَاعُ(١)، لِمَا بَنَا.
وكذا الحديدُ؛ لأنه أصلُ السلاح.
وكذا بعدَ الموادَعَة؛ لأنها على شَرَفِ النَّقْض، أو الانقضاء، فكانوا
حرباً علينا.
وهذا هو القياسُ في بيع الطعام والثوبِ، إلا أنَّا عَرَفْناه(٢) بالنصِّ، فإنه
عليه الصلاة والسلام أَمَرَ ثُمَامَةَ رضي الله عنه أن يَمِيرَ أهلَ مكةَ، وهم
حَرْبٌ عليه(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) أي الخيل.
(٢) أي عرفنا جوازَ ذلك بالنص.
(٣) أي على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عزاه في نصب الراية ٢٩٢/٣
لابن إسحاق، وأصله في صحيح البخاري (٤٣٧٢)، الدراية ١١٨/٢.

١٧٦
فصلَ
فصل
وإذا أَمَّنَ رجلٌ حُرٌّ، أو امرأةٌ حُرَّةٌ، كافراً أو جماعةً، أو أهلَ حِصْنٍ أو
مدينةٍ : صحَّ أمانُهم، ولم يكنْ لأحدٍ من المسلمين قتالُهم.
فصل
في الأَمَان
قال: (وإذا أَمَّنَ(١) رجلٌ حُرٌّ، أو امرأةٌ حُرَّةٌ، كافراً أو جماعةً، أو أهلَ
حِصْنٍ أو مدينةٍ: صحَّ أمانُهم، ولم يكنْ لأحدٍ من المسلمين قتالُهم).
والأصلُ فيه: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم،
ويسعى بذِمَّتْهم أدناهم))(٢)، أي أقلُّهم، وهو الواحد.
ولأنه من أهل القتال، فيخافونَه، إذْ هو من أهلِ المَنَعَة، فيتحقَّقُ
الأمانُ منه؛ لملاقاته مَحَلَّه، ثم يتعدَّى إلى غيره.
ولأن سببَه لا يتجزّأُ، وهو الإيمانُ، فكذا الأمانُ لا يتجزّأُ، فيتكاملَ،
کولاية الإنكاح.
(١) وفي نُسخٍ: آمَنَ. قلتُ: كلاهما صحيح.
(٢) بلفظ: ((ذمَّة المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم)): في صحيح البخاري
(٣١٧٩)، وصحيح مسلم (١٣٧٠)، وباللفظ الذي ذكره المؤلّف: في سنن أبي داود
(٢٧٤٥، ٤٥١٩)، سنن ابن ماجه (٢٦٨٣)، وينظر نصب الراية ٣٩٣/٣.

١٧٧
في الأَمَان
إلا أنْ تكونَ في ذلك مفسدةٌ، فَيَنْبِذُ الإمامُ إليهم.
ولو حاصر الإمامُ حِصْناً، وأمَّن واحدٌ من الجيش، وفيه مفسدةٌ : يَنبذُ
الإمامُ الأمانَ.
ولا يجوز أمانَ ذِمِّيَّ، ولا أسيرٍ، ولا تاجرٍ يدخلُ عليهم.
قال: (إلا أنْ تكونَ في ذلك مفسدةٌ، فَيَنْبِذُ الإمامُ إليهم)؛ كما إذا أمَّن
الإمامُ بنفسه، ثم رأى المصلحةَ في النَّبْذِ، وقد بيَّنَاه.
قال: (ولو حاصر الإمامُ حِصْناً، وأمَّن واحدٌ من الجيش، وفيه
مفسدةٌ: يَنبذُ الإمامُ الأمانَ)؛ لِمَا بَيَّنَّا، ويؤدّبُه الإمامُ؛ لافْتِيَاتِه على رأيه.
بخلاف ما إذا كان فيه نَظَرٌ؛ لأنه ربما تفوتُ المصلحةُ بالتأخير، فكان
معذوراً.
قال: (ولا يجوز أمانُ ذِمِّيٍّ)؛ لأنه متَّهمٌ بهم، وكذا لا ولايةَ له على
المسلمين.
قال: (ولا أسير، ولا تاجرِ يدخلُ عليهم)؛ لأنهما مقهوران تحت
أيديهم، فلا يخافونَهما، والأمانُ يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الخوف.
ولأنهما يُجَبَران عليه، فَيَعْرَىُ الأمانُ عنِ المصلحة.
ولأنهم(١) كلَّما اشتدَّ الأمرُ عليهم: يجدون أسيراً أو تاجراً، فيتخلَّصون
بأمانه، فلا ينفتِحُ لنا بابُ الفتح (٢).
(١) أي الكفار.
(٢) أي فَتْحُ الإمام بلدةَ الكفار قهراً. حاشية النسخة السلطانية ٧٩٧هـ.

١٧٨
في الأَمَان
ولا يجوز أمانُ العبدِ المحجورِ عليه عند أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن
يأذن له مولاه في القتال.
وقال محمدٌ رحمه الله : يصحُّ أمانُه.
ومَن أسلم في دار الحرب، ولم يُهاجِرْ إلينا: لا يصحُّ أمانُه؛ لِمَا بِيَّنَا.
قال: (ولا يجوز أمانُ العبدِ المحجور عليه عند أبي حنيفة رحمه الله،
إلا أن يأذنَ له مولاه في القتال.
وقال محمدٌ رحمه الله: يصحُّ أمانُه)، وهو قولُ الشافعي(١) رحمه الله.
وأبو يوسف رحمه الله معه في روايةٍ، ومع أبي حنيفة رحمه الله في روايةٍ.
لمحمدٍ رحمه الله: قوله عليه الصلاة والسلام: ((أمانُ العبد: أمانٌ»،
رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه(٢).
ولأنه(٣) مؤمِنٌ ممتنعٌ، فيصحُّ أمانُه؛ اعتباراً بالمأذون له في القتال،
وبالمؤَّد من الأمان.
فالإيمان (٤): لكونه شرطاً للعبادة، والجهادُ: عبادةٌ، والامتناعُ: لتحقّق
إزالةِ الخوف به.
(١) الحاوي ١٣ /١٤٥.
(٢) قال في الدراية ١١٨/٢: لم أجده، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٣٤٣٦)
موقوفاً على عمر رضي الله عنه، سنن سعيد بن منصور (٢٦٠٨)، التعريف والإخبار
٢٧٦/٣.
(٣) أي العبد.
(٤) أي فالإيمان شرطه في قولنا: ولأنه مؤمنٌ.

١٧٩
في الأَمَان
والتأثيرُ(١): إعزازُ الدين، وإقامةُ المصلحة في حقِّ جماعة المسلمين،
إذِ الكلامُ في مثل هذه الحالة(٢).
وإنما لا يملكُ المُسَايَفَةِ(٣)؛ لِمَا فيه (٤) من تعطيلِ منافعِ المولىُ، ولا
تعطيلَ في مجرد القول.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه محجورٌ عن القتال، فلا يصح أمانُه لهم؛
لأنهم لا يخافونَه، فلا يُلاقي الأمانُ مَحَلَّه.
بخلاف المأذونِ له في القتال؛ لأنَّ الخوفَ منه متَحَقُّقٌ.
ولأنه إنما لا يملكُ المسايفةَ: لِمَا أنه تصرُّفٌ في حَقِّ المولىُ على وجهٍ
لا يَعْرَىُ عن احتمالِ الضررِ في حَقِّه.
والأمانُ نوعُ قتالٍ، وفيه ما ذكرناه(٥)؛ لأنه قد يُخْطِىء(٦)، بل هو الظاهر.
(١) يعني في صحة قياس المحجور عليه على المأذون له، وقيل: معنى العلة
الجامعة في قياس العبد المحجور عليه على المأذون له. البناية ٩ / ١٥٤.
(٢) أي حالة المصلحة، وهو الأمانُ في الحر، فإذا وُجد في المحجور عليه:
صح تعديته إليه.
(٣) أى المضاربة بالسيف.
(٤) أي في عمل المسايفة.
(٥) أي من احتمال الضرر.
(٦) أي لأن العبد قد يخطئ في القتال؛ لعدم ممارسته بأمر الحرب.

١٨٠
في الأَمَان
وفيه(١) سدُّ باب الاستغنام.
بخلاف المأذون؛ لأنه رضيَ به، والخطأُ نادرٌ؛ لمباشرته القتالَ.
وبخلاف المؤبَّد(٢)؛ لأنه خَلَفٌ عن الإسلام، فهو بمنزلة الدعوة إليه.
ولأنه مقابَلٌ بالجزية.
ولأنه مفروضٌ عند مسألتهم ذلك، وإسقاطُ الفرض: نَفْعٌ، فافترقا.
ولو أمَّنَ الصبيُّ، وهو لا يَعقِلُ: لا يصحُّ، كالمجنون.
وإن كان يَعقِلُ، وهو محجورٌ عن القتال: فعلى الخلاف(٣).
وإن كان مأذوناً له في القتال: فالأصحُّ أنه يصحُّ، بالاتفاق(٤)، والله
تعالى أعلم بالصواب.
(١) أي وفي الأمان.
(٢) أي الأمان المؤبد، وهو عقد الذمة، لأنه خَلَفٌ عن الإسلام من حيث إنه
ينتهي به القتال المطلوب به: إسلام الحربي.
(٣) أي المذكور في العبد المحجور، فعند أبي حنيفة: لا يصح أمانُه، وعند
محمد: يصح، وبه قال مالكٌ وأحمد في وجه، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي وأحمد
في وجه. البناية ٩ / ١٥٦.
(٤) أي بين أصحابنا.