النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ في كيفية القطع، وإثباتِه وقال الشافعي(١) رحمه الله: يضمنُ فيهما؛ لأنهما حَقَّان قد اختَلَفَ سبباهما، فلا يمتنعان: فالقطعُ حَقُّ الشرع، وسببُهُ تَرْكُ الانتهاءِ عِما نُهِيَ عنه. والضمانُ حَقُّ العبد، وسببُه أَخْذُ المال، فصار كاستهلاك صيدٍ مملوكٍ في الحرم، أو شُرْبِ خمرٍ مملوكةٍ لذميِّ. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا غُرْمَ على السارق بعد ما قُطِعت یمینُ))(٢). ولأن وجوبَ الضمانِ ينافي القطعَ؛ لأنه يتملَّكُه بأداء الضمان، مستنداً إلى وقتِ الأخذ، فيتبيَّنُ أنه وَرَدَ علىٌ مِلْكِهِ، فينتفي القطعُ؛ للشبهة، وما يؤدي إلى انتفائه: فهو المنتفي. ولأن المَحَلَّ لا يبقى معصوماً حقاً للعبد، إذ لو بَقِيَ: لكان مباحاً في نفسه، فينتفي القطعُ؛ للشبهة، فيصيرُ مُحَرَّماً حقاً للشرع، كالميتة، ولا ضمانَ فیه. إلا أن العصمةَ لا يَظهرُ سقوطُها في حقِّ الاستهلاك؛ لأنه فِعْلٌ آخَرُ غيرُ السرقة، ولا ضرورةَ في حقِّه. (١) نهاية المطلب ٣٨٥/١٧. (٢) قال في الدراية ١١٣/٢: لم أجده بهذا اللفظ، وذكر بمعناه عند النسائي (٤٩٨٤)، وأنه منقطع لا يثبت، وينظر منية الألمعي ص٣٩٤ حيث نقل تخريجه عن معاني الآثار للطحاوي. ١٤٢ في كيفية القطع، وإثباتِه ومَن سَرَقَ سَرِقَاتٍ، فَقُطِعَ في إحداها: فهو لجميعِها، ولا يضمنُ شيئاً عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : يَضمَنُ كلَّها إلا التي قُطِعَ لها. وكذا الشبهةُ تُعتبرُ فيما هو السببُ، دون غيره. ووجهُ المشهور: أن الاستهلاكَ إتمامُ المقصود، فتُعتَبَرُ الشبهةُ فيه. وكذا يظهرُ سقوطُ العصمةِ في حَقِّ الضمان؛ لأنه من ضروراتِ سقوطِها في حقِّ الهلاك؛ لانتفاء المماثلة. قال: (ومَن سَرَقَ سَرِقَاتٍ، فَقُطِعَ في إحداها: فهو لجميعِها، ولا يضمنُ شيئاً عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: يَضمَنُ كلَّها إلا التي قُطِعَ لها). ومعنى المسألة: إذا حَضَرَ أحدُهم. فإن حضروا جميعاً، وقُطِعت يدُه لخصومتهم: لا يضمنُ شيئاً، بالاتفاق، فِي السَِّقَات كلِّها. لهما: أن الحاضِرَ ليس بنائب عن الغائب، ولا بدَّ من الخصومة؛ لتَظهرَ السرقةُ، فلم تظهَرِ السرقةُ من الغائبِين، فلم يقعِ القطعُ لها، فبقيتْ أموالُهم معصومةً. وله: أن الواجبَ بالكلِّ قَطْعٌ واحدٌ؛ حقّاً لله تعالى؛ لأن مبنى الحدودِ على التداخل، والخصومةُ شَرْطُ الظهور عند القاضي، أما الوجوبُ: فبالجناية(١). (١) جملة: أما الوجوب: فبالجناية: شُطِبَ عليها في نُسخ كثيرة، لكن ذكرها العيني في البناية ٩٠/٩ وشَرَحَها بقوله: أي وجوب القطع بالجناية؛ جزاءً لها. ١٤٣ في كيفية القطع، وإثباتِه ءِ فإذا استُوفِيَ: فالمستوفَىُ كلّ الواجب، ألا ترى أنه يرجع نفعُه إلى الكلّ، فيقعُ عن الكل. وعلى هذا الخلافِ: إذا كانتِ النُّصُب كلُّها لواحدٍ، فخاصَمَه(١) في البعض، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) وفي نُسخ: فخاصم. ١٤٤ باب باب ما يُحدِثُ السارقُ في السرقة ومَن سَرَقَ ثوباً، فشَقَّه في الدار نصفَيْن، ثم أخرجه، وهو يساوي عشرةَ دراهم : قُطِعَ . باب ما يُحدِثُ السارقُ في السرقة قال: (ومَن سَرَقَ ثوباً، فشَقَّه في الدار نصفَيْن، ثم أخرجه، وهو يساوي عشرةَ دراهم: قُطِعَ). وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يُقْطَعُ؛ لأن له فيه سببَ الملك، وهو الخَرْقُ الفاحِشُ، فإنه يوجبُ القيمةَ، وتملَّكَ المضمونِ، وصار كالمشتري إذا سَرَقَ مَبيعاً فيه خيارٌ للبائع. ولهما: أن الأخذَ وُضِعَ سبباً للضمان، لا للملكِ، وإنما الملكُ يثبتُ ضرورةَ أداء الضمان؛ كي لا يَجْتَمِعَ البدلان في مِلْكٍ واحدٍ، ومثلُه لا يُورِثُ الشبهةَ، كنفس الأخذ. وكما إذا سَرَقَ البائعُ مَعِيباً(١) باعه، بخلاف ما ذُكِرَ؛ لأن البيعَ موضوعٌ لإفادة الملك. (١) وفي نُسخ: مبيعاً. ١٤٥ ما يُحدِثُ السارقُ في السرقة وإن سَرَقَ شَاةً، فَذَبَحَها، ثم أخرجها : لم يُقطَعْ. ومَن سَرَقَ ذهباً أو فضةً يجبُ فيه القَطْعُ، فصَنَعَه دراهِمَ أو دنانيرَ : قُطِعَ فيه، وتُرَدُّ الدراهمُ والدنانيرُ إلى المسروقِ منه، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقالا : لا سبيلَ للمسروقِ منه عليهما . وهذا الخلافُ: فيما إذا اختار تضمينَ النقصانَ، وأَخْذَ الثوب. فإن اختار تضمينَ القيمة، وتَرْكَ الثوبِ عليه: لا يُقْطَعُ، بالاتفاق؛ لأنه مَلَكَه مستنداً إلى وقت الأخذ، فصار كما إذا مَلَكَه بالهبة، فأورث شبهةً. وهذا كله إذا كان النقصانُ فاحشاً، فإن كان يسيراً: يُقطَعُ، بالاتفاق؛ لانعدام سببِ الملك، إذْ ليس له فيه اختيارُ تضمينِ كلِّ القيمة. قال: (وإن سَرَقَ شاةً، فذَبَحَها، ثم أخرجها: لم يُقْطَعْ)؛ لأن السرقةَ تَمَّتْ على اللحم، ولا قَطْعَ فيه. قال: (ومَن سَرَقَ ذهباً أو فضةً يجبُ فيه القَطْعُ، فصَنَعَه دراهِمَ أو دنانيرَ : قُطِعَ فيه، وتُرَدُّ الدراهمُ والدنانيرُ إلى المسروقِ منه، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا: لا سبيلَ للمسروقِ منه عليهما). وأصلُه: في الغصب، فهذه صَنْعةٌ مُتُقوِّمةٌ عندهما، خلافاً له. ثم وجوبُ الحَدِّ لا يُشكِلُ على قولِه؛ لأنه لم يَمْلِكْه. وقيل: على قولِهما: لا يجبُ؛ لأنه مَلَكَه قبلَ القطع. وقيل: يجبُ؛ لأنه صار بالصَّنْعة شيئاً آخَرَ، فلم يملِكْ عينَه. ١٤٦ ما يُحدِثُ السارقُ في السرقة فإن سَرَقَ ثوباً، فصَبَغَه أحمرَ : وقُطِعَ فيه: لم يُؤْخَذْ منه الثوبُ، ولم يضمَنْ قيمةَ الثوبِ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمدٌ رحمه الله : يُؤْخَذُ منه الثوبُ، ويُعطَىُ ما زاد الصِّبْغُ فيه. وإن صَبَغَه أسودَ : أُخِذَ منه الثوبُ في المَذهَبَيْن جميعاً. قال: (فإن سَرَقَ ثوباً، فصَبَغَه أحمرَ، وقُطِعَ فيه: لم يُؤْخَذْ منه الثوبُ، ولم يضمَنْ قيمةَ الثوبِ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمدٌ رحمه الله: يُؤْخَذُ منه الثوبُ، ويُعطَى ما زاد الصِّبْغُ فيه)؛ اعتباراً بالغصب، والجامعُ بينهما: كونُ الثوب أصلاً قائماً، وكونُ الصِّبْع تابعاً. ولهما: أن الصِّبْغَ قائمٌ صورةً ومعنىَ، حتى لو أراد أَخْذَه مصبوغاً: يضمنُ ما زاد الصِّبْغُ فيه، وحَقُّ المالكِ في الثوب قائمٌ صورةً، لا معنىَ، ألا ترى أنه غيرُ مضمونٍ على السارقِ بالهلاك، فرجَّحْنا جانبَ السارق. بخلاف الغصب؛ لأن حَقَّ كلِّ واحدٍ منهما قائمٌ صورةً ومعنىّ، فاستويا من هذا الوجه، فرجَّحْنا جانبَ المالكِ بما ذكرنا. قال: (وإن صَبَغَه أسودَ: أُخِذَ منه الثوبُ في المَذهَبَيْن جميعاً). يعني عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله. وعند أبي يوسف رحمه الله: هذا والأولُ(١): سواءٌ؛ لأن السَّوادَ زيادةٌ عنده، كالحُمْرة. (١) أي أن الحكم في الصبغ الأسود والاحمر سواء عنده. البناية ٩ / ٩٤. ١٤٧ ما يُحدِثُ السارقُ في السرقة وعند محمدٍ رحمه الله: زيادةٌ أيضاً، كالحُمْرة، ولكنه لا يَقْطَعُ حَقَّ المالك. وعند أبي حنيفة رحمه الله: السَّوَادُ نقصانٌ، فلا يوجبُ انقطاعَ حقٍّ المالك، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٨ باب قَطْع الطريق باب قَطْع الطريق وإذا خَرَجَ جماعةٌ ممتَنِعِيْنَ، أو واحدٌ يَقْدِرُ على الامتناع، فقَصَدوا قَطْعَ الطريق، فأُخِذوا قبلَ أن يأخذوا مالاً، ويقتُلُوا نَفْساً: حَبَسَهمُ الإمامُ حتى يُحدِثوا توبةً. وإن أَخَذُوا مالَ مسلمٍ، أو ذميٍّ، والمأخوذُ إذا قُسِمَ على جماعتهم أصاب كلَّ واحدٍ منهم عشرةُ دراهمَ، فصاعداً، أو ما تَبلُغُ قيمتُه ذلك : قَطَعَ الإمامُ أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ. وإن قَتَلوا ولم يأخذوا مالاً: قَتَلَهم الإمامُ حَدَّاً. باب قَطْع الطريق قال: (وإذا خَرَجَ جماعةٌ ممتَنَعِيْنَ، أو واحدٌ يَقْدِرُ على الامتناعِ، فَقَصَدُوا قَطْعَ الطريق، فأُخِذوا قبلَ أن يأخذوا مالاً، ويقتُلُوا نَفْساً: حَبَسَهمُ الإمامُ حتى يُحدِثُوا توبةً. وإن أَخَذوا مالَ مسلم، أو ذميٍّ، والمأخوذُ إذا قُسِمَ على جماعتهم أصاب كلّ واحدٍ منهم عشرةُ دراهمَ، فصاعداً، أو ما تَبلُغُ قيمتُه ذلك: قَطَعَ الإمامُ أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ. وإِن قَتَلوا ولم يأخذوا مالاً: قَتَلَهم الإمامُ حَدّاً). والأصلُ فيه: قولُه تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَّوُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ . الآية. المائدة/ ٣٣. ١٤٩ باب قَطْع الطريق حتى لو عفا الأولياءَ عنهم: لا يُلتَفَتُ إلى عَفْوِهم. والمرادُ منه، والله أعلم: التوزيعُ على الأحوال، وهي أربعةٌ، هذه الثلاثةُ المذكورةُ، والرابعةُ نذكرُها إن شاء الله تعالى. ولأن الجناياتٍ تتفاوَتُ على الأحوال، فاللائقُ تَغَلَّظُ الحُكْمِ بِتَغَلُّظِها. أما الحَبْسُ في الأُولىُ: فلأنه المرادُ بالنفي المذكور؛ لأنه نفيٌ عن وَجْهِ الأرض، بدَفْع شرِّهم عن أهلها. ويُعزَّرون أيضاً؛ لمباشَرَتِهِم مُنْكَرَ الإخافة. وشَرَطَ(١) القدرةَ على الامتناع: لأن المحاربةَ لا تتحقَّقُ إلا بالمَنَعَة. والحالةُ الثانيةُ: كما بيَّنَّاها؛ لِمَا تلوناه. وشَرَطَ أن يكونَ المأخوذُ مالَ مسلمٍ، أو ذميِّ: لتكون العصمةُ مؤبَّدةً، ولهذا لو قَطَعَ الطريقَ على المستأمِنِ: لا يجبُ القطعُ. وشَرَطَ كمالَ النصاب في حقِّ كلِّ واحدٍ: كي لا يُستباحَ طَرَفُه إلا بتناوُلِه مالاً له خَطَرٌ. والمرادُ: قَطْعُ اليدِ اليمنىُ، والرِّجْلِ اليسرىُ؛ كي لا يؤدِيَ إلى تفويت جنسِ المنفعة. والحالةُ الثالثة: كما بيَّنَّها؛ لِمَا تلوناه. ويُقتَلون حَدَّاً، (حتى لو عفا الأولياءَ عنهم: لا يُلْتَفَتُ إلى عَفْوِهم)؛ لأنه حَقُّ الشرع. (١) أي الإمام القدوري رحمه الله. ١٥٠ باب قَطْع الطريق وإذا قَتَلوا، وأَخَذُوا المالَ: فالإمامُ بالخيار: إن شاء قَطَعَ أيديَهم وأرجلَهم من خِلافٍ، وقَتَلَهم وصَلَبَهم، وإن شاء قَتَلَهم، وإن شاء صَلَبهم. وقال محمدٌ رحمه الله : يُقْتَلُ أو يُصلَب، ولا يُقْطَع قال: (و) الرابعةُ: (إذا قَتَلوا، وأَخَذوا المالَ: فالإمامُ بالخيار: إن شاء قَطَعَ أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ، وقَتَلَهم وصَلَبَهم، وإن شاء قَتَلَهم، وإن شاء صَلبهم. وقال محمدٌ رحمه الله: يُقْتَلُ أو يُصلَب، ولا يُقْطَع)؛ لأنه جنايةٌ واحدةٌ، فلا توجبُ حدّیْن. ولأن ما دون النفس: يدخلُ في النفس، في باب الحَدِّ، كحدِّ السرقة والرَّجْم. ولهما: أن هذه عقوبةٌ واحدةٌ تغلَّظَتْ لتغَلُّظ سبيِها، وهو تفويتُ الأمنِ على التناهي بالقتل، وأَخْذِ المال. ولهذا كان قَطْعُ اليدِ والرِّجْلِ معاً في الكبرى حدًّاً واحداً وإن كانا في الصغرىُ حدَّيْن، والتداخلُ في الحدود، لا في حَدِّ واحدٍ. ثم ذَكَرَ في ((الكتاب(١)) التخييرَ بين الصَّلْبِ وتَرْكِه، وهو ظاهرُ الرواية. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يَتَرُكُه؛ لأنه منصوصٌ عليه، والمقصودُ التشهيرُ؛ لِيَعتِبِرَ به غيرُه. (١) أي مختصر القدوري. ١٥١ باب قَطْع الطريق يُصَلَبُ حيَّاً، ويُبعَجُ بطنُه برُمْحٍ إلى أن يموت. ولا يُصلَبُ أكثرَ من ثلاثةِ أیامٍ . وإذا قُتِلَ القاطعُ: فلا ضمانَ عليه في مالِ أَخَذَه. ونحن نقول: أصلُ التشهير: بالقتل، والمبالغةُ: بالصلب، فيُخيَّر فيه. ثم قال: (يُصلَبُ حيّاً، ويُبعَجُ بطنُه برُمْحٍ إلى أن يموت). ومثلُه عن الكَرْخِيِّ رحمه الله. وعن الطحاويِّ رحمه الله: أنه يُقتَلُ، ثم يُصلَبُ؛ توقّياً عن المُثْلَة. وجهُ الأول، وهو الأصح: أن الصَّلْبَ على هذا الوجه: أبلغُ في الرَّدْعِ، وهو المقصودُ به. قال: (ولا يُصلَبُ أكثرَ من ثلاثةِ أيام)؛ لأنه يتغيَّرُ بعدَها، فيتأذَّى الناسُ به. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يُتْرَكُ على خَشَبَةٍ حتى يتقطَّعَ، ويسقطَ؛ ليعتبرَ به غیرُهُ. قلنا: حَصَلَ الاعتبارُ بما ذكرناه، والنهايةُ غيرُ مطلوبة. قال: (وإذا قُتِلَ القاطعُ: فلا ضمانَ عليه في مالِ أَخَذَه (١))؛ اعتباراً بالسرقة الصغرى، وقد بيَّنَاه. (١) لأن الحدَّ لما أُقيم: سقطت عصمة المال، كما في السرقة. البناية ٩/ ١٠٣. ١٥٢ باب قَطْع الطريق فإن باشر القتلَ أحدُهم : أُجرِيَ الحَدُّ عليهم بأجمعهم. والقتلُ إن كان بعَصاً، أو بحَجَرٍ، أو بسيفٍ : فهو سواء. وإن لم يَقتُلِ القاطعُ، ولم يأخذْ مالاً، وقد جَرَحَ: اقتُصَّ منه فيما فيه القصاصُ، وأُخِذَ الأرشُ منه فيما فيه الأرشُ، وذلك إلى الأولياء. وإن أَخَذَ مالاً، ثم جَرَحَ: قُطِعَت يدُهُ ورِجلُهُ من خلافٍ، وبَطَلَتِ الجراحات . قال: (فإن باشر القتلَ أحدُهم: أُجرِيَ الحَدُّ عليهم بأجمعهم)؛ لأنه جزاء المحاربة، وهي تتحقّقُ بأن يكون البعضُ رِدْءاً للبعض، حتى إذا زَلَّتْ أقدامُهم(١): انحازوا إليهم(٢)، وإنما الشرطُ القتلُ من واحدٍ منهم، وقد تحقَّقَ. قال: (والقتلُ إن كان بعَصاً، أو بحَجَرِ، أو بسيفٍ: فهو سواءً)؛ لأنه يقعُ قَطْعاً للطريق بقطع المارَّة. قال: (وإن لم يَقتُلِ القاطعُ، ولم يأخذْ مالاً، وقد جَرَحَ: اقْتُصَّ منه فيما فيه القصاصُ، وأُخِذَ الأرشُ منه فيما فيه الأرشُ، وذلك إلى الأولياء)؛ لأنه لا حَدَّ في هذه الجناية، فظَهَرَ حَقُّ العبد، وهو ما ذكرناه، فيستوفيه الولي. قال: (وإن أَخَذَ مالاً، ثم جَرَحَ: قُطِعَت يدُهُ ورِجلُه من خلافٍ، وبَطَلَتِ الجراحات). (١) أي انهزم المحاربون المباشرون. (٢) أي إذا انهزم المباشرون: انضمَّ واجتمع إليهم الرِّدءَ؛ لمعاونتهم. ء ١٥٣ باب قَطْع الطريق وإن أُخِذَ بعد ما تاب، وقد قَتَلَ عمداً: فإن شاء الأولياءُ قَتَلوه، وإن شاؤوا عَفَوْا عنه. وإن كان من القُطَّاع صبيٌّ، أو مجنونٌ، أو ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ من المقطوعِ عليه : سَقَطَ الحَدُّ عن الباقين. لأنه لَمَّا وَجَبَ الحَدُّ حَقّاً لله تعالى: سَقَطَتْ عِصمةُ النفسِ حقّاً للعبد، كما تسقطُ عصمةُ المال. قال: (وإن أُخِذَ بعد ما تاب، وقد قَتَلَ عمداً: فإن شاء الأولياءُ قَتَلوه، وإن شاؤوا عَفَوْا عنه)؛ لأن الحَدَّ في هذه الجناية لا يُقَامُ بعد التوبة؛ للاستثناء المذكور في النص(١). أو لأن التوبةَ تتوقّفُ على رَدِّ المال، ولا قَطْعَ في مثلِه(٢)، فظَهَرَ حَقُّ العبد في النفس والمال، حتى يستوفِيَ الوليَّ القصاصَ، أو يعفوَ. ويجبُ الضمان إذا هَلَكَ في يده(٣)، أو استهلكه. قال: (وإن كان من القُطَّاعِ صبيٌّ، أو مجنونٌ، أو ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ من المقطوع عليه: سَقَطَ الحَدُّ عن الباقين). فالمذكورُ في الصبيِّ والمجنونِ: قولُ أبي حنيفة وزفرَ رحمهما الله. و وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لو باشَرَ العقلاء: يُحَدُّ الباقون. (١) وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾. المائدة/ ٣٤. (٢) لانقطاع الخصومة، وهي شرطٌ فيه. (٣) أي قاطع الطريق. ١٥٤ باب قَطْع الطريق وصار القتلُ إلىُ الأولياء، فإن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا عَفَوْا عنه. وعلى هذا: السرقةُ الصغرى. له: أن المباشِرَ أصلٌ، والرِدْءَ تابعٌ، ولا خَلَلَ في مباشرةِ العاقل، ولا اعتبارَ بالخلل في التََّع. وفي عكسِهِ: ينعكسُ المعنىُ والحكمُ. ولهما: أنه جنايةٌ واحدةٌ قامتْ بالكل، فإذا لم يقع فِعْلُ بعضِهم موجباً: كان فِعْلُ الباقين بعضَ العلة، وبه لا يثبتُ الحكمُ، فصار كالخاطئء مع العامد. وأما ذو الرَّحِمِ المَحْرَم: فقد قيل: تأويلُه إذا كان المالُ مشتركاً بين المقطوع عليهم. والأصحُّ أنه مطلَقٌ؛ لأن الجنايةَ واحدةٌ، على ما ذكرناه، فالامتناعُ في حَقِّ البعض: يوجِبُ الامتناعَ في حَقِّ الباقين. بخلاف ما إذا كان فيهم مستأمِنٌ؛ لأن الامتناعَ في حَقَه لخَلَلِ في العصمة، وهو یخصِّه. أما ها هنا: الامتناعُ لخَلَلٍ في الحِرْزِ، والقافلةُ حِرْزٌ واحدٌ. قال: (و) إذا سَقَطَ الحَدُّ: (صار القتلُ إلى الأولياء)؛ لظهور حَقِّ العبد، على ما ذكرناه. قال: (فإن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا عَفَوْا عنه. ١٥٥ باب قَطْع الطريق وإذا قَطَعَ بعضُ القافلةِ الطريقَ على البعض : لم يجبِ الحَدُّ. ومَن قَطَعَ الطريقَ ليلاً أو نهاراً في المِصر، أو بينَ الكوفة والحِيْرة : فليس بقاطعٍ للطريق؛ استحساناً. وفي القياسِ : يكونُ قاطِعَ الطريقِ . وإذا قَطَعَ بعضُ القافلةِ الطريقَ على البعض: لم يجب الحَدُّ)؛ لأن الحِرْزَ واحدٌ، فصارتِ القافلةُ كدار واحدة. قال: (ومَن قَطَعَ الطريقَ ليلاً أو نهاراً في المِصر، أو بينَ الكوفة والحِيْرة: فليس بقاطعٍ للطريق؛ استحساناً. وفي القياسِ: يكونُ قاطِعَ الطريقِ)، وهو قولُ الشافعي(١) رحمه الله؛ لوجوده حقيقةً. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يجبُ الحَدُّ إذا كان خارجَ المصر وإن كان بقُرْبِه؛ لأنه لا يَلحَقُهُ الغَوْثُ. وعنه: إن قاتلوا نهاراً بالسلاح، أو ليلاً به، أو بالخشب: فهم قُطَّاعُ الطريقِ؛ لأنَّ السلاحَ لا يُلْبِثُ(٢)، والغَوْثُ يُبطئُ بالليالي. ونحن نقولُ: إنَّ قَطْعَ الطريقِ: بقَطْع المارَّةِ، ولا يتحقَّقُ ذلك في المصر، وبقُرْب منه؛ لأن الظاهرَ لُحُوقُ الغَوْثِ؛ إلا أنهم يُؤْخَذون برَدِّ المال؛ (١) الحاوي الكبير ٣٦٠/١٣. (٢) أي ليس فيه مُهلةٌ للدفع بغير قتل، فيتحقق القطع قبل الغوث. البناية ١٥/ ٣٩٠، فتح القدير ١٨٥/٥. ١٥٦ باب قَطْع الطريق ومَن خَنَقَ رجلاً حتىْ قَتَلَه : فالديةُ على عاقلتِهِ عند أبي حنيفة رحمه الله. وإن خَنَقَ في المصر غيرَ مرَّةٍ : قُتِلَ به. إيصالاً للحَقِّ إلى المستَحِقِّ، ويؤذَّبون، ويُحَبَسون؛ لارتكابهم الجنايةَ. وإن قَتَلوا: فالأمرُ فيه إلى الأولياء؛ لِمَا بيَّنَا. قال: (ومَن خَنَقَ رجلاً حتى قَتَلَه: فالديةُ على عاقلتِهِ عند أبي حنيفة رحمه الله)، وهي مسألةُ القتل بالمُثْقَّل، وسنُبيِّنُ ذلك في باب الديات إن شاء الله تعالى. قال: (وإن خَتَقَ في المصر غيرَ مرَّةٍ: قُتِلَ به)؛ لأنه صار ساعياً فى الأرض بالفساد، فيُدفَعُ شَرُّه بالقتل، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٥٧ کتاب السِّير کتاب السیر الجهادُ : فَرْضٌ على الكفاية، إذا قام به فريقٌ من الناس : سَقَطَ عن الباقين . کتاب السِّير السِّير: جَمْعُ: سِيْرة، وهي الطريقةُ في الأمور. وفي الشرع: تختصُّ بسِيَر النبيِّ عليه الصلاة والسلام في مَغَازِيْه. قال: (الجهادُ: فَرْضٌ على الكفاية، إذا قام به فريقٌ من الناس: سَقَطَ عن الباقين). أما الفَرْضية: فلقوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾. التوبة/٥. ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((الجهادُ ماضٍ إلى يوم القيامة)) (١). أراد به فَرْضاً باقياً. وهو فَرْضٌ على الكفاية؛ لأنه ما فُرضَ لعَيْنِه، إذْ هو إفسادٌ في نفسِه(٢)، وإنما فُرِضَ لإعزاز دِيْنِ الله، ودَفْعِ الشَّرِّ عن العِبَاد. فإذا حَصَلَ المقصودُ بالبعض: سَقَطَ عن الباقين، كصلاة الجنازة، وردِّ السلام. (١) سنن أبي داود (٢٥٣٢)، وسكت عنه، الدراية ١١٤/٢. (٢) إِذ فيه تعذيبٌ للعباد، وتخريبٌ للبلاد. البناية ١١٦/٩. ١٥٨ کتاب السِّير وإن لم يَقُمْ به أحدٌ : أَثِمَ جميعُ الناس بتَرْكِهِ. وقال في ((الجامع الصغير)): الجهادُ واجبٌ، إلا أن المسلمين في سَعَةٍ حتى يُحتاجَ إِلیهم. قال: (وإن لم يَقُمْ به أحدٌ: أَثِمَ جميعُ الناس بتَرْكِه)؛ لأن الوجوبَ على الكلِّ. ولأنَّ في اشتغال الكلِّ به: قَطْعَ مادةِ الجهاد (١)، من الكُرَاع والسلاح، فيجبُ على الكفاية. إلا أن يكونَ النفيرُ عاماً: فحينئذٍ يصيرُ من فروض الأعيان؛ لقوله تعالى: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. الآية. التوبة / ٤١. قال: (وقال في ((الجامع الصغير(٢): الجهادُ واجبٌ، إلا أن المسلمين في سَعَةٍ حتى يُحتاجَ إليهم). فأولُ هذا الكلام: إشارةً إلى الوجوب على الكفاية، وآخِرُهُ: إلى النفير العام. وهذا لأن المقصودَ عند ذلك لا يتحصَّلُ إلا بإقامة الكلِّ، فيُفترَضُ على الكلِّ. (١) أي قَطْعُ ما يُحتاجُ في الجهاد، فإذا انقطعت مادة الجهاد: ينقطعُ الجهاد، فينبغي أن يقومَ بعضُ الناسِ بالجهاد، وبعضٌ بتحصيل أسبابِه، من التجارة ونحوها، التي يحصل بها آلات الجهاد، من نحو الخيل والسلاح. البناية ١١٦/٩. (٢) ص ٢٦٤، وهي آخر جملةٍ من الجامع الصغير. ١٥٩ کتاب السِّیر وقتالُ الكفار واجبٌ وإن لم يبدؤوا. ولا يجبُ الجهادُ على صبيٍّ، ولا عبدٍ، ولا امرأةٍ، ولا أعمىَ، ولا مُفْعَدٍ، ولا أقطعَ. فإن هَجَمَ العدوُّ على بلدٍ : وَجَبَ على جميعِ الناس الدفعُ، تَخرُجُ المرأةُ بغير إذن زوجها، والعبدُ بغير إذن المولى. قال: (وقتالُ الكفارِ واجبٌ وإن لم يبدؤوا(١))؛ للعمومات(٢). قال: (ولا يجبُ الجهادُ على صبيٍّ)؛ لأن الصِّبَا مَظِنَّةُ المَرْحَمَةِ. (ولا عبدٍ، ولا امرأةٍ)؛ لتقدُّمِ حَقِّ المولىُ، والزوجِ. (ولا أعمىَ، ولا مُقْعَدٍ، ولا أقطعَ)؛ لعجزهم. قال: (فإن هَجَمَ العدوُّ على بلدٍ: وَجَبَ على جميعِ الناسِ الدفعُ، تَخرُجُ المرأةُ بغير إذن زوجها، والعبدُ بغير إذن المولىُ)؛ لأنه صار فرضَ عينٍ. ومِلْكُ اليمين، ورِقُّ النكاح لا يَظهرُ في حَقِّ فروضِ الأعيان، كما في الصلاة والصوم. بخلاف ما قبلَ النفير؛ لأن بغيرهما مَقْنَعاً (٣)، فلا ضرورةَ إلى إبطال حقِّ المولىُ والزوج. (١) وفي نُسخ: يبدؤونا. (٢) أي لإطلاق العمومات الواردة في الآيات والأخبار، كقوله تعالى: ﴿فَأَقْتُلُواْ اَلْمُشْرِكِينَ﴾. التوبة / ٥. (٣) أي كفايةً. ١٦٠ کتاب السِّير ويكره الجُعْلُ على القتال ما دام للمسلمين فَيْءٌ. فإذا لم يكن : فلا بأسَ بأن يُقوِّيَ بعضُهم بعضاً. قال: (ويكره الجُعْلُ على القتال(١) ما دام للمسلمين فَيْءٌ)؛ لأنه يُشبه الأجرَ، ولا ضرورةَ إليه؛ لأن مالَ بيتِ المال مُعَدٌّ لنوائب المسلمين. قال: (فإذا لم يكن(٢): فلا بأسَ بأن يُقوِّيَ بعضُهم بعضاً)؛ لأن فيه دفعَ الضرر الأعلى بإلحاق الأدنى. يؤيِّدُه أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أَخَذَ دروعاً من صفوان(٣) رضي الله عنه. وعمرُ رضي الله عنه كان يُغْزِي(٤) العَزَب(٥)، عن ذي الحَلِيلة(٦)، ويُعْطي الشاخصَ فَرَسَ القاعدِ(٧)، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) وهو ما يَضرِبُه الإمامُ للغزاة على الناس مما يحصل به التقوِّي للخروج إلى الحرب. البناية ١١٩/٩. (٢) أي في بيت المال شيءٌ. (٣) ابن أمية رضي الله عنه، وقد أسلم وحسن إسلامه. سنن أبي داود (٣٥٦٢)، سنن النسائي (٥٧٧٩)، وصححه ابن حبان (٥٠٩٤). (٤) من الإغزاء، يقال: أغزى الأمير الجيشَ: إذا بَعَثَه إلى العدوِّ. (٥) أي الذي لا زوجة له، وفي نُسخ: الأعزب، وصحح العيني في البناية ١٢٠/٩ بدون ألف، أي: عَزَب. (٦) أي لا يُغزي صاحب الحليلة، أي الزوجة، فيقدِّمِ العَزَبَ. (٧) فيعطي الماشيَ الذاهبَ إلى العدوِّ فرسَ القاعد. طبقات ابن سعد ٣٠٦/٣.